الفصل الأول

حجم مشكلة السرطان

السرطان مرض شائع، بل هو شديد الشيوع. في عام ٢٠٠٨، شُخِّص المرض لدى ما يقرب من ١٢٫٧ مليون نسمة، توفي منهم ٧٫٩ ملايين شخص، فشكّلوا ما يقرب من ١٣٪ من إجمالي الوفيات في ذلك العام. وبالرغم من الاعتقاد أن السرطان مرض يصيب كبار السن في البلدان صاحبة الاقتصاد الأكثر ثراءً، فإن حوالي ٧٠٪ من تلك الوفيات وقعت في البلدان ذات الدخول المنخفضة أو المتوسطة. ويصيب السرطان كلا الجنسين وجميع الأعراق، الغنية منها والفقيرة على السواء. يخشى الناس من تشخيص المرض، إذ يعتبره المصابون به (وكثيرًا ما يكون هذا الافتراض صائبًا) حكمًا بالإعدام. والمرض ذاته وعلاجه من الأسباب الكبرى للألم والاكتئاب. فعلاج السرطان عبء هائل على أنظمة الرعاية الصحية في جميع أنحاء العالم، ويعد المرض من الأسباب الرئيسية لفقدان القدرة الإنتاجية في القوى العاملة نتيجة للوفاة المبكرة. وسوف نلقي في هذا الفصل نظرة عامة على مشكلة السرطان، مع التركيز على بعض أنواع السرطان الأكثر شيوعًا حتى نوضح للقارئ حجم التباين في أعداد المصابين به في أنحاء العالم. وأي مرض يصيب هذا العدد الهائل من الأفراد ستكون له علاوة على ذلك آثار اقتصادية خطيرة، لهذا سنسلط في هذا الفصل أيضًا الضوء على بعض الأساليب التي تتفاعل من خلالها الخدمات الصحية مع الاقتصاد، وهي نقاط سوف نعرضها بمزيد من التفصيل في فصول لاحقة. وتلقي دراسة أنماط معدلات الإصابة بالسرطان ضوءًا مثيرًا للغاية على أسباب مرض السرطان (التي يتناولها الفصل الثاني بالتفصيل). أيضًا سوف نلقي الضوء على بعض الروابط الأكثر إثارة للدهشة في هذا الفصل.

تشكل رعاية مرضى السرطان والأبحاث التي تجرى عليه أيضًا عناصر مهمة في النشاط الصناعي. فنصف إجمالي العقاقير التي تستخدم في التجارب السريرية خاصة بالسرطان، وقد قُدِّرت السوق العالمية لجميع أدوية السرطان بقيمة ٤٨ مليار دولار عام ٢٠٠٨ بعد أن كانت ٣٤٫٦ مليارًا عام ٢٠٠٦. ويتوقع المحللون أن يتجاوز حجم النمو نسبة ١٠٪ سنويًّا في الفترة من عام ٢٠١٠ إلى ٢٠١٥. وفي كل عام تنفق الصناعة الدوائية ما بين ٦٫٥ إلى ٨ مليارات دولار على أبحاث أدوية السرطان وتطويرها. ويجعل هذا المبلغ ما تنفقه الحكومات والجهات البحثية الخيرية على تطوير الأدوية هزيلًا، ما قد يعني أن الأدوية الجديدة تتركز في المجالات التي تحقق أعلى تأثير تجاري، لا على تلك التي تؤثر في الصحة العامة. وتعد شركات الدواء صاحبة عقاقير السرطان الناجحة من كبرى المؤسسات التجارية على مستوى العالم. أما شركات التكنولوجيا الحيوية التي لا تمتلك منتجات رائجة، لكنها تعمل على نحو واعد للوصول إلى عقار للسرطان، فيمكن أن تبلغ قيمتها مليارات الدولارات لا لشيء إلا لاحتمال أن يُرخَّص هذا العقار في أي وقت لاحق كعلاج للسرطان. وهناك ما لا يقل عن ١٩ عقارًا مضادًّا للسرطان تجاوزت مبيعات كل واحد منها مليار دولار عام ٢٠٠٩، وهو رقم يشكل عبئًا جسيمًا على الأنظمة الصحية حتى في أكثر بلدان العالم ثراءً التي تتحمل عبء شراء تلك الأدوية لمرضاها.

