الفصل الثاني

البصرة الحديثة

ذكرنا قبل هذا في محله أن الخليفة المعتمد على الله كان قد سير أخاه طلحة الملقب بالموفق بالله بجيش كبير إلى البصرة في سنة ٢٦١ﻫ لقتال علي بن محمد القيسي صاحب الزنوج الذي أشغل الدولة العباسية بالحروب أعوامًا.

فلما وصل الموفق البصرة ورأى صاحب الزنوج قد ابتنى بالقرب من البصرة مدينة كبيرة وحصنها بالأسوار والأبراج والعَدد والعُدد، واتخذها مقرًّا للحركات الحربية ابتنى الموفق مدينة صغيرة على نهر الأبلة أو على شط العرب تبعد عن البصرة القديمة بنحو ٢٨ ألف قدم — فوت — إلى الشمال الشرقي — أو تبعد عن القديمة بنحو ساعتين — لحسن موقعها الجغرافي، وجعلها مركزًا عامًّا لجيشه، ومقرًّا للحركات الحربية، فعُرِفَتْ بالموفقية نسبة إليه، فلما انتصر انتصارًا نهائيًّا على صاحب الزنوج وقتله في سنة ٢٧١ﻫ بقيت هذه المدينة عامرة.

ثم سُمِّيَت على توالي الأعوام باسم البصيرة — تصغير البصرة — وصارت منتزهًا ومصيفًا للولاة والوجهاء، فابتنوا فيها القصور والمنازل حتى توسعت وزادت عمارتها على توالي الأيام، وأخذ البصريون يهاجرون إليها رويدًا رويدًا، فما تم خراب البصرة القديمة إلا وصارت هذه مدينة كبيرة، وسُمِّيَت البصرة، واندرس اسم الموفقية واسم البصيرة، وقامت مقام القديمة في سنة ٧٠١ﻫ في عهد السلطان غازان أحد ملوك الدولة الإيلخانية التي أسسها هولاكو المغولي في العراق بعد دولة بني العباس في سنة ٦٥٦ﻫ، أعني أنها قامت مقام القديمة في أوائل القرن الثامن للهجرة الموافق لأوائل القرن الرابع عشر للميلاد.

(١) البصرة الحديثة في عهد الإيلخانيين

كانت البصرة الحديثة في عهد الملك غازان — أو قازان — الإيلخاني المغولي تابعة لبغداد، ترسل إليها الحكام من قبل الحاكم العام المقيم ببغداد، وظلت على تلك الحال حتى مات هذا السلطان في سنة ٧٠٣ﻫ وتولى الملك ابنه السلطان خدابنده محمد، ثم تولى بعده ابنه السلطان أبو سعيد بهادرخان في سنة ٧١٥ﻫ، وفي أيامه في سنة ٧٢٥ﻫ كان على البصرة أميرًا ركن الدين الفارسي التوريزي. فلما مات أبو سعيد هذا في سنة ٧٣٦ﻫ وتولى السلطنة أرباغاوون أو أرباخان ثار حاكم العراق ببغداد علي بادشاه فنادى بسلطنة موسى خان أحد أفراد الأسرة المالكة، فقامت الفتن والحروب بين التتريين، فتغلب على بعض البلاد الفراتية المماليك ملوك مصر والشام، وتغلبت قبائل العرب على البصرة والكوفة وعلى أكثر البلاد الواقعة على حافة البادية وحافة سواد العراق، وانتهت فتنة التتريين بقتل أرباغاوون، وصار الملك إلى موسى خان، فقُتِلَ بعد بضعة أشهر، فعادت الحروب بين أفراد العائلة المالكة، وبقيت البلاد العراقية فوضى، فحمل الشيخ حسن الكبير الجلائري التتري بجيش جرار، وكان أميرًا على التتر الرحل المبثوثين في آسيا الصغرى، فالتقى بحاكم العراق موسى خان، وبعد حروب انتصر عليه وقتله، ثم سار إلى العراق فاستولى عليه في سنة ٧٣٨ﻫ وأسس الدولة الجلائرية في العراق.

(٢) البصرة في أيام الدولة الجلائرية وأيام تيمور لنك

بعد أن استقر أمر الشيخ حسن الكبير مؤسس الدولة الجلائرية التترية في العراق في سنة ٧٣٨ﻫ وجه الولاة إلى البلاد ومنها البصرة، فبقيت هذه المدينة يحكمها رجاله إلى أن تُوفِّيَ في سنة ٧٥٧ﻫ وتولى العراق ابنه السلطان ويس، ثم مات في سنة ٧٧٦ﻫ فاستقل بالعراق ابنه السلطان حسين، فقتله أخوه السلطان أحمد في سنة ٧٨٤ﻫ وجلس مكانه، فقامت المعارك والحروب بين رجال الأسرة المالكة حتى ضعفت الدولة في الوقت الذي كان فيه الفاتح المشهور تيمور لنك ملك التتر قد قوي أمره وعظمت سطوته، واستولى على بلاد كثيرة؛ كفارس وخراسان وسجستان وأفغانستان وأذربيجان وغيرها، حتى وجه نظره إلى العراق، فحمل عليه في سنة ٧٩٥ﻫ فانهزم السلطان أحمد؛ لعدم قدرته على صده، فاستولى تيمور لنك على بغداد أولًا، ثم على بقية المدن العراقية، فوجه الولاة إلى الأمصار، وترك في كل مدينة حامية، وسار هو لفتح الهند.

وكان السلطان أحمد قد فر إلى مصر ملتجأً بسلطانها الملك الظاهر برقوق، فجهز له جيشًا كبيرًا، وسيره معه إلى بغداد، فلما اقترب منها انضمت إليه أكثر القبائل العراقية، فحاصر بغداد، فاضطر الحاكم الأمير مسعود السبزاوي إلى الهزيمة منها، فدخلها السلطان أحمد في سنة ٧٩٧ﻫ، فعادت له أكثر المدن العراقية.

أما تيمور لنك فإنه بلغه ما قام به السلطان أحمد الجلائري من استرجاع العراق فكرَّ راجعًا في سنة ٨٠٣ﻫ، وبعد حروب استولى على بغداد عنوة — مرة ثانية في السنة نفسها.

ومات تيمور لنك في سنة ٨٠٨ﻫ أثناء عودته من بلاد الصين، فتولى الملك بعده حفيده خليل بن ميران شاه بن تيمور لنك، فاغتنم الفرصة السلطان أحمد الجلائري فعاد إلى العراق، واستنفر القبائل العراقية، فانضم إليه خلق كثير، وبعد معارك استرد بغداد في السنة نفسها، ثم استرد بقية المدن العراقية، فاستقام أمره في العراق.

ولم يَكَدْ السلطان أحمد يستريح من تيمور لنك ومن قام بعده حتى حدثت بينه وبين قره يوسف التركماني صاحب ديار بكر وأذربيجان حروب في سنة ٨١٣ﻫ انتهت بقتل السلطان أحمد غدرًا في السنة نفسها في جوار تبريز، ثم انقرضت دولة الجلائريين في سنة ٨١٤ﻫ وقامت على أنقاضها في العراق دولة الخروف الأسود التركمانية،١ وكانت البصرة في أيام الجلائريين كغيرها من بلاد الرافدين يحكمها الولاة المستبدون، ولم يَصِلْنَا عنها خبر يستحق الذكر.

وأول من ملك العراق من ملوك دولة الخروف الأسود قره يوسف، ثم ولَّى على العراق ابنه الشاه محمود في سنة ٨١٥ﻫ، فقُتِلَ في سنة ٨١٧ﻫ، فتولى العراق أخوه الشاه محمد بن قره يوسف فقُتِلَ أيضًا في سنة ٨٤١ﻫ، وصارت السلطنة إلى مير زاجهان شاه بن قره يوسف، وتم أمره في العراق وديار بكر وأذربيجان وفارس وكرمان، فولى في سنة ٨٦٧ﻫ على العراق ابنه بيربداق، غير أن الحروب بقيت بين رجال هذا البيت حتى ضعف أمرهم، وأصبحت البلاد التي تحت حكمهم — ومنها البصرة — فوضى تقريبًا، ولم تَكَدْ تلك الفتن تنتهي حتى طمع في هذه الدولة حسن الطويل التركماني مؤسس دولة الخروف الأبيض — آق قويونلي — في ديار بكر، فقامت بينه وبين جهان شاه حروب دامت سنتين، فانتهت باستيلاء حسن الطويل — أوزون حسن — بن علي بيك على قسم من بلاد هذه الدولة في سنة ٨٧٢ﻫ، ثم عادت الحروب بين الدولتين، فانجلت عن انقراض هذه الدولة في سنة ٨٧٤ﻫ، فقامت مكانها في العراق دولة الخروف الأبيض، ولم يملك العراق من رجال دولة الخروف الأسود غير أربعة ملوك، ولم يكن ملكهم في هذا القطر أكثر من ستين سنة.

