الفصل الثامن

حروب العراق

كان لتحول كل شيء إلى صور تأثير مُقلِق على الإدراك، كما أشار رولان بارت في كتابه «الغرفة المضيئة». في حين أن الصورة المنتشرة في كل مكان قد تكون لم تعمل على «تبديد واقعية عالم البشر المليء بالصراعات والرغبات» إلى الحد الذي يصفه هذا المؤلف، فلا شكَّ في أنها أثَّرت في ردود الفعل تجاه الألم والمعاناة والمتعة في الحياة الواقعية، فجعلَتْ أوجه التجربة الإنسانية هذه تبدو إلى حدٍّ ما مألوفة، والشعور بها أقل حدةً، وأقل إلحاحًا. (روزينبلوم، ١٩٨٤، ص٥٠٧)

هبطت الطائرة التابعة للبحرية التي كانت تحمل الرئيس جورج دبليو بوش في الأول من مايو عام ٢٠٠٣ على ظهر حاملة الطائرات يو إس إس أبراهام لينكولن. خرج الرئيس من الطائرة مرتديًا بدلة طيران خضراء، حاملًا خوذة بيضاء، ولوَّحَ للبحارة على منصة المراقبة، وحيَّا أفرادَ الطاقم على المدرج. هذا الحدث، الذي سجلته الصور الثابتة والبث التليفزيوني المباشر، سمح للرئيس أن يظهر في صورة قائدٍ منشغل بالحرب. وقدَّمَ هبوطُ الطائرة على هذا النحو، وأسلوبُ تعامُلِ الرئيس بانتصارٍ مع أفراد الطاقم أمام لافتةٍ كُتِب عليها «المهمة أُنجِزت»؛ فرصةً رائعةً لتعريف دوره بصريًّا بأنه «القائد العام»، وللتحكم في الرمزية البصرية لرئاسته (على الرغم من أنه حتى الكثير من مؤيدي بوش رأوا أن صور شعار «المهمة أُنجِزت» بَدَتْ ساذجةً سياسيًّا، وحتى مُحرِجة).

من المَدْرج نفسه، أخذ الرئيس بوش يزعم، في وقت لاحق من ذلك المساء، نهايةَ عملياتِ القتال الرئيسية في العراق؛ ومع ذلك استمرَّ القتال، وحلَّتْ رموزٌ أخرى محلَّ تلك التي ظهرت على سطح حاملة الطائرات يو إس إس أبراهام لينكولن.

يسعى قادة الحكومة والمؤسسة العسكرية بجد لتطبيق استراتيجيات من أجل التحكم في تحرك المصورين، ووصولهم إلى الأماكن، وفي اختيار الصور (الرقابة)، والحس الوطني. وعلى الرغم من هذه الجهود، «غالبًا ما يكون الواقع الذي تلتقطه عدسةُ مصوِّر الصور الثابتة أو المتحركة على نحوٍ عشوائي هو الذي يساعد في تحديد ما نفكِّر فيه» (كيفنر، ٢٠٠٣).

يعتقد الكثيرون أنه على الرغم من أن حرب فيتنام قدَّمَتْ للصحفيين المصورين حرية غير مسبوقة لتوثيق أهوال الحرب، فإنها كانت حالة شاذة. تقول المصوِّرة المخضرمة كاثرين ليرُوي:١

ركبنا طائرات عسكرية، وشاركنا في هجمات بالطائرات المروحية في أثناء العمليات، وسرنا مع الوحدات في كل وقت وفي أي وقت … لم نكن عرضةً للرقابة. كان هذا أمرًا غير مسبوق، ولن يتكرَّر مرةً أخرى؛ فقد أصبحنا الآن في «العالم الجديد الرائع» الذي يُطبَّق فيه التضليل والرقابة، ويضيق مجال الوصول ليقتصر على فرص التصوير. (لانج، ٢٠٠٦د)

ومع ذلك، يبدو أن كل حرب تقدِّم قليلًا من الصور التي تعبِّر عن هذه الحرب على وجه الخصوص، وكثيرًا ما تكون هذه الصور مزعجة، وتتعارض مع رغبات الحكومة والمؤسسة العسكرية. تقدِّم صورة لديفيد تورنلي من حرب الخليج الأولى مثالًا رائعًا لهذا. يشرح المؤرخ والناقد للصور، بول ليستر، هذا قائلًا:

هبطت طائرة تورنلي المروحية المليئة بالأطقم والمعدات الطبية على بُعْد ١٠٠ ياردة تقريبًا من مشهد مروع؛ فقد أُصِيبت مركبة عسكرية أمريكية للتو بقصف مباشر. كان الجنود الملقَوْن على الأرض مستائين بسبب تعرُّضهم للقصف خطأً من دبابة أمريكية. أُخرِج الجرحى سريعًا من المركبة، وحُمِلوا إلى الطائرة المروحية. انهار الرقيب كين كوزاكيفيتش، الذي كان يعاني من كسرٍ في يده، داخلَ الطائرة المروحية. ووُضِع جثمان سائق مركبة كوزاكيفيتش على أرضية الطائرة المروحية داخل كيس للموتى. أعطى أحد أعضاء الفريق الطبي، ربما دون تفكيرٍ، بطاقةَ هُوِيَّة السائق المتوفَّى لكوزاكيفيتش. سجَّلَ تورنلي، الذي كان يجلس أمام هذا الجندي الجريح هذه اللحظةَ العاطفية بكاميرته عندما أدرك كوزاكيفيتش أن صديقه قُتِل إثرَ الانفجار.

في وقت لاحق في المستشفى، سأل تورنلي الجنود عن أسمائهم. سألهم أيضًا عمَّا إذا كانوا يمانعون من نشر الصور، وأخبروه جميعًا أنهم يوافقون على أن ينشر الصور.

كانت قواعد القتال التي وضعها الجيش تقتضي أن يعطي تورنلي فيلمه للمسئولين العسكريين ليحصل على موافقتهم على نشره. وفي اليوم التالي لهذا الحادث، علم تورنلي أن المحررين الذين يعمل معهم لم يحصلوا بعدُ على سوالب صوره من المسئولين في وزارة الدفاع. أصَرَّ المسئولون العسكريون على أنهم ما زالوا متحفِّظين على الفيلم لأن طبيعة الصور حسَّاسة. قالوا، كذلك، إنهم قَلِقون بشأن ما إذا كانت أسرة الجندي المتوفَّى أُبلِغت بخبر وفاته أم لا. وبسبب محاجَّة تورنلي بأن الأسرة لا بد أنها أُبلِغت بالخبر حينئذٍ، أفرج المسئولون عن الفيلم.

نُشِرت صوره في النهاية في ديترويت وفي جميع أنحاء العالم. سُمِّيت الصورة التي يظهر فيها كوزاكيفيتش وهو يبكي على فقدان صديقه «صورة الحرب»، ووُضعت على غلاف مجلة باريد. وبعد بضعة أشهر من انتهاء الحرب، تحدث تورنلي مع والد كوزاكيفيتش، الذي كان في إحدى أوليات الوحدات العسكرية الأمريكية في فيتنام. وردًّا منه على الرقابة على الصور التي يمارسها المسئولون العسكريون، شرح ديفيد كوزاكيفيتش الأمرَ قائلًا إن الجيش كان «يحاول دفعنا إلى الاعتقاد بأن هذا عمل نظيف، لكنها حرب؛ فأين الحديث عن الدماء وواقع ما يحدث هناك؟ أخيرًا، أصبحت لدينا صورة لما يحدث فعلًا في الحرب.» (ليستر، ١٩٩٤)

تشتمل الأمثلة الأخرى للصور التي أصبحت رموزًا مزعجة للصراعات الحديثة، على صورة الجثمان المحترق لجندي عراقي كان يعمل على دبابة على «طريق الموت»، وصورة جثمان جندي أمريكي وهو يُسحَل في شوارع مقديشو. سجَّلَتْ كلُّ صورةٍ من هاتين الصورتين لحظاتِ الهلع التي تزعج مشاعر المشاهدين، وكما يقول الجميع، سرَّعَتْ صورةُ مقديشو من انسحاب الولايات المتحدة من الصومال.