على الجانب الآخر، فإن قدرة ما يقرب من ثلث عدد مرضى السرطان على الوصول إلى علاج فعال محدودة للغاية، وترتفع هذه النسبة في أفقر بلدان العالم إلى أكثر من نصف المرضى. وبمضينا قدمًا على هذا المنوال، ربما يصل بنا الحال — مع تزايد عدد كبار السن وارتفاع أسعار الأدوية — إلى وقت لا يتاح فيه العلاج الدوائي «الأكثر تطورًا» إلا للشريحة الأكثر ثراءً في أكثر النظم الاقتصادية ثراءً. بدلًا من ذلك، ربما يتيح تنبؤ أفضل بالاستجابة للعلاج خيارات علاجية موجهة لكل فرد على حدة، مما يقلل التكاليف الناتجة عن العلاج غير الضروري أو غير الفعال. فعلى عكس السيارات أو أجهزة الكمبيوتر مثلًا، التي نتوقع منها أن تؤدي عملها في كل مرة نستخدمها فيها، لا تنجح معظم أدوية السرطان إلا مع نسبة من المرضى. أما مرضى المراحل المتقدمة، الذين يكون الهدف من العلاج معهم تخفيف أعراض المرض أو تحسين جودة حياتهم، فربما تقل هذه النسبة كثيرًا عن ٥٠٪، ومن ثم فإن غالبية العلاجات قد تكون بلا فائدة، أو ما هو أكثر من ذلك في الواقع؛ إذ إنها قد تتسبب في آثار جانبية دون أن تحقق أي منفعة. لذا، فإن القدرة على تحديد المرضى الذين يحتمل أن يستفيدوا من العلاج قبل تقديمه لهم أمر بالغ الجدوى من ناحية التكلفة ومن الناحية العلاجية، ولهذا صار هذا الأمر موضع اهتمام رئيسي لأبحاث السرطان التي تجري حاليًّا (انظر الفصلين الرابع والخامس).

علاوة على ذلك، استحوذ السرطان على اهتمام جامعات العالم وأوساطه الأكاديمية. ففي عام ١٩٦١، تعهد جون كنيدي بإرسال إنسان إلى القمر بحلول نهاية ذلك العقد. وبعدها بتسع سنوات، سار نيل أرمسترونج وباز ألدرين فوق سطح القمر. وبعدها بعشر سنوات، في عام ١٩٧١، أطلق نيكسون تعهدًا مماثلًا بإعلانه «الحرب» على السرطان. وفيما يشبه كثيرًا «الحرب على الإرهاب» التي أُعلِنت حديثًا، فإن إعلان الحرب على مشكلة عالمية متعددة الأوجه لم يحقق سوى نجاح جزئي على أفضل تقدير. فتعهد نيكسون المبدئي كان بمبلغ يقترب من ١٠٠ مليون دولار، وكان هذا الرقم يبدو أشبه بثروة طائلة في ذلك الوقت، غير أنه تبين فيما بعد أنه بالكاد يعالج الأمر سطحيًّا فقط. ومنذ عام ١٩٧١، كان هناك المزيد من مليارات الدولارات التي أنفقت على الأبحاث، لكن بعد أكثر من ثلاثين عامًا، لا يزال السرطان واحدًا من أهم أسباب الوفاة في أنحاء العالم، إذ يصاب به حوالي شخص من بين كل ٣ أشخاص في البلدان المتقدمة، ويتوفى بسببه في البلدان الغربية واحد من كل خمسة أشخاص. من الواضح أن مداواة السرطان أصعب من «علم الصواريخ».

تنفق الدول بجميع أنحاء العالم مبالغ طائلة على أبحاث تدور حول أسباب السرطان وعلاجه. ففي عامي ٢٠٠٩ / ٢٠١٠، أنفق المعهد الأمريكي القومي للسرطان ٤٫٧ مليارات دولار على أبحاث السرطان، وكان المبلغ المناظر الذي أنفقته أوروبا حوالي ١٫٤ مليار يورو. وفي المملكة المتحدة، يعد أكبر منفق في هذا المجال «مؤسسة أبحاث السرطان بالمملكة المتحدة»، وهي واحدة من كبرى المؤسسات البريطانية الخيرية، التي حققت في عام ٢٠١٠ دخلًا سنويًّا من التبرعات يزيد عن ٥٠٠ مليون جنيه استرليني، مما يعكس الأهمية التي تُمنَح لمسألة البحث عن أسباب السرطان والعلاجات الناجعة له بين قطاع أكبر من السكان (غير أن المتلقي الأساسي للتبرعات العامة هو الحيوانات لا البشر!) وبالرغم من هذا الإنفاق الهائل على الأبحاث، فما زلنا لا نفهم بحق السبب وراء نسبة هائلة من أنواع السرطان. علاوة على ذلك، وبالرغم مما أُنفِق من مال على العقاقير وأبحاثها، نجد أن معظم من شفوا من مرضى السرطان، عولجوا إما بالتدخل الجراحي أو بالعلاج الإشعاعي، كما سنشرح في الفصل الثالث. أما العلاج الكيماوي وغيره من أساليب العلاج الأخرى الأحدث عهدًا، مثل الأجسام المضادة وحيدة النسيلة أو العلاجات «بالجزيئات الصغيرة» الموجهة، مع أن أهميتها في ازدياد مستمر، فلا تزال تشكل أقلية بين أساليب العلاج، وإن كان لها دور مهم في تخفيف الأعراض في الحالات المتقدمة من المرض.