ولم يكن رجال دولة الخروف الأبيض أهلًا للملك؛ بل كانوا كرجال الدولة التركمانية المنقرضة، ومن أجل ذلك قامت بين أفراد الأسرة المالكة حروب عنيفة بعد موت حسن الطويل في سنة ٨٨٣ﻫ فقتل أكثرهم، واستمرت الفتن والحروب حتى تولى آخرهم السلطان مراد بن يعقوب شاه في الوقت الذي كانت فيه الدولة الصفوية الفارسية قد قوي أمرها، وفتحت بلادًا كثيرة، فحمل الشاه إسماعيل الصفوي على العراق في سنة ٩١٤ﻫ وأخذه من السلطان مراد بعد حروب، ولم تكن مدة حكم دولة الخروف الأبيض في العراق أكثر من أربعين سنة، ولم يصلنا عن البصرة في عهد هاتين الدولتين التركمانيتين شيء يستحق الذكر، ولا شك أنها كانت في اضطراب كغيرها من المدن العراقية؛ بسبب توالي الفتن والحروب منذ قامت دولة الخروف الأسود إلى أن انقرضت دولة الخروف الأبيض هذه.

(٣) البصرة في عهد الدولة الصفوية الفارسية

كان الشاه إسماعيل الصفوي بن حيدر مؤسس الدولة الصفوية في إيران قد فتح بلادًا كثيرة، وأسس مملكة واسعة الأطراف، وكان طامحًا في العراق، فلما قوي أمره، ورأى أصحاب العراق قد أنهكتهم الحروب الداخلية حمل عليه في سنة ٩١٤ﻫ كما تقدم، وبعد حروب استولى على بغداد أولًا، ثم على غيرها، فدانت له أكثر بلاد الرافدين، ولكنه لما انشغل في حروب خراسان حمل السلطان مراد بن يعقوب شاه على بغداد في سنة ٩١٦ﻫ فاستردها، فأعاد الكرة الشاه إسماعيل، فطرد السلطان مراد من العراق طردًا نهائيًّا، وقرض دولة الخروف الأبيض التركمانية في سنة ٩٢٠ﻫ، وولَّى على العراق حاكمًا عامًّا أحد رجاله المدعو إبراهيم خان، وجعل مقره بغداد، فولى هذا الأمير على البلاد التابعة له رجالًا من خاصته ومنها البصرة.

وتُوفِّيَ الشاه إسماعيل في سنة ٩٣٠ﻫ فتولى الملك ابنه الشاه طهماسب الأول، وكان قاسي الحكم، فولى على البلاد العراقية رجالًا قساة مثله، فظلموا الناس؛ حتى اضطر أكثر أهل البلاد إلى الهجرة من أوطانهم، وعصت أكثر القبائل العراقية، واستقلت بنفسها.

وتغلب في السنة نفسها — ٩٣٠ — على بغداد الأمير ذو الفقار بن نخود سلطان٢ رئيس قبيلة موصلو من عشيرة كلهور الكردية، وكان قبل ذلك مستوليًا على أطراف لورستان، فلما دانت له بغداد وبعض مدن الرافدين احتمى بالسلطان سليمان القانوني العثماني، وأرسل إليه وفدًا من بغداد لعرض الطاعة والدخول تحت سيادته، وخطب له على المنابر، وضرب السكة باسمه. أما الشاه طهماسب فإنه لما بلغته أعمال ذي الفقار تريث، حتى إذا ما كانت سنة ٩٣٦ﻫ حمل على بغداد بجيشه فحاصرها، ولكنه لما عجز عن أخذها بالقوة لحصانة أسوارها يوم ذاك ركن إلى الخداع — والحرب خدعة — فأغرى علي بيك وأحمد بيك أخوي ذي الفقار، وأطمعهما بالمناصب الرفيعة والمال فانخدعا؛ فاغتالا أخاهما وقتلاه غدرًا، وسلموا المدينة إلى الشاه في سنة ٩٣٦ﻫ، وعلى أثر سقوط بغداد سلمت أكثر المدن، فولى الشاه على العراق حاكمًا عامًّا بكلو محمد خان، وجعل مقره بغداد، فولى هذا الأمير على البصرة والجزائر قانصو بيك الفارسي، وبقيت هذه المدينة وسائر المدن العراقية خاضعة للفرس حتى حمل السلطان سليمان القانوني على العراق، ودخل بغداد فاتحًا في سنة ٩٤١ﻫ.

(٤) البصرة في العهد العثماني الأول

يقول بعض المؤرخين: إن الذي حمل السلطان سليمان القانوني على إشهار الحرب على الصفويين قسوةُ الفرس واضطهادهم السنة أبناء مذهبه، في الوقت الذي كانت الدولة العثمانية قد بلغت فيه مبلغًا عظيمًا من القوة.

فصمم السلطان على الانتقام منهم، فأعلن الحرب عليهم، فافتتحت جيوشه تبريز، ثم بغداد في سنة ٩٤١ﻫ ثم الموصل، ودانت له بلاد الرافدين، ولعله اتخذ اضطهاد أبناء مذهبه ذريعة للاستيلاء على هذا القطر شأن أكثر الملوك حينما يخدمهم السعد، وتقبل عليهم الدنيا.

أما البصرة: فإنها كانت يوم مجيء السلطان سليمان إلى بغداد بعد دخول جيشه فيها بأيام تحت حكم أمير فارسي اسمه راشد خان، وكان قد بلغه سقوط بغداد وغيرها، فخاف على نفسه ومنصبه فسار إلى بغداد؛ للمثول بين يدي هذا الفاتح الكبير، فلما قدمها عرض الطاعة والخضوع، فأقره السلطان على البصرة على شرط أن تكون الخطبة والنقود باسم السلطان، وأن يكون ممتثلًا لأوامر ولاة بغداد الأتراك في المسائل الهامة، فعاد راشد خان إلى منصبه، ولكنه استبد بالأمور بعد أشهر كأن لم تكن له رابطة بالدولة العثمانية، فاضطرت إلى إرسال جيش بقيادة الوزير إياس باشا لطرد راشد خان من البصرة،٣ فلما اقترب جيش الأتراك فر راشد خان، فدخل الأتراك البصرة بدون حرب في سنة ٩٥٣ﻫ، فنظم إياس باشا شئون البصرة، وضم إليها واسطًا وجزائر شط العرب.

وظلت البصرة في قبضة الأتراك التابعين لولاة بغداد إلى سنة ١٠٠٥ﻫ فاستقل بها أمراؤها، واستبدوا فيها، وحكموا أهلها بما تشتهيه نفوسهم. دخلت سنة ٩٧٠ﻫ فوُجِّهَت إمارة البصرة إلى درويش علي باشا التركي، وكان هذا سيئ التدبير غير كفؤ للحكم؛ فزل نفوذه، وقلت الأموال عنده؛ حتى عجز عن أرزاق الجند المحافظين للمدينة.

(٤-١) استقلال الأمراء بالبصرة

كان رجل في البصرة يُدْعَى أفراسياب الديري،٤ وكان كاتبًا لأميرها علي باشا، فلما ضعف أمر الأمير، وقلت عنده الأموال، وعجز عن تدبير شئون الإمارة وإعاشة الجند حتى استخف به الأهلون؛ تساوم مع كاتبه أفراسياب على إمارة البصرة، فباعها له بثمانية أكياس من الذهب — والكيس ثلاثة آلاف محمدية — على شرط أن يكون أفراسياب خاضعًا لسلاطين آل عثمان، وأن يخطب لهم على المنابر، ويضرب السكة بأسمائهم، وعلى هذه الشروط استلم أفراسياب إمارة البصرة، واستلم علي باشا المال، وسار إلى الأستانة، وذلك في سنة ١٠٠٥ﻫ في عهد السلطان مراد الثالث، وهذا الحال — أعني بيع إمارة كإمارة البصرة التي هي باب العراق سواء علم بذلك السلطان أو بالعكس — مما يدل على شيوع الفوضى في المملكة العثمانية يومذاك.
ولم تَمْضِ على أمر أفراسياب أشهر حتى قوي أمره، وخافه الأمراء، وكان أهلًا للإمارة؛ فأحبه الناس لسيرته الحسنة، ثم استولى على أكثر الجزائر، ومنع ما كان يأخذه من البصرة حاكم الحويزة السيد مبارك خان من الجوائز السنوية التي كانت أشبه بالجزية — أو الخاوة — وكذلك منعه من أخذ شيء من جهة شط العرب الشرقية،٥ وظل السعد يخدم أفراسياب حتى بقي مستقلًّا بالبصرة وما يتبعها سبع سنوات، فتوفي بالبصرة في سنة ١٠١٢ﻫ، وتولى الإمارة ابنه علي باشا بوصية منه، وكان حازمًا كأبيه، فافتتح بقية الجزائر٦ وكوت معمر وكوت الزكية، وفتح صدره للعلماء والشعراء وأمن السُّبُل، وفي أيامه ولد بالبصرة في سنة ١٠٢٥ﻫ شهاب الدين بن معتوق الموسوي البصري الشاعر المُتَوَفَّى سنة ١١١١ﻫ.

