القصة السادسة: أفعى المامبا الخضراء

روح الاستكشاف دمَّرت مِهنًا واعدةً أكثرَ مما دمَّر شربُ الخمر ولعب القمار واللهَثُ وراء النساء. وبوجهٍ عام، مسارات الحياة المُجرَّبة هي الأكثرُ أمانًا، وغامرت قلةٌ من الرجال وخاضت طرقًا مجهولة سعيًا وراء جمع ثروةٍ بطرُق سهلة، ولم يُفكروا في تلمُّس الطرق التي سبق سبرُ أغوارِها، ولذلك أضاعوا طريقَهم مثلما أضاعوا أعظمَ إنجازاتهم.

وصل مو ليسكي إلى مكانةٍ مرموقة في عالمه واكتسب هذه المكانة بالسعي الدَّءوب وحتى العنف، وهذه من ضِمن صفاته المُتعددة. ربما تمكَّن من الاستمرار حتى النهاية، ولكنه وقع في براثن أعمالٍ خارج طريقه، كما أنه أوقع نفسَه في عداءٍ خاصٍّ، بدأ في عمل بعيد كلَّ البعد عن أعماله المعتادة.

كان هناك مُحتالٌ مغربي اسمه الراهبوت زار إنجلترا عدة مرات، وكان يسافر في السفن السريعة التي تسافر من نهر لندن إلى خليج فونشال ولاس بالماس وطنجة وأخيرًا بورتو. كان رجلًا مَغربيًّا عاديًّا جدًّا ذا وجهٍ أصفر وبه أثرُ بثرات، وذا جسمٍ ضئيل، ويتحدَّث الإنجليزية، إذ وقع في شبابه في يدِ مُبشِّر أمريكي حسَنِ النية. استفاد مو من هذا الرجل — الراهبوت — كثيرًا لأن الكثير من المُخدرات الألمانية تُشحَن من ميناء ترييستي إلى بلاد الشام، والكثير من صناديق البرتقال كانت تنزل في الحوض ويُوجَد بداخل كلِّ برتقالةٍ أسطوانةٌ معدنية صغيرة تحتوي على موادَّ مُهرَّبة من السكارين والهروين والكوكايين والهيدروكلورات، وغيرها من العقاقير الضارة الأخرى.

راهبوت يُحضِر هذه الأشياء من وقتٍ لآخَر، ومن ثَم يتقاضى أجرًا جيدًا يُرضيه. في أحد الأيام في حانة «ذا فور جولي سي مِن» أخبر مو عن عملية سرقةٍ كبيرة. العملية ارتكبها مجموعةٌ من لصوص أنغيرا يعملون في فاس، ولم تقلَّ المسروقات في قيمتها عن زمُرد الملك سليمان؛ إنها أثمنُ مُمتلكات المغرِب. لم يجرؤ حتى الملك عبد العزيز في أيام إفلاسه الأسوأ أن ينقلها من مسجد عمر؛ ولمَّا كان رجال أنغيرا على ما هم عليه، اقتحَموا المسجد المُقدَّس وقتلوا حارسَين من حُرَّاس الكنز، وهربوا بالأحجار الخضراء التسعة الخاصة بالملك العظيم. بعد ذلك، أُطلِقَت صرخة سُمِعت من أسواق كالكوتا إلى شوارع مارسي كارسي. ولكن رجال أنغيرا تغلَّبوا على صوت الرأي العام، ولم يفعلوا أكثرَ من السعي وراء مُشترٍ. ولأن الراهبوت شخصية سيئة السُّمعة، دخل في المسألة؛ وفيما يلي القصةُ التي حكاها لمو ليسكي في حانة «ذا فور جولي سي مِن» في إحدى ليالي أكتوبر التي يكسُوها الضباب.

قال راهبوت: «مكسبُ هذه العملية مليون بيزيتا لك ولي أيها الرجل الطيِّب (كل الأوروبيين الذين يدفعون نقدًا وفي الحال، يدعوهم الراهبوت باسم «الرجل الطيب»). إذا أُفشِي هذا الأمر، فستكون نهايتي.»

استمع مو وهو يملس ذقنه بيده المُبهِرة بلمعانها وتوهُّجِها. إنه يحرص على التزيُّن. كانت هذه العملية خارج إطار أعماله بعض الشيء، ولكن ذكرت الصحف القِيمةَ المُجرَّدة للمُسروقات، ومن ثَم جرى الدمُ في عروقه من احتمال كسب نصف مليون بمُنتهى السهولة. لم ينزعج كثيرًا من فكرة أن شرطة سكوتلاند يارد وجميع مراكز الشرطة في العالَم تبحث عن أحجار الملك سليمان التسعة. إنه يعرف الطرُق السرية التي ربما تُخفَى فيها هذه الأحجار المصقولة؛ وإذا حدث الأسوأ، فهناك مكافأة قيمتها خمسةُ آلاف جنيه إسترليني مُقابل إعادة هذه الجواهر.

«سأُفكر في الأمر، أين البضاعة؟»

فوجئ الآخرُ حينما قال راهبوت: «هنا. يُمكنني أن أضعَها في يدك في غضون عشر دقائق أو عشرين دقيقة أيها الرجل الطيب.»

بدا أنهما دخَلا في مفاوضة مباشرة؛ بلغ سُوء الحظ مَبلغَه في تلك الفترة؛ لأنه وجد نفسه مُتورطًا في مسألةٍ لا تَعِدُ بأي ربحٍ؛ ألا وهي نزاع ماريلو بليسي الذي بات نزاعًا معه بسبب احترامه الكبير للسيدة.

عندما تكون المرأة سيِّئة، فعادةً ما تكون سيئةً بحق، وماريلو بليسي امرأة خبيثة لأقصى درجة. امرأة طويلة وجميلة شعرُها أسود وأملس وذات غُرَّة سوداء وكثيفة مقصوصة مثل غُرة الأطفال تُغطي جبهتها المُميزة بعض الشيء.