إلا أن الصحفيين الذين يغطُّون الحروبَ في عصرنا الحالي يواجهون تحدياتٍ صعبةً من الحكومة والمؤسسة العسكرية أثناء متابعة قصصهم.

أثناء حرب الخليج الأولى، التي أطلق عليها الجيش الأمريكي «عاصفة الصحراء»، وقع الصحفيون تحت رقابة مشدَّدة من خلال مؤسسة التغطية الصحفية العسكرية المشتركة. يقول سونتاج إن مفهوم التغطية المشتركة موجودٌ منذ نحو قرنٍ من الزمن. «كانت الرقابة موجودة طوال الوقت، لكنها ظلت لوقت طويل غير منظمة، تخضع لأهواء القادة العسكريين ورؤساء الدول. وظهر الحظرُ المنظَّم الأول للتصوير الصحفي على الجبهة أثناء الحرب العالمية الأولى؛ فلم تسمح القيادات العليا الألمانية والفرنسية إلا لعدد قليل من المصورين العسكريين المختارين بالاقتراب من القتال» (سونتاج، ٢٠٠٣، ص٦٤، ٦٥).

تلاعَبَت التغطية المشتركة التي أُنشِئت في حرب الخليج الأولى بنقل الأخبار من الجبهة بطرق عديدة؛ فقد قلَّصَت العددَ الإجمالي لصحفيِّي التغطية المشتركة إلى نحو مائة صحفي، وتحكَّمَتْ في الوصول إلى الجبهة، وبمجرد وصول الصحفيين إلى الجبهة كان يُعيَّن لهم «مرافقون عسكريون». بالإضافة إلى ذلك، كان يُطلَب من الصحفيين التوقيع على قواعد وزارة الدفاع التي «كانت تمنع نقل أخبارٍ يمكنها، بأي شكل من الأشكال، أن تُعرِّض القوات للخطر. فيجب على الصحفي الحصول على موافقة قبل الشروع في العمل على أي قصة، وبمجرد الانتهاء من الموضوع تخضع القصة والصور للرقابة العسكرية للولايات المتحدة والحلفاء» (ليستر، ١٩٩٤).

على الرغم من التهديد، يعتقد كثيرٌ من الصحفيين أن الرقابة المطلقة كانت تحدث في أضيق الحدود، ويقولون إن المشكلة تمثَّلَتْ في أن نظام التغطية المشتركة كان يحدُّ كثيرًا من الوصول إلى أناسٍ حقيقيين وأحداث حقيقية. وبدلًا من ذلك، كانت المؤسسة العسكرية تمدُّ وسائل الإعلام بقدرٍ هائل من «فُرَص» الحصول على المعلومات والصور ومقاطع الفيديو.

كانت تحليلاتُ ما بعد حرب الخليج مهمةً للغاية للأداء الإعلامي، لثلاثة أسباب؛ أولًا: لم تحارب وسائل الإعلام الإخبارية (خاصةً وسائل الإعلام السائدة الكبرى) أوجهَ الحظر العسكري الصحفي بأية طريقة واضحة. ثانيًا: أصبحَتْ وسائلُ الإعلام الإخبارية تقريبًا مثل فرقة المشجعين لأفعال الجيش الأمريكي. وثالثًا: سمحت وسائلُ الإعلام الإخبارية لحرب الخليج أن تسيطر بالكامل على الأخبار، وبذلك أخرجَت الأحداث المحلية والعالمية الأخرى المهمة خارج الصورة (جانيت فونديشن، ١٩٩١).

وإذ لم تتحدَّ النظام، وإنما قبلته ونشرت أخبارًا متحكمًا فيها أعَدَّتْها المؤسسةُ العسكرية، أصبحَتْ وسائلُ الإعلام الإخبارية، بأشكال عديدة، جزءًا من المجهود الحربي. اشتمل هذا على إظهار العدو بصورة الشر، والاحتفال بإعجاز آلات الحرب ذات التقنية العالية. واشتمل هذا أيضًا على التجاهل الفعلي للعدد الهائل من الضحايا المدنيين. يقول الرئيس السابق لمحطتَيْ إن بي سي نيوز، وبي بي إس؛ لاري جروسمان:

لا شك في أن المراسلين في أثناء الحرب يتحولون إلى مشجعين للجانب الذي يؤيدونه ولدولتهم؛ فهُمْ وطنيون كأي شخصٍ آخَر، ولديهم وجهات نظر تقليدية للغاية عما يحدث. لكن بالتأكيد، في هذه الحرب التي استمرَّتْ لوقت قصير وكانت قاسيةً للغاية، أعتقد أننا شهدنا دون شك فريقًا من الصحفيين داعمًا ووطنيًّا على نحوٍ استثنائي … كان هذا هو الأكبر في تاريخ الحرب التشجيعية. (جانيت فوندايشن، ١٩٩١، ص٦٥)

في بداية حرب الخليج الثانية، استعدَّتْ فِرَقٌ من المحررين في الصحف في جميع أنحاء الولايات المتحدة لمهمة تغطية الحرب، من خلال تنظيم مساعدة الصحفيين المستقلين، والتخطيط للأقسام الخاصة، والمطالَبة بالحصول على مساحة إضافية (ثيو، ٢٠٠٤). في الوقت نفسه، أعلنت المؤسسة العسكرية الأمريكية أن برنامجًا لدمج الصحفيين في الوحدات العسكرية سيحلُّ محلَّ سياسة التغطية المشتركة. يسافر الصحفيون المدمجون مع الجنود، ويشاركونهم ما يتعرضون له. يقول مدير التحرير المساعد في صحيفة لوس أنجلوس تايمز، كولين كروفورد: «أعتقد أنهم [القيادة العسكرية الأمريكية] كانوا في النهاية أذكياء للغاية؛ لأن ما حدث هو أن هؤلاء الصحفيين تعرَّضوا لإطلاق النار عليهم، وتمكَّنوا فجأةً من الإخبار بماهية الحرب وما يمر به الرجال والنساء فيها. أعتقد أن ثمة مواقفَ حدثَتْ قد يقول فيها أحدُ المراسلين على سبيل المثال: «يا إلهي، كلا، إن هذا الرجل يطلق النار علينا، ولهذا قُتِل هذا العدد الهائل من الناس»» (كروفورد، ٢٠٠٤). مكَّنَت التكنولوجيا الحديثةُ المصورَ — الذي يحمل معه كاميرا رقمية وكمبيوترًا وهاتفًا متصلًا بالأقمار الصناعية — من صنع الصور وتحريرها وإرسالها في أثناء مرافقته للقوات فعليًّا في أي مكان في العالم.

بوجه عام، يبدو أن الصحفيين والإصدارات الصحفية سعداء بالترتيب (المدمج)؛٢ فهو يسمح للصحفيين بالوصول إلى مواضع القتال، ويسهِّل الحصول على صور استثنائية من وجهة نظر جندي على الجبهة. في الوقت نفسه، يخاطر الصحفيون بسرد القصص من منظور محدود للغاية؛ فهم لا يشاركون الجنود فيما يتعرضون له فحسب، ولكنهم يعتمدون عليهم أيضًا في حمايتهم. يحكي المصور توبي موريس عن تجربته بعد التعرض لطلق ناري:

سقطتُ على وجهي، ولا أعرف حتى ما حدث لي …

ركض رقيب [باتريك ماير] كان في سيارة الهامفي نفسها التي كنتُ فيها، وجذبني من حزام سترتي الواقية من الرصاص. بدأ يسحبني إلى الجانب الآخر، بين هذا الحائط الذي كان يبعد نحو أربع أقدام أو خمس عن الهامفي. ربما تفترض أنه لا سبيلَ إلى الإصابة بطلق ناري في هذا المكان؛ لأنك توجد بين الحائط والسيارة، لكنه كان على وشك إلقائي داخل السيارة، وحينئذٍ، أُصِيب بطلق ناري في ساقه، وسقط داخل الهامفي.

