الفصل الثالث

(١) الملوكُ السَّبْعَةُ

اعْتَزَمَ الأميرُ «كُوسا» أَنْ يَعُودَ إلى وطَنِهِ. وَإنَّهُ لَيَهُمُّ بِمُغادرَةِ القَصْرِ، إذْ سَمِعَ لَغَطًا (كلامًا غَيْرَ واضِحٍ)، وَرَأَى حَيْرَةً تَبْدُو على وَجْهِ كلِّ مَنْ رَآهُ. فَلَمَّا سَألَ عَنْ جَلِيَّةِ الخَبَرِ، عَلِمَ أَنَّ صِهْرَهُ مَلِكَ «مادا» مهْمومٌ مَحْزونٌ، لِأنَّ سَبْعَةً مِنْ جِيرانِهِ المُلوكِ يَعْتَزِمُونَ حَرْبَهُ — كلُّ واحدٍ مِنْهُمْ على رَأْسِ جَيْشٍ كَبيرٍ — وأَن سَبَبَ قُدُومِهِمْ إليْهِ أَنَّهُمْ سمِعوا بِجَمالِ الأَميرَةِ «بَبْهافَاتي»، فَجاءَ كلُّ واحِدٍ مِنهُمْ يَبْتَغِي أَنْ يَتزَوَّجَها. وقَدْ تَحَيَّرَ المَلِكُ في أمْرِهِ، إذْ رَأَى عَجْزَهُ عَنِ التَّوْفيقِ بَيْنَ المُتَسابِقِينَ عَلَيها.

فقالَ المَلِكُ في نفْسِهِ: «لَوْ بَقِيَتْ بِنْتِي معَ زَوْجِها الأَميرِ «كُوسا» لَما جَرَّتْ عَلَيْنا كلَّ هٰذِهِ المَصائِبِ.»

(٢) نَصِيحَةُ الحُكماءِ

على أَنَّهُ رَأَى أنَّ النَّدَمَ على ما فاتَ لَنْ يُجْدِيَهُ نَفْعًا، فاسْتَدْعَى حُكماءَهُ ومُسْتَشارِيهِ، وَقَصَّ عَلَيْهِمْ قِصَّتَهُ، فَأَفْتَوْهُ — مُجْمِعِينَ — أَنَّ الأَميرَةَ «بَبْهافَاتِي» قَدْ عَرَّضَتْ سَلامَةَ الدَّوْلَةِ لِلْخَطَرِ، حِينَ هَرَبَتْ مِنْ زَوْجِها، وَلا بُدَّ مِنْ مُعاقَبَتِها على ذٰلِكَ، بِأنْ يُقَطَّعَ جِسْمُها سَبْعَ قِطَعٍ مُتَساوِيَةً، ثُمَّ تُهْدَى — إلى كلِّ واحِدٍ مِنَ المُلوكِ السَّبْعَةِ — قِطْعَةٌ مِنها. وَبهٰذا وحْدَهُ تَسْلَمُ الدَّوْلَةُ مِنْ وَيْلاتِ الحَرْبِ، وتَنْجُو مِنْ مصائِبِها.

فَسَرَى ذٰلِكَ الْخَبَرُ في الْقَصْرِ، فارْتاعَ لَهُ جَمِيعُ مَنْ فِيهِ.

(٣) نَصِيحةُ «كُوسا»

وَفيما كانَ المَلِكُ جالِسًا وَحْدَهُ يُفَكِّرُ، إذْ رَأَى «كُوسا» يَظْهَرُ أمامَهُ فَجْأةً، وَعَلَيْهِ ثَوْبُ الطُّهاةِ، وَيقولُ لَهُ: «أتَأْذَنُ لِي — يا مَوْلايَ — أنْ أُخْضِعَ لَكَ هٰؤُلاءِ الْمُلوكَ الْباغِينَ (الظَّالمينَ الْمُعْتَدِينَ)، أوْ أَمُوتَ كَريمًا فِي سَبيلِ الدِّفاعِ عَنْكَ؟»

