عصر الفاتح وتنظيماته

أنشأ السلطان محمد الثاني الفاتح دولة عظيمة، هي غير منازَعة أقوى الدول الكبرى في القرن الخامس عشر، ووحَّدَها أرضًا وشعوبًا فأصبحت كتلة متماسكة تمتدُّ من أعالي نهر الفرات إلى الأدرياتي، ومن البحر الأبيض إلى نهر الدانوب والقرم، وأزال بقايا الدول التي كانت تجهد بجيش ناصب في آسيا الصغرى، أو تناوئ الأتراك العثمانيين في البلقان، واتخذ للأتراك عاصمة جديدة عظيمة لها تاريخ مجيد، جميلة الموقع، متوسطة المركز بين بلادهم الآسيوية وممتلكاتهم الأوروبية، تشرف على البر والبحر، وتتفق مع ما أصبح للعثمانيين من مجد وقوة وجبروت، ولم يعُد بعد عهد الفاتح للإغريق ولا للبنادقة ولا للجنويين أو الإغريق أو الصرب قوة ولا ذِكر في البلقان إلى أن جاء القرن التاسع عشر، ومهدت فتوحات ذلك السلطان العظيم الطريق لفتوح العثمانيين التي سيقوم بها خلفاؤه في الشام ومصر والعراق والمجر وأواسط أوروبا.

كان السلطان الفاتح مصلحًا كبيرًا ومنظمًا من الطراز الأول، كما كان رجل حرب من العبقريات النادرة التي شهدها التاريخ.

وكان رجل ثقافة واسع الاطلاع في العلم والأدب، يتذوق الشعر ويستلهم الفن، كما كان طويل الباع في الإدارة والحكومة.

رتب السلطان الحكومة الجديدة لدولته العظيمة، واستفاد من كل الظروف المحيطة به، واستلهم كل الحضارات التي تَرَك تراثها للعثمانيين؛ فهو سلطان مسلم يحكم دولة واسعة الأطراف، إسلامية قبل كل شيء، ولكنه في نفس الوقت جلس على عرش الأباطرة البيزنطيين في مدينتهم وعاصمتهم فأصبح خليفة القياصرة، كما حَلَّ محل الأمراء الكثيرين الذين كانوا يحكمون في البلقان.

حكم السلطان الفاتح دولة تتكون من أجزاء مهمة في شرقِيِّ البحر الأبيض لها حضارات شرقِيِّ البحر الأبيض، حضارات امتزج فيها الشرق والغرب معًا، وتقابلت فيها نُظُم سياسة مختلفة وقوانين وعادات متباينة، وديانتان عظيمتان هما المسيحية والإسلام، فكان لا بد من مراعاة هذه الحقائق جميعها والاستفادة منها في إقامة صرح دولته الجديدة العظيمة.

اهتم محمد الثاني بإصلاح النظام الداخلي للدولة، وعُنِيَ قبل كل شيء بنشر الطمأنينة والسلام التركي في إمبراطوريته الواسعة التي تجمع عناصر كثيرة من خلائق يختلفون في الجنس واللغة والدين والعادات، فبجانب الأتراك المسلمين — وهم عمود الدولة الفقري — يوجد الإغريق والصقالبة على اختلاف أنواعهم، والبلغار والألبانيون، يوجد الأرثوذكس والكاثوليك، عاش هؤلاء جميعًا قبل الحكم العثماني حياة اضطراب وفوضى لا يعرِفون للأمن طعمًا، ونسُوا من زمن بعيد كل شيء عن الطمأنينة والاستقرار، فلا بُدَّ إذن من وضع نظام قوي للحكم يعطي لهؤلاء ما فقدوه من حرية وراحة وسلام، ولا بُدَّ من وضع نظام خاص لسكان الدولة من غير المسلمين ينظم العلاقات بينهم وبين جيرانهم من المسلمين، بينهم وبين الدولة التي تحكمهم وترعاهم.

•••

كان أول ما عنى السلطان محمد الثاني منذ أن تولى السلطنة العمل على استقرار العرش لأنه عرف من تجارب التاريخ العثماني أنه على استقرار مركز السلطان يتوقَّف كل شيء في الدولة، تتوقف قوتها ونظمها، رأى الخلل والاضطراب يلم بالدولة إذا ما برز المتنافسون على العرش وأوقدوا نيران الحرب الأهلية، ولم يخفَ عليه ما عانته الدولة من حروب أهلية كادت تُودِي بحياتها في عهد مَن سبقوه من السلاطين، كما قرأ بنفسه قصة الانقسام والتفرُّق في البلقان، وما آلت إليه حال أهلها من ضعف واضمحلال؛ ولذا عمل على استقرار مركز السلطان ولم يكن هناك قبل عهده قانون يحدد من يَلِي العرش العثماني بعد وفاة السلطان فوضع السلطان الفاتح سُنَّة جديدة، وإن كانت تظهر للكثيرين سُنَّةً قاسية سيئة، وهي أن السلطان الذي يَلِي الحكم له الحق في قتل إخوته الباقين حتى لا ينازعه أحد منهم على العرش في المستقبل، فجعل بذلك قتل الإخوة سُنَّةً مشروعة، ولكنه بررها أمام نفسه وأمام الناس بأن غرضه منها هو «سلام الدنيا والعالم» فوجود الإخوة — كما فهم هو من التاريخ العثماني — من العوامل التي تثير الفتنة بين المسلمين فقتلهم أهون في نظره من إثارتها.

وكان يرى أن يكون مركز السلطان محترمًا بين رجال دولته، فكان من أعداء التبذُّل وإن كان من أنصار التبسُّط، لم يسمح لأحد من رجال دولته بالجلوس على مائدته، جعل ذلك قانونًا، فوضع بذلك تقليدًا هو ألَّا يكون للسلطان إلا صحبة ممتازة يأنس بها، زمرة من رجال الدين والعلماء والفلكيين والأطباء، فلم يكن للفاتح إذن اتصال برجال الدولة إلا حين تقضي بذلك أعمال الدولة وإلا إذا كان لهؤلاء الرجال صفات علمية أو أدبية أو فنية تتناسب وذوقه؛ ولذا كان رجال الدولة بلا استثناء يرهبونه ويخشَوْن جانبه ويخافون بطشه.