كنتُ لا أزال مستلقيًا على الأرض أحاول التفكير فيما أفعله، ومرت خمس ثوانٍ تقريبًا، ثم أُصِبت بطلق ناري في كاحلي. كان الأمر غريبًا إلى حدٍّ ما؛ لأنك لا تسمع فعليًّا صوت الطلقة. لكن، في هذه المرحلة، استطعتُ سماعَ صوت هذا الشخص في ذهني وهو يعيد تعبئة سلاحه. كنت أسمع صوت طقطقة، وقلتُ في نفسي: «حسنًا، أنا على وشك الموت.» ثم استخدمتُ قدمي اليمنى إلى حدٍّ ما لأدفع نفسي للنهوض والدخول في السيارة، ثم سقطتُ فوق هذا الرقيب المسكين الذي كان ينزف في كل مكان. ثم نزل الجندي المدفعي عن مدفع السيارة إلى مقعد السائق وبدأ يقودها …

أبلغ من العمر ٢٨ عامًا، وكثير من الموجودين هنا في عمري نفسه تقريبًا، أو أصغر بقليلٍ؛ فهم شبابٌ صغار السن، وكثيرٌ منهم يتمتعون بهذه الصفات الرائعة. أرى فيهم صورة الأمريكيين التقليديين؛ لا يشكِّكون في دوافع الآخرين، ويؤمنون بشدة بالحرية والاستقلال. (لانج، ٢٠٠٦ب)

في الواقع، سَعَت المؤسسةُ العسكرية إلى تجنيد صحفيين من أجل سرد القصة من منظور الجنود، وفي المقابل يسمح العسكريون للصحفيين بالوصول الكامل تقريبًا لمواضع القتال، ويحرصون على سلامتهم (كولومبو، ٢٠٠٥). هذا لا يعني أن جميع الصحفيين المنضمين للمؤسسة العسكرية ينقلون الأخبارَ بطريقةٍ تدعم بالكامل وجهةَ نظرها. يوجد فرقٌ بين وجهة نظر الجندي ووجهة نظر المؤسسة العسكرية؛ فهما لا تكونان دومًا متماثلَتَيْن؛ ومع ذلك، فإن الصحفيين الذين يأكلون ويشربون وينامون ويضحكون ويبكون مع الجنود، والذين يتحمَّلون الحرمان نفسه والأخطار نفسها، والذين يعتمدون على الجنود في أمنهم؛ على الأرجح أنهم سيرون هؤلاء الجنود على هيئة شباب وشابات يتمتعون «بهذه الصفات الرائعة حقًّا». فيصبح الصحفيون المدمجون جزءًا من الوحدة، ولا يسعهم، بهذه الصفة، إلا أن يفكِّروا بعقلية الفريق.

إن الاعتراف بذكاء المؤسسة العسكرية في دمج الصحفيين لا يقلِّل، بأي حال من الأحوال، من شأن مهنية الصحفيين الذين يعملون في العراق أو شجاعتهم (لجنة حماية الصحفيين، ٢٠٠٧). وكما تقول سوزان سونتاج:

نحن — و«نحن» هذه هي كل إنسان لم يمر بأي شيء يشبه ما مروا به [تجربة الحرب] — لا نفهم. لا يمكننا أن ندرك الأمر، ولا نستطيع تخيُّلَ طبيعة الوضع. لا نستطيع تخيُّلَ كَمْ تكون الحرب بغيضة، وكَمْ هي مرعبة، وكيف تصبح أمرًا طبيعيًّا. لا نستطيع أن نفهم، ولا نستطيع أن نتخيَّل؛ فهذا ما يشعر به بعنادٍ كلُّ جندي، وكلُّ صحفي، وكلُّ عاملِ إغاثةٍ، وكلُّ مراقبٍ مستقل تعرَّضَ في وقتٍ ما لإطلاق النار، وكان محظوظًا ليتجنَّب الموتَ الذي كان يصيب آخَرين بالقرب منه. وهم مُحِقُّون. (سونتاج، ٢٠٠٣، ص١٢٥، ١٢٦)

بينما يستطيع الصحفيون الكتَّاب البحثَ عن مصادر تمدُّهم بمعلومات عن القصة، يجب على المصورين ألَّا يكونوا فقط حاضرين خلال تطوُّر القصة، ولكن أن يكونوا حاضِرِي الذهن أيضًا من أجل تكوين الصورة وتسجيل لحظة مهمة؛ يحدث هذا كثيرًا بينما يتعرَّضون لإطلاق النار (روزينبلوم، ١٩٩٣).٣ يقول كروفورد: «يوجد خيط رفيع حقًّا [عند اتخاذ قرارٍ بشأنِ مَن ترسله]، وهو أمر مخيف، وبالتأكيد لا أستخفُّ به. ولكني لا أتجنَّبه خجلًا؛ لأنه على الرغم من أن العراق مكان يُبغَض التواجُد فيه في الوقت الحالي، فهذا هو عملنا» (كروفورد، ٢٠٠٤).
أرسل كروفورد، الصحفيَّ المصوِّرَ في صحفية التايمز ريك لوميس، إلى العراق في عام ٢٠٠٣، واستمر لوميس في العمل هناك أكثر من أربع سنوات. يجسِّد لوميس، المصوِّر الحاصل على العديد من الجوائز، كلَّ شيء يريده المحرر (ومستهلك الأخبار) في الصحفي الذي يغطي الحرب؛ فهو ذكي وشجاع ومتعاطف وعميق التفكير؛ فقد تابَعَ تأثيرَ الحرب على المدنيين العراقيين، لكنه يعترف أنه بوصفه مصوِّرًا مدمجًا، أصبح من الصعب عليه الوصول،٤ فيقول:

أعتقد أن من الأشياء التي يصعب عليك الوصول إليها، بصفتك صحفيًّا غربيًّا، الخسائرَ التي سبَّبَتْها الحرب للمدنيين العراقيين. وبوصفك صحفيًّا، هذا ما تلتزم بفعله، فأنا أريد أن أحكي جانبَي القصة، إنْ صح التعبير. توجد أوقات يمكنك فيها فعل هذا. بعد الحرب مباشَرةً، يمكنك فعل ما يحلو لك، ثم بعد معركة الفلوجة، بدأَتْ تقلُّ فرصُ القدرة على سرد هذه القصص من وجهة النظر هذه.

ذهبتُ عقب معركة الفلوجة إلى داخل بغداد، وحاولتُ العملَ على قصص عدة تتحدَّث عن مدى افتقار المدنيين للسلطة، ومدى افتقار المدنيين للوظائف، ومدى افتقار المدنيين للأمن والاستقرار؛ أي تناولت الصعوبات التي يعانونها؛ ففي دولة تنتج البترول، كان هؤلاء الناس ينتظرون في صفٍّ طوالَ اثنتي عشرة ساعة من أجل تزويد سياراتهم بالوقود. كانوا فعليًّا يقفون في طابورٍ يمتدُّ أميالًا، ويدفعون سياراتهم، ويتناولون الطعام فيها، وأخيرًا يَصِلون إلى مضخة البنزين ويملئون خزانات سياراتهم. بَدَتْ لي أمثال هذه الأشياء سخيفة في هذه المرحلة.٥ (لوميس، ٢٠٠٧)

ينتمي المصورون الذي يصورون الحرب إلى خلفيات متنوعة، ومثل العاملين في أية مهنة، يمارسون مهنتهم لأسباب متنوعة. يتمتع الصحفيون الذين أعرفهم وذهبوا إلى العراق (إما أرسلتهم جهةُ نشرٍ، أو وكالةٌ، أو وكالةُ أنباء، أو ذهبوا من تلقاء أنفسهم) بذكاء دائم، واجتهاد شديد في العمل، واهتمام شغوف بجودة عملهم ومصداقيته؛ فهم يتحدَّثون عن محاولة إعداد تقارير فوتوغرافية منصفة ودقيقة عن الحرب. ومع ذلك، فلا وجود «للموضوعية». يختار كل مصور أن يقف، أو يجثو على ركبتَيْه … إلخ، من موقع مراقبة متميِّز معين، ويختار عدسة معينة، ويضيف فلاشًا (أو لا يضيفه)، ويضغط على زر الكاميرا في وقتٍ مِن اختياره. تُستخدَم كلُّ «أدوات المهنة» هذه من أجل توصيل رسالةٍ ما. يمكن للمرء الاعتقاد منطقيًّا بأن الصحفي المدمَج يستخدم أدواتٍ تُصوِّر زملاءَه الأمريكيين — الذين يحمونه — على نحوٍ إيجابي، في حين يصوِّر الذين يعتقد أنهم يحاولون إلحاقَ الأذى به وبرفاقه في الوحدة العسكرية على نحوٍ سلبي.