رآها السيد ريدر مرةً واحدة؛ كان في المحكمة الجنائية المركزية يُدلي بشهادته ضد بارثولوميو زافييه بليسي، وهو من سكان فرنسا الأصليِّين واكتشف طريقةً جديدة لتزوير النقود القديمة. يصعُب اكتشاف عمليات التزوير التي يرتكبها، ولكن السيد ريدر ليس رجلًا عاديًّا. فهو لم يكتشف التزوير فحسْب، بل تتبَّع الطابعة ولذلك واجه بارثولوميو زافييه قاضيًا لم يتعاطف معه إذ أخبره بصوتٍ خافتٍ مدى خطورة خفض قيمة العملة ومدى خطورتها على جذور حياتنا التِّجارية والصناعية. لم يمتعِض الرجل الماثِل في قفص الاتهام صاغرًا. إنه يعرف كل هذا. بل لم يُفاجَأ إلا من الكلمات المُقتضبة الفظَّة التي تفوَّه بها القاضي في النهاية.

«حكمتُ عليك بالسجن لمدة عشرين سنة مع الأشغال الشاقة.»

حُبُّ ماريلو للرَّجُل مسألةٌ تحتمِل الشك. يُحتمَل أنها لم تُحبه؛ ولكنها كرهت السيد ريدر، ولم تكرهه لأنه السبب في سجن زوجها، لكن لأنه استخدم عبارة «المرأة التي يرتبط بها السجين.» في سياق الإدلاء بشهادته. ولو أراد السيد جون ريدر لوضعها هي الأخرى في قفص الاتهام مع بليسي: وقد عرَفَت ذلك أيضًا وأبغضته بسبب رحمته.

تمتلك السيدة بليسي شقةً كبيرة في شارع بورتلاند. تقع الشقة في مجمعٍ سكَني تمتلكه هي وزوجها مشاركةً؛ لأنهما كسَبا أموالًا طائلة من الطرُق غير المشروعة، كما امتلك السيد بليسي خيولَ سباقٍ من قبلِ أن يمتلك رقمًا في سجن باركهرست. ومِن ثَم أنفقت ماريلو على وسائل الترفيه ببذخ.

بعد بضعة شهور من دخول زوجها السجن، تناولت العَشاء على انفرادٍ مع مو ليسكي، أكبر زعماء العصابات والإمبراطور غير المُتوَّج لعالَم الجريمة. كان رجلًا ضئيلًا وأنيقًا يرتدي نظارة أنفية ويبدو وكأنه من ذَوي المِهن العِلمية. ومع ذلك فهو يحكُم عصابة سترافاس وسوليفانز وبيركلوز، وكلمته تسري قانونًا على اثنَي عشَر مضمارًا للسباق، وعددٍ من نوادي القمار وعدد لا يُحصى من المؤسسات غير الخاضعة لرقابة الشرطة. دائمًا ما كان «يخسف الأرض» بخصومه بفُجور، ويُشيد به القادة المنافسون بشكلٍ أو بآخر وهم على وجَل. فرض رسومًا على وُكلاء المُراهنات وتحصَّن من تدخُّل الشرطة بسبب فشلِها في إدانته مرَّتَين.

نظرًا إلى وجود البُقَع البيضاء في المعطف الأحلك سوادًا؛ فقد كانت لديه هذه السِّمة الفُضلى، أن ماريلو بليسي هي امرأته المثالية، ولا شكَّ أن كل لصٍّ يمتلك مُثُلًا، مهما كانت، لا تستحقُّ الاتباع.

بات يُنصِت لآراء ماريلو ويلعب في سلسلة ساعة الجيب وعيناه على تطريز مفرش المائدة. ولكن على الرغم من حُبِّه لها، إلا أن الحذَر المُتأصِّل في طباعه حملَه على التصرُّف بمنطقية.

قال: «حسنًا يا ماريلو. أستطيع القول بأنني ربما أتمكن من التخلُّص من ريدر، ولكن ما الذي سيحدُث بعد ذلك؟ لن يمرَّ الأمر من دون أن يسمع به أحد! كما أنه شخص خطير. لم آبَهْ مُطلقًا بشأن الأشخاص العاديِّين، ولكن هذا العجوز يعمل في مكتب النائب العام، وما كان ليتقلَّد هذه الوظيفة لو كان أبلهَ. والآن عقدتُ واحدة من أكبر الصفقات التي وقعَت في طريقي. هلا أنجزتِ هذا «العمل» بنفسك؟ أنت امرأة ذكية؛ ولا أعرف أحدًا أذكى منك.»

قالت بازدراء: «بالطبع، إذا كنتَ تخاف من ريدر!» وارتسمَت ابتسامةٌ متسامحةٌ على شفتَيه الرفيعتَين.

«أنا؟ لا تكوني سخيفةً يا عزيزتي! أَريهِ مَن تكونين. إن لم تستطيعي النيلَ منه، فأخبِريني. خائف منه! اسمعي! لو أردت، فبإمكاني نتْفُ ريش هذا الطير العجوز وطهيُه قبل أن تتلفَّظي وتقولي «مو ليسكي»!»

لا يشكُّ أحد في مكتب النائب العام في قُدرة السيد ريدر على الاعتناء بنفسه، وعندما أتى كبير المُفتشين باين من شرطة سكوتلاند يارد للإبلاغ بأن ماريلو كانت في اجتماعٍ مع أخطر رجل في لندن، ابتسم مساعد النائب العام ابتهاجًا.

«كلَّا، لا يحتاج ريدر إلى الحماية. سأُخبره إذا أردت، ولكن لا تستبعِد أنه يعرف كلَّ شيءٍ عن الأمر. ما الذي تفعلونه حيال عصابة ليسكي؟»

علا الحزنُ وجهَ باين.

«ألقينا القبضَ على ليسكي مرَّتَين، ولكن أنقذَته شهادة زور رُتِّب لها جيدًا. لا يُريد مساعد المُفوَّض القبضَ عليه مرة أخرى حتى نُمسكه في حالة تلبُّس، إذا جاز التعبير. إنه خطير.»