هناك سبل عدة للنظر في المشكلة التي يفرضها علينا مرض السرطان. وتتباين تلك السبل بين النظر إلى الأرقام الأولية — مثلًا كم عدد من يُشخَّص المرض لديهم، وكم يتوفى منهم — إلى النظر إليها بشكل شخصي؛ ما احتمال تعرضك للإصابة بنوع معين من السرطان؟ ويمكن عرض الإحصائيات المبنية على التعداد السكاني بسبل متنوعة، تبدأ من نسبة المرضى إلى إجمالي السكان مرورًا بالنسبة المعدلة وفق الفئة العمرية وحتى الحسابات التي تُجرَى على أعداد سنوات العمر الضائعة. وكثيرًا ما يُعبَّر عن هذه الإحصائيات الأخيرة بوصفها السنوات الضائعة قبل سن السبعين، ومن ثم تفترض أن الوفيات التي تحدث بعد سن السبعين (أو في بعض الأحيان الخامسة والسبعين) تمثل غالبًا وفاة نتيجة للشيخوخة. ثمة صعوبة أخرى، ألا وهي أن الوفيات بسبب السرطان تتباين تباينًا هائلًا من حيث الدخل، والانتماء العرقي، وبلد الإقامة. فمثلًا نجد أن سرطاني الثدي والبروستاتا أكثر انتشارًا بكثير في أوروبا وأمريكا الشمالية عنهما في اليابان والصين. وفي أوساط المهاجرين من هذين البلدين إلى الولايات المتحدة تتغير بصورة مطردة نسب احتمال الإصابة بهذين المرضين بحيث تقترب من نسب الأمريكيين البيض، غير أنهم يحافظون على نسبة احتمال إجمالية أقل. وهذا ينبئنا بأن العوامل البيئية من بين أسباب المعدلات الأدنى للإصابة بسرطاني الثدي والبروستاتا في الشرق الأقصى، وأن من الأسباب الأخرى أيضًا الفروق العرقية أو أن جانبًا ما للبيئة مرتبط بالمرض يمكن انتقاله مع هؤلاء، كالغذاء على سبيل المثال.

في محاولة مني للتوغل أكثر في بحث هذه المفاهيم، سوف أعرض نماذج من الإحصائيات الأولية مستخدمًا طرقًا متنوعة. أما مسألة أي من تلك الإحصائيات ستكون أكثر جدوى من غيرها، فإنها تتوقف على وجهة نظرك أنت عزيزي القارئ. فمثلًا الأطباء العاملون في مجال الصحة العامة ومسئولون عن وضع خطط تقديم الرعاية الصحية لسكان محليين، لن يهتموا كثيرًا بمعدلات نوع معين من السرطان في بلد آخر. وعلى العكس من ذلك، الباحثون المعنيون بتأثير الغذاء على احتمال الإصابة بالسرطان قد يرغبون بشدة في التركيز على الفروق بين مختلف المجتمعات في معدلات الإصابة بالمرض، إذ إنها قد تلقي الضوء على مسألة أي من عوامل نمط الحياة له أهمية في نشوء نوع معين من السرطان. أما جامعو التبرعات لتمويل أبحاث السرطان، فسيهتمون في الغالب بالأمراض التي تصيب أعدادًا كبيرة من الناس في المجتمع الذي يقدم التبرعات؛ لعل أفضل مثال على ذلك سرطان الثدي في أوروبا وأمريكا الشمالية، ولكن حديثًا طَرَق جامعو التبرعات لأبحاث سرطان البروستاتا السبيل نفسه في الرأي العام.

(١) الأرقام الأولية

كما ذكرت من قبل، تعود نسبة تقترب من ١٣٪، أو ١ من بين كل ٧ حالات وفاة، على مستوى العالم إلى السرطان. وترتفع هذه النسبة إلى ما يقرب من ١ من بين كل ٣-٤ أشخاص في العالم المتقدم، حيث نجد أن احتمال الوفاة المبكرة نتيجة لحالات العدوى، أو سوء التغذية، أو العنف أقل كثيرًا بالمقارنة بالسرطان. ويبين الشكل ١-١ أعداد الأشخاص الذين شُخِّصت حالاتهم على أنها سرطان، ويبين الشكلان ١-٢ و١-٣ أعداد أولئك الذين يتوفون بسبب هذا المرض في مختلف بقاع العالم. ومن الواضح أن هناك تباينات كبيرة من إقليم إلى آخر، إذ نجد سرطانات شائعة في إحدى مناطق العالم لا تبرز ضمن قائمة السرطانات الشائعة في أخرى. وهناك الكثير من الاختلافات التي تحتاج إلى تغطية كل منها بالتفصيل. لهذا سوف ألقي الضوء على البعض منها كي أبين كيفية نشوء هذه الاختلافات وسببها.
fig1
شكل ١-١: أعداد المصابين بالسرطان عالميًّا.1