وفي أيامه في سنة ١٠٣٦ﻫ زحف القائد الفارسي صفي قلي خان بجيش كبير من الفرس على البصرة بأمر من الشاه عباس الأول بعد أن افتتح الشاه بغداد في سنة ١٠٣٢ﻫ، فحاصر هذا القائد البصرة حصارًا شديدًا دافع في خلاله علي باشا دفاع الأبطال، وبينما هم في ذلك إذ فاجأهم خبر موت الشاه، فتركوا الحصار، وعادوا إلى بغداد؛ إذ كان صفي قلي خان يومذاك قائدًا لجيش بغداد الفارسي.

وبقي علي باشا منفردًا بالحكم حتى مات في سنة ١٠٥٧ﻫ، فتولى الإمارة ابنه حسين باشا، فورده منشور السلطان بتوجيه الإمارة إليه على جري العادة في ذلك العهد؛ فاستبد بالأمور، وأساء السيرة والتدبير، وظلم الأهلين حتى كرهوه ونقموا عليه، ثم حدثت بينه وبين عميه أحمد أغا وفتحي بك ولدي أفراسياب وحشة، فسارا إلى عاصمة آل عثمان، فشكيا إلى السلطان أعمال حسين باشا واستبداده وظلمه، فأصدر السلطان محمد الرابع أمره بطرده من البصرة، وبتجهيز الجيوش بقيادة والي بغداد مرتضى باشا، فجُهِّزَت الجيوش من بغداد وغيرها من المدن العثمانية، وسار مرتضى باشا قاصدًا البصرة في سنة ١٠٦٣ﻫ.

وبلغ ذلك حسين باشا، فاستعد للحرب، وحصن القلاع خصوصًا قلعة القورنة،٧ فالتقى الجيشان، وبعد قتال حاصر مرتضى باشا البصرة، ودام الحصار ثلاثة أشهر، وانتهى الأمر بهزيمة حسين باشا، ودخول مرتضى باشا البصرة ظافرًا في سنة ١٠٦٤ﻫ، وفر حسين باشا بأهله وأمواله وحاشيته إلى بلاد إيران.

ولما دخل مرتضى باشا البصرة صادر أموال جماعة من الوجهاء، وقتل بعض الأعيان الموالين لحسين باشا، ثم قتل أحمد أغا وفتحي بك، واستعمل الشدة والظلم حتى نقم الناس وكرهوه، وبينما كان الحال باضطراب؛ إذ حدثت فتنة بين جنود مرتضى باشا الذين في القورنة، فثار أهل الجزائر على الباشا، وتبعهم أعراب قشعم والمنتفكيون وخزاعل وبنو كعب وبنو لام، فقتلوا عماله، وأصبحت البصرة محاطة بالثائرين، فاضطر مرتضى باشا إلى الخروج من البصرة منهزمًا بعساكره إلى بغداد.

وعلى أثر انسحاب مرتضى باشا من البصرة أرسل البصريون إلى أميرهم الفار حسين باشا يطلبون قدومه إليهم، فأقبل في السنة نفسها — ١٠٦٤ — فدخل المدينة باحترام، وعاد إلى منصبه، فدان للسلطان، وكتب إليه يطلب عفوه، ويرجو توجيه الإمارة إليه، وقدم إليه هدايا ثمينة، فصدر منشور السلطان بتوجيه إمارة البصرة إلى حسين باشا، ولقبه بلقب الوزير أيضًا على عادة السلاطين في ذلك العهد مع كل أمير قوي، وظل حسين باشا مستقلًّا بالبصرة، ولكنه أعاد حكمه القاسي، واستبد بالأمور، وظلم الناس وتجبر، ثم طمع بالأحساء فسير لأخذها جيشًا في سنة ١٠٧٣ﻫ فافتتحها جيشه عنوة، وفتك بأهلها فتكًا ذريعًا، ونهب وقتل، وفرَّ حاكمها محمد باشا إلى عاصمة آل عثمان مستغيثًا بالسلطان، فغضب السلطان على حسين باشا، وأمر بطرده من البصرة، ووجه قيادة الجيش إلى والي بغداد إبراهيم باشا، فاجتمع الجنود العثمانية من البلاد في بغداد، فسار الوالي بجيش كبير قاصدًا البصرة في سنة ١٠٧٥ﻫ.

واتصل خبر هذه الحملة بحسين باشا، فاستعد للحرب، فالتقى الجيشان عند قلعة القورنة، فدارت رحى الحرب بين الفريقين، ثم حاصر إبراهيم باشا القورنة حصارًا شديدًا، وفي أثناء ذلك أرسل إلى البصريين كتبًا يدعوهم للخضوع إلى السلطان، ويحذرهم عاقبة العصيان، ويعدهم ويمنيهم، فثاروا على محمد بن فداغ نائب حسين باشا فقتلوه، وقتلوا أعوانه، وطردوا من البصرة عيال حسين باشا، فبلغ ذلك حسين باشا وهو يومئذ مُحاصَر في القورنة، فأرسل ثلاثة آلاف فارس من قبائل المتفك وأهل الجزائر؛ للتنكيل بالبصريين، فهجموا عليهم ليلًا، فقاتلهم البصريون داخل المدينة، ولكنهم انكسروا وفروا، فقتل الأعراب أحد الوجهاء الشيخ ذي الكفل وجماعة من الوجهاء وغيرهم، ونهبوا وخربوا، وأحرقوا دورًا كثيرة، وفتكوا بالأهلين.

واستمرت الحرب بين إبراهيم باشا وبين حسين باشا ثلاثة أشهر، فعجز الأول، فاضطر إلى المصالحة، وبعد مراسلات تم الصلح على شروط، منها أن يدفع حسين باشا نفقات هذه الحرب ستمائة كيس من النقود، وأن يسلم في كل سنة مائتي كيس من النقود إلى خزينة الدولة، وأن يعيد متصرف الأحساء محمد باشا إلى منصبه، وتعهد إبراهيم باشا بصدور عفو السلطان وتوجيه إمارة البصرة إلى حسين باشا، وأخذ معه يحيى أغا بن علي أغا صهر حسين باشا ليأخذ منشور السلطان بالإمارة، ورجع إبراهيم باشا إلى بغداد، وعاد حسين باشا إلى البصرة، وانتهت هذه الفتنة في سنة ١٠٧٦ﻫ.

ولما رجع إبراهيم باشا إلى بغداد ومعه يحيى أغا انهزم أربعة من الكواوزة الذين ضاق بهم الحال مع حسين باشا لسوء سيرته، وهم: أحمد بن محمود، وإبراهيم بن علي، واثنان آخران،٨ وانضموا إلى إبراهيم باشا، ثم توجهوا مع يحيى أغا إلى الأستانة، فأطمعوه بولاية البصرة، فاتفق معهم وغدر بصاحبه وحميه حتى إذا ما وصلوا الأستانة شكى جميعهم إلى السلطان ظلم حسين باشا واستبداده، واتفق في تلك الأثناء وصول كتاب من وجهاء البصرة إلى السلطان مع جماعة منهم يشكون فيه أعمال حسين باشا وحكمه القاسي وأخذ الأموال بالباطل؛ إذ اغتصب أموال التجار والأعيان، وفتك بكثيرين منهم بعد مصالحته مع إبراهيم باشا والي بغداد، فاجتمع الوجوه سرًّا، وكتبوا كتابًا إلى السلطان شكوا فيه ما يقاسونه من الظلم والعسف والاستبداد، وأرسلوه مع جماعة منهم إلى العاصمة ليقدموه إلى السلطان.

فلما كثرت الشكوى على حسين باشا عند السلطان أصدر أمره بطرده من البصرة طردًا نهائيًّا، وبتوجيه إمارتها إلى يحيى أغا، ووجه إليه رتبة الوزارة، فدُعِي يحيى باشا، وأُودِعَت قيادة الحملة إلى الوزير إبراهيم باشا والي بغداد، ويُرْوَى أن قيادة هذه الحملة كانت قد أُودِعَت إلى الوزير قره مصطفى باشا بأمر من السلطان محمد الرابع في سنة ١٠٧٨ﻫ، فاجتمع الجيش العثماني ببغداد، وانضمت إليه جيوش الرقة والموصل وشهرزور وغيرها حتى بلغ عدد الجيش على ما قِيلَ خمسين ألف مقاتل.