أومأ مساعد النائب العام.

وقال مُنذرًا: «وكذلك ريدر. هذا الرجل مثل أفعى المامبا! ألم ترَ المامبا من قبل؟ إنها حيةٌ سوداء، وسمُّها يقتلك في غضون دقيقتَين من اللدغ!»

ارتسمَت ابتسامةُ رَيب على شفتَي كبير المُفتشين.

«لم يُعجبني إلى هذا الحدِّ قط؛ إنه أرنب، نعم، ولكن أفعى، لا أعتقد ذلك!»

في آخر فترة الصبيحة، أتى رسولٌ إلى السيد ريدر كي يذهبَ إلى مكتب الرئيس، ولمَّا وصل أبدى اعتذارًا جميلًا وخجلًا يُعطي مَن لا يعرفه انطباعًا خاطئًا عن قدراته. أنصت وعيناه مُغلقتان للرئيس وهو يُخبره عن اللقاء بين ليسكي وماريلو.

عندما انتهى الرئيس من سرد الوقائع، تنهَّد قائلًا: «نعم، يا سيدي. نمى إلى سمعي بعض الشائعات. ليسكي؟ أليس شخصًا يرتبط بشخصياتٍ خارجة على القانون؟ في أيامٍ أخرى وفي ظلِّ ظروف أنسب، كان سيُصبح قائدَ أحدِ الأحزاب الفلورنسية. إنه رجل مُثير للاهتمام. وله أصدقاء مُثيرون للاهتمام.»

حذَّره المُحامي: «أرجو أن تُبقي اهتمامك موضوعيًّا» ومن ثَم تنهَّد السيد ريدر مرةً أخرى وفتح فمه كي يتحدَّث ولكنه تردَّد، ثم سأل: «ألا يُؤثر تركُ السيد ليسكي طليقًا … اممم … في سُمعة الإدارة يا سيدي؟»

نظر إليه الرئيس: أتاه إلهام جعله يقول:

«اقبض عليه!»

أومأ السيد ريدر برأسه ببطء.

نمَّت نظرتُه عن حزنٍ عميق؛ وقال أخيرًا: «رأيي أن هذه فكرة جيدة. ليسكي لديه العديد من المعارف ذوي الشخصيات الغريبة. يَعرِف هولنديين وروسًا ويهودًا … كما أنه يعرف شخصًا مغربيًّا.»

رفع الرئيس عينَيه بسرعة.

«مغربي؛ هل تُفكر في أحجار الزمُرُّد التسعة؟ يا عزيزي، يُوجَد مئات المغاربة في لندن والآلاف في باريس.»

تمتم السيد ريدر: «والملايين في المغرب. أنا أذكر المغربي على هامش الموضوع يا سيدي. أما فيما يتعلَّق بصديقتي السيدة بليسي، فلا أتمنَّى سوى الأفضل.»

ثم اختفى من الغرفة.

مرَّ أكثرُ من نصف الشهر ولم يُظهِر أيَّ اهتمام واضح بالقضية. قضى بعض الساعات يتجوَّل في حي لامبيث وشُوهِد في إحدى المرات وهو داخل باحة الأعضاء في مضمار سباق هيرست بارك، ولكنه لم يتحدَّث إلى أحدٍ ولم يتحدَّث إليه أحد.

في إحدى الليالي، عاد السيد ريدر إلى منزله المُنظَّم في شارع بروكلي ووجد صندوقًا صغيرًا مُسطحًا في انتظاره على الطاولة، وقالت مُدبرة شئون المنزل إنه وصل عبر البريد بعد ظهر اليوم. كُتِب الاسم بأحرُف مطبوعة «السيد المُحترم جون ريدر» والطابع البريدي من وسط لندن.

قطع الشريط الرفيع المربوط به الصندوق ونزع الورقة البُنِّية ثم الورقة الفِضية وكشف غطاءً حريريًّا رفعه برفق. تحت طبقةٍ من القُصاصات الورقية، تُوجَد بعض لفَّاتٍ فوقَ بعضها من الحلويات الشهية. الشوكولاتة — سواء أكان معها إضافاتٌ لذيذة أم لا — يشتهيها السيد ريدر ومن ثَم أخذ كُرَيةً صغيرة مُزينة بلونٍ بنفسجي مُتبلورٍ وتفحَّصها مُعجَبًا.

دخلت مدبرة شئون المنزل في تلك اللحظة ومعها صينية الشاي ووضعَتْها على الطاولة. نظر السيد ريدر من فوق نظارته الكبيرة.

سأل بنبرةٍ حزينة: «هل تُحبِّين الشوكولاتة يا سيدة كيريل؟»

قالت السيدة الكبيرة مُبتسمة: «نعم بالتأكيد يا سيدي.» قال السيد ريدر: «وأنا أيضًا. وأنا أيضًا!» وهزَّ رأسه أسفًا وأعاد الشوكولاتة بحرصٍ إلى الصندوق. أردف قائلًا: «للأسف، طبيبي — وهو رجل مُمتاز — يَمنعُني من جميع أنواع الحلويات حتى تخضعَ لاختبارٍ صارم لدى المُحلِّل العام.»

كانت السيدة كيريل امرأةً بطيئة الفهم، ولكن الاطلاع على أعمدة الإعلانات في الجرائد اليومية زاد من حصيلةَ المعرفة العِلمية لديها كثيرًا.

اقترحت: «أترى أنها تحتوي على أي فيتامينات؟»

هزَّ السيد ريدر رأسه.

قال بلُطف: «كلَّا، لا أظن ذلك. الفيتامينات هي غذائي الوحيد. يُمكنني قضاءُ ليلةٍ كاملة من دون رفقة أحد سوى هذَين الرفيقَين الصغيرَين المُهمَّين، ولا أشعُر بأي ضررٍ منهما. شكرًا لك يا سيدة كيريل.»