(٢) سرطان الرئة

fig2
شكل ١-٢: نسبة الوفيات الناجمة عن السرطان في كل قارة.
fig3
شكل ١-٣: أسباب الوفاة الناجمة عن السرطان على مستوى العالم.
يعد سرطان الرئة أهم أسباب الوفاة نتيجة للسرطان على مستوى العالم، إذ يمثل ١٧٪ من إجمالي الوفيات الناجمة عن الإصابة بالسرطان، ويبلغ عدد هؤلاء ١٫٢ مليون نسمة، يتوفون نتيجة لهذا النوع. إنه مرض شديد الفتك، حيث نجد أن أقل من ١ من بين كل عشرة يُشخَّص المرض لديهم يعيشون خمس سنوات أخرى في معظم البلدان. وفي الولايات المتحدة ذاتها، التي تملك أفضل النتائج العلاجية، يعيش أقل من ١ من بين كل خمسة مرضى فترة طويلة. علاوة على ذلك، يرتفع معدل الوفاة العالمي سريعًا، حيث تضاعف بين عامي ١٩٧٥ و٢٠٠٢. يوضح الشكل ١-١ معدلات تشخيص مختلف أنواع السرطان في جميع أنحاء العالم، ويبين بوضوح أن سرطان الرئة من بين أبرز الأمراض الفتاكة في جميع أنحاء المعمورة. وهناك علاقة شهيرة وقوية تربط بين التدخين وسرطان الرئة. فلا يدهشنا إذًا أن الفروق في معدلات الإصابة بسرطان الرئة تتباين تبعًا لنسب المدخنين. وفي أغلب الأحوال، يُشخَّص سرطان الرئة في مرحلة متأخرة نسبيًّا من العمر، فيعكس استهلاك أعداد كبيرة من السجائر على مدى ما يزيد عن نصف قرن في معظم الحالات (يمكن، بالتأكيد، أن يصاب بالمرض الأفراد الأصغر سنًّا الأقل تعرضًا لدخان السجائر، إلا أن هذه الحالات أقل شيوعًا نسبيًّا). ومعنى هذا إذًا أن معدلات الإصابة بسرطان الرئة واتجاه هذه المعدلات (نحو الصعود أو الهبوط) هي انعكاس لعادات التدخين على مدى نصف القرن الماضي. وإذا علمنا اتجاهات معدلات التدخين، يكون باستطاعتنا التنبؤ بالاتجاهات المستقبلية لمعدلات الإصابة بسرطان الرئة في مجتمع ما.

في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية، تنخفض معدلات التدخين بين الرجال وتنخفض معها معدلات الإصابة بسرطان الرئة (وغيرها من الأمراض المرتبطة بالتدخين). وعلى النقيض من ذلك، تتزايد معدلات التدخين سريعًا في بقاع شاسعة من العالم النامي، كلما اتجهت بلدانه نحو التصنيع. ولعل الاتجاهات السائدة في اليابان تبين لنا تأثير ذلك على معدلات الإصابة بالسرطان، حيث نجد معدل الإصابة بسرطان الرئة قد زاد بين عامي ١٩٦٠ و١٩٨٠ بمقدار يفوق الضعف بالتأثير السيئ للتصنيع في اليابان. ومن الملحوظ حاليًّا وجود تغيرات مماثلة في بلدان مثل الصين. وهناك أسباب عديدة لهذا الأمر: فلا تزال هذه العادة محاطة بهالة «المعاصرة» في تلك البلدان، على العكس تمامًا من ازدياد النظر إليها كعادة منبوذة في بلدان الغرب. وهناك بشكل عام مستويات أقل من الوعي بالقضايا الصحية المرتبطة بالتدخين، إلى جانب أن المحاذير على الترويج للتبغ التي تُشاهَد بصورة متزايدة في كل من أوروبا وأمريكا الشمالية غير موجودة في تلك البلدان. بل إن الواقع أن المسئولين في إحدى المقاطعات الصينية التي أصابها الكساد أصدروا قرارًا بأنه على جميع الأشخاص البالغين تدخين السجائر المحلية تشجيعًا للمزارعين المحليين وأيضًا لزيادة عائدات الضرائب. لهذا لو نظرنا إلى المستقبل، فسنستطيع أن نرى أنه مع تضاؤل مشكلة سرطان الرئة في بلدان العالم «المتقدم»، سوف تواجه النظم الاقتصادية المتجهة حديثًا نحو التصنيع عبئًا متزايدًا من أنواع السرطان المرتبطة بالتدخين (إضافة إلى مشكلات صحية أخرى مثل أمراض القلب) ما لم يكن هناك تبنٍّ عاجل لأنواع من استراتيجيات حظر التدخين التي صارت الآن عرفًا سائدًا في أوروبا الغربية وأمريكا الشمالية. لكن هذا لا يبدو، في الوقت الراهن، احتمالًا قائمًا، ومن ثم من المحتمل أن يكتسب العالم الصناعي واحدةً من الفخاخ غير المرغوب فيها التي وقعت فيها من قبل بلدان العالم المتقدمة.