اختار بعض المصورين أن يكونوا «غير مدمجين» أثناء تغطيتهم الحرب في العراق؛ فقد ذهب المصور ثورن أندرسون٦ في خمس رحلات إلى العراق، وقضى إجمالًا نحو عشرة أشهر بين عامَيْ ٢٠٠٢ و٢٠٠٤، وكان في بغداد في أثناء حملة «الصدمة والترويع» في شتاء عام ٢٠٠٣ قبل أن تُخرِجه الشرطة السرية العراقية.

عاد مرةً أخرى في مايو عام ٢٠٠٣ بعد سقوط حكم صدام حسين. ويقول إنه علم أن العراق ستصبح هدفًا للولايات المتحدة بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر الإرهابية؛ لذلك تمكَّنَ بمساعدة مجموعةٍ تُسمَّى «أصوات في البرِّية» من الحصول على تأشيرةٍ للعمل على قصةٍ عن آثار عقوبات الأمم المتحدة على المواطن العراقي العادي قبلَ أشهرٍ من غزو الولايات المتحدة للعراق.

يقول إنه على الرغم من أن معظم الصحفيين الذين كانوا في العراق قبل الحرب كانوا تحت رعاية وزارة الإعلام العراقية، وكانوا يميلون إلى الإقامة في الفندق نفسه مع زملائهم، كان هو يظل وحده. ويَعتقد أنه، بسبب ذلك، كانت لديه «رفاهية العمل بحرية أكبر، وتكوين علاقات أكثر قُرْبًا وتعاطُفًا مع الشعب العراقي» (أندرسون، ٢٠٠٧). إلا أنه، بعد الغزو، قضى وقتًا أكبر في العمل مع الصحفيين الآخرين، سواء المدمجون وغير المدمجين. ويحكي عن الاختلافات التي لاحظها بين مجموعات الصحفيين المختلفة، فيقول:

كان من الممتع رؤية وجهات نظر الصحفيين المختلفة عند احتشادهم في بغداد بعد الغزو الأمريكي مباشَرةً؛ فقد شهدت بغداد تجمُّعًا كبيرًا للصحفيين الذين كانوا في الغالب (أ) غير مدمجين في بغداد أثناء القصف، و(ب) مدمجين في القوات الأمريكية القادمة من الكويت نحو الجنوب، و(ﺟ) يتابعون زحف القوات الكردية من الشمال، و(د) ينتظرون فتح الحدود من الأردن (وفي الغالب، كانوا يشاهدون الحرب كما تُنقَل أخبارها على التلفاز). كان الأمر يبدو كما لو أن كل مجموعة من هذه المجموعات الأربع شهدَتْ أربع حروب مختلفة.

بوجهٍ عامٍّ، كان الصحفيون الموجودون في بغداد، الذين شعرتُ بانسجامٍ أكثر معهم، هم أكثر الذين شعروا بتأثير الحرب على المدنيين العراقيين، وكانت لديهم نظرة تشاؤمية عن مستقبل الصراع. أما الذين كانوا في الأردن، أو كانوا ضمن القوات الأمريكية التي تغزو من الجنوب، فالأرجح أنهم كانوا يرون الحرب من منظور «حرب تحرير»، على الرغم من أن القادمين من الجنوب بَدَوْا، إلى حدٍّ ما، أكثرَ وعيًا بالدمار الذي تطلَّبَه هذا الأمر. أما الذين جاءوا من الشمال فكانوا هم أيضًا متأثرين بالانتشاء الكردي من الإطاحة بصدام، لكنهم شهدوا بالفعل (في الأساس، في الفوضى التي حدثت عند سقوط الموصل) نذيرًا بالصراع الأهلي الذي أُطلِق عنانه.

حتى الكلمات البسيطة كانت معبِّرة. أذكر مواجَهةَ تمنُّعِ بعض الصحفيين المدمجين من وصف الغزو بأنه «غزو …» وبالمثل، أدركتُ التمنُّعَ المبكر لدى كثيرٍ من الصحفيين المدمجين من استخدام كلمة «احتلال».

بمرور الوقت بدأتُ أرى (على الأقل في أول سنتين) فجوةً متزايدة في مدركات الصحفيين الذين عملوا، من حيث الأساس، بوصفهم غير مدمجين، في مقابل الذين كانوا، من حيث الأساس، مدمجين في قوات الاحتلال الأجنبية؛ فقد كان الصحفيون غير المدمجين أسرعَ إدراكًا لتفكُّك المجتمع والأمن الأهلي العراقيين، كما كانوا أسرع في إدراك العلامات المبكرة لتمرُّد مستمر ضد الاحتلال (انظر شكل ٨-١).
fig19
شكل ٨-١: ولد صغير يشاهد أقاربه وهم يُصلِحون قاذفَ الآر بي جي في منزل أحد مقاتلي ميليشيا المهدي في مدينة الصدر، أثناءَ فترة هدوءٍ مؤقَّتٍ في القتال بين الميليشيا والقوات الأمريكية. صورة لثورن أندرسون. حقوق الطبع: ثورن أندرسون، جميع الحقوق محفوظة.

كان أوضح اختلاف بين الصحفيين المدمجين وغير المدمجين هو الأسهل شرحًا؛ فالصحفيون المدمجون، بمقتضى تعريفهم، كانوا يسافرون في حماية الجنود المسلحين، وكان وصولهم إلى حياة العراقيين العاديين أكثر محدوديةً؛ فلا عجبَ إذن أن تُبرِز قصصُهم عن العراق الأنشطةَ اليوميةَ لقوات الاحتلال الأجنبية، بينما كان الصحفيون غير المدمجين أفضلَ في تسجيلِ حياة العراقيين العاديين أثناء معاناتهم مع التغيُّرات الكبرى التي كان مجتمعهم يتعرَّض لها. انطبق الأمر نفسه على الصور؛ فالأمر سهل للغاية؛ تمتَّعَ المصوِّرون غير المدمجين بقدرةٍ أكبر كثيرًا على التواصُل بنزاهة وأمانة مع الشعب العراقي. (أندرسون، ٢٠٠٧)

كما ذكرنا من قبلُ في الفصل الرابع، يكون المصوِّرون عادةً أكثرَ الصحفيين ليبراليةً، وبالرغم من تأثير الإدماج، ما زال الكثير من المصورين يسعون وراء القصص التي تستكشف الجانب الأكثر إنسانيةً في الحياة. ومع ذلك، فإن توثيق أهوال التفجيرات الانتحارية، وصنع قصص مصوَّرة تُظهِر آثارَ الحرب على المدنيين، وصنع صور مؤثِّرة عن الجنود تحت وابل النيران — إنتاج صور ذات تأثير عاطفي، ولها صفات السرد القصصي المؤثر — هو نصف المعادلة فقط؛ فالمحررون، لا المصورون، يختارون الصور التي تُنشَر. في مقالٍ كُتِب في المراحل الأولى من حرب الخليج الثانية، يشير المصور بيتر هاو٧ إلى أن الناس يعتمدون عادةً على الصور الثابتة في الحصول على فكرة عن الأحداث في أوقات الأزمات، ومع ذلك كانت غالبية صور حرب الخليج الثانية التي ظهرت في الصحف والمجلات «مُلطَّفة»، مع استثناءات قليلة:

لا أصدِّق أنه لم تُلتقَط صور مفجعة بقدرٍ أكبر؛ ففي ظل احتدام القتال، وحقيقة أن المصور العادي، أو على الأقل هذا المصور العادي، يصعب عليه وهو تحت ضغط التعرُّضِ لإطلاق النار، أن يتَّخِذ قرارات جمالية، أو حتى أخلاقية في معظم الأحيان، فلا بد من وجود هذا النوع من الصور. فآخِر شيء تفكِّر فيه عندما تكون حياتك معرَّضة لخطر حقيقي وسريع هو شعور قرَّاء نشرة هوم تاون تايمز بالاستياء مما تصوِّره. ما أعتقد أننا نراه هنا هو عمليةُ انتقاءٍ ناتجةٌ من رقابةٍ داخلية من الشركات الإعلامية، أكثر من كونها رقابة عسكرية. تتردَّد شائعات حول وجود تعليمات لمحرري الصور بألا يختاروا إلا الصور التي تجعل الجيش الأمريكي يبدو بطوليًّا، وتوفِّر على الشعب الأمريكي الضِّيقَ الناتج عن رؤية الموتى أو المصابين إصابات خطيرة. بالطبع، يوفِّر هذا أيضًا على المعلنين المعاناةَ نفسها تمامًا مثل القراء، وهي مصادَفةٌ سارةٌ.

مع الأسف، الشركات الإعلامية مُحِقَّة؛ فليس المُعلِنون وحدهم هم مَن لا يريدون أن تُفسد صور الموتى والمشوَّهين ترويجَ منتجاتهم، ولكن معظم القراء لا يبدو أنهم يرغبون في ذلك أيضًا. ربما تكون صورُ الأطفال العراقيين الجرحى وجثث الجنود الأمريكيين هي ما تدفع الضرائب من أجل الحصول عليه، لكنك لا تستطيع أن تضعها على طاولة إفطار الأمريكيين. فمتى تظهر مثل هذه الصور، حتى إنْ كانت لجثث العدو، يعقبها مباشَرةً إرسالُ خطاباتٍ غاضبة إلى رئيس التحرير. في أثناء حرب فيتنام، تعرَّضَ وولتر كرونكايت (تذكرونه، الرجل الأكثر موثوقيةً في أمريكا) للنقد بسببِ عرْضِه جثثًا في فترة الإفطار. جاء ردُّه على ذلك أن الشعب الأمريكي ينبغي أن يراها، لا على الإفطار فقط، ولكن على الغداء والعشاء أيضًا، ومرةً أخرى قبل الخلود إلى النوم. بينما قد يبدو هذا التعليق للوهلة الأولى متغطرسًا وبليدًا، فهو يفيد الأمة أيضًا. (هاو، ٢٠٠٤)

يولي المحرِّرون قراراتِهم أقصى عناية عندما تكون الدولة في حالة حرب (إربي، ٢٠٠٤)؛ فتزيد جميع العوامل التي ذُكِرت سابقًا في هذا الكتاب إلى أقصى حدٍّ. يصبح نظامُ التسلسل الهرمي في غرفة الأخبار أكثر وضوحًا؛ حيث يتدخَّل كبارُ المحررين على نحوٍ أكثر قُرْبًا في قرارات التحرير اليومية؛ وبالمثل، يجتهد المحرِّرون الأقل خبرةً في الاقتداء، بثباتٍ، بكبار المحررين، وبمفهوم «الذوق السليم» السائد. يقول سونتاج: «يتخذ محرِّرو الصور في الصحف والمجلات قراراتٍ يوميًّا، تُصلِّب التوافُقَ المتذبذب بشأن حدود المعرفة العامة. وعادةً ما يُصدِرون قراراتهم في صورة أحكام بشأن «الذوق السليم»، الذي يكون دومًا معيارًا قمعيًّا عندما ينبع من المؤسسات» (سونتاج، ٢٠٠٣، ص٦٨).

تُستخدَم قواعد «الذوق السليم» من أجل حماية الإصدارات من تنفير القراء والمعلِنين (كارتر وشتاينبرج، ٢٠٠٤). بالطبع، هذه استراتيجية لها أهدافٌ اقتصادية وأخلاقية في الوقت نفسه. تشتمل أساليبُ تحقيق هذا على مجرد استبعاد الصور المزعجة من النسخة، وأحيانًا على وضع الصور المثيرة للمشاكل في الداخل، ونشرها بحجم أصغر، وبالأبيض والأسود (دوتينجا، ٢٠٠٤).

يشير المحرِّرون عادةً إلى مقياس «الذوق السليم» لديهم ﺑ «عامل حبوب الإفطار»؛ أيْ يفكِّرون في ردِّ فعل القارئ تجاهَ الصورة وهو يتناول صحنًا من حبوب الإفطار. يعمل المحررون، وهم يحاولون الموازنة بين «الذوق» وقيمة الأخبار، داخلَ الإطار الذي وضعَتْه الإصدارات والمؤسسات الإعلامية التي يعملون فيها، مثل معهد بوينتر (إربي، ٢٠٠٤). وعلى الرغم من أن إطار العمل يساعدهم في اتخاذ قراراتٍ بشأن نشر صورة معينة أو الامتناع عن نشرها، لا يصل جميعُ المحرِّرين إلى النتائج نفسها.

على سبيل المثال: قدَّمَ كثيرٌ من المحترفين والباحثين من معهد بوينتر آراءَهم بشأن ما يجب فعله بصورِ جثتَيْ قُصيٍّ وعُديٍّ ابنَيْ صدام حُسين المشوهتَيْن. يقول رئيس معهد بوينتر، جيم نوتون، إنه يؤيد نشر الصور، لكنه سينشرها داخل الصحيفة، مع تحذيرٍ في الصفحة الأمامية.

لا يوافق رئيسُ التحرير الصحفيُّ السابق، «زميلُ بوينتر المتميز في القِيَم الصحفية» الحالي؛ جريجوري فافر، على هذا الرأي. فهو يرى أن استخدام الصور سيكون خارج إطار الذوق السليم، ولن يقدِّم إلا «قيمة صادمة». وتقول جيل جايسلر، رئيسة مجموعة القيادة في معهد بوينتر، إن الصور لا بد أن تُستخدَم لكن مع «احترام بالغ للموتى» (تومبكينز، ٢٠٠٣).