لمَّا خرجت، أعاد طبقة القصاصات إلى مكانها بحذَر بالِغ ووضع الغطاءَ وأعاد ربط الشريط بعناية كما كان. لمَّا انتهى، أرسل العبوةَ إلى القسم المختصِّ في شرطة سكوتلاند يارد، وأخذ من صندوقٍ صغير مُلصقًا مكتوبًا عليه «سُم» باللون الأحمر. ولمَّا فعل ذلك، كتب ملاحظة إلى الرجل المَعنيِّ، ثم التفتَ إلى كعكاته وكوب الشاي الكبير الخاص به.

دقَّت الساعة السادسة والربع مساءً عندما أزال غلاف الشوكولاتة. ودقَّت الحادية عشرة والربع بالضبط عندما أطفأ الأنوار استعدادًا للذَّهاب إلى النوم، وعندها قال بصوتٍ عالٍ:

«ماريلو بليسي، يا إلهي!»

ها قد بدأتِ الحرب.

وقع هذا الحدث مساء الأربعاء؛ وفي صباحِ الجمعة، قُوطِع تزيُّن ماريلو بليسي بوصول رجلَين كانا في انتظارها عندما دخلت إلى غرفة الاستقبال وهي ترتدي قميصًا شفَّافًا. تحدَّثا عن بصمات أصابعَ وجَداها على الشوكولاتة ومسائل أخرى.

بعد نصف ساعة، قبعَت امرأةٌ مشدوهة في الحجْز الكائن في شارع هارلبورو وجلست تستمِع إلى المُفتش وهو يسرد عليها تُهمتَها. في الجلسات التالية، حُكِم عليها بالسجن لمدة سنتَين بتهمة «إرسال مادة سامَّة بنبات الأكونيت عن طريق البريد إلى جون ريدر بنيَّة قتله».

جلس مو ليسكي حتى نهاية المحاكمة، افتضح عمقُ الحُبِّ الذي يُكِنُّه للمرأة الماثلة في قفص الاتهام بالحزن والأسى اللذين كسوا وجهَه. بعدما أُخِذت من قفص الاتهام، خرج إلى الصالة الكبيرة المفتوحة، وهناك وفي تلك اللحظة بدرَ منه أولُ خطأ.

بينما كان السيد ريدر يرتدي قفازه الصوفي، توجَّه إليه الرجل المتأنِّق.

«هل أنت ريدر؟»

«نعم، يا سيدي.»

نظر إليه السيد ريدر من فوق نظارته نظرةً طيِّبة. وقف وكأنه شخص أعدَّ نفسه لتلقِّي التهاني.

«أنا مو ليسكي. تسبَّبتَ في حبس صديقةٍ لي …»

«السيدة بليسي؟»

«نعم، أنت تعرف! سأنال منك يا ريدر جرَّاء هذا!»

وفي لحظتها، أمسكه شخصٌ من ذراعه مسكةً قوية ولفَّه نحوه. إنه مُحقِّق شرطة المدينة.

قال: «هلا صَحبتَني قليلًا.»

شحب لون مو. تذكَّر أن قوة مركزه نابعة من حقيقة أنه لم يُدَن مُطلقًا؛ اسمه ليس مُقيدًا في السجلَّات.

سأل بصوت أجشَّ: «ما التهمة؟» قال الضابط: «إرهابُ شاهدٍ من مكتب المُدَّعي العام واستخدام لغة التهديد.»

مثَل مو أمام أعضاء المجلس التشريعي في جيلدهول في صباح اليوم التالي وحُكِم عليه بالسجن لمدةِ ثلاثة أسابيع، ولمَّا كان السيد ريدر يعلَم أن التهديد آتٍ وبات مُستعدًّا للمواجهة مثل أفعى المامبا، شعر أنه أحرزَ تقدُّمًا. أصبح زعيم العصابة «شخصًا مُدانًا» بلغة القانون.

لما عُرِض على السيد ريدر أن تحميَه الشرطة، قال لباين: «لا أعتقد أن شيئًا سيحدُث حتى يخرج. سيجد قدرًا كبيرًا من الرِّضا في ترتيب التفاصيل الخاصة … اممم … «بتأديبي» وأنا متأكِّد من أنه سيؤجِّل هذا حتى يخرج من السجن. من الأفضل أن أحظى بهذه الحماية حتى يخرج …»

«أتقصد بعدما يخرج؟»

أكَّد السيد ريدر بحرص: «حتى يخرج. بعد … حسنًا … اممم … أُفضِّل ألا تكون … اممم … حماية الشرطة عائقًا لي.»

أصبحت جميع حَواسِّ مو ليسكي يقظةً عندما أُخلِي سبيلُه. سيطرت على كل خُططه يقظةُ القط، التي أبقَتْه بعيدًا عن المتاعِب، باستثناء تلك الواقعة الأخيرة. لعن نفسه بدمٍ بارد لأنه عرَّض صفقة الزمُرُّد للخطر، وأول ما فعله هو الاتصال بالراهبوت.

بات في حياته عاملٌ جديد مُثير للخوف: وهو إدراكه المرير بإمكانية وقوعه في الخطأ وخوفُه من أن يُحاول الرجالُ الذين أحكَم قبضته عليهم خرْقَ ولائهم له نتيجةً لوقوعه في ذلك الخطأ. ولم يكن هذا الخوف الذي هزَّ قلبه نابعًا من العاطفة فحسْب، بل كان هناك شيءٌ آخر وراءَه. يجني مو ما يُقارب خمسة عشرَ ألف جنيه في السنَة من ضحايا نادي القِمار ومضمار السباق فحسْب. وتُوجَد مصادر جانبية لكسْب دخله؛ إذ كانت «عصابته» تتحكَّم بشكلٍ كبير في حركة تجارة المُخدِّرات بين القارات وتُحقِّق ربحًا بالآلاف كل عام. قد يُظَن الأمر خياليًّا وبعيدًا عن الواقع، ولكنه حقيقة. ولم تكن جميع الأرباح تذهب لمو ورجاله. كان يتبقَّى بعض الفُتات الذي ينقضُّ عليه الصغار في السوق.