(٣) سرطان الثدي

من ناحية ظهور حالات جديدة، يُعَد سرطان الثدي أكثر أنواع السرطان انتشارًا بين النساء، فيشكل ٢١٪ من حالات السرطان التي تصيب الإناث و١٤٪ من وفيات الإناث الناجمة عن السرطان على مستوى العالم. لكن معدل البقاء على قيد الحياة أفضل كثيرًا من ذلك الخاص بسرطان الرئة؛ فيعيش ثلاثة أرباع من يعانونه في أوروبا وأمريكا الشمالية خمس سنوات. بل في البلدان الأقل تقدمًا أيضًا، يبلغ أكثر من نصف مريضات سرطان الثدي هذه المدة.
fig4
شكل ١-٤: تشخيص سرطان الثدي ومعدلات الوفاة في المملكة المتحدة عام ٢٠٠٥.2
fig5
شكل ١-٥: معدلات تشخيص سرطان الثدي والطبقة الاجتماعية.3
fig6
شكل ١-٦: التباين في تشخيص حالات سرطان الثدي على مستوى العالم.4

تساعد دراسة أنماط الإصابة بسرطان الثدي أيضًا في إيضاح بعض الأساليب التي يمكن لإحصائيات السرطان من خلالها أن تلقي الضوء على سلوك المرض.