ما لا يعترف به معظم المحررين في البداية أن كثيرًا من القرارات بشأن اختيار صور الحرب وأماكن وضعها وحجمها تُتَّخذ، على الأقل على نحوٍ غير مباشِر، من أجل حماية المصالح المادية للإصدارات. فبوصفها كيانات تجارية ينصبُّ جلُّ اهتمامها على الأرباح، تسعى الإصدارات الإخبارية إلى إعطاء عملائها (من القراء والمعلنين) ما يريدونه؛ فهي تحاول التأكُّد ممَّا يريده القراء من خلال الاستبيانات، مثل استبيان مونيتور/تي آي بي بي الذي سأل الناس عمَّا إذا كانوا يَقْبلون أم يرفضون نشْرَ صور الإيذاء الذي كان يحدث في سجن أبو غريب. وربما كان مفاجئًا أن الاستفتاء وجد أن كثيرًا من الناس لم يتأثروا على نحوٍ خاصٍّ بشكلٍ أو بآخَر:

ذكر المحقِّقون في خمس صحف يومية — في هيوستن، وساكرامنتو، وسان فرانسيسكو، وسياتل، وتوسون في ولاية أريزونا — أن معظم الصور المفجعة من العراق لم يَلْقَ بين القراء إلا اهتمامًا طفيفًا إلى معتدل. يحدث اضطراب أكبر من هذا بكثيرٍ عندما تحاول الصحف العبثَ بقوائم التليفزيون، أو القصص الكاريكاتورية، أو أحجية الكلمات المتقاطعة. (دوتينجا، ٢٠٠٤)

في مثال آخَر، أُجرِي استبيانٌ موسَّع عبر البريد الإلكتروني من ٢٩ مؤسسة إخبارية، سُئِل فيه القراء عن آرائهم في صورة جثة متفحمة متدلية من جسر في الفلوجة. أيَّدَتْ غالبية المستجيبين نشْرَ الصورة، ونشروا تعليقات مثل: «المهم هو أن نقدِّم للقراء شعورًا بوحشية العدو الذي نواجهه في العراق» (شوك، ٢٠٠٤). عند اختيار نشر صور المشنوقين، يقول رئيس تحرير صحيفة ممفيس كوميرشيال أبيل، كريس بيك: «أُخِذت معايير المجتمع في ممفيس في الاعتبار عند اتخاذ القرار، بالإضافة إلى الإرشادات الأخلاقية التي وضعها معهد بوينتر» (شوك، ٢٠٠٤).

المثير للاهتمام أن القراء، على الرغم من أنهم لا يُظهِرون حساسيةً مفرطة تجاه الصور المفجعة التي تظهر في الصحف، أظهروا ردَّ فعلٍ قويًّا تجاه الصور التي تُصوِّر معاناة الشعب العراقي. في أبريل عام ٢٠٠٣، نشرت صحيفة ذي أوريجونيان في صفحتها الأمامية صورة رجل عراقي يبكي لوفاة زوجته وأطفاله الستة وأخويه ووالدَيْه (انظر شكل ٨-٢). نُشِرت قصص عن إنقاذ المجندة الأولى جيسيكا لينش، ووفاة جندي من أوريجون في العمود الأيسر من الصفحة الأمامية، ملحقة بالصورة الرئيسية للمواطن العراقي الحزين. يقول محقِّق الشكاوى في صحيفة ذي أوريجونيان، دان هورتش: «لم يتصل بالصحيفة إلا عدد قليل من القراء للتعبير عن شكرهم … ربما أربعة أفراد أو خمسة. في المقابل، اتصل أكثر من ٥٠ شخصًا، أو أرسلوا رسائل إلكترونية، أو كتبوا معبِّرين عن استيائهم من الصورة» (ماكبرايد، ٢٠٠٣).
fig20
شكل ٨-٢: ذي أوريجونيان، ٢ أبريل، ٢٠٠٣. حقوق الطبع: ٢٠٠٣، ذي أوريجونيان. أُعِيد طبعها بإذن.
اشتملَتْ تعليقاتُ القراء لصحيفة ذي أوريجونيان على تعليقات مثل: «وجدتُ أن الصورة في عدد اليوم … من ذي أوريجونيان محاوَلة رائعة للتعاطف مع عدوٍّ عديمِ الرحمة وتأييده»، (و) «صورة العراقي الذي ينتحب لوفاة أسرته هي مثال رائع لسبب إلغائي اشتراكي المجاني في صحيفتكم البالية؛ فهذه حرب … أمر سيء للغاية، ولكنها الحقيقة» (ماكبرايد، ٢٠٠٣). وأخيرًا، قدَّمَ أحد القراء هذا التعليق:

صفحتكم الأمامية اليومَ تشعرني بالغثيان! كيف يمكنكم وضع ذلك الجندي المسكين الذي تُوفِّي في عمودٍ جانبي، بينما تجعلون الرجلَ العراقي الذي فقد أسرته الموضوعَ الرئيسي؟ أأنتم غير أمريكيين؟ تأكَّدوا أني سأتحدَّث هذا المساء مع زوجي، وربما نلغي اشتراكنا في الصحيفة. ربما ينبغي عليكم إعادة التفكير في موقفكم من إنتاج الصحف؛ فلا يبدو أنكم موضوعيون، ولكنكم «مناهضون للأمريكيين»، و«مناهضون للحرب»، بينما أنتم «مؤيدون للمحتجِّين»! (ماكبرايد، ٢٠٠٣)

في وقت لاحق، نشرت صحيفة ذي أوريجونيان صورة رجل عراقي يتوسَّل للجنود الأمريكيين حتى لا يطلقوا النار عليه. اشتكى عدد قليل من القراء من أن «تغطية الصحيفة للحرب كانت «سلبية للغاية»، وأنهم أرادوا «الجانب الإيجابي من الحرب»» (ماكبرايد،٢٠٠٣).٨
تواجِهُ الإصدارات الصحفية كمًّا هائلًا من الضغوط الأخلاقية والاقتصادية من أجل تجنُّب نشْرِ صور «مسيئة». بالإضافة إلى ذلك، تحاوِل الحكومة والجيش التأثير على التقارير،٩ كما خفَّفَ ضغطُ الجماعات المحافظة من حدة نقد وسائل الإعلام للحرب.١٠ بالرغم من هذه العوامل، نُشِر عدد من الصور التي تبرز إخفاقات الحرب، وتثير استياء الجيش والحكومة.

على سبيل المثال: على الرغم من أن كثيرًا من القراء لم يَبْدُ عليهم التأثُّرُ بصور أبو غريب، كانت لهذه الصور آثارٌ بالغة على سمعة الجيش الأمريكي — قضَتْ على أي إحساس بالبراءة في الاحتلال الأمريكي للعراق — وظلت ملازِمةً لصورة الولايات المتحدة دوليًّا (رينولدز، ٢٠٠٦؛ سيكتور، ٢٠٠٦).

يعتقد كثيرون أن هذه الصور أصبحت رمزًا مزعجًا للحرب (وين، ٢٠٠٤). في أحد تقارير محطة الإذاعة العامة الوطنية، يقارن الصحفي آري شابيرو صور أبو غريب بصورٍ أخرى أصبحَتْ رموزًا قومية:

إن صور كلاب الشرطة التي أُطلِقت على المتظاهرين السُّود للحصول على الحقوق المدنية في برمنجهام، بولاية ألاباما؛ والطفلة الفيتنامية العارية التي كانت تصرخ في ذُعْر بعد هجوم بالنابالم؛ وصورة رفع العلم الشهيرة في أيو جيما أثناء الحرب العالمية الثانية، جميعها صورٌ أثَّرَتْ في الذاكرة الجمعية.

يقول هال بويل، مدير التصوير السابق في أسوشييتد برس، مؤلف كتاب «لحظات: صور فائزة بجائزة بوليتزر: «الكلمات هي أدوات الشخص الذي يرى شيئًا ما ثم يصفه، أما الصور … فهي تصف شيئًا حدث بالفعل.» (شابيرو، ٢٠٠٤)

لأن الصور «تصف شيئًا حدث بالفعل»، يستجيب الناس لها بانفعالٍ أقوى من استجابتهم للكلمات، لكن الاستجابات العاطفية يمكن أن تتغيَّر مع تغيُّر الظروف. عودةً إلى مثال صورة ذي نيويورك تايمز لماريلو ويتني التي ذكرناها في الفصل الثالث، يعتمد أسلوبُ «قراءةِ» الصور على خلفيات المشاهدين المختلفين؛ فيمكن قراءة الصور الواردة من الحرب في العراق بطرق مختلفة بناءً على التحيُّز السياسي الذي يجلبه معه كل قارئ عند مشاهدتها (طومسون، ٢٠٠٤). ويمكن للمناخ السياسي المتغيِّر أن يؤثِّر أيضًا في طريقة تفسير صورة معينة من وقت لآخر. بالإضافة إلى هذا، قد تؤثر البيئة السياسية في قرار نشر صورة أو الامتناع عن نشرها.