وليس معنى ذلك أن فاتح القسطنطينية لم يكن يختلط برجاله أو بجنوده أو علمائه ففي أوقات الحرب أو الاستعداد لها كان دائم الاتصال بوزرائه وقُوَّادِه وجنوده يُشرِفُ عليهم بنفسه، ويقوي من رُوحهم المعنوية ويعدهم ويمنيهم بكل ما يستطيع تنفيذه، وفي أوقات السِّلم في مجالسه الأدبية وحلقاته الشعرية كان يتبارى مع الأدباء والشعراء والعلماء في تذوُّق الأدب وقول الشعر ونقد الكتب.

ولقد وضع السلطان محمد الفاتح قوانين الإتيكيت والحفلات في الدولة العثمانية، وهو بلا شك متأثر بالحياة الاجتماعية للأباطرة البيزنطيين، وباتِّساع الدولة ودخول عناصر أجنبية غربية فيها، فوضع بذلك أساس التشريفات في القصر السلطان العثماني.

•••

ووجَّه عنايته كذلك إلى قوانين الدولة، فحاول تقنين الشرع واختار لذلك من العلماء الأَجِلَّاء من يستطيع القيام بهذه المهمة العظيمة ووضع قانون نامه، وهذا القانون كما يقول هو: «هو قانون آبائي وأجدادي، سيعمل به خلفائي من بعدي، من جيل إلى جيل.» فحاول أن يقنن الأوامر والمراسيم التي أصدرها في أوقات مختلفة السلاطينُ ممن سبقوه. ولم يكن هذا التقنين كاملًا بأي حال ولكنه وضع الأساس.

هذا القانون مكوَّن من ثلاثة أبواب، وهو يتعلَّق بمناصب الموظفين وببعض التقاليد وما يجب أن يتخذ في التشريفات والاحتفالات، وهو يقرِّر كذلك العقوبات والغرامات.

ونظم السلطان الفاتح الحكومة الجديدة، وساعده في هذه الناحية الصدر الأعظم محمد القرماني. وهذه الحكومة حكومة إسلامية قبل كل شيء، قائمة على تفوُّق العنصر الإسلامي أيًّا كان أصله أو جنسه، ولقد جعلها السلطان ترتكز على دعائمَ أهمها الوزارة والقضاء والمال.

أما من حيث الوزارة فلقد جعل الفاتح عدد الوزراء أربعة، وجعل للصدر الأعظم قيادة الجيش ورياسة الديوان، وإن كان الفاتح قد اهتم بالإشراف على الأمور في كثير من الأحيان بنفسه. أما من حيث النظام الإداري فلقد أبقى السلطان النظام القديم بإدخال بعض تعديلات بسيطة فيه. وهذا النظام يقضي بتقسيم الدولة إلى ولايات للكبرى منها بايلربايات (جمع بايلرباي) وللصغرى البكوات الصناجق، وترك لبعض الإمارات الصقلبية في أول الأمر بعض مظاهر الاستقلال الداخلي، فكان يحكمها أمراء منها، ولكنهم تابعون للدولة ينفِّذون أوامر السلطان بكل دقة، وهو يعزلهم ويعاقبهم إذا خالفوا أوامره أو فكروا في الثورة على حكومته.

ولقد اهتم السلطان الفاتح اهتمامًا خاصًّا بالجيش، فالجيش في نظره أساس الدولة وركنها الأول، فعُنِيَ بإعادة تنظيمه وبمسألة قيادته، فكان لكل فرقة آغا هو قائدها، وجعل لآغا الإنكشارية حق التقدم على القواد الآخرين؛ فهو يتلقى أوامره من الصدر الأعظم الذي جعل له السلطان القيادة العليا للجيش.

ونال عنصر الرقيق في الجيش عناية خاصة، فكما كتب إلى أوزون حسن يقول: «إن دولتنا هي منزل الإسلام، وإن سراج إمبراطوريتنا ليُضيء من قلوب الكافرين.» كان السلطان محمد يشعر أن دولته أكبر دولة إسلامية؛ ولذا فهو يعمل على تجديد شبابها وقوتها متَّبِعًا سُنَّةَ من مضى من السلاطين العثمانيين، وذلك بإدخال عناصر جديدة فيها، هذه العناصر التي أثبتت كفايتها وجدارتها. لقد كان مؤمنًا بمهمته الإسلامية والعالمية، فهو يرى ضرورة الجهاد في سبيل الله، ويعتقد أن نظم الدولة يجب أن تخدُم هذه الغاية النبيلة، هذه الغاية التي ترمي إلى ضَمِّ العناصر المسيحية النشيطة إلى هذه الدولة الناهضة القوية.

عُنِيَ السلطان محمد الثاني بفرق المشاة عِنَايَةً خاصَّة في الوقت الذي ظلت فيه أوروبا تعتمد على نظام الفرسان كأهم فرقة في جيوشها، ومن المقطوع به أن الدول التي اهتمَّت بنظام المشاة في ذلك الوقت كان لها قصب السبق في أوروبا؛ فتركيا من ناحية الشرق وإسبانيا من ناحية الغرب كانتا أقوى دول في أوروبا من الناحية الحربية، في النصف الثاني للقرن الخامس عشر وفي القرن السادس عشر. وإذا كان محمد الثاني قد اهتم بنظام الجيش، فلقد كان أهم عوامل استقرار النظام فيه الانتظام في دفع مرتَّباته، فوجه السلطان عنايته بصفة خاصة إلى هذه الناحية، بل واهتم بزيادتها من حين لآخر، ولقد أعاد تنظيم الإنكشارية، وناط برئيسها أعمال البوليس بمدينة إستامبول، فلا عجب إذا أصبح جيش الفاتح الجيش المنصور الذي لا يُقهَر.

ونبغ في عهد الفاتح عدد من القُوَّاد النابهين الذين عاونوه في حروبه وكان لهم ضَلَع كبير في انتصاراته، وربما كان أهمهم محمود باشا وأحمد باشا، وكل من هذين الرجلين تولَّى الوزارة والصدارة العظمى، وكل منهما من أصل مسيحي، وارتفع مكانًا عليًّا في الدولة.

فأما محمود باشا فكان يُطْلَقُ عليه ولي الدين محمود، وُلِدَ من أبوين صربيين، وكما تقول رواية من أبٍ إغريقي وأم صربية، وأُتِي به إلى أدرنة إلى بلاط السلطان مراد الثاني حيث تثقَّف ثقافة إسلامية، ثم نبغ في الدولة، فعينه السلطان محمد الثاني صدرًا أعظم في سنة ١٥٤٣م بعد إعدام خليل باشا، وكان يصحب السلطان في كل غزواته، ثم كلفه السلطان بإخضاع الصرب، وهو الذي قاد الحملة البحرية إلى طرابزون وسينوب، بينما كان السلطان نفسه يقود الحملة البرية. واشترك كذلك معه في حروب المجر والبوسنة، وحكم صنجق غاليبولي، ولقد بنى هذا الرجل مسجدًا ومدرسة في إستامبول، وكان محبًّا للعلم يتذوق الأدب ويقول الشعر، وله ديوان عدلي.