لا بدَّ أن ينتقِم من ريدر. كانت هذه مهمتَه الأولى. والانتقام منه بحيث لا تقوم له قائمة فيما بعد. يمكنه بسهولة أن يُهاجمه ذاتَ ليلة، ولكن هذا سيبدو تنفيذًا للتهديد الذي ألقى به خلفَ القضبان. من الواضح أنه يحتاج إلى بعض الأفكار المُبتكَرة؛ عقابٍ قويٍّ وشرس له تأثير أكبر من صليل السيوف.

الرجال الذين يتمتَّعون بمكانة السيد ليسكي الرفيعة لا يُقابلون مُساعديهم في الأقبِية المُظلمة ولا يرتدُون عباءاتٍ أو أقنعةً كي يُخفوا هُويَّاتهم. أتى الستة الكبار الذين يتحكَّمون في المصالح التي تخدم مو ليسكي معًا في الليلة التي أُطلِق فيها سراحه واجتمعوا معًا في مطعم في سوهو حيث حجَزوا غرفة طعام خاصة على النحو المعتاد.

قال مو بابتسامة صغيرة: «أنا سعيد لأنه لم يلمسه أحد وأنا في الحبس. أُحبُّ أن أتدبَّر هذه المسألة بنفسي. ظللتُ أفكر وأنا في الحبس وتوصَّلتُ إلى فكرة جيدة للتعامُل معه.»

قال تيدي ألفيلد؛ الذراع الأيمن له: «يُلازمه ضابطان طوال الوقت، وإلا كنتُ سأفتك به من أجلك يا مو.»

قال السيد ليسكي بنبرة تهديد: «ولو فعلتَ لفتكتُ بك يا تيدي. ألم آمُرْ بعدم المساس به؟ فما الذي تعنيه بقولك «كنتُ سأفتكُ به»؟»

انعقدَ لسان ألفيلد الذي كان عريضَ المنكبَين ويتخصَّص في «سرقة» السيارات التي لا يُراقبها صاحبها.

زمجر مو: «التزِمْ بوظيفتك. سأتدبَّر أمر ريدر. لديه فتاة في شارع بروكلي؛ شابَّة تصحبه دائمًا واسمها بيلمان وتعيش في المنزل المقابل لمنزلِه تقريبًا. لا نُريد الفتكَ به الآن. ما نريده الآن هو طردُه من وظيفته، وهذا أمرٌ سهل. طُرِد رجل من وزارة الداخلية الأسبوع الماضي لأنهم وجدوه في نادي «٩٥» بعد الساعات المسموح فيها بشُرب الكحوليَّات.»

وضع خُطة بسيطة.

في إحدى الليالي، غادرَت مارجريت بيلمان مكتبَها ومشَت إلى ناصية جسر وستمينستر، ونظرَت حولها بحثًا عن السيد ريدر. إذا سمحَت له ظروفُ عمله، فعادةً ما يُوجَد في الجوار على الرغم من نُدرة المقابلات في أوقاتٍ مُتأخِّرة؛ وعندما تراه، فعادةً ما تراه بصحبة رجلَين مُتجهِّمَي الوجه يجلسان كلُّ واحدٍ من جانب.

تركت السيارة الأولى تمرُّ وقرَّرت أن تركب السيارة التالية التي كانت آتيةً ببطء عبر الجسر، وعندها أُلقي طردٌ عند قدمَيها. نظرت حولَها ورأت امرأةً جميلة أنيقةَ الملبس تتمايَل وعيناها مُغلقتَين وكادت أن تسقط لولا أنها أمسكَت بذِراعها. لفَّت ذراعها حول خِصْر المرأة وساعدتها على الجلوس على مقعدٍ من حُسن الحظ أنه وُضِع هنا.

قالت السيدة الواهنةُ القُوى لاهثةً: «أنا آسفة حقًّا؛ أشكرك كثيرًا على أي حال. هلا أوقفتِ لي سيارةَ أجرة من فضلك؟»

تحدثَت بلهجةٍ أجنبية بعض الشيء، وتصرَّفَت بأسلوبٍ يليق بسيدة راقية؛ هكذا اعتقدَت مارجريت.

أشارت إلى سيارة أجرة، وساعدَت السيدة على الركوب.

سألت الفتاة المُتعاطفة: «هل تُريدينني أن آتيَ معك إلى المنزل؟»

تمتمَت السيدة: «هذا لطفٌ منك، ولكن أخشى أن أُزعجك؛ هذا سُخف منِّي. عُنواني هو ١٠٥ شارع جريت كلاريدج.»

استعادت عافيتَها قليلًا في أثناء الرحلة بحيث تمكَّنَت من إخبار مارجريت أن اسمها السيدة لامير وأنها أرملة مَصرفي فرَنسي. تقول التجهيزات الفخمة في المنزل الكبيرِ الكائن في أفخم بُقعة بمايفير بأن السيدة لامير امرأة ثريَّة. فتح كبير الخدم الباب وقدَّم خادمٌ الشايَ إذ ألحَّت السيدة على الفتاة أن تحتسيَ معها الشاي.

«أنت طيبة للغاية. لا أستطيع أن أُوفِّيَك حقَّك مهما شكرتُك يا آنسة. يجب أن أتعرَّف عليك أكثر. هلَّا أتيتِ في ليلةٍ كي تتناولي العَشاء معي؟ هل يوم الخميس يُناسِبك؟»

تردَّدت مارجريت بيلمان. صفاتها البشرية جعلَتها تنبهِر بالفخامة التي تُحيط بها كما أن السيدة اللطيفة تتمتَّع بجاذبيةٍ ورِقَّة وسِحرٍ يصعبُ مقاومته.

«سنتناول العشاء بمُفردنا، وبعد ذلك قد يأتي بعضُ الأشخاص لقضاء سهرةٍ راقصة. هل لديك صديقٌ تُحبِّين اصطحابَه معك؟»

ابتسمَت مارجريت وهزَّت رأسها. من الغريب أن كلمة «صديق» لم تُوحِ لها بغَير السيد ريدر الغريبِ الأطوار، وبطريقةٍ ما لم تتخيَّل اصطحاب السيد ريدر في أُمسية كهذه.