في البداية، كان من الممكن أن تثير صورة الجثث المحروقة المتدلية من جسر في الفلوجة لدى كثير من الأمريكيين شعورًا بالغضب والرغبة في نشر «وحشية العدو». لكن مع تقلص التأييد للحرب، قد يرى بعض هؤلاء الناس أنفسهم هذه الصورَ رمزًا لمأساة الحرب، وتَذكِرة بالقرار غير الحكيم لغزو العراق. بالإضافة إلى هذا، ربما أثَّرَ المناخ السياسي المتغير في قرار نشر صورة الفلوجة.

كانت لدى وسائل الإعلام الإخبارية آلاف الصور عن الحرب في العراق التي كانت مفجعة بالقدر نفسه، إن لم يكن أكثر، وتعهَّدَتْ بنبذها. فلماذا اختار المحررون استخدامَ هذه الصور إذن؟ أعتقد أن الإجابة بسيطة للغاية: كانت مناسبة، كما كان الوقت مناسبًا. لم تكن إحدى الصحف تستطيع نشر صور مماثلة للجنود الأمريكيين؛ لأنه يظل محظورًا إظهارُ صورٍ صريحة لقتلى جيشنا. كذلك، لم تكن لتنشر صورًا مشابهة للقتلى العراقيين، بسبب استمرار وجود نفورٍ من إظهار صور تفصيلية لآثار الحملة التي يشنُّها جيشنا. إلا أن هؤلاء الضحايا كانوا مدنيين أمريكيين يعملون في القطاع الخاص؛ ومن ثَمَّ لم يكونوا محميين بمثل هذه الضوابط. كذلك، كان التأييد للحرب يتضاءل، وكنا نقترب من فترة تحوُّل؛ لذا كان التوجه أكثر ميلًا إلى مجاراة المزاج العام، وزيادة توضيح المشكلات التي تنتظرنا في المستقبل، وإظهار دليلٍ على أن الأمور لا تسير على ما يرام. (لويس، ٢٠٠٤)

هل تكون وسائل الإعلام الإخبارية مستعدة لنشر صور صعبة ومزعجة فقط عندما تدرك أن الشعور العام يتحول ضد المجهود الحربي، وأن المناخ السياسي «مناسب» لنشر مثل هذه الصور؟ وهل يمكن للنقاد أن ينتقدوا، بأثر رجعي، تقارير وسائل الإعلام الإخبارية أثناء حرب الخليج الثانية؟ الإجابة على كلا هذين السؤالين هي «نعم»، على الأقل بالمفهوم العام. واضح أن إدارة جورج دبليو بوش والمؤسسة العسكرية في الولايات المتحدة (مثل أي حكومة ومؤسسة عسكرية أخريَيْن في فترة حرب) تدركان جيدًا تأثير الرموز المصورة وأهميتها، وحاولتا بقدرٍ متفاوتٍ من النجاح التحكم في هذه الرموز.

إجمالًا، فإن الصور التي نُشِرت خلال المراحل الأولى من الصراع — حين كان الرأي العام يدعم الغزو بوضوح — كانت إيجابيةً ومؤيدة لقرار الحكومة بالغزو، وكانت الإصدارات الإخبارية التي تنشر صورًا «سلبية»، مثل صور الوالد الزوج العراقي المكروب، تتعرَّض لهجوم شديد من القراء، وتخاطر بالتعرض لتبعات اقتصادية. الأسوأ من ذلك أن «وطنيتها» تعرَّضَتْ للتشكيك.

مع تقلص شعبية الحرب (والإدارة)، أصبحت وسائل الإعلام الإخبارية أكثر جرأةً (مثل كثير من المرشحين السياسيين المنتمين للمعارضة). يقول ثورن أندرسون: «تأثَّرَ المحرِّرون والمراسلون في الولايات المتحدة كثيرًا بالتحول الرسمي، واستغرقوا وقتًا طويلًا حتى تسقط الغمامة الأيديولوجية عن أعينهم» (أندرسون، ٢٠٠٧). لكن ربما تكون أسباب خوف المحررين أكثر تعقيدًا بقليل من مجرد الأسباب المتعلقة بالأيديولوجية.

يعمل المحررون والمراسلون (في مجالَي الكلمات والصور) داخل إطار عمل يشمل ثقافةَ غرفة الأخبار وإجراءاتها الاعتيادية، والمعايير الأخلاقية، ومصالح الولايات المتحدة، والعلاقات مع الأشخاص موضوع الصور، وربما الاعتبارات الاقتصادية قبل كل هذا.

تمثِّل أموال الإعلانات أكثر من ٨٠ في المائة من دخل الصحف، ويدفع المُعلِنون على أساس أعداد القراء وخصائصهم السكانية التي تستطيع صحيفة معينة تقديمها؛ وعليه، تفعل الصحف ما في وسعها لجذب القراء والحفاظ عليهم، ومن الواضح أن كثيرًا من القراء يريدون أن تكون صحفهم رائداتٍ للتشجيع الوطني في أوقات الأزمات.

فكَّرَ هنري لوس مبكرًا في عام ١٩٣٨ في تبعات انسياق الصحافة وراء الاعتبارات الاقتصادية والمطالب الشعبية لقرائها:

حذَّرَ [لوس] من استراتيجية النشر الشعبي التي يصفها بأنها «نظرية إعطاء الجمهور ما يريده»؛ فقد رأى أن الخطر في هذا يكمن في ألَّا يُعطَى «الناس ما يجب أن يحصلوا عليه؛ أي الأمور التي سيهلكون لولاها … يمكن وصف الأزمة الحالية (عام ١٩٣٨) في الشئون العالمية بأنها أزمة في الصحافة … فالنُّظُم الديكتاتورية الحديثة بالغة السوء لأنها تُفسد العقل من الداخل؛ فهي تقمع الحقيقة، وهي تقود الناس بالأكاذيب والخداع حتى يرغبوا في استعبادها لهم ويرضوا به. وكيف يمكن تحقيق هذا الفساد؟ بتدمير الصحافة». (فولتون، ١٩٨٨، ص١٤٠)