واتصل خبر هذه الحملة الكبيرة بحسين باشا، فاستعد للحرب، وصادر أموال التجار والمثرين، وأرسل أمواله وعياله إلى بلاد إيران، وظل يجمع الجموع حتى بلغ عدد جيشه خمسة عشر ألف مقاتل، فتوجه به نحو القورنة، فأصدر أمره بإخلاء البصرة، فأخلوها في ثلاثة أيام، وخرج أهلها من ديارهم في أسوأ حال، ثم أمره أهل القرى التابعة للبصرة بالجلاء عن ديارهم فتركوها بعد أن نهب رجاله أكثر أموالهم وقتلوا وعذبوا من خالف الأمر، وكان الموظفون على تخلية تلك الديار أعوان هذا الأمير القاسي الحكم منهم أحد مماليكه علي بن أحمد بن شاطر وحسن بن طهماز وغيرهما.

والتقى جيش السلطان بجيش حسين باشا بالقرب من القرنة، وبعد معارك دامت أيامًا انكسرت جيوش حسين باشا، فاضطر إلى أن يتحصن في قلاع القورنة، فانهزمت عساكره ثانية، واستولى الجيش التركي على قلاع القورنة، فأعمل السيف في أهلها، وقد قتل في هذه المعركة الأخيرة نحو الأربعة آلاف من الأعراب، فانهزم حسين باشا بحاشيته إلى بلاد إيران قاصدًا شيراز، فدخل الجيش العثماني ظافرًا، وذلك في سنة ١٠٧٨ﻫ،٩ وانتهى أمر استقلال الأمراء بالبصرة.

(٤-٢) ولاة البصرة الأتراك

دخل الجيش العثماني البصرة، فتولى ولايتها يحيى باشا، ورتب جيشًا لحماية المدينة، ونظم شئونها، ولكنه بعد أن عادت الجيوش إلى أماكنها، وقوي أمره، تغيرت سيرته، فرفض قبول الدفتري — الدفتردار — التركي، وامتنع عن أداء نفقات الجيش، ثم طرد الدفتري وأمراء الجيش، وطلب أن ينفرد بالحكم على أن يؤدي في كل عام مائتي كيس من النقود إلى خزينة الدولة، واستمر على عتوه منفردًا بالحكم حتى حدثت بينه وبين الانكشارية الذين في القورنة فتنة بسبب تأخير مرتباتهم، فأرسل لقتالهم فرسانًا من القبائل العربية التي تحت حكمه، فقتلوهم، ونجا منهم من فر، فبلغ ذلك السلطان، فأصدر أمره بعزله وبتوجيه ولاية البصرة إلى قره مصطفى باشا المعروف بقبوجي باشي، وذلك في سنة ١٠٨٠ﻫ.

فسار الأمير الجديد بجيش من الأتراك، فاستلم البصرة، وبقي على إمارتها إلى سنة ١٠٨٣ﻫ، فأبدل بمحافظ بغداد حسن باشا، ثم عُزِلَ، وتولى مكانه السلاحدار حسين باشا في سنة ١٠٨٥ﻫ، فظل على ولاية البصرة إلى أن نُقِلَ في سنة ١٠٨٨ﻫ إلى ولاية ديار بكر، فأعيد على البصرة حسن باشا، ثم طلبه السلطان في سنة ١٠٩٢ﻫ، وأرجع على ولاية البصرة السلاحدار حسين باشا، ثم عُزِلَ في سنة ١٠٩٤ﻫ ووجهت ولاية البصرة إلى الوزير عبد الرحمن باشا.

وكان هذا الوزير من خيرة الولاة عالمًا فاضلًا حسن السيرة والتدبير محبًّا للعلم والعلماء؛ فجدد بناء المساجد، وأحيا بعض المدارس، وأسس المدرسة المعروفة بالرحمانية — نسبة إليه — وخفف عن الأهلين بعض الضرائب، ومن أجل ذلك أحبه البصريون حبًّا جمًّا، ولكنه عُزِلَ في سنة ١٠٩٨ﻫ، وتولى بدله حسين باشا الكمركجي فأساء السيرة وظلم الأهلين، فعزله السلطان في سنة ١٠٩٩ﻫ، وأعاد الوزير عبد الرحمن ففرح البصريون بعودته، فلم يَدُمْ فرحهم إلا قليلًا؛ لأن السلطان عزله في سنة ١١٠٠ﻫ وولى على البصرة دفتريها السابق حسين باشا، ومنح له لقب الوزير أيضًا، فثار في أيامه — سنة ١١٠٢ﻫ — الشيخ مانع أمير المنتفك، وخرج على الدولة، فحدثت بينه وبين حسين باشا هذا عدة معارك انجلت عن انكسار حسين باشا شر كسرة؛ لعدم نصرة والي بغداد له، وكانت النتيجة أن قوي أمر مانع، فاستولى بعد انتصاره بقليل على جصان وبدره ومندلي، وعلى أثر ذلك عزل السلطان حسين باشا عن البصرة، وأرسل بدله الوزير أحمد باشا ابن عثمان باشا.

(٤-٣) هجمات المنتفكيين على البصرة

تولى أحمد باشا البصرة، فحدث في أيامه طاعون شديد الوطأة، فمات به خلق كثير من البصريين، فاغتنم الأعراب فرصة انشغال البصريين وأميرهم بهذا المرض الفتاك، فاتفق أهل الجزائر والمنتفكيون على غزو البصرة ونهبها، فحمل عليها منهم ثلاثة آلاف فارس بقيادة أمير المنتفك الشيخ مانع، فبلغ ذلك أحمد باشا، فلم يتمكن من جمع جيش كافٍ لصدهم، فخرج لقتالهم بخمسمائة فارس، فالتقى بهم في الدير، فتقاتلوا ثلاثة أيام، فانجلت المعركة عن تمزيق جيش البصرة، ووقوع أحمد باشا قتيلًا في المعركة.

واتصل خبر هذه الحادثة بالبصريين، فاتفقوا على تولية الكتخدا حسين أغا؛ ليقوم بصد الأعراب، فولوه عليهم، فجمع منهم جمعًا كبيرًا للدفاع، وبينما هو في ذلك إذ هجم الثائرون على المدينة، فوقف لصدهم، ودافع دفاع المستميت حتى تمكن من طردهم، ولكنه قُتِلَ بعد ذلك في سنة ١١٠٣ﻫ، فاتفق البصريون على نصب حسين الجمال واليًا عليهم، فقام بالأمر حتى وُجِّهَت الولاية إلى خليل باشا أخي والي بغداد أحمد باشا في سنة ١١٠٤ﻫ، فجمع خليل باشا جيشًا من بغداد، وجاءت إليه الجيوش نجدة من الموصل وشهرزور بأمر من السلطان لقتال أمير المنتفك مانع، فقاد الحملة بنفسه حتى التقى بمانع في الجزائر، وبعد حروب دامت خمسة أيام انكسرت جيوش خليل باشا، فاضطر إلى التقهقر، فاستولى الأمير مانع على معسكره، ونهب أمواله وذخائره، وتحصن خليل باشا في البصرة.

وقوي أمر مانع حتى اضطر السلطان إلى استمالته، وكتب إليه كتابًا يدعوه فيه إلى الطاعة والخضوع، وينصحه ويحذره عاقبة الشقاق والخلاف، وأصدر أمره بزيادة مخصصاته؛ فخضع مانع لأمر السلطان، وعاد إلى مقره، وهدأت الأحوال.

استيلاء المنتفكيين على البصرة

لما صفا الجو لخليل باشا والي البصرة أطلق العنان لأعوانه، فاستبدوا بالأمور، وظلموا الأهلين واضطهدوهم على مرأى ومسمع منه حتى ضاق الحال بالبصريين، فاتفقوا على طرده، فثاروا عليه، وطردوه هو وأعوانه، وسلموا المدينة إلى أمير المنتفك الشيخ مانع، وذلك في سنة ١١٠٦ﻫ، والظاهر أن الشيخ مانع هو الذي سبب هذه الثورة؛ ليتسنى له الحكم بالبصرة.

وبقي الشيخ مانع أميرًا على البصرة إلى سنة ١١٠٩ﻫ منفردًا بالحكم، والدولة العثمانية لا تبدي حراكًا لضعفها، وكانت النتيجة أن خدع حاكم الحويزة فرج الله خان مانعًا، واستعمل عليه الحيل والدسائس والخداع حتى أخرجه من البصرة، فاستولى عليها.

(٥) دخول البصرة في قبضة الفرس وإخراجهم منها

استولى فرج الله خان حاكم الحويزة على البصرة كما ذكرنا، فلما استتب أمره فيها استخلف عليها أحد رجاله المدعو داود خان، فدخلت البصرة تحت سيادة الفرس.