أما أحمد باشا كيديق فأصله جندي إنشكاري أوصلته كفايته ومقدرته إلى منصب القيادة، وتم على يديه زوال الحكم السلجوقي نهائيًّا من آسيا الصغرى، وهزيمة أوزون حسن وإخضاع كيليكيا للأتراك. وكصدر أعظم تم على يديه فتح القرم، وهو قائد الحملة الإيطالية التي استولت على تارنتو. ولقد اشترك ذلك الرجل في الأحداث السياسية في عهد السلطان بايزيد الثاني ابن الفاتح ممَّا أدى إلى اضطهاده.

•••

وكما اهتم السلطان الفاتح بالجيش اهتم بالمسائل المالية فهي أساس مهم من أسس الدولة. فدقق في تنظيم جمع الضرائب حتى تكون الحكومة مطمئنة إلى موارد دخلها، وجعل السلطان محمد الثاني الإشراف على الأمور المالية للدفتردار، وهي وظيفة ترجع إلى أصل فارسي، وكان للدولة على عهد الفاتح دفتردار واحد لروميليا عيَّن له السلطان مساعدًا يختص بالشئون المالية لآسيا الصغرى.

وعني بالقضاء فهو من عُمُد الدولة، كما عني برجاله وتحديد وظائفهم ومناصبهم، وجعل الإشراف عليه لقضاة العسكر، فكان لهم مركز مهم في الدولة؛ فهم أعضاء في الديوان ويتقدمون على الوزراء، والسلطان الفاتح هو الذي أعطى المفتي لقب شيخ الإسلام فأصبح ذلك المركز — وخاصة بعد عهد الفاتح — من أعظم مراكز الدولة.

وكانت قوانين الدولة تختلف على حسب مللها، وإن كان القانون الأساسي للدولة هو الشرع؛ فهو قانون الحكومة الذي يحدد علاقات المسلمين وعلاقتهم بغيرهم من سكان الدولة؛ فهو يحدد علاقة المسلمين بالذميين.

ولقد تُرِكَ للذميين حَقُّ اتباع كنائسهم الخاصة وقوانين مللهم المختلفة وتقاليدهم فيما يتعلق بمسائل الحكم المحلي، وفيما يختص بمسائلهم الشخصية كالزواج والطلاق، وكذا المسائل الدينية، فهؤلاء الذميون تركوا ليتَّبِعوا في حياتهم نُظُمَهُم وتقاليدهم القومية، فكان حكم الأتراك لهذه الرعية حكمًا غير مباشر، ولم تشترك هذه الرعية في حياة الدولة السياسية أو العلمية إلا بقدر صغير محدود، ولكنها تمتعت بسلام وأمن لم تعرف مثلهما قبل الحكم التركي.

وراعى الأتراك في القضاء العدالة التامة بين المسلمين والمسيحيين إلى حَدِّ أن إحدى الفتاوى قد صدرت تقول بأنه إذا قَتَل ألف من المسلمين مسيحيًّا واحدًا مخلِصًا للسلطان دون حق يجب قتلهم، ولقد فرض النظام العثماني على المسيحيين ضريبة الرءوس وضريبة الأراضي ولم تكن حالهم سيئة في عهد الحكم العثماني في العصور الأُوَل. بل كانت أمامهم الفرص للتعاون مع العثمانيين في مناصبهم وحروبهم.

ونظرًا لأن معظم رعايا السلطان الفاتح المسيحيين كانوا من الأرثوذكس يجب أن نشير هنا إلى أن فتح القسطنطينية لم يضعف من مركز الكنيسة الإغريقية بأي حال، فلقد كان جورج سكولاريوس المسمَّى جناديوس والذي اختاره الفاتح بطريركًا من أشد أعداء فكرة اتحاد الكنيستين الشرقية والغربية، بل لقد أعلن أن الخضوع للكنيسة الغربية اللاتينية نقمة على المسيحية ولعنة على الإمبراطورية، وسيعقبه حتمًا انتهاء الدولة البيزنطية، وفعلًا تم ما تنبأ به.

كان السلطان الفاتح يرغب في أن تستمر للكنيسة الأرثوذكسية قوتها ونظامها حتى يستطيع أن يسترضي الرعايا الأرثوذكس، وان يسجل لهم قبول الحكم الإسلامي الجديد. ولذا احتفظ السلطان بنظم الكنيسة العتيقة، وأبقى لها الكثير من سيطرتها القديمة، فطلب من القساوسة الأرثوذكس الاجتماع لينتخبوا من بينهم بطريركًا، واعتمد من اختاروه وهو جناديوس، واحتفل بانتخابه على النظام وبالأبهة التي كانت مُتَّبَعة في مثل هذه الاحتفالات في عهد الأباطرة المسيحيين، وقال له: «لتكن بطريركًا على صداقتي في كل وقت وظرف، ولتتمتع بكل الحقوق والامتيازات التي كانت لمن سبقك.» ولكي يرفع من مركز البطريرك في الدولة الجديدة أهداه فرسًا جميلًا، وجعل له حرسًا خاصًّا من الإنكشارية، وصحبه باشاوات الدولة إلى المكان الذي أُعِدَّ له، ثم اعترف بقوانين الكنيسة الأرثوذكسية ووضعها تحت حمايته، وأمرها بإقامة حفلاتها الدينية كالمعتاد، وجُمِعَتْ واشْتُرِيَتْ كل آثار القديسين ومخلَّفاتهم التي نُهِبَتْ، وسُلِّمَتْ إلى الكنائس والأديرة.

ولكن كان على الكنيسة الجديدة أن تخضع للسلطان كبقية النظم الأخرى الموجودة في الدولة، ففي أي لحظة يستطيع السلطان عزل البطريرك أو كبار رجال الدين، لا رادَّ لقضائه، ولكن من الناحية العملية ما كان السلطان يلجأ إلى اضطهاد الكنيسة أو رجالها، بل كانوا دائمًا موضع حمايته أو إكرامه. وكانت فكرة الاضطهاد الديني غير موجودة في ذهن الفاتح، وإذن نعمت الكنيسة الأرثوذكسية في عهده وعهد خلفائه بهدوء واستقلال لم تنعم بمثله قبلًا حتى في عهد كثير من الأباطرة البيزنطيين أنفسهم، وأخلص القسس الطاعة لذلك السيد العظيم.