عندما خرجَت إلى الشارع وأغلَق كبيرُ الخدم الباب خلفها، تلقَّت أكبر صدمةٍ مرت بها في ذلك اليوم. رأت مَن تُفكر به يقِف على الجانب الآخر من الطريق ومِظلَّته الملفوفة مُعلَّقة على ذراعه.

ألقت التحيَّة وقالت: «عجبًا، السيد ريدر!»

نظر في ساعته الكبيرة وقال: «ما زال أمامك سبع دقائق من الوقت المُخصَّص. منحتُك نصف ساعة، واستغرقتِ بالضبط ثلاثًا وعشرين دقيقة وبضع ثوانٍ.»

سألتْ من دون داعٍ: «هل عرَفت أنني هنا؟»

«نعم، تبعتُك. لا أحبُّ السيدة آني فيلثام؛ إنها تدعو نفسها باسمٍ ما. هذا النادي ليس جيدًا.»

قالت لاهثة: «نادٍ!»

أومأ السيد ريدر.

«إنهم يُسمُّونه ناديَ مافين. اسم غريب وأعضاؤه غريبو الأطوار. هذا ليس جيدًا.»

لم تطرَح المزيد من الأسئلة ولكنها رافقت السيد ريدر إلى شارع بروكلي وهي تتساءل عن السبب الذي دفع السيدةَ إلى التفكير فيها وجعْلها مُرشَّحة مُحتملةً لمباهج منطقة مايفير.

وقعت سلسلة أحداث أربكت السيد ليسكي في البداية. كان مشغولًا وكاد أن يندَمَ على أنه لم يُؤجِّل البدء في خُطة أعماله. تبيَّن أنه فشل في أحد الجوانب التي اكتشفها عندما تقابَل قدَرًا — على ما يبدو — بالسيد ريدر وجهًا لوجهٍ في بيكاديللي.

قال السيد ريدر بنبرةٍ أقربَ إلى الاعتذار: «صباح الخير يا ليسكي. أسِفتُ للغاية على تلك الأحداث غيرِ المُتوقَّعة والمؤسِفة، ولكن صدِّقْني، أنا لا أحمل لك أيَّ كراهية. وبينما أُدرِك أنك لا تُشاركني عواطفي بأي شكلٍ من الأشكال، إلا أنني لا أرغب إلا في التعايُش معك كصديقَين.»

رمقَه ليسكي بنظرةٍ حادَّة. وظنَّ أن الرجل العجوز بدأ يرتعِب. يكاد صوتُه القلق يرتعِد وهو يُقدِّم غُصن الزيتون.

قال مو بأبهى ابتسامةٍ لديه: «لا بأس يا سيد ريدر. أنا أيضًا لا أحمِل أيَّ كراهية. على أي حال، بدَر منِّي قولٌ سخيف وكان من واجبك ما فعلته.»

واصل حديثه بنبرته تلك وظلَّ يتنقَّل بين التُّرَّهات والسيد ريدر يستمِع ويظهر عليه الارتياحُ المُتزايد.

قال وهو يهزُّ رأسه أسفًا: «العالَم مليءٌ بالرذائل والخطايا، الرذيلة طاغية سواءٌ بين قصور الأغنياء أو بين أحياء الفقراء، وتُداس الفضيلة تحت الأقدام مثل نباتات الأقحوان. أنت لا تُربي الدجاج يا سيد ليسكي، أليس كذلك؟»

هزَّ مو ليسكي رأسَه.

تنهَّد السيد ريدر: «يا للأسف! يتعلم المرء الكثير من الطيور التي تُربَّى في المنازل! إنها درس عملي في استشعار ما هو غير مشروع. كثيرًا ما أتساءل لماذا لا يسمح مأمورو السجون للمسجونين في دارتمور بالمُشاركة في هذه الهواية غير المُؤذية والتثقيفية. كنتُ أتحدَّث إلى السيد باين صباح اليوم باكرًا عندما داهموا ناديَ مافين؛ يا له من اسم طريف …»

قال مو بسرعة: «داهموا نادي مافين؟ ما الذي تقصده؟ لم أسمع شيئًا عن هذا.»

«ما كنتَ لتسمع. هذا النوع من المُؤسَّسات لا يرُوق لك. اعتقدْنا أنه من الأفضل مُداهمة المكان على الرغم من أنني أخشى أن تتسبَّب المُداهمةُ في استياء فتاةٍ صديقةٍ لي تمَّت دعوتها على العشاء هناك مساء غد. كما قلت، الدجاج …»

الآن، عرَف مو أن خُطته باءت بالفشل. وأمسى مُرتبكًا من موقف الرجل.

«لعلَّك تودُّ أن تأتيَ معي وترى دجاج الأوربنجتون ذا اللون البرتقاليِّ لديَّ يا سيد ليسكي، أليس كذلك؟ أنا أعيش في بروكلي.» خلع ريدر نظارته وحملق في رفيقه بعينَين واسعتَين. «لنتَّفق على الساعة التاسعة الليلة؛ لدي كلام كثير نتحدَّث فيه. في الوقت ذاته، سيكون الأفضل لجميع الأطراف المَعنيَّة أن تأتيَ دون أن تَلفت النظر … إممم: هل تفهم ما أعني؟ على سبيل المثال، لا أحبُّ أن يعرِف الذين يعملون في المكتب لدي.»

ارتسمَت ابتسامةٌ بطيئة على وجه ليسكي. لديه اعتقادٌ راسخ بأن لكلِّ رجلٍ سِعرَه سواء كان الثمن نقدًا أم رُعبًا؛ وهذه الدعوة إلى مقابلةٍ سرِّية تُمثل تأييدًا للملَكة التي لديه.