وبلغ خبر استيلاء فرج الله خان على البصرة إلى السلطان، فلم يشأ أن يتركها له وهو من ولاة الفرس المستقلين في تلك الجهات، فوجه ولاية البصرة إلى والي حلب علي باشا، وأمره بجمع العساكر من البلاد لقتاله وإخراجه من البصرة، فاجتمعت الجيوش من حلب وديار بكر والموصل وسيواس وبغداد حتى بلغ عدد الجيش نحو الخمسين ألفًا على ما نقل، فسار علي باشا بالجيوش حتى وصل القورنة في سنة ١١١١ﻫ، فسمع داود خان بقدوم هذا الجيش الكبير فانهزم من البصرة، فدخلها علي باشا بدون قتال، فدانت له المدينة وما يتبعها من القرى والقبائل، فساد الأمن والسكون، وعادت البصرة إلى الدولة العثمانية بعد أن ملكها حاكم الحويزة الفارسي نحوًا من سنتين.

(٦) استيلاء المنتفكيين على البصرة ثانية وطردهم منها

دخلت سنة ١١١٤ﻫ، فوُجِّهَت ولاية البصرة إلى محمد باشا القبودان، فدام حكمه فيها إلى سنة ١١١٨ﻫ، فعُزِلَ، وأُرْسِلَ بدله الوزير خليل باشا، فثار في أيامه — في سنة ١١٢٠ﻫ — أمير المنتفك الشيخ مغامس، وهجم على البصرة، فاستولى عليها عنوة، فاضطربت الأحوال، وفُقِدَ الأمن، وسادت الفوضى، فبلغ ذلك السلطان، فأصدر أمره إلى والي بغداد حسين باشا بتجميع الجيوش وإخراج الأعراب من البصرة، فصدع الوالي بالأمر، وجاءته النجدات بأمر من السلطان من حلب والموصل وديار بكر وشهرزور، حتى اجتمع عنده جيش كبير، فسار به قاصدًا البصرة.

واتصل خبر هذه الحملة بمغامس فجمع الجموع من المنتفكيين والنجديين، واستعد للحرب، وبنى قلعة كبيرة على نهر عنتر في القورنة حشد فيها جموعه، فوصله الجيش العثماني فأحاط به من كل الجهات، فدارت بين الطرفين حرب هائلة انتهت بهزيمة أمير المنتفك في سنة ١١٢١ﻫ، فاحتل حسين باشا القورنة، ثم توجه إلى البصرة فدخلها ظافرًا، فوُجِّهَت ولايتها إلى كتخدا بغداد مصطفى أغا، وبعد أن نظم حسين باشا شئون البصرة، وجعل عليها حامية عاد إلى بغداد، وعادت الجيوش إلى أماكنها، وانتهت تلك الفتنة.

وبقيت ولاية البصرة تنتقل من وزير إلى آخر كلهم من الأتراك العثمانيين من سنة ١١٢٤ﻫ إلى سنة ١١٥٦ﻫ، ولم يحدث فيها في هذه المدة غير تبديل الولاة وبعض الحوادث الطفيفة بين القبائل العربية تارة وبينهم وبين الولاة أخرى مما لا أهمية له.

(٧) إغارة نادر شاه على البصرة

عندما خُلع الشاه عباس الثالث الصفوي وتوصل القائد الفارسي نادر خان إلى الجلوس إلى عرش إيران وقرض الدولة الصفوية، وأعلن ملوكيته في سنة ١١٤٨ﻫ وسُمي نادر شاه، ولقب نفسه بطهماسب الثالث؛ طمع بالعراق، فأشهر الحرب على الدولة العثمانية، فأغار على البصرة والقورنة في سنة ١١٥٦ﻫ، ثم توغل في البلاد الفراتية، ووصل الحلة، ثم حاصر بغداد في عهد الوزير أحمد باشا، فلم يتمكن من أخذها، وظلت الحرب بينه وبين الأتراك إلى سنة ١١٥٩ﻫ، فتم الصلح بينه وبينهم، ولم نقف على تفاصيل هذه الغارة على البصرة، والظاهر أنه لم يدخل المدينة.

وظل العثمانيون بعد هذه الحادثة يولون على البصرة متسلمًا بعد متسلم إلى سنة ١١٨٨ﻫ، ولم يحدث فيها في هذه الأعوام الطوال شيء يستحق الذكر سوى ثلاثة حوادث؛ الأولى: ثورة أمير قشعم محمد بن مانع في سنة ١١٣٧ﻫ، فأخضعه والي البصرة عبد الرحمن باشا، ثم عفا عنه وأمنه بعد أن أخذ منه أموالًا كثيرة، والثانية: هجرة الشيخ سليمان رئيس قبيلة بني كعب، والتجاؤه بكريم خان الزندي في سنة ١١٧٨ﻫ، فأسكنه مع قبيلته بأرض الدورق، وصار تابعًا للفرس بعدما كان تابعًا للدولة العثمانية؛ بسبب ما قاساه من ظلم والي بغداد عمر باشا، والثالثة: صدور أمر والي بغداد عمر باشا إلى متسلم البصرة سلام أغاسي محمد أغا بقتل جماعة من الوجوه، وبمصادرة أموال بعض القبائل؛ مما سبب الاختلال بالبصرة.

(٨) استيلاء كريم خان الزندي على البصرة

كانت أحوال البصرة مضطربة جدًّا في عهد والي بغداد عمر باشا، في الوقت الذي كان فيه أمر كريم خان الزندي المتغلب على مملكة إيران قد قوي، فاغتنم فرصة ذلك الاضطراب، فأعلن الحرب على العثمانيين، وأرسل أخاه صادق خان بجيش كبير في أواخر سنة ١١٨٨ﻫ، فحاصر البصرة ومعه الشيخ سليمان رئيس بني كعب بقبائله، وعلى البصرة يومئذ متسلمًا سليمان بك أحد المماليك الأتراك المعروف بأبي سعيد الذي تولى إمارتها في سنة ١١٨٢ﻫ، فدام الحصار ثلاثة عشر شهرًا في عهد السلطان عبد الحميد الأول حتى اضطر المتسلم سليمان بك بعد الدفاع الطويل إلى التسليم في سنة ١١٩٠ﻫ، «وسبب ذلك تقاعد والي بغداد عمر باشا عن نصرته، مع أن السلطان كان قد أرسل نجدة ومالًا لصد الفرس، وأرسل جماعة من القواد الكبار إلى بغداد؛ ليجهزوا الجيوش، فطمعوا بالمناصب والأموال، وتقاعدوا عن أمر البصرة، ثم حدثت بينهم فتن عديدة مما لا محل لذكرها في هذا المختصر، على أن المنتفكيين كانوا قد جاءوا نجدة للبصريين، وقاتلوا معهم، ولكنهم لما طال أمد الحصار رجعوا إلى مواطنهم.»

ولما دخل صادق خان البصرة بعد أن أمن المتسلم والوجوه أسر المتسلم وجماعة من الأشراف والأعيان والتجار، وساقهم مخفورين إلى شيراز عاصمة أخيه كريم خان، واضطهد الأهلين حتى إذا ما كانت سنة ١١٩٢ﻫ حدثته نفسه بالاستيلاء على بلاد المنتفك، فجهز جيشًا كبيرًا فسيره بقيادة أخيه محمد علي خان، وعلى المنتفك يومئذ الأميران ثامر بن سعدون وثويني بن عبد الله. فبلغ ذلك المنتفكيين فاستعدوا للقتال، واجتمعوا بالفصيلة — ويُرْوَى الفضيلة — قرب الفرات، فالتقى الجيشان، فاستمرت الحرب يومًا وليلة، وكانت حرب عنيفة، فانجلت عن انهزام الفرس أشنع هزيمة بعد أن قُتِلَ منهم عدد كبير، فلحق المنتفكيون المنهزمين وطاردوهم، فغرق عدد كثير من الفرس في الفرات، وغنم المنتفكيون أموالهم وخيولهم، وعادوا منصورين إلى مواطنهم.