قوي إذن مركز الكنيسة الإغريقية، ورضي الإغريق عن ذلك الحكم الجديد الذي ترك لهم حرية المُعتَقَد ومنحهم استقلالًا دينيًّا غير منقوص، ولقد أبقى الفاتح بعض الكنائس على حالها، ولم يمنع المسيحيين من إقامة شعائر دينهم فيها، وأصبح حي الفنار المطل على القرن الذهبي حلقة الاتصال بين القسطنطينية الإسلامية والقسطنطينية المسيحية.

وفي حي الفنار المظلم هذا وفي منازله القاتمة عاشت العائلات الإغريقية العظيمة مثل الكومني والباليولوجي والدوكا، عاشت كآثار أرستقراطية عظيمة عريقة، عاشت لا أراضي لها ولا جاه إلا الأصل المجيد الذي تنتمي إليه.

لقد أصبحت البطريركية الإغريقية في إستامبول موئلًا للمسيحية ومراكز للقومية الإغريقية إلى أن حان الوقت لظهور الإغريق كأمة لها كِيَانها الخاص حين ضعفت الدولة العثمانية في أوائل القرن التاسع عشر.

وأما القسطنطينية فلقد أصبحت إستامبول في فَمِ الأتراك، وأصبح هلال بيزنطة رمز القوة العثمانية، وعلمًا لعظمتها.

وأما من حيث إعادة الحياة والهدوء إلى هذه المدينة العظيمة فلقد أمر السلطان محمد الفاتح حين دخلها بوقف القتل، ولم يسمح باستباحتها بعد الأيام الثلاثة التي حددها والتي وعد بها جنوده، وكان قد قُتِلَ من سكان المدينة العدد الكثير، وشُرِّدَ العدد الكثير، وأُسِرَ العدد الكثير، ولكن ما كان الفاتح يعمل على خراب المدينة العظيمة مطلقًا، فهو رجل مُقدِّر للجمال يتذوق الفن، وإنما كان عليه أن يُعيد لها مركزها القديم وعظمتها السابقة بنشر الأمن والطمأنينة فيها وإنشاء حياتها الاجتماعية والاقتصادية من جديد؛ حتى تصبح صالحة لأن تكون عاصمة لأقوى دولة في أوروبا وآسيا معًا. فأعاد إصلاح أسوارها، وبنى فيها حصنًا منيعًا له سبعة أبراج، وعمل على تشجيع من بَقي من سكانها على الإقامة فيها والاستقرار، وطلب من كثير من العائلات التركية والإغريقية والألبانية سكناها، وعاد إليها عدد كبير من سكانها الذين كانوا هربوا منها، كما لجأ إليها عدد لا يُستهان به من مهاجري الأرمن والفرس والعرب.

ولقد اهتم السلطان الفاتح بإنشاء المباني العظيمة في هذه المدينة، فبنيت فيها دار السعادة العتيقة بقرب الجامع الذي كان أنشأه السلطان بايزيد خان الأول، فكانت أول دار أنشأها السلاطين العثمانيون بعد فتح هذه المدينة، وكذلك أمر السلطان الفاتح ببناء جامعه المشهور باسمه، وهو واقع على التل الرابع في المدينة، بناه المهندس خرستو دولاس على أنقاض كنيسة سان أبوتر، وهذا الجامع يُرَى من البحر من مسافة بعيدة وله مئذنتان، وقد أصابته الزلازل فيما بعدُ، فأعاد بناءه السلطان مصطفى الثالث. ومن منشآت السلطان الأخرى جامع أبي أيوب الأنصاري، وجامع الشيخ البخاري بجانب باب أدرنة، وجامع الإنكشارية (أرطة جامعي). كما أنشأت السلطانة زوجته ستي خانوم جامعًا في أدرنة، وكذا بنته السلطانة عائشة أنشأت جامعًا في نفس هذه المدينة التي كانت تُعتَبَر ثاني مدن الدولة العثمانية. وأمر السلطان ببناء ثماني مدارس حول جامعه الكبير، وشيد خلفها منازل للطلبة ومستشفى (دار الشفاء) وحمامات، وبقربها خانات لنزول المسافرين، كما أنشأ مدرسة للعلوم الشرعية، وبالجامع مكتبة هي الأولى من نوعها في إستامبول، وبقربها يوجد قبر عليمة هانم أم السلطان محمد الثاني، ويقول رامبرتي، الذي كتب في سنة ١٧٣٤م: «بأن جامع السلطان له «إمارة» متصلة به يسمح لكل شخص بالنزول فيها حيث يستضاف ثلاثة أيام، فيُعطى العسل والأرز واللحم والخبز وغرفة للنوم، وكان يهواها الآلاف من الناس، وبجانبها الحمامات والسبل الجميلة.»

وفي إستامبول ميدان سُمِّيَ باسم الفاتح، وهو «فاتح ميداني» وآق ميدان، وهناك أيضًا محلة تنسب إليه فيها جامع ومدرسة، ولها سوق خاصة شهيرة تعقد فيها، ويجد الناس فيها ما يحتاجون إليه بالأسعار المناسبة.

ومن المساجد التي أُنشِئَت في العاصمة في عهده كتشوق أيا صوفيا على بحر مرمرة، وكانت في الأصل كنيسة القديس سرجيوس وباكوس، وجامع زيرق على القرن الذهبي، وكان كنيسة أيضًا وحُوِّلَ جامعًا وسُمِّيَ على اسم ملا زيرق، وكذلك جامع محمد باشا وجامع مراد باشا سُمِّيَا باسم وزيرين للسلطان الفاتح.