في تمام التاسعة، وصل إلى شارع بروكلي، بات يرجو أن يتقدَّم السيد ريدر أكثرَ في طريقٍ يصلون فيه إلى حلٍّ وسط. ولكن مِن الغريب للغاية، أن المُحقق العجوز لم يتحدَّث في شيءٍ سوى الدجاج. جلس على أحد جوانب الطاولة وشبَّك يدَيه على المفرش وراح يتباهى وهو يتحدَّث عن السلالة التي أدخلها إلى منزل تربية الطيور الإنجليزي، وظلَّ مو مُنتظرًا وهو يكاد يموت من الملل.

قال السيد ريدر وهو يُساعد ضيفه في ارتداء معطفه: «لديَّ ما كنتُ أريد قولَه لك، ولكن أخشى أنه يجب تأجيلُ هذا الحديث إلى لقاءٍ آخر. سأمشي معك إلى أوَّل طريق لويشام السريع؛ المكان يعجُّ بالشخصيات السيِّئة ولا أحبُّ أن أشعر أني عرَّضت سلامتك للخطر بإحضارك إلى تلك البقعة الفقيرة.»

إذا لم يُوجَد في العالم سوى مكانٍ واحد يحظى باحترام كبير ويخلو من قُطَّاع الطرق الذين يُغيرون على الأحياء الأكثر ثَراءً، فهو شارع بروكلي. وافق ليسكي على عرض مُرافقة مُضيفه، ومشَيَا إلى الكنيسة القابعة في نهاية الشارع.

قال ريدر بجدِّية: «مع السلامة يا سيد ليسكي. لن أنسى هذا اللقاء المُمتع. فقد منَحْتني أكبرَ مساعدة. تأكَّد من أنني لن أنساك أنا والإدارة التي أُمثلها.»

عاد ليسكي إلى المدينة وبدا أن الحيرة تملَّكَتْه. في ساعات الصباح الباكر، ألقَت الشرطة القبضَ على ذِراعه اليُمنى؛ تيدي ألفيلد، ووجَّهَت إليه تُهمة سرقة سيارة ارتكبها قبل ثلاثة شهور.

هذه أولى الأحداث غير القابلة للتفسير. وقع الحدث التالي لمَّا كان ليسكي في طريق عودته إلى شقته من بورتلاند بليس إذ واجه فجأةً المُحقق الغريب الهيئة.

«هل هذا ليسكي؟» حدَّق السيد ريدر النظر في الظلام. «أنا في غاية السعادة أني وجدتُك. ظللتُ أبحث عنك طوال اليوم. خشيتُ أني ضلَّلتُك في المرة السابقة لمَّا أخبرتك أن دجاج ليجهورن لا تصلح تربيته في الأماكن ذات التربة الرملية. بل على العكس من ذلك …»

سأل الآخر بأسلوب فظ: «انظر إليَّ يا سيد ريدر، ما اللعبة التي تلعبها معي؟»

سأل ريدر بنبرةٍ مُتألمة: «اللعبة؟»

«لا أريد أن أعرف شيئًا عن الدجاج. إذا كان لديك ما يستحقُّ أن نتحدَّث فيه، فاتصل بي وسآتي إلى مكتبك أو تأتي إلى مكتبي.»

اندفع متجاوزًا المُحقِّقَ من مكتب النائب العام وأغلق باب شقته خلفَه بقوة. وفي غضون ساعتَين، داهمَت قوة من شرطة سكوتلاند يارد منزل هاري ميرتون وأخذت هاري وزوجته من أسِرَّتهم، ووجهَت إليهما تهمة حيازة غير مشروعة لمجوهرات مسروقة تم تتبُّعُها حتى وُجِدَت في خِزانة.

بعد أسبوع، ولمَّا كان ليسكي عائدًا من مقابلة بالغةِ الأهمية مع الراهبوت، سمع خطوات مُتثاقلة تمرُّ من جانبه، والتفتَ وتقابلَتْ عيناه مع عينَي السيد ريدر المُتألِّمتَين.

قال السيد ريدر بحرارة: «كم أنا سعيد بلقائك! لا، لا، لا أريد التحدُّث عن الدجاج على الرغم من أنني تألَّمْتُ قليلًا بسبب عدم مُبالاتك تجاه هذه الطيور النبيلةِ والمُنتجة.»

فجأة، ردَّ ليسكي غاضبًا: «أخبِرْني ما الذي تُريده بحق الجحيم؟ لا أريد أن يكون لي أيُّ علاقة بك يا ريدر، وكلما أسرعتَ في إدخال ذلك في عقلك، كان ذلك أفضل. لا أريد النقاشَ في أمر الدواجن أو الخيل …»

«انتظر!» انحنى السيد ريدر إلى الأمام وخفَض صوته. «ألا يمكن أن أتقابل أنا وأنت ونتبادلَ الثقة؟»

ابتسم مو ليسكي ابتسامةً بطيئة.

«أوه، دخلتَ إلى صُلب الموضوع أخيرًا، أليس كذلك؟ حسنًا. سأُقابلك في أي مكانٍ تُحبه.»

«هل نقول في المَمشى القريب من تمثال المدفعيَّة، غدًا الساعة العاشرة مساءً؟ أعتقد أنه لن يرانا أحدٌ هناك.»

أومأ ليسكي باقتضابٍ وتابع مَسيرَه وهو لا يزال يتساءل عما يريد هذا الرجل أن يقوله له. في الساعة الرابعة، استيقظ بسبب عدم توقُّف رنين الهاتف، وارتعب حينما علم أن أوهارا — أكثرَ مَن يثق به من زعماء العصابات — أُلقِيَ القبضُ عليه بتهمة عملية سطو ارتكبَها منذ عام. كارتر — أحد الزعماء الصغار — هو مَن جلَب تلك الأخبار.

«ما الحكاية يا ليسكي؟» لاحظ ليسكي نبرة شكٍّ في صوت مرءوسه جعلَته يفتح فمه مُندهشًا.

«ما الذي تعنيه بقولك ما الحكاية؟ تعالَ إلى هنا لتُقابلني. لا أريد التحدُّث عبر الهاتف.»