يتزايد احتمال الإصابة بسرطان الثدي (كما هو الحال مع معظم أنواع السرطان) زيادة مطردة مع التقدم في العمر، ويوضح الشكل ١-٤ هذا الأمر مصحوبًا ببيانات من المملكة المتحدة. وسوف نجد توزيعات مشابهة تمامًا في جميع البلدان المتقدمة. إذا نظرنا إلى المحور الأيمن من الشكل — الذي يعكس الأرقام الفعلية لكل عمر — فسنجد أن أعلى الأرقام تواكب المرحلة العمرية من ٥٠ إلى ٧٠ سنة، ومع أن احتمال الإصابة أعلى في الفئات العمرية الأكبر من سبعين عامًا، فعدد السيدات في هذه الفئات أقل؛ نظرًا لأنهن يتوفين لأسباب أخرى. وكما يمكن أن نرى أيضًا، يوجد عدد قليل من النساء دون الأربعين يُشخَّص المرض لديهن، مع أن جامعي التبرعات كثيرًا ما يعمدون إلى استغلال النساء المنتميات إلى هذه الفئة العمرية في موادهم الدعائية. أما الشكل ١-٥، فيُعنى بتوزيع الحالات من زاوية أخرى، ألا وهي الطبقة الاجتماعية. ويبين هذا أن النساء الأكثر ثراءً والأفضل من حيث المستوى التعليمي يكون احتمال تعرضهن للإصابة أكبر بكثير من الأقل ثراءً. وكثيرًا ما تؤدي النساء المثقفات متوسطات العمر دور القائمات على حملات جمع التبرعات على نحو مذهل؛ فلديهن من الوقت والثقافة ما يمكنهن من الضغط بفعالية. وكما سنرى في الكتاب، فلا أبحاث السرطان ولا إمكانية الحصول على علاج له تعتمد على الحاجة فقط، وإنما تتأثر غالبًا بقوة بضغوط جماعات الضغط التي تتحدث نيابةً عن فئات بعينها.
ومرة أخرى، توضح الأرقام المتعلقة بالخطر العالمي للإصابة بسرطان الثدي لنا بعض الاتجاهات المفزعة. فبالنظر إلى الشكل ١-٥، نجد إشارة واضحة إلى أن سرطان الثدي مرتبط على نحو ما بالرفاهية المادية؛ فأكثر البلدان ثراءً لديها معدلات أعلى من الإصابة مقارنةً بأفقر البلدان. وعلى مستوى العلاقة بين التدخين والسرطان، ثمة علاقة شديدة الوضوح بين استهلاك السجائر واحتمال الإصابة. لكن الأكثر صعوبة هو أن نفهم سبب ارتباط ارتفاع متوسط الدخل بخطر الإصابة بالمرض؛ فهذا عكس معظم اتجاهات الصحة العامة. إذًا ما سبب ذلك؟ أحد العوامل وراء ذلك هو الهيكل العمري للمجتمع. فكما نشاهد في الشكل ١-٤، يتزايد احتمال الإصابة بالسرطان كلما تقدم العمر بالإنسان. ومن هنا، فإن النساء في البلدان الفقيرة اللاتي يعشن أعمارًا قصيرة ببساطة لا يعشن ما يكفي من الوقت ليصبحن عرضة للإصابة بالسرطان، ويتوفين بالفعل في أعمار مبكرة نتيجة لأمراض أخرى. لكن هذا لا يبرر نطاق احتمالات الإصابة الكبير الذي نراه. وهناك نظريات متعددة حول الفارق الأساسي المُلاحَظ، وأكثر التفاسير احتمالًا يتعلق بتأثير الهرمونات على نسيج الثدي؛ على سبيل المثال: هناك تأثيرات واضحة على احتمال الإصابة بالسرطان تتعلق بسن أول حمل وعدد مرات الحمل. فبدء البلوغ في عمر متأخر، والحمل الأول المبكر، وتعدد مرات الحمل، هي جميعها عوامل يبدو أنها تقي المرأة من الإصابة بسرطان الثدي. في الغرب، يحدث البلوغ في سن مبكرة مقارنةً بما كان يحدث في الماضي نتيجة لتحسن التغذية وارتفاع نسبة البروتين في الطعام، في حين يأتي الحمل متأخرًا نتيجة لوسائل منع الحمل الفعالة، وزيادة استقلالية النساء، وارتفاع مستواهن التعليمي. أما في البلدان الأفقر، فيحدث البلوغ متأخرًا، وتقل سيطرة النساء على خصوبتهن. وبالرغم مما يجلبه هذا الوضع من مشاكل من جميع الأنواع، فيبدو أنه يقي بالفعل من سرطان الثدي. والرضاعة الطبيعية، التي تؤثر على مستويات الهرمونات بعد الولادة، يبدو أيضًا أنها تقي من الإصابة بسرطان الثدي، ولو صارت أكثر انتشارًا في أوساط النساء الأكثر ثقافة في بلدان الغرب، فإنه من المتوقع لها أن تحرف المسار نحو الاتجاه المعاكس. إن معدلات الخصوبة تميل إلى الانخفاض، والسن في أول حمل تميل إلى الارتفاع مع زيادة كل من الدخل القومي والفردي. لهذا ربما يُتوقَع — مثلما هو الحال في سرطان الرئة — أن يؤدي ارتفاع مستوى التنمية إلى زيادة أعداد حالات سرطان الثدي عالميًّا.

من الواضح أن الثدي عضو تطرأ عليه تغيرات طيلة عمر الإنسان استجابةً للتغيرات في مستويات الهرمونات (نتيجة للبلوغ، أو الحمل، أو الرضاعة الطبيعية، أو انقطاع الطمث، أو العلاج الدوائي، مثل تناول حبوب منع الحمل وعلاج الهرمونات التعويضي). ويستتبع ذلك من واقع المشاهدات التي ذكرناها آنفًا أن أنواع العلاج الطبي التي تؤثر على مستويات الهرمونات ربما تغير من احتمالات الإصابة بسرطان الثدي. وينتشر استخدام علاج الهرمونات التعويضي انتشارًا واسعًا في التداوي من أعراض انقطاع الطمث. وكان من المأمول، بالإضافة إلى المساعدة في تخفيف أعراض مثل نوبات التوهج الحارة وفقدان الرغبة الجنسية، أن يقي علاج الهرمونات التعويضي من أمراض تحدث عادةً بمعدلات مرتفعة بعد انقطاع الطمث، كأمراض القلب وهشاشة العظام مع ما يلي ذلك من احتمال التعرض لكسور. ومع أن علاج الهرمونات التعويضي فعال بالتأكيد في تحقيق بعض هذه الأهداف، فيبدو في الوقت نفسه أنه يزيد من احتمال الإصابة بسرطان الثدي مع طول فترة استخدامه. ويُلاحَظ تأثير مشابه لذلك مع حبوب منع الحمل، التي تعمل هي أيضًا عن طريق تغيير البيئة الهرمونية الطبيعية. هذه الآثار مربكة إذًا: فبعض التغيرات الهرمونية (تلك المرتبطة بالحمل والرضاعة الطبيعية) تقي من سرطان الثدي، في حين تزيد تغيرات أخرى (منع الحمل وعلاج الهرمونات التعويضي) من نسبة الخطر. وبناءً على هذه المعلومات، تركز الكثير من الأبحاث المعملية على الدور الذي تلعبه الهرمونات في التسبب في سرطان الثدي وعلى تطوير عقاقير تتدخل في المسارات الهرمونية، ومن ثم تعالج سرطان الثدي. ومن بين هذه العقاقير «تاموكسيفين» الذي يؤدي وظيفته أساسًا عن طريق حجب آثار هرمون الإستروجين، ويمكن اعتباره واحدًا من أكثر العقاقير فعالية على مر العصور؛ إذ تمكن من إنقاذ حياة ملايين النساء على الأرجح، وساعد في أن تتمتع أعداد أكثر منهن بأعمار أطول على مدى ٢٥ عامًا أو نحوها منذ بدء استخدامه سريريًّا (انظر الفصل الثالث).