وأما قصر السلطان فكان كبيرًا وإن امتاز بالبساطة، فقد كان السلطان الفاتح مَيَّالًا إلى الوحدة والتفكير، منصرفًا إلى دراسة فنون الحرب والأدب والفن، وكان له حريمُه الخاص، وإن لم يكن معروفًا عنه حب الترف أو الانهماك في الملذات والشهوات، كان للحريم مقر خاص به، وبه الغرف اللازمة لأبناء السلطانة وأمهاتهم السلطانات، وكانت الكسوة تجري على الحريم عدة في الأعياد والمواسم والمناسبات. وبالقصر أماكن خاصة بالفتيات العذارى، وكلهن من أصل رقيق، جُلِبْنَ عن طريق الشراء أو الأَسْر، وكان عدد كبير من نساء الحريم قد دُرِّبْنَ لأعمال الخدمة والطهي وغيرها، وكان السلطان عادة يصطفي لنفسه من الحريم الخاص من يشاء، فيُعْطَيْنَ عند ذلك حجرات منفصلة متميزة، ومن لم يَحْظَيْنَ باختيار السلطان يُزَوِّجُهُنَّ السلطان عادة لوزرائه وقُوَّادِه، أو المقربين منه، ويحل محلهن غيرهن ممن سِرْنَ في نظام تعليمي معين. وكان ذلك النظام يُعنى بتدريب الفتيات وتعليمهن إلى سن الخامسة والعشرين.

وأما العاصمة نفسها فلقد تغير وجهها بالفتح العثماني؛ فلقد تحولت كثير من الكنائس إلى مساجد، وجُعِلَتِ المساجد العظيمة التي قام بتشييدها السلطان العثماني ووزراؤه للمدينة فخامة وبهاء فتانًا، وروعة أخاذة بمآذنها العالية، وقبابها المستديرة، كما كانت مقابر السلاطين العثمانيين الذين خلَفوا الفاتح قطعًا رائعة من الفن، وفي هذه المباني الجديدة لم يندثر الفن البيزنطي بأي حال، وكثرت الحانات والتكايا والزوايا، ولم يمضِ نصف قرن على الفتح العثماني إلا وشيدت القصور العظيمة التي تزينها الحدائق الجميلة، وهاجر إلى المدينة تحت رعاية السلطان عدد كبير من عرب إسبانيا ويهودها الذين اضطهدتهم الكنيسة الكاثوليكية، وأذاقتهم أصناف العذاب، وقامت الأسواق العظيمة، وعاد إلى المدينة رونقها وحركتها، نتيجة للتسهيلات الكثيرة التي وضعها العثمانيون للمهاجرين والتجار.

ولقد بقي في المدينة الخالدة — كما يقول رامبرتي الذي زارها وكتب عنها في سنة ١٥٣٤م — كثير من الآثار العظيمة القديمة التي ما زالت محتفظة برونقها، فقناطر المياه وأقواس النصر والأعمدة ما برحت تشهَد بماضي هذه المدينة المجيد. وقرر رامبرتي أيضًا أن هذه المدينة لا زالت متمتعة بجمالها وبهجتها، وهذا يدحض زعم هؤلاء الذين يقولون إن الأتراك خربوا المدينة، وقَضَوْا على كثير من آيات الفن فيها، ولم ينتهِ عهد الفاتح إلا والمدينة آهلة بالسكان، عامرة بالأسواق والمصانع الحربية وغيرها، فلقد أحياها الفتح العثماني، أصبح للمدينة حياة جديدة زاهرة بعد أن تفوَّق فيها العنصر التركي، وتركزت فيها الدولة الإسلامية الجديدة بقوتها وعظمتها.

ويدَّعي بعض المؤرخين الإفرنج أن القسطنطينية فَقَدَتْ مركزها باستيلاء العثمانيين عليها، وهذا غير صحيح، ولا ينطبق على الواقع بل بالعكس لقد عظم مركز القسطنطينية بعد أن احتلها العثمانيون، فبعد أن كانت عاصمة لدولة منهارة مضمحلة أصبحت عاصمة لأقوى دولة في الشرق والغرب. لقد كانت القسطنطينية حين احتلها العثمانيون عاصمة بدون ممتلكات، عاصمة بدون دولة حقيقية. ولذا لم تفقد القسطنطينية مركزها في أوروبا ولا بالنسبة لآسيا. بل قَوِيَ مركزها في البلقان، ولم تفقد شرقيتها بأي حال ولا صبغتها الأرثوذكسية، فلقد حافظ السلطان محمد الفاتح على هذه الصِّبْغة التي كادت تندثر بالاتحاد مع الكنيسة الغربية لو طالت حياة الدولة البيزنطية قليلًا.

لقد ظلت القسطنطينية (إستامبول) عاصمة للشرق الأدنى غير منازَعة لمدة تزيد على أربعة قرون، منها يستمد حياته وقوته ونشاطه السياسي، وينظر إليها كافة سكان الشرق الأدنى كمدينتهم العظيمة، تهفو إليها قلوبهم، وتحن إلى زيارتها والتمتع بجمالها ورونقها نفوسهم، لم تفقد المدينة جمالها ولا عظمتها بل زاد هذا الجمال وهذه العظمة، ولم تفقد مركزها الجغرافي أو الاستراتيجي أو الحربي أو السياسي، بل بالعكس زادت هذه الأهمية، فإستامبول ظلت مركزًا أوروبيًّا سياسيًّا من الطراز الأول، لا يقل مركزها عن مراكز عواصم الدول الكبرى الحديثة، وظلت إلى الآن سيدة المضايق حتى بعد أن هجرها الأتراك إلى أنقرة، وسيظل اسمها ما بقيت مقرونًا باسم منشئها قسطنطين الأكبر وفاتحها محمد الثاني العظيم.

•••

ولم تكن ناحية السلطان الفاتح الثقافية أقل من النواحي السياسية أو الحربية أو التنظيمية.

كان السلطان الفاتح يحترم العلماء ورجال الدين، وفاق في ذلك كل من سبقه من السلاطين العثمانيين. لقد عمِل على توطيد مركز العلماء، وعلى إكرامهم، وتوفير وسائل المعيشة والكرامة لهم، كان الفاتح يعتبرهم بحق ركنًا هامًّا من الأركان الأربعة الأساسية التي تقوم عليها دولته العظيمة. كان يعتقد أن القوة الحربية وحدها لا تبني مجد أمة ولا تجعل لها استقرارًا، فهو رجل عظيم الثقافة مستنير مُحِبٌّ للعلم ويتذوق الأدب ويغشى نواديه ويحفظ الشعر، وكثيرًا ما يتمثل به في الظروف المختلفة وخاصة الشعر الفارسي، وكان هو نفسه يُحسن قول الشعر وله ديوان باللغة التركية مخطوط، كتبه عماد من أشهر خطاطي إيران في عهد السلطان سليم الأول، ثم طُبِعَ في برلين ولكنه ناقص كما يقول شهاب الدين سليمان بك — صاحب تاريخ يكي عثمانلي تاريخ أدبيات — وديوانه يسمى ديوان عوني وكله في الغزل.