أما صادق خان فإنه حنق على المنتفكيين حنقًا شديدًا عند وصول شراذم جيشه المنهزمين، وصمم على الانتقام منهم، فجهز في سنة ١١٩٣ﻫ جيشًا جديدًا لغزوهم، وسيره بقيادة محمد علي خان أيضًا، وأرسل معه أخاه الآخر مهدي خان والشيخ سليمان رئيس بني كعب بقبائله العربية القحطانية. فبلغ خبر تلك الحملة المنتفكيين، فاستعدوا للحرب، فالتقى الجمعان بأبي حلانة، فأراد المنتفكيون الصلح عندما شاهدوا كثرة العَدد والعُدد، غير أن نفوسهم أبت قبول الشروط التي شرطها القائد الفارسي، ففضلوا الموت على الذل، فجرت بين الفريقين حرب دموية هائلة استمات فيها العرب، فهجموا هجمات عنيفة لم يُسْمَعْ بمثلها؛ فانتهت الحرب بتمزيق الجيش الفارسي، ووقوع القائد محمد علي خان وأخيه مهدي خان قتيلين مع من قُتِلَ من الفرس، فانهزم من بقي منهم، فطاردهم العرب، ولحقوا فلولهم إلى البصرة، وهناك حاصروهم فيها بعد أن غنموا منهم أموالًا وسلاحًا وخيلًا، واتفق في أثناء ذلك موت كريم خان الزندي، ووصول نعيه إلى البصرة.

فلما دخل المنهزمون من الفرس البصرة، وحاصر العرب المدينة حتى ضيقوا على حاميتها؛ خاف صادق على نفسه من أن يمد والي بغداد المنتفكيين فيقع في الأسر، وقد أصبح بعد موت أخيه وحيدًا لا ناصر له خصوصًا وأن زكي خان كان قد تغلب على عرش إيران، فانهزم من البصرة ليلًا بأتباعه في السنة نفسها — ١١٩٣ — فدخلها المنتفكيون، وكتبوا بذلك إلى حكومة بغداد، وعلى ولايتها يومئذ الكتخدا إسماعيل بك وكيلًا، فأرسل إلى البصرة متسلمًا نعمان بك، وانتهت هذه الحادثة بعد أن دام حكم الفرس بالبصرة نحوًا من ثلاث سنوات.

تسلم نعمان بك متسلمية البصرة، وعلى أثر وصوله أطلق الفرس الأسراء ومن جملتهم سليمان بك المتسلم، فأرجعه السلطان إلى منصبه بعد أيام قليلة، ثم وجه إليه بعد أشهر ولاية العراق، فعُرف بالوزير سليمان باشا الكبير، وبعد وصوله بغداد بأيام أرسل سليمان أفندي متسلمًا للبصرة في سنة ١١٩٤ﻫ.

وفي أيام سليمان أفندي المتسلم في سنة ١١٩٩ﻫ ثار أمير خزاعة حمد بن حمود على الحكومة، فشن الغارات على أطراف البصرة، فاستنجد المتسلم بسليمان باشا، فجهز له جيشًا كبيرًا، فالتقى الجيش بالثائر في الأهواز، فانتصر عليه، وفرق جموعه، وفر حمود إلى الحسكة، وعلى أثر ذلك عُزِلَ سليمان أفندي في سنة ١٢٠٠ﻫ، وأُرْسِلَ بدله من بغداد إبراهيم بك متسلمًا على البصرة.

(٩) استيلاء المنتفكيين على البصرة

كان قد خرج على حكومة بغداد رجل يُدْعَى عجم محمد، فجمع الجموع من أهل البلاد والقبائل، فقاتله الوزير سليمان باشَا حتى مزق جموعه، فتلاه سليمان بك الشاوي، فثار أيضًا على الوزير طمعًا في منصبه، وحاول — على ما يُنْقَل — تأسيس دولة عربية في العراق، ولكنه فشل وتمزقت جموعه، فالتجأ بأمير المنتفك ثويني بن عبد الله، كما التجأ عجم محمد بأمير خزاعة حمد بن حمود، فأغرى كل منهما صاحبه على الثورة، فاتفق الجميع على قتال سليمان باشا وخلعه من ولاية العراق، فاجتمعوا وأعلنوا الخروج، فحملوا على البصرة وزعيمهم أمير المنتفك ثويني، ولكن كل من الأربعة يريد الولاية لنفسه. فهجموا على البصرة في أواسط سنة ١٢٠٠ﻫ، وبعد حرب طفيفة استولوا عليها، وقبضوا على متسلمها إبراهيم بك فحبسوه، وصادروا أمواله، ثم نفوه إلى مسقط، وصادروا أموال أكثر التجار، وجبوا الرسوم والضرائب، وضيقوا على الناس حتى اضطر أكثرهم إلى الهجرة إلى بغداد وغيرها.

واتصل خبر هذه الحادثة بالوزير سليمان باشا، فجهز جيشًا كبيرًا من العرب والأكراد والانكشارية وغيرهم، وسار به نحو البصرة على طريق المنتفك، وهناك التقى بالثائرين في محل يُسَمَّى أم العباس، فأوقع بهم ومزقهم، فانهزم أميرهم ثويني، فولى الوزير على المنتفك أميرًا حمود بن ثامر بن سعدون، ثم سار إلى البصرة فانهزم منها من كان فيها من الثائرين، فدخلها بسلام في أواخر سنة ١٢٠١ﻫ، وبعد أن نظم شئونها ولى عليها متسلمًا مصطفى أغا الكردي، وجعل لحمايتها فرقة من عساكر الأكراد، وعاد هو ومن معه إلى بغداد.

(١٠) القلاقل في البصرة وغارة أمير نجد عليها

بقي مصطفى أغا الكردي على البصرة إلى سنة ١٢٠٣ﻫ، فامتنع عن إرسال الخراج إلى بغداد، وعصى على الحكومة، وبعد حوادث طويلة قتل رئيس بوارج الدولة مصطفى أغا الحجازي، وسعى في إيقاد ثورة في البلاد، ولكنه لم ينجح في مسعاه، فزحف عليه الوزير سليمان باشا بجيشه حتى دنا من البصرة فانهزم مصطفى أغا إلى الكويت، فدخل الوزير البصرة، فولى عليها متسلمًا عيسى بك المارديني، وذلك في سنة ١٢٠٤ﻫ.

وظل عيسى بك في منصبه إلى سنة ١٢٠٨ﻫ فعزله الوزير، وأرسل بدله عبد الله أغا، فمكث في منصبه إلى سنة ١٢١٣ﻫ، فحدث بينه وبين الوزير سليمان باشا خلاف، فعصى عليه، فجهز الوزير لقتاله جيشًا، فانهزم عبد الله أغا، ولكنه بعد أيام قليلة سار إلى بغداد، وخضع للوزير، وطلب عفوه، فعفا عنه، وأرجعه إلى منصبه في سنة ١٢١٤ﻫ، فدام حكمه في البصرة إلى سنة ١٢١٦ﻫ فعزله الوزير، وأرسل بدله صهره سليم بك.

ولما مات الوزير سليمان باشا الكبير ببغداد في سنة ١٢١٧ﻫ عُزِلَ صهره سليم بك عن البصرة،١٠ وأُرْسِلَ بدله إبراهيم أغا متسلمًا.

وفي أيام المتسلم إبراهيم أغا هذا في سنة ١٢٢٠ﻫ زحف أمير نجد سعود بن عبد العزيز بجموعه على البصرة، فهجم عليها، فدافع المتسلم دفاعًا شديدًا حتى ضاق الحال بأهل المدينة، فاستغاثوا بالمنتفكيين، فجاءهم حمود بن ثامر بجموعه نجدة، فاضطر أمير نجد إلى الانسحاب، ولكنه عند عودته أحرق بعض القرى، ونهب وخرب.

وعُزِلَ المتسلم إبراهيم أغا في سنة ١٢٢٣ﻫ وأُرْسِلَ بدله من بغداد سليم بك، فاستقر أمره في البصرة حتى إذا ما كانت سنة ١٢٢٥ﻫ حدث بينه وبين الوزير سليمان باشا الفتيل وحشة فأوعز الوزير إلى أمير المنتفك حمود بن ثامر بطرده من البصرة، فحمل عليه حمود، ففشل المتسلم، وتفرقت جموعه، فاضطر إلى الهزيمة، فدخل حمود البصرة، وكتب بذلك إلى الوزير، فأرسل أخاه أحمد بك متسلمًا للبصرة في السنة نفسها.

وعلى أثر قتل الوزير سليمان باشا الصغير — أو الفتيل — عُزِلَ أخوه أحمد بك عن البصرة، ووُجِّهَتْ متسلميتها إلى رضوان أغا في سنة ١٢٢٦ﻫ ثم عُزِلَ، وأُرْسِلَ بدله يعقوب أغا سنة ١٢٢٧ﻫ فَعُزِلَ أيضًا في سنة ١٢٢٨ﻫ، وتولى مكانه سعيد أغا فعُزِلَ بعد سنة، وأُرْسِلَ بدله في سنة ١٢٢٩ﻫ بكر أغا، فمكث هذا في منصبه إلى سنة ١٢٣٦ﻫ فعُزِلَ وحلَّ مكانه محمد كاظم أغا باني السوق المعروف اليوم بسوق كاظم أغا، وفي أيامه خرج على الحكومة محمد بن ثاقب بن وطبان الزبيري، فهجم بجموعه على قصبة الزبير أولًا فصده عنها أهلها بمساعدة آل الزهير، ثم قصد البصرة فجمع كاظم أغا الأهلين، وضم إليهم جيشه، فدافع حتى تمكن من طرد الثائر.