هوامش

(١) تُوُفِّيت كاثرين ليروي في عام ٢٠٠٦. أصبحت كاثرين في عام ١٩٧٦ أول سيدة تحرز «جائزة ميدالية روبرت كابا الذهبية» لتصوير النزاعات من نادي الصحافة الخارجية في نيويورك.
(٢) أثارت سياسة الصحفيين المدمَجين جدلًا في الغرف الإخبارية؛ على سبيل المثال: رفضت ذي واشنطن بوست الإدماج في المراحل الأولى للحرب.
(٣) «للسنة الثالثة على التوالي، كانت العراق أخطر دولة على وسائل الإعلام، مع مقتل ٢٤ صحفيًّا و٥ مساعدين إعلاميين. قُتِل هناك ٧٦ صحفيًّا ومساعدًا إعلاميًّا منذ بدء القتال في مارس عام ٢٠٠٣» (مراسلون بلا حدود، ٢٠٠٦).
(٤) استطاع بعض الصحفيين، مبدئيًّا، المراوحةَ بين الاندماج وبين العمل بحريةٍ بعيدًا عن الارتباط بالجيش. يقول ترافيس فوكس، أحد كبار صحفيي الفيديو في واشنطن بوست/نيوزويك إنتراكتيف: «غطَّيْتُ الحربَ الأولى؛ الحرب لا تبعاتها. وأعتقد أنني إذا كنتُ سأعود إلى هناك — وأنا لا أعتزم فعل هذا — فمن الأفضل أن يكون المرء مدمجًا، لكن حينما ذهبتُ كان من الأفضل لي أن أكون وحدي. تستطيع السفر إلى أي مكان، وتتحرك بحرية، لكنْ في هذا الوقت إذا ظهرَتْ أيُّ مخاوف أمنية، كان يمكن للمرء مرافقة وحدة معينة لبضعة أيام، أو يمكنك النوم في سيارتك في مدخل إحدى القواعد العسكرية، الذي أصبح الآن أسوأ مكان يمكنك البقاء فيه، لكنه في هذا الوقت كان مكانًا آمنًا للغاية للإقامة؛ لذا، وجدتُ أنني أستطيع تغطية كمٍّ كبير من القصص، سواء أكانت قصصًا عسكرية أم قصصًا عن المدنيين العراقيين. وأعتقد أنها كانت جيدة للغاية، كما أعتقد أنني غطيتُ مساحةً أكبر ممَّا كان سيتسنَّى لي في حال دمجي في أي وحدة عسكرية» (فوكس، ٢٠٠٦).
(٥) تعطينا قصة ديفيد زوكينو على موقع kcet.org شعورًا بالأخطار التي يواجهها الصحفيون المصورون أمثال لوميس في العراق. تعطينا القصة أيضًا فكرةً عن أخلاقيات العمل لدى الصحفي المصور الملتزم، واحترافه ومبادرته (زوكينو، ٢٠٠٧).
(٦) على الرغم من أنه سجَّلَ نفسه في الأصل بصفة طالب دراسات عليا في برنامج الكُتَّاب في كلية الصحافة في جامعة ميزوري، اكتشف ثورن أندرسون في النهاية حبه للتصوير الفوتوغرافي، وأصبح طالب صحافة مصورة في جامعة ميزوري. وبعد حصوله على درجة الماجستير، بدأ أندرسون تدريس الصحافة في الجامعة الأمريكية في بلغاريا، واستمر في العمل مصورًا مستقلًّا، مصوِّرًا أحداثًا مثل المظاهرات المناهضة لميلوشيفيتش في صربيا، والإضراب العام في بلغاريا عام ١٩٩٦، وأزمة اللاجئين الكوسوفيين المتفاقمة في ألبانيا ومقدونيا. يقول أندرسون: «لم أكن أصوِّر هذه الأحداثَ لأنها كانت غريبةً أو تتَّسِم بالمغامرة، وإنما صوَّرْتُها لأنها كانت تحدث بالقرب مني، وتؤثر في حياة أصدقائي وطلابي وعائلاتهم. لم أدرك إلا فيما بعدُ كيف يمكن لتتبُّع قصص درامية مثل هذه القصص كشف الكثير عن طبيعة البشر، والعلاقات الدولية، والسياسة الخارجية الأمريكية.» ترك أندرسون التدريسَ حتى يصبح مصورًا مراسلًا بدوام كامل، عندما زادت حدة الصراع في حرب كوسوفو عام ١٩٩٩، وواصَلَ تغطيةَ تبعات هذه الحرب، ومتابعة مشكلات اللاجئين، وإعادة بناء كوسوفو، وسقوط سلوبودان ميلوشيفيتش، والحروب الناتجة في مقدونيا وجنوب صربيا.
عقب هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام ٢٠٠١ على مركز التجارة العالمي والبنتاجون، انحصر عمل أندرسون تقريبًا في أفغانستان والعراق طوال السنوات الخمس التالية. يقول أندرسون: «طالما شعرتُ بأنني دخيل على هذه المهنة، بسبب دخولي فيها نوعًا ما بطريقة غير مباشرة، حيث إنني لم أعمل قطُّ في وظيفةٍ بدوام كامل في هذا المجال. في النهاية، أعتقد أن التوجه ساعدني في تنمية وجهةِ نظرٍ صحية، وفي بعض الأحيان بديلة، وفي الخوض في طرق غير مطروقة من أجل البحث عن زوايا جديدة للتغطية» (أندرسون، ٢٠٠٧).
(٧) عمل بيتر هاو، أحد المؤيدين الرئيسيين للصحافة المصورة، محررًا للصور في ذي نيويورك تايمز ماجازين، ومديرًا للتصوير في مجلة لايف، ونائب رئيس قسم التصوير والخدمات الإبداعية في شركة كوربس.
(٨) «على مر التاريخ، قدَّمَ المصورون في معظم الأحيان صورًا إيجابية لمهنة المحارب، والقناعات بشأن شن حرب أو استمرار القتال فيها. إذا حقَّقَتِ الحكومات ما تصبو إليه، فإن التصوير الحربي، مثل معظم أشعار الحروب، سيحشد التأييد لتضحية الجنود.
«في الواقع، يبدأ التصوير الحربي مع مثل هذه المهمة، مثل هذه المخزاة. كانت الحرب هي حرب القرم، وكان المصور، روجر فينتون — الذي يُطلَق عليه دومًا أول مصور حربي — لا يقل عن كونه المصور الحربي «الرسمي»؛ إذ أرسلته الحكومة البريطانية إلى شبه جزيرة القرم في وقت مبكر من عام ١٨٥٥ بتحريضٍ من الأمير ألبرت. واعترافًا بالحاجة إلى التصدي للقصص المطبوعة المزعجة عن المخاطر غير المتوقَّعة، والحرمان الذي يتحمَّله الجنود البريطانيون الذين أُرسِلوا إلى هناك في العام السابق، دعَت الحكومة مصورًا محترفًا شهيرًا، حتى يعطي انطباعًا آخَر أكثر إيجابيةً عن الحرب التي تتضاءل شعبيتها» (سونتاج، ٢٠٠٣، ص٤٧، ٤٨).
(٩) يوثِّق كلٌّ من هاورد فريل وريتشارد فوك في كتابهما «سجل الصحيفة» قبول صحيفة ذي نيويورك تايمز حجةَ التهديد العراقي التي قدَّمَتْها إدارة بوش؛ فبدلًا من تحدِّي فكرة قدرة العراق على توصيل أسلحة دمار شامل إلى الأراضي الأمريكية، أقَرَّ كُتَّابُ النيويورك تايمز هذا الزعمَ في قصصهم ومقالاتهم الافتتاحية. بالإضافة إلى ذلك، أكَّدَت الكاتبة في الصحيفة، جوديث ميلر، فكرةَ أسلحة الدمار الشامل في قصصها (فريل وفولك، ٢٠٠٤).
(١٠) «فُصِل كاتب العمود، روبرت شير، من عمله في صحيفة لوس أنجلوس تايمز في ١١ من نوفمبر بعد عمله طوال ٣٠ عامًا تقريبًا بها، وكان في السنوات الثلاث عشرة الأخيرة أحدَ أكثر كُتَّاب أعمدتها السياسية تقدُّميةً …
أدَّتْ تعليقاتُ شير العنيفة والمستقلة إلى وضعه دومًا في قلب النقاشات على مستوى الدولة؛ فقد كان أحد أقوى المنتقدين للبيت الأبيض بسبب حرب العراق؛ على سبيل المثال: في عمودٍ نُشِر قبل شنِّ الحرب (٦ أغسطس ٢٠٠٢) يقلِّل من شأن الفكرة الرائجة، ويقول إن الجميع فهموا قصة أسلحة الدمار الشامل على نحو خاطئ، كتب شير يقول إن «جمعًا من الخبراء» أخبروا مجلس الشيوخ بأن ترسانات الأسلحة الكيميائية والبيولوجية «دُمِّرت بالكامل تقريبًا خلال ثماني سنوات من التفتيش». بعد فترة قصيرة من خطاب «المهمة أُنجِزت» لجورج دبليو بوش، وتفوقًا منه على الآخرين، أطلق شير (٣ يونيو ٢٠٠٣) على ذرائع البيت الأبيض لشنِّ الحرب «كذبة كبيرة» …
قالت صحيفة التايمز إن فصل شير كان مجرد جزء من عمليةٍ أكبر لتجديد صفحات الرأي لديها، لكن شير يقول إنه فُصِل لأسباب أيديولوجية، ولأن الشركة الأم للتايمز، شركة تريبيون في شيكاجو، كانت تخضع لضغوط خارجية من المحافظين» (فير، ٢٠٠٥).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