ومن شعره:

ساقيا مي صوك كه بركون لاله زار ألدن كيدر
ابر يشور فصل خزان باغ وبهار ألدن كيدر
عزه أولما دلبرا حسن وجماله قبل وفا
باقي قالما زكيمسه به نقش ونكار ألدن كيدر

•••

جكرم ياره لدى خنجر جو وستمك
صبرمك جامه سني درغرادي مقراص غمك
سجده كاه أيلر ايدي كعبه محراب كبي
كو بك ايجنده ملك كورسه نشان قدمك
يا ساقي الكأس أدر الراح قبل أن تذبل الخزامى
قبل حلول الخريف وانقضاء الربيع وزوال نضرة البستان
لا تمنعي الوصال أيتها الغانية المفتونة بحسنك وجمالك
فالزينة والحسن يومًا زائلان

•••

إن سيف دلالك قد نفذ بين ضلوعي
وإن سلاح تعذيبك قد قطع صدري
ولو رأت الملائكة آثار قدميك
لسجدوا فيها كأنها كعبة المحراب

كان الفاتح دائبًا على تثقيف نفسه وزيادة معلوماته، فكان له معلمون اختارهم من بين العلماء البارزين، يقرأ عليهم الكتب المختلفة ويتلقى عنهم العلوم مثل خواجه زاده وابن الخطيب، وكان كثير النظر في الكتب والرسائل التي يُصَنِّفُهَا علماء عصره يفحصها ويقارنها وينتقدها، وكانت له مكتبة خاصة عُنِيَ بجمعها واختيار كتبها، وعيَّن الملا لطفي أمينًا لها مدة من الزمن.

وعني الفاتح بالعلم والتعليم والمتعلمين والمعلمين؛ فهو يعنى بالمتعلمين من حيث توفير سبل التعليم لهم والنفقة عليهم أثناء تعلُّمِهم، فمن بين هؤلاء المتعلمين من سيتولَّوْن وظائف التدريس والإفتاء والتربية الإسلامية.

ولقد كلف السلطان الفاتح وزيره محمود باشا إصلاح النظم التعليمية، وكان ذلك الرجل خير من يقوم بهذه المهمة، فتربته إنسانية شرقية وهو أديب وعالم وشاعر ظاهر، في عهد الفاتح أُنشِئت المدارس العالية في المدن الكبرى إلى جانب المكاتب التي عُمِّمَتْ في المدن والقرى، وكان الفاتح يختار بنفسه العلماء الذين يقومون فيها بالتدريس، وكان كثيرًا ما يتباحث مع هؤلاء العلماء فيما يُدَرَّسُ ويسألهم عن أفاضل طلبتهم ليسرع إلى مكافأتهم وتعيينهم في وظائف التدريس، كما فعل مع ملا خسرو وتلميذه ابن مغنيسيا. ولقد وضع لهذه المدارس البرامج المنظمة من مواد دينية ولغوية، من لغات عربية وفارسية ورياضة وأدب وفلك، وكان يُعطِي للطلاب المتخرجين شهادات تسمح لهم بالقيام بالتدريس بعد هذه الدراسة المنظَّمة، فيمنح الطالب لقب معيد، ولكي يكون الطالب عالمًا (إمامًا) عليه أن ينبغ ويتعمق في دراسة الشرع الشريف والفقه، وعليه أن يجتاز امتحانات عديدة في علم الكلام والتوحيد والأصول والفقه والشريعة الإسلامية قبلما يصل إلى هذه المرتبة.

وإذا استطاع الطالب بعد خمسة عشر عامًا على الأقل النجاح اكتسب المجد الكبير والشرف والامتيازات الكثيرة، فمن بين هؤلاء الطلاب والعلماء أساتذة المدارس العليا والقضاة الملات (ملا: رتبة علمية) والمُفتُون وإستامبول أفندي (قاضي الأستانة) وقضاة العسكر في أوروبا وآسيا والمفتي شيخ الإسلام، ولقد وضع السلطان الفاتح نظامًا ماليًّا (كادرًا) خاصًّا لهؤلاء العلماء.

كان عصر الفاتح عصرًا حافلًا بدراسة الشريعة والفقه الإسلامي نادر المثال في التاريخ العثماني، يدل على ذلك كثرة المؤلفين في هذه الدراسات، وكثرة الكتب التي وضعوها باللغة العربية. وكان العلماء كثيرًا ما يجتمعون في حضرة السلطان ويتناقشون أمامه في المسائل الفقهية واللُّغَوِية، وكان كثيرًا ما يشترك معهم ويحكم بينهم، وقلَّده في هذا وزراؤه وخاصة محمود باشا وسنان باشا الذي «كان من عادته إحضار العلماء … وإحضار الأطعمة اللطيفة» تتلوها المناقشات العلمية.

وكان للعلماء في عصر الفاتح قوة رُوحية كبيرة ومقام سامٍ لتقدير السلطان لهم ولمكانتهم عند الناس، وكانوا كبيري الاعتداد بكرامتهم فكانوا يحتجُّون إذا حدث تقصير في حق واحد منهم، وكانوا يهددون بالخروج من مملكة السلطان فكان لا يُرَدُّ لهم طلب ولا شفاعة. وكان الفاتح يتبسط معهم إلى درجة يروي معها صاحب الشقائق النعمانية — ووالده عاصر الفاتح — في ترجمة المولى فخر الدين العجمي: «ربما يمر السلطان محمد قدام بيتنا (بيت فخر الدين) ذاهبًا إلى زيارة أبي أيوب الأنصاري … ويخرج أبي إلى الباب ويسلم عليه ويقدم له شربة، ويقول السلطان محمد والله أشرب هذه الشربة. ويناوله والدي بيده فيشرب منه ثم يسلم عليه ويذهب.»

كانت إستامبول في عهد الفاتح موئلًا للعلماء من كل البقاع الإسلامية؛ فلقد كان السلطان يستقدمهم ويغالي في إكرام وفادتهم ويسهل لهم كل وسائل الإقامة، فعل ذلك مع القوشجي الذي أهداه رسالة في علم الحساب المسماة المحمدية ومع سراج الدين الخطيب وقطب الدين العجمي والشيرواني وغيرهم.

وأهم المدارس التي أنشأها الفاتح المدارس الثماني حول جامعه في إستامبول ومدرسة أيا صوفيا ومدرسة أبي أيوب الأنصاري، ونحن نعرف أن الفاتح حوَّل ثماني كنائس في إستامبول إلى جوامع وألحق بكل منها مدرسة، كما أنشأ مدارس في بعض المدن المهمة الكبرى.