وأخيرًا، هناك مفهوم تروج له بدرجة ما جماعات تشن حملات تدعو لعلاج وأبحاث أفضل، وهو أن سرطان الثدي مرض يصيب النساء الشابات. وهذه المعلومة، في العموم وكما رأينا فيما سبق من سطور، غير دقيقة. لكن الدراسات التي أجريت على أنماط خطر الإصابة بسرطان الثدي كشفت عن أن بعض العائلات تبدو معرضة بدرجة كبيرة للغاية للإصابة بهذا السرطان، حيث نجد الأمهات والشقيقات والخالات والعمات جميعهن مصابات به في سن مبكرة، وكثيرًا ما يصيب المرض كلا الثديين أو يكون مقترنًا بسرطان المبيض، أو سرطان البروستاتا لدى أقاربهن من الرجال. ومن البديهي أن تُرشَّح هذه العائلات للخضوع لدراسات متبحرة، ومع وجود هذه الأخطار شديدة الوضوح التي تحيط بهذه العائلات، رحبت من تعانين منها غالبًا بالمشاركة في الأبحاث. وأشارت دراسات أنماط الوراثة في مثل هذه الحالات إلى أن خطر الإصابة بسرطان الثدي كان ينتقل من الأم إلى طفلتها بنسبة احتمال ٥٠:٥٠، وأشارت إلى وجود ما لا يقل عن شكلين شائعين موروثين من المرض علاوة على عدد من الأشكال الأقل انتشارًا. وهذا مجال بحثي سنغطيه بمزيد من الإسهاب في الفصل الثاني.

(٤) سرطان الكبد

يُعَد سرطان الكبد واحدًا من أكثر أنواع السرطان شيوعًا في العالم، لكن مع اختلاف نمط توزيعه اختلافًا بيِّنًا عن سرطاني الرئة والثدي. هو سرطان مثير للاهتمام؛ إذ إن التطعيم المتاح مجانًا (ضد الالتهاب الكبدي الوبائي ب) يمكنه أن يحقق الوقاية الفعالة من الإصابة بهذا السرطان. وإجمالًا، يُعَد هذا النوع سادس أنواع السرطان انتشارًا من حيث الحالات الجديدة، لكنه ثالث أكثر الأسباب شيوعًا للوفيات الناجمة عن السرطان، ما يعكس الطبيعة شديدة العدوانية للمرض. ويوجد عدد من السمات الرئيسية التي تميز نمط حالات سرطان الكبد التي تستحق فحصًا أكثر تفصيلًا. وهو أكثر انتشارًا في بعض مناطق الصين وأفريقيا بما يتراوح من ٥ إلى ٧ مرات قدر ما هو مألوف في أوروبا وأمريكا الشمالية. والمرض في الغالبية العظمى من الحالات مسبب للوفاة، وربما كان من أسباب ذلك أنه يحدث في مناطق العالم ذات الرعاية الصحية الأكثر تخلفًا، ولكن السبب الأقوى هو أنه ينشأ نتيجة لوقوع تلف خطير بالكبد بفعل فيروس الالتهاب الكبدي الوبائي ب.

يرتبط سرطان الكبد بتلف الكبد المزمن، وفي أوروبا وأمريكا الشمالية يكون السبب بصفة عامة هو معاقرة الكحوليات. وفي بعض مناطق العالم التي يكون السرطان فيها أكثر انتشارًا، يكون العامل الأهم هو الإصابة بعدوى فيروس الالتهاب الكبدي الوبائي ب، الذي كان أول من وصفه هو دكتور باروخ بلومبرج عام ١٩٦٥، الذي نال عن عمله جائزة نوبل. ومنذ بضع سنوات أكدت الدراسات التي أجريت على الأوبئة وجود علاقة تربط بين الالتهاب الكبدي وسرطان الكبد. وأظهرت الأبحاث التي تلتها أن البيولوجيا الجزيئية للفيروس تتفق مع وجود دور سببي مباشر، وأن هذا الارتباط ليس محض مصادفة. ومع تأكد وجود علاقة بين الفيروس والسرطان، صار احتمال وجود تطعيم ضد أحد أنواع السرطان الشائعة حقيقة واقعة. وما أسعد جميع المعنيين بالأمر أن التطعيم ضد فيروس الالتهاب الكبدي ب حقق نجاحًا عظيمًا؛ فظهرت فوائده بسرعة البرق في أوساط المجتمعات البشرية الأكثر تعرضًا للإصابة بالمرض.