وعُزِلَ كاظم أغا في سنة ١٢٣٩ﻫ، فَعُيِّنَ متسلمًا على البصرة عبد الغني أغا فعُزِلَ بعد سنة.

(١١) غارة المنتفكيين وهجوم بني كعب على البصرة

تولى متسلمية البصرة في سنة ١٢٤٠ﻫ عزيز أغا، وكان أهلًا لهذا المنصب، فدام حكمه إلى سنة ١٢٤٧ﻫ، وفي أيامه في سنة ١٢٤٣ﻫ عَزَل الوزير داود باشا حمودًا عن إمارة المنتفك لأمور نقمها عليه، وولَّى بدله على المنتفك عقيل بن محمد بن ثامر، فثار غضب حمود، وأعلن الخروج على الدولة، وجمع الجموع، وسيرها بقيادة ابنيه ماجد وفيصل؛ لأخذ البصرة، وخشي الفشل فراسل سلطان مسقط السيد سعيد ورؤساء بني كعب يطلب منهم النجدة، فجاءته نجدة مسقط في السفن ونجدة بني كعب على الخيل، فنزل ماجد بالجيش البري قريبًا من نهر معقل،١١ ونزل فيصل بالجيش البحري — أو النهري — بأبي سلال، فلما تكاملت الجيوش حاصرا البصرة برًّا ونهرًا، فدافع البصريون دفاعًا شديدًا، وعاضدهم بنو عقيل النجديين، وقاتلوا معهم، فدامت المعارك بين الفريقين نحوًا من شهرين، فانجلت عن هزيمة الهاجمين في السنة نفسها.

وفي أيامه في سنة ١٢٤٦ﻫ على أثر عزل الوزير داود باشا وأسره وتولية إمارة العراق علي باشا اللاظ؛ هجمت عشيرة بني كعب على البصرة، فقاتلهم البصريون بزعامة آل الزهير ومعاضدة بني عقيل النجديين، فطردوهم خاسرين.

وعلى أثر هذه الحادثة عزل علي باشا عزير أغا، وأرسل بدله متسلمًا على البصرة عبد القادر باشا، فمات هذا بالبصرة في مرض الطاعون بعد بضعة أشهر من توليته، وعزير أغا هذا هو الذي جدد بناء مسجد بدر المتصل بسوق كاظم أغا، فعُرِفَ بجامع عزير أغا.

(١٢) البصرة بعد الوزير داود باشا

كانت البصرة في عهد الوزير داود باشا أمير العراق قد أخذت تدب فيها روح المدنية، ولكنها ما كانت تنجو من ظلم متسلميها المستبدين من المماليك الأتراك،١٢ حتى إذا ما انتهت حكومة المماليك من العراق في سنة ١٢٤٧ﻫ بعد أسر الوزير داود باشا، وشرع ولاة بغداد في بعض الاصطلاحات؛ نالت البصرة شيئًا قليلًا من ذلك الاصطلاح، وظلت تابعة تارة لولاة بغداد يولون عليها من شاءوا من أعوانهم، وأحيانًا يرشح الولاة من أرادوا فيصدر أمر السلطان بتعيينه، وآونة يرسل السلطان متسلمًا عليها من عاصمته، وبقي الحال على ذلك إلى سنة ١٢٨٨ﻫ بعد عزل الوزير مدحت باشا، فانفصلت البصرة عن ولاية بغداد، ورُبِطَتْ بالعاصمة «الآستانة»، وصار السلطان يرسل إليها المتصرفين تارة والولاة أخرى، ولكن أهلها ذاقوا مرارات أنواع المظالم من أولئك الرجال الذين تواردوا عليها ممن لا يهمهم غير جمع الأموال بحق أو بغير حق، ولا تأخذهم في قبول الرشوة لومة لائم.

ومن الحوادث التي جرت بعد عهد الوزير داود باشا: أخذ عدة مقاطعات من الشيوخ كأراضي ميهجران ونهر حوز وغيره من المنتفكيين وضمها إلى أموال الدولة في عهد والي بغداد رشيد باشا الكوزلكي في سنة ١٢٧٣ﻫ، وأخذ مقاطعات أخرى من بعض رؤساء القبائل وضمها إلى خزينة الدولة في أيام نامق باشا والي بغداد في سنة ١٢٨٢ﻫ؛ وسبب ذلك على ما نقل: أنهم كانوا قد تغلبوا على تلك الأراضي، وأخذوها من الحكومة يوم ضعفها بغير حق.

ومنها: هياج وجوه البصريين على المتسلم سليمان بك التركي١٣ الذي تولى البصرة في سنة ١٢٨١ﻫ، فظلم أهلها، وابتز أموالهم، حتى اضطروا إلى رفع الشكوى إلى والي بغداد تقي الدين باشا، فاكتفى الوالي بتقريعه، فلم يَنْتَهِ، فلما تولى ولاية بغداد نامق باشا رفعوا شكواهم إليه فعزله.

ومنها أن الحكومة بدأت بأخذ الضريبة على النخيل على حساب الجريب منذ سنة ١٢٨٢ﻫ، ثم ربطت أكثر مقاطعات البصرة برسم الجريب في سنة ١٢٨٦ﻫ، وفوضتْ في السنة نفسها أكثر الأراضي الأميرية ببدل المثل، وأسست دائرة البلدية في المدينة، ثم أردفها بتأليف محكمة التمييز، وسيرت سفنًا بخارية في دجلة بين بغداد والبصرة في سنة ١٢٨٥ﻫ في عهد الوزير الخطير مدحت باشا. ومنها: نصب ناصر باشا السعدون واليًا على البصرة في سنة ١٢٩٢ﻫ وجعلها ولاية بعد أن كانت متصرفية، وعزل ناصر باشا في سنة ١٢٩٤ﻫ، وإرجاع البصرة متصرفية في سنة ١٢٩٧ﻫ.

(١٣) البصرة في عهد السلطان عبد الحميد خان الثاني

كانت البصرة متصرفية إلى أيام السلطان عبد الحميد الثاني، وظلت على حالها حتى إذا ما كانت سنة ١٣٠١ﻫ جعلت ولاية عثمانية، فتوالى عليها الولاة الأتراك الذين كانوا يُرْسَلُون من الأستانة، وكان معظمهم من المستبدين في الأحكام لا يبالون بالظلم وقبول الرشوة وابتزاز أموال الناس من أي وجه كان، ولا يهمهم غير منافعهم الشخصية إلا من ندر منهم، ولم يحدثوا إصلاحًا يُذْكَر، ولا قاموا بعمل حيوي، ومن أشهر هؤلاء الولاة المشير نافذ باشا الذي تولى سنة ١٣٠٥ﻫ، وهداية باشا المتولي سنة ١٣٠٩ﻫ، وفخري باشا الذي تولى وكالة الولاية في سنة ١٣٢٢ﻫ، ومخلص باشا المتولي سنة ١٣٢٢ﻫ، غير أن هذين الأخيرين من خيرة الولاة الذين جاءوا في العهد الحميدي خصوصًا مخلص باشا؛ فإنه كان من المصلحين.

على أننا لا ننكر أن هذه المدينة زادت عمارتها ونفوسها في عهد السلطان عبد الحميد خان الثاني، وصارت حسنة الأسواق كثيرة العمائر مع ما كان يحدث في ذلك العهد من الاضطرابات بسبب هجمات اللصوص عليها؛ إذ كانت فيها يومئذ عصابات مؤلفة من الأعراب والعبيد المتشردين، فكانوا يهجمون على المدينة تارة ليلًا وأحيانًا نهارًا، فيدخلونها بصورة مريعة فيقتلون وينهبون، ثم يعودون إلى أماكنهم بعد أن يأخذوا ما شاءوا من النقود التي للتجار سواء كانت في الدور أم في المخازن أم في الأسواق، وعدا ذلك فقد كانت الطرق في أكثر الأحيان يقطعها اللصوص أو الأعراب الثائرين على الحكومة، فينقطع سير البواخر في دجلة، ويمكننا أن نقول: كانت الفوضى ضاربة أطنابها في البصرة وما حولها في العهد العثماني الأخير.

أما العلوم فلم يكن لها أثر في هذه المدينة، ولا كان فيها غير عدد قليل من المدارس الابتدائية الرسمية التي أُسِّسَتْ في العهد الحميدي، ومهما كانت حالة البصرة غير مرتاحة في عهد عبد الحميد فإنها كانت يومئذ قد زادت عمارتها وتوسعت، وأخذت تجارتها بالرقي، وزادت ثروة أهلها، وكثرت نفوسها بسبب كثرة القادمين إليها للاتجار من بلاد مختلفة.