وكان العلماء البارزون في الفقه والشريعة في عهد الفاتح كثيرين، وقد ذكرهم وترجم لهم وعدَّد مناقبهم المولى أحمد بن مصطفى الشهير بطاش كبرى زاده في كتابه الشقائق النعمانية في علماء الدولة العثمانية.

وعلى رأس هؤلاء العلماء ملا خسرو محمد بن قراموز الرُّومي المتوفَّى سنة ١٤٨٠م، وهو رومي اعتنق الإسلام، وتتلمذ على الشيخ حيدر الهروي الذي كان مُفْتِيًا في البلاد الرومية، وعين مدرسًا في مدرسة أدرنة المسماة شاه ملك، وبعد فتح القسطنطينية عيَّن قاضيًا لإستامبول وللعسكر المنصور في نفس الوقت الذي قام فيه بالتدريس في مدرسة أيا صوفيا، وكان السلطان محمد الثاني يحبه ويحترمه ويفخر بوجوده في دولته، ووكل إليه تقنين الشرع الإسلامي، ولقد تولى ذلك الشيخ الجليل وظيفة الإفتاء، ولقد كتب عنه السيوطي وترجم له ابن العماد في شذرات الذهب، ولهذا العالم مؤلَّفات كثيرة في الشريعة الإسلامية والفقه منها مرقاة الأصول مع مرآة الوصول، وغرر الأحكام في شرح درر الحكام والرسالة الولائية وكاشفات الشبهات العلائية وجملة رسالات أخرى مثل رسالة في الاستخلاف للخطبة، وأخرى في أسرار الفاتحة.

ومنهم الشيخ أحمد بن إسماعيل الكوراني، تلقى تعليمه في القاهرة حيث كان موضع تقدير الأمير جقمق، وكان السلطان الغازي مراد الثاني يكرمه إكرامًا شديدًا، وعيَّنه مدرسًا لولده محمد، ولقد عينه السلطان الفاتح مساعدًا لقاضي عسكر، ثم عينه قاضيًا في مدينة بورصه ثم ولي الإفتاء في آخر الأمر، ومات بعد عهد تلميذه العظيم، ولعظم قدره في الدولة حضر السلطان بايزيد الثاني صلاة الجنازة عليه في سنة ٨٩٣ﻫ. وقد ترجم له السخاوي في الضوء اللامع. وله غايات الأماني والبدور اللوامع، ولوامع الغرر في شرح فوائد الدرر، وكشف الأسرار عن قراءات الأئمة الأخيار، وغايات الزمان في تفسير الكلام الرباني.

ومنهم الشاعر والفقيه جلال زاده خضر بك كتب النونية في العقائد.

ومنهم مصلح الدين البروسوي كتب نقدًا لتهافُت الفلاسفة ورسالة في الحركة، ومنهم خطيب زاده بن تاج الدين، وملا خيالي، ومصطفى القسطلاني، وعلاء الدين عربي، وعلاء قوشجي الذي كتب الرسالة المفردية وعقود الجوهر والمعجز في الطب، ومنهم علي بن مجد الدين شاهرودي الهروي، وهو من أحفاد الفخر الرازي ومن تصانيفه شرح الإرشاد، وشرح المصباح في النحو، وشرح آداب البحث، وشرح العقيدة الروحية لابن سينا، وله تآليف أخرى بالفارسية. ومنهم ملا لطفي وهو صاحب رسالة في تاريخ الحكمة، وعبد الرحمن بن مؤيد الذي يقال إن له من المؤلَّفات سبعة آلاف مجلد، ومنهم تكساري وتاجي بك زاده وجعفر، وسعدي شلبي، وعلي جمالي، وابن كمال، والمفسر أبو السعود الذي عرف باسم كمال باشا زاده.

ولابن كمال آثار ومؤلَّفات في الفقه والتفسير وعلم الكلام والحكمة والتاريخ والمعاني، وكان ينظم الشعر باللغتين الفارسية والتركية. وأما أبو السعود فكان قاضيًا ثم تولى المشيخة الإسلامية فأصبح شيخًا للإسلام، ويقال إنه لما شاع خبر وفاته في الحرمين صُلِّيَتْ عليه هناك صلاة الغائب، ويروى أنه كان يُصدر في اليوم ألف فتوى، وتفسيره للقرآن مشهور وشرحه لبردة البوصيري يدل على قوة في اللغة العربية واطِّلاع واسع في الأدب العربي، وهو يتبع في أسلوبه السجع ويهتم بالصنعة اللفظية.

ومنهم محمد بن قطب الأزنيقي صاحب التعبير المُنيف والتأويل الشريف، وشرح الأوراد ورسالة في المعرفة وفتح مفتاح الغيب، ولقد جمع هذا الرجل — كما يقول ابن العماد صاحب شذرات الذهب — بين الشريعة والطريقة والحقيقة. وظهر في الفلسفة كمال الدين مسعود الشرواني الرومي له رسالة في الأبحاث الثلاثة المتعلِّقة بالكلام والمنطقة والحكمة، وله شرح السمرقندية، وشرح المواقف … ومنهم يوسف بن حسن القرمسطي، كتب رسالة في المواقف، والوجيز في أصول الدين، وزبدة الوصول إلى علم الأصول، ومنهم حاجي شلبي الفناري صاحب رسالة على المبدأ الأول وشرح المواقف. وظهر في اللغة السيد محمد بن السيد حسن بن علي وله جامع اللغة، ولطف الله شلبي وهو تلميذ التفتازاني، له متصرفات الأسماء ومقدمات العلماء.

ومن أجل العلماء قدرًا في عهد الفاتح ممن توسَّلوا إلى الله بالتقوى صادقين الشيخ آق شمس الدين، ولقد دعاه السلطان إلى صحبته عند حصاره مدينة القسطنطينية، ولقد بشَّر ذلك الشيخ أحمد باشا، وهو أحد وزراء السلطان بالنصر وعيَّن له وقت الفتح، كما يروي صاحب الشقائق النعمانية، وحمل الوزير هذه البُشرى إلى السلطان، فلما قرب الوقت الموعود ولم تفتح المدينة خشي الوزير غضب السلطان، فأسرع إلى الشيخ فوجده يبكي ويتضرَّع إلى الله ويسأله أن يُتِمَّ نصره، ثم أنزل الله نصره ودخل الأتراك المدينة في الوقت الذي عيَّنه الشيخ فقال السلطان: ما فرحت بهذا الفتح مثل فرحي بوجود مثل هذا الرجل في زماني.