وصل كارتر بعد نصف ساعة، عابسَ الوجه ويملؤه الشك.

لمَّا أصبحا وحدَهما، سأل مو: «والآن، ما الذي تريد أن تقوله؟»

قال كارتر مُتذمرًا: «ما أردتُ قوله هو أنك شوهدتَ مع ريدر العجوز منذ أسبوع في شارع لويشام، وفي تلك الليلة، أُلقي القبض على تيدي ألفيلد. شُوهدت تتحدَّث بهدوء مع هذا الكلب العجوز، وفي الليلة ذاتها، قُبض على رجلٍ آخرَ من العصابة. وفي الليلة الماضية، شاهدتُك بعينَيَّ وأنت تتحدَّث سرًّا مع ريدر؛ والآن أُلقي القبض على أوهارا!»

نظر إليه مو وهو لا يكاد يُصدق.

سأل: «حسنًا، وماذا في الأمر؟»

قال كارتر وهو يقلب شفته: «لا شيء سوى أن هذه مصادفةٌ غريبة، هذا كل ما في الأمر. بات أفراد العصابة يتحدَّثون عن الأمر، ولا يَرُوقهم ما يحدث، ولا يُمكنك أن تلومَهم.»

جلس ليسكي يَعَضُّ على شفتَيه وهو شارد الذهن. هذه حقيقة، على الرغم من أن تلك المصادفة لم تطرأ على باله من قبل. إذن فتلك هي لعبة الشيطان العجوز! كان يُقوِّض سلطته ويُثير الشكوك حوله للإطاحة به من منصبه إن لم يُوقِف هذه الشكوك.

قال بصوتٍ منخفض للغاية: «حسنًا يا كارتر. لم يخطر ببالي هذا الأمر من قبل. سأُخبرك الآن، وعليك أن تُخبر الأفراد الآخرين بما حدث.»

شرح دعوات السيد ريدر في بِضْع كلمات.

«وأخبِرْهم أني سأُقابل هذا العجوز مساءَ غدٍ، وسأُعطيه شيئًا يتذكَّرني به.»

اتضحَت الأمور له الآن، وبعدما غادر الرجل، جلس يُفكر في أحداث الأسبوع الماضي. الرجال الثلاثة الذين أُلقي القبض عليهم كانوا موضعَ اشتباهٍ من الشرطة منذ مدةٍ طويلة، وعلِم مو أنه لم يكن أحدٌ ولا حتى هو ليتمكَّنَ من حمايتهم. تمَّت الاعتقالات بترتيبٍ مع شرطة سكوتلاند يارد، بما يُناسب السيد ريدر الداهية.

قال مو: «سأتفوَّق عليه في الدهاء!» وقضى بقية اليوم يُعِدُّ تخطيطاته.

في الساعة العاشرة في تلك الليلة، مرَّ من تحت قوس الأميرالية. كان الضباب الأصفر يُغلف الحديقة ورذاذ المطر يتساقط، ولم تكن هناك أي إشارةٍ تدل على الحياة سوى السيارات التي تأتي من وقتٍ لآخر باتجاه القصر.

ظلَّ يمشي حتى تجاوز النصب التذكاري وانتظر السيد ريدر. دقت الساعة العاشرة، ومرَّ ربع ساعة ولم يكن ثَمَّة أثرٌ للمُحقق.

قال مو دونَ أن يُحرك شفتيه: «لا بدَّ أنه اشتمَّ رائحةً في المسألة.» ووضع السلاح الصغير الذي يحمله في جيبه مرةً أُخرى.

كانت الساعة الحاديةَ عشرة عندما تعثَّر ضابطٌ في الدورية بشخص يئنُّ مُمدَّدًا على الرصيف، ولمَّا أضاء مصباحه الكهربي على الشخص المُمدَّد، رأى المقبض المنحوت لسكِّين مغربي قبل أن يتعرَّف على وجه مو ليسكي المُتألِّم.

قال باين مفكرًا: «لا أفهم تمامًا كيف حدث كل هذا.» (كان قد دُعي إلى استشارةٍ من المقر الرئيسي)، «لماذا أنت متأكِّد لهذه الدرجة من أنه الراهبوت المغربي؟»

سارع السيد ريدر إلى تصحيح الانطباع المغلوط: «لستُ متأكدًا. ذكرت الراهبوت لأنني رأيتُه بعد الظهيرة وفتَّشتُ مسكنه بحثًا عن الزمرُّد، على الرغم من أنني واثق تمامَ الثقة بأنه لا يزال في المغرب يا سيدي.» ثم خاطب رئيسه قائلًا: «كان السيد راهبوت فطنًا إذ تذكَّر أنه غريب على الطرائق التي نتَّبِعها.»

قال مساعد النائب العام: «هل ذكرتَ مو ليسكي على الإطلاق يا سيد ريدر؟»

فرك السيد ريدر ذقنه.

«أعتقد نعم، أنا متأكد من أنني أخبرته بالموعد مع السيد مو ليسكي في الساعة العاشرة. أظن أنني ذكرتُ مكان اللقاء أيضًا. لا أتذكر بالضبط كيف أتى ذِكر موضوع ليسكي. ربما حاولتُ خداع هذا المواطن الأصلي بحيث يعتقد أنه إن لم يُعطِني المزيدَ من المعلومات عن الزمرد، فسأُضطَر إلى استشارة أحد يعرف الكثير من الأسرار. ربما قلتُ ذلك. سمعت أن السيد ليسكي سيمكُث فترة طويلة في المستشفى، هل هذا صحيح؟ شيء مؤسِف. لن أُسامح نفسي أبدًا لو كان ما قلته سببًا في دخول السيد ليسكي المسكين إلى المستشفى … على قيد الحياة!»

لمَّا ذهب، نظر الرئيس إلى المُفتش باين. ابتسم باين.

سأل المفتش: «ما اسم هذه الأفعى الخطيرة يا سيدي؟ «المامبا»، أليس كذلك؟ لا بدَّ أن أتذكَّر هذا.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