(١٤) البصرة بعد إعلان الدستور

أخذت هذه المدينة تسير نحو الرقي والعمران منذ أعلنت الدولة العثمانية الحكم بالدستور في سنة ١٣٢٦ﻫ، وقلَّت هجمات عصابات اللصوص عليها، وجرى فيها بعض الإصلاح، ومن أشهر ولاتها في ذلك العهد: عارف بك المارديني الذي تولى في أول سنة ١٣٢٧ﻫ، وسليمان نظيف بك الكاتب التركي المشهور المتولي في آخر سنة ١٣٢٧ﻫ، ولولا الفتن التي كانت تثيرها يد المغرضين حينذاك لزهت البصرة في تلك الأيام. ويمكننا أن نقول: إنها ارتاحت كثيرًا في ذلك العهد وإن حدثت فيها بعض الاضطرابات التي لا نرى الوقت مساعدًا لذكرها في هذا المختصر، ويحق لنا أن نقول: إن البصرة لم تر عهدًا بعد العصر العباسي الأول مثل عهد الدستور؛ من حيث النهضة التجارية والحركة العمرانية والنظام والانتظام.

(١٥) سقوط البصرة بيد البريطانيين

قامت الحرب العامة في أواخر سنة ١٣٣٢ﻫ وعلى البصرة يومئذ وكيلًا للولاية القائد صبحي بك، وكانت الحكومة العثمانية قد سيرت أكثر الجنود العراقية إلى جهات قفقاسيا، وأرسلت جيشًا ضعيفًا نحو الخمسة آلاف جندي أكثرهم من العراقيين إلى البصرة، وسدت شط العرب عند الفاو، فهجم أسطول البريطانيين على الفاو في منتصف شهر ذي الحجة من السنة المذكورة، فاندحر الجيش العثماني بعد بضعة أيام، ثم انسحب من البصرة في آخر يوم من هذا الشهر، فدخل البريطانيون المدينة في اليوم الثاني من محرم سنة ١٣٣٣ﻫ، ثم سقطت القورنة في ٢٠ محرم سنة ١٣٣٣ﻫ بعد معارك عنيفة قام بها القائد العثماني صبحي بك حتى نفذت ذخائره الحربية، فاضطر إلى التسليم.

وحاول العثمانيون استرداد البصرة من البريطانيين، فجمعوا جيشًا كبيرًا، فحدثت بين الفريقين حروب دامت ثلاثة أيام في الشعيبة، فانتهت بفشلهم، وبانتحار القائد سليمان عسكري بك، وذلك في شهر جمادى الآخرة سنة ١٣٣٣ﻫ، وعلى أثر ذلك سقطت العمارة في أوائل شهر رجب، ثم سوق الشيوخ في أوائل رمضان، ثم الناصرية في اليوم التاسع من رمضان، وبقيت الحروب بين الدولتين حتى سقطت بغداد بيد البريطانيين في ١٥ جمادى الأولى سنة ١٣٣٥ﻫ الموافق ﻟ ١١ آذار سنة ١٩١٧م.

تنبيه

جاء في حاشية «البصرة في عهد الخلفاء الراشدين»: «وبقي شريح على القضاء … إلخ»، والأصح أن عمر نقله إلى قضاء الكوفة، فظل على قضائها إلى أيام الحجاج.

وجاء في «البصرة في عهد العباسيين»: «ولكنه عزله في سنة ١٣٩ وولى عليها سفيان»، والأصح أن سليمان بقي في البصرة حتى مات بها في سنة ١٤٢ﻫ.

ولما كانت أكثر الكتب اليوم لا تخلو من الأغلاط المطبعية، وقد وقع في هذا المختصر بعض الأغلاط التي لا تخفى على رجال العلم، فنلتمس من القراء الكرام أن يعذرونا عن ذلك.

كما أني أرجو أن يرشدوني إلى موضع الخطأ التأريخي خدمة للوطن، وأن يعذروني عن ذكر الحوادث التي لا تساعد الظروف على نشرها.

١  سميت دولة الخروف الأسود — قره قويونلي — لأن ملوكها كانوا يرسمون على أعلامهم خروفًا أسود، كما كانت دولة الخروف الأبيض ترسم على أعلامها خروفًا أبيض.
٢  ويُرْوَى أنه كان أميرًا على بغداد من قبل الشاه، وقد وجهت إليه إمارتها في سنة ٩٣٤ﻫ، فخلع طاعة الشاه طهماسب بعد أشهر، وأعلن استقلاله، وقيل: وجهت إليه إمارتها في سنة ٩٣٠ﻫ فاستقل فيها.
٣  ويُرْوَى أن السلطان سليمان لما استولى على العراق كان على البصرة حاكمًا مغامس بن مانع، وهو الذي خضع للسلطان، وأرسل ابنه راشد لعرض الطاعة، فحكم مغامس البصرة ست سنوات، ثم استبد بالأمور وعصى علي ولاة بغداد الأتراك، وكان سبب عصيانه أن جماعة ممن عصوا حكومة بغداد كانوا قد التجأوا بمغامس، فطلبهم والي بغداد منه فامتنع عن تسليمهم، فاشتد الخلاف حتى عصى مغامس، فكتب بذلك الوالي إلى السلطان، فأمر بطرده من البصرة، وسير جيشًا لأخذها منه بقيادة والي بغداد إياس باشا، وبعد حروب انهزم مغامس إلى نجد، فاستولى الجيش العثماني على البصرة، وذلك في سنة ٩٥٣ﻫ.
٤  الديري: نسبة إلى الدير الذي هو موضع في شمال البصرة، ويُرْوَى أن أفراسياب من نسل آل سلجوق الأتراك، وأن أهل الدير أخواله.
٥  يقول بعض المؤرخين: إن السيد مبارك هذا هجم بجموعه سنة ١٠٠٦ﻫ على قرى البصرة، فقتل ونهب، فوجهت الدولة العثمانية إيالة بغداد للوزير حسن باشا، وأودعت إليه قيادة جيوش العراق، وضمت إليه شهرزور على أن يقمع الفتن التي يثيرها السيد مبارك في جهات البصرة، والظاهر أن المؤرخ أخطأ في التاريخ، وأن الحادثة كانت قبل بيع إمارة البصرة إلى أفراسياب. والحويزة: قصبة بخورستان أعني الأهواز.
٦  الجزائر: هي الجزائر المتكونة من سواعد شط العرب، وكانت كثيرة؛ منها: قرية بني منصور وقرية بني حميد، ونهر عنتر ونهر صالح، وديار بني أسد وديار بني محمد، والفتحة، والقلاع، ونهر السبع ونهر صالح، والباطة، والمنصورية، والإسكندرية، ومواضع أخر، وكانت الجزائر تشتمل على قرى عديدة معمورة، وطوائف كثيرة، وهي كثيرة المياه وعرة المسالك.
٧  القورنة كانت قلعة صغيرة، فلما تولى البصرة علي باشا ابن أفراسياب زاد فيها وجعلها قلعة كبيرة، فسُميت العلية، ثم زاد في تشييدها وإتقانها حسين باشا ابن علي باشا، وجعلها ثلاث قلاع حصينة.
٨  الكواوزة أو بيت الكواز يُنْسَبُون إلى الكواز — الشيخ محمد المشهور بالكواز — وهم أولاده، ولهذا البيت منزلة رفيعة بالبصرة، والشايع أنهم من نسل العباسيين، وهم المعروفون اليوم بآل باش أعيان.
٩  وقيل: في سنة ١٠٧٩ﻫ، ثم سار حسين باشا من شيراز إلى الهند، وهناك تولى بعض المدن، ثم قُتِلَ في حرب حدثت بينه وبين أحد الولاة.
١٠  وسليمان باشا هذا هو الذي جدد سور البصرة وأسواقها، وعمر قصبة الزبير.
١١  نهر معقل أحد أنهار البصرة القديمة، ويُنْسَبُ إلى معقل بن يسار بن عبد الله الذي احتفره، ومعقل هذا من مشاهير البصرة، وقد تُوفِّيَ في أيام معاوية بن أبي سفيان.
١٢  وقد حكم البصرة جماعة كبيرة من المماليك الأتراك، أشهرهم: سليمان بك الذي تولى متسلميتها في سنة ١١٨٢ﻫ، وسليم بك الذي قتله عبد الله باشا والي بغداد في سنة ١٢٢٥ﻫ.
١٣  وسليمان بك هذا من المماليك الأتراك، ويقال: إنه جاء من الآستانة منفيًّا إلى بغداد، وهو والد محمود شوكت باشا الشهير.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١