وكان السلطان يرسل إليه ويقربه، ويُروَى أنه بعد إتمام فتح المدينة العظيمة التمس من هذا الشيخ الموهوب أن يُرِيَهُ قبر أبي أيوب الأنصاري، فتوجَّه الشيخ ساعة وكشف عن موضع القبر فبنى السلطان عليه القبة والجامع.

هذه القصص مهما كان نصيبها من الصحة إن دلت على شيء فهي تدل على مقدار تعلُّق السلطان برجال الدين وأولياء الله الصالحين.

وكان للسلطان محمد الفاتح رُوح اجتماعي طيب سمح، فله من أعمال الكرم والجود والبر الشيء الكثير، فلقد عيَّن للأرامل والأيتام في كل سنة النفقة والكسوة ما يفي بحاجتهم، وبنى المستشفيات والسبل والحمامات المجانية.

وكان الفاتح يعلق أهمية كبيرة على كشف قبر أبي أيوب الأنصاري، وكذا كل الأتراك؛ لما لصاحبه من قدر جليل وسابقة في الإسلام ونصرة للرسول ، وكان البيزنطيون أنفسهم يحترمون قبره ويستسقون به فلم يكن قبره مجهولًا عندهم. ولقد أصبح جامع أبي أيوب الأنصاري أقدس جامع في الأستانة، وأصبحت الدولة العثمانية تُقِيمُ فيه حفلة السيف وهي حفلة تُقام كلما ارتقى سلطان العرش فيذهب السلطان الجديد إلى هذا الجامع، ويُقَلَّدُ سيف عمر بن الخطاب في حفلة عظيمة تشبه حفلة التتويج في الغرب الأوروبي، وعندما يتقلد السلطان السيف يصلي ركعتين في ضريح أبي أيوب الأنصاري.

وأما من ناحية تذوق الأدب والفن، فلقد كان الفاتح مغرمًا بالشعر يحفظه ويقوله ويستمع إليه ويغشى نواديه، ويكرم أهله أيًّا كان موطنهم وجنسيتهم فكان يرسل بالهدايا والمنح إلى شعراء الهند وخاصة إلى الشاعر خوجايجهان، وقامت في عهده مدارس للشعر الغنائي في بروسة وقسطموني، وكان وزراؤه يحاكون سَيِّدَهم في هذه الناحية ويعضدون الحركة العلمية والأدبية.

وكان أربعة منهم ينظمون الشعر، ومنهم أحمد باشا الذي وضع أسلوب الشعر الغزلي في اللغة التركية، ومنهم خضر باي زاده سنان باشا صاحب تضرع نامه، وجزري قاسم الذي لُقِّبَ في مجلس الأدب بصافي، وقرماني محمد باشا ولقب بنشائي، وأما السلطان نفسه فلُقِّبَ بعوني.

وفي عهده نظم الشاعر حمدي قصة ليلى والمجنون باللغة التركية تقليدًا للملاجائي، كما نظم قصة يوسف وزليخا. وأما الشهدي الشاعر فلقد حاول أن يكتب التاريخ العثماني نظمًا على طريقة الملاحم تقليدًا للفردوسي في شاهنامته، لكنه تُوُفِّيَ بعد أن نظم أربعة آلاف بيت، ومنهم جلشني الذي كتب عشرين ألف بيت على طراز مثنوي. ومن الشعراء آلهي الذي ألف زاد المشتاقين ونتائج الأرواح.

ومن السيدات الشاعرات مهرى وهي من بلدة أماسيا، وزينب وهي من قسطموني، ونالت هاتان الشاعرتان عطف السلطان، وهنا يجب ألا ننسى أن الأمير جم، فلقد كان شاعرًا عظيم الشأن يحسن تذوق الفن.

وأما تقدير السلطان لنواحي الفن فيظهر في ولعه بالموسيقى، ويبدو واضحًا في استدعائه لبليني إلى إستامبول حيث أكرمه إكرامًا عظيمًا، وكان يقدره ويعجب به ويتابع عمله ويتبسط معه. ولقد قام بليني برسم صورٍ للسلطان الفاتح، منها صورة كبيرة لا تزال موجودة، ورسم صورة أخرى منها صورة كبيرة يبين فيها استقبال سفير في الأستانة، وعمل بليني للسلطان مداليات على بعضها صورة الفاتح كتب حولها باللاتينية ما ترجمته: «السلطان محمد الثاني الإمبراطور العظيم» وعلى ظهرها ثلاثة تيجان تمثل الإمبراطوريات التي يحكمها السلطان. ولقد أهداه الفاتح عند انتهائه من مهمته قلادة ذهبية وعطية سنوية ومنحه رتبة البكوية.

لقد كان عصر الفاتح عصرًا زاخرًا بالفتوحات، عصر تنظيم وبناء، عصرًا ناضرًا برجال العلم والدين والأدب والشعر.

ويقدر المسلمون في كافة أقطار الأرض أعمال الفاتح ويرون فيه بطلًا من أبطال الإسلام وزعيمًا من زعمائه. وأما الأتراك فلقد تعلقوا بسلطانهم العظيم، فهم يفخرون به ويمجدون أعماله العظيمة ويُجِلُّونَ ذكراه:

هركوشه سنده دهرك
نام بقا مدارك
شامسنه در دينلسه
عالم سنك مزارك
بيت خدايه قوتمش
جاهك مطاع إسلام
طورمش باشكده بكلر
برقوم تربه دارك
ميدان حربي فيلدك
سن تختكاه شوكت
توحيد إيدي مرامك
إسلام إيله انامي
بر مجمع سياست
بولدك عقول جسبان
دوران إيدي رقيبك
الله إيدي نكارك
إن اسمك الخالد لباقٍ في كل ركن من أركان العالم
وجدير أن يقال إن العالم بأسره قبرك
وإن ضريحك المشيد في بيت الله مطاع للإسلام
ولقد وقف القوم كلهم (الأتراك) يحرسون ضريحك
جعلت ميدان الحرب مقرًّا لعرشك العظيم
كان غرضك توحيد الأنام بالإسلام
واجتمع لهذا الغرض علمك ومقدرتك
لبثت في الدهر لحظة وكل لحظة أصبحت عهدًا
والدهر كان رقيبك والله كان حبيبك١
١  الشاعر التركي المشهور عبد الحق حامد، على قبر الفاتح.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