فَصاحَ فيهِ الْمَلِكُ مَدهُوشًا: «كَيْفَ تَقُولُ؟ أيَجْرُؤُ خادِمٌ مِثْلُكَ على مُحارَبَةِ سَبْعَةِ مُلوكٍ مُجْتَمِعينَ؟»

فَقَصَّ عَلَيْهِ قِصَّتَهُ كُلَّها. فاسْتَوْلَتْ عَليْهِ الدَّهْشَةُ، وَنادَى بِنْتَهُ، وَسَأَلَها عَنْ جَلِيَّةِ الخَبَرِ. فَلمَّا تَأكَّدَ لهُ صِدْقُ ما يَقولُ، صَرَخَ فيها مُهْتاجًا: «يا لَلْعارِ! أَكَذٰلِكِ تَجْزِينَ مَنْ أحْسَنَ إِلَيْكِ؟»

ثُمَّ طَرَدَها شَرَّ طِرْدَةٍ، وطَلبَ مِنَ الْأميرِ «كُوسا» أنْ يَغْفِرَ هٰذِهِ الإهانةَ، فأجابَهُ إلى طِلْبَتِهِ.

(٤) في مَيْدانِ الْحَرْبِ

ثُمَّ أسرعَ «كُوسا» — على رَأْسِ جَيْشٍ كبيرٍ — لِمُلاقاةِ الْغُزاةِ المُغِيرِينَ. فَلَمَّا بَرَزَ لَهُمْ، صاحَ بأعْلَى صَوْتِهِ: «لا حاجةَ بِنا إِلى إهْراقِ الدِّماء، وقتْلِ الأَبْرِياء، فَلْيَنْزِلْ إلى المَيْدانِ مَنْ شاءَ من رُؤَسائِكُمُ السَّبْعَةِ، فَمَنْ أسَرَني أوْ قَتَلَنِي ظَفِرَ بالأَميرةِ، ومَنْ أسَرْتُهُ أوْ قَتَلْتُه، فَقَدْ لَقِيَ جَزاءَهُ العادِلَ، وكَفَى جَيْشَهُ شَرَّ الْقِتالِ.»

•••

فارْتاح المُلوكُ السَّبْعَةُ لِهٰذا الرَّأْيِ، وَما انْتَصَفَ النّهارُ حتَّى أَسَرَهُمْ جَمِيعًا. فانْخَذَلَتْ جُيُوشُهُمْ بَعْدَ أَسْرِ مُلوكِهِمْ.

(٥) الحَلُّ السَّعِيدُ

ثمَّ قالَ الأَميرُ المُنْتَصِرُ لِصِهْرِهِ مَلِكِ «مادا»: «هٰؤُلاءِ أَسْراكَ الخاضِعونَ، فَأَنْفِذْ أمْرَكَ فيهم بِما تشاءُ!»

فأجابهُ الْملِكُ: «الرَّأْيُ ما تَراهُ، فإِلَيْكَ وحْدَكَ فَضْلُ ما ظَفِرْنا بهِ من فَوْزٍ وانْتِصارٍ.»

فَقالَ «كُوسا»: «إِنَّ لِلأَميرةِ «بَبْهافاتي» سَبْعَ أَخَواتٍ، وهٰؤُلاءِ سبْعَةُ مُلوكٍ، فَهَلْ تَأْذَنُ — يا مَوْلاي — في أنْ يَتَزَوَّجَ كلٌّ منهُمْ أميرةً مِنْهُنَّ.»

فابْتَهَجَ لِهٰذا الحَلِّ المُوَفَّقِ السَّدِيدِ كُلُّ مَنْ سَمِعَهُ، وَأَقَرَّهُ مَلِكُ «مادا» والْمُلوكُ السَّبْعَةُ الآخرُونَ. وأُقِيمَتْ حَفَلاتُ الأَعْراسِ، وابْتَهَجَ الشَّعْبُ لِهٰذا الفَوْزِ المُبِينِ.

(٦) نَدَمُ الأميرةِ

أمَّا الأَميرةُ القاسِيَةُ، فَقَدْ جَلَسَتْ — وحْدَها — تَبْكِي حظَّها الْعاثِرَ، وتَتَحَسَّرُ مُتألِّمَةً، لِمَا أَسْلَفَتْهُ إلَى هٰذا الأَميرِ العَظيمِ، مِنْ قَسْوَةٍ وإساءَةٍ.

وأدْركَتْ — حِينَئِذٍ — فَضْلَهُ على غَيْرِهِ منَ الرِّجالِ، وتَكَشَّفَ لَها ما تَمَيَّزَ بهِ منْ كَرِيمِ الخِلالِ، وحَمِيدِ الخِصالِ.

ولٰكِنَّها قالَتْ في نَفْسِها: «ما أَظُنُّهُ يَغْفِرُ لي حَماقَتِي وقَسْوَتي بَعْدَ اليَوْمِ أبدًا.»

(٧) عَفْوُ الأَميرِ

ولا تَسَلْ عَمَّا اسْتَوْلَى على قَلْبِها منَ البَهْجَةِ، حِينَ عَلِمَتْ أَنَّ الأَميرَ «كُوسا» يَدْعُوها إلى لِقائِهِ. فَقَدْ أسْرَعَتْ إلَيْهِ تَسْتَغْفِرُهُ، وارْتَمَتْ عَلَى قَدَمَيْهِ تَلْتَمِسُ عَفْوَهُ، وتَقُولُ لهُ: «سأَكُونُ لكَ — إذا تَجاوَزْتَ عنْ ذَنْبِي — خادِمَةً طائِعَةً لك ما حَيِيتُ.»

•••

فأنْهَضَها الأَميرُ مُتَرَفِّقًا، وقال لها مُتلطِّفًا: «أَتَرْضَيْنَ أَنْ تَعودي مَعي بِرَغْمِ دَمامَةِ وجْهِي، وقُبْحِ صُورَتي؟»

فأنْعَمَتِ النَّظَرَ فيهِ، وعَجِبَتْ مِمَّا يقولُ، لِأَنَّها لَمْ تَرَ أَثَرًا لِتلْكَ الدَّمامةِ الّتي كانتْ تَراها في وجْهِهِ مِنْ قَبْلُ.

•••

وهٰكذا تَبَدَّلَ احْتِقارُها إجْلالًا، وكِبْرِياؤُها تَواضُعًا، وصاحَتْ قائلَةً: «لَقَدْ تَغَيَّرَ كلُّ شَيْءٍ فيكَ، وأَصْبَحْتُ أَراكَ في أجْمَلِ مَنْظَرٍ، وأحْسَن مَظْهَرٍ.»

خَاتِمَةُ الْقِصَّةِ

وَلا شَكَّ في أنَّكَ تَعْرِفُ — أيُّها الطِّفْلُ الْعَزيزُ — أنَّ وَجْهَ الأَميرِ «كُوسا» لَمْ يَتَبَدَّلْ، كما ظَنَّتِ الأَميرَةُ. وَلٰكِنَّ شَجاعَتَهُ، وحُسْنَ فَعالِهِ، وطِيبَةَ قَلْبِهِ، وكَرَمَ خِصالِه، قَدْ خَلَعَتْ عَليهِ جَمالًا رائعًا، وحُسْنًا ساحِرًا.

•••

وَلا عَجَبَ في ذٰلكَ، فَقَدْ حَبَّبَتْهُ إلى الْقلوبِ مَواهِبُهُ ومَزاياهُ، وخَلَّدَتْ — على مَرِّ الْعُصورِ — اسْمَهُ وَذِكْراهُ، وجَذَبَتْ إلَيْهِ كلَّ مَنْ سَمِعَ بهِ أوْ رَآهُ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