(٥) سرطانات القناة الهضمية

تحدث سرطانات القناة الهضمية عادةً إما في الطرف العلوي منها (أي المعدة والمريء) أو في الطرف السفلي (القولون والمستقيم)، مع ندرة نسبية لها بالجزء الأوسط (الأمعاء الدقيقة). وهناك بعض الميول المثيرة في أنماط سرطانات القناة الهضمية سوف أتناولها سريعًا، بادئًا بالجزء العلوي؛ أي سرطان المعدة.

إجمالًا، يبلغ عدد من تُشخَّص حالاتهم سنويًّا بأنها سرطان معدة ما يقرب من مليون شخص، ويتوفى حوالي ثلثي هذا العدد من جراء المرض؛ أي ما لا يقل عن ٦٥٠ ألف شخص. وقد ظلت نسبة الإصابات بسرطان المعدة تنخفض انخفاضًا مستمرًا في الغرب على مدى الخمسين عامًا الماضية، كما هو موضح في الشكل ١-٧، فتحول من كونه نوعًا شائعًا نسبيًّا من السرطان إلى أن صار الآن مرضًا شديد الندرة. وفي مناطق أخرى من العالم، بدأ معدل الإصابات أيضًا في الانخفاض، ولكن هذا لم يحدث سوى مؤخرًا. وهناك أسباب متنوعة طُرِحت كتعليل لهذا الأمر، تتراوح ما بين ظهور الثلاجات رخيصة الثمن إلى توفر علاجات طبية لقرحة المعدة، غير أنه في الوقت الحاضر لا تعد أسباب تلك التغيرات مفهومة تمامًا.
fig7
شكل ١-٧: معدلات سرطان المعدة بمرور الزمن.

تتباين سرطانات الأمعاء الغليظة أيضًا تباينات كبيرة بين الجماعات السكانية. إذا تحدثنا بصفة عامة، فسنجد أن سرطان الأمعاء شائع في أوروبا وأمريكا الشمالية، وأقل شيوعًا في الشرق الأقصى، وغير شائع في أفريقيا. ومن ثم فإنه يعد على الأرجح مرضًا من أمراض العالم المتقدم. وبشكل إجمالي، هناك حوالي مليون شخص تُشخَّص حالاتهم سنويًّا على أنها إصابة بهذا المرض، وحوالي نصف هؤلاء المرضى يتوفون نتيجة له. وتنخفض في الوقت الحالي معدلات الوفاة في أمريكا الشمالية وأوروبا نتيجة لتقدم الوعي، والتشخيص المبكر، وتحسن العلاج. وتشير الدراسات التي تجرى على المهاجرين إلى أن الفوارق بيئية وليست عرقية، فالمهاجرون، سواء القادمون من البلدان ذات معدلات الخطر المنخفضة أو المرتفعة سرعان ما يكتسبون نمط الخطورة السائد في وطنهم الجديد. وعلاوة على ذلك، فإن البلدان التي يتزايد فيها اتباع الناس لنمط الغذاء الغربي، مثل اليابان، تشهد ارتفاعًا في نسبة الإصابة بالمرض. إذًا، المتهم الرئيسي في هذه الظاهرة هو النظام الغذائي؛ فمن الواضح أن التغيرات التي تطرأ على بيئة بطانة الجزء السفلي من الأمعاء تنشأ من الاختلافات فيما يتناوله المرء عند الطرف العلوي من القناة الهضمية! لذا، يبدو أن هناك نوعًا ما من التأثير المتبادل، فقد تسببت التغيرات التي طرأت على النظام الغذائي خلال الخمسين عامًا الأخيرة في أن يصير سرطان المعدة يومًا بعد يوم مرضًا نادرًا، لكنها في الوقت نفسه أدت إلى ارتفاع خطر الإصابة بالسرطان عند الطرف الآخر من القناة الهضمية. وتزودنا دراسة هذه الأنماط من التغيرات بدلائل هامة حول أصول السرطانات، ويمكنها أن تشير أيضًا إلى الطريق نحو استراتيجيات الوقاية.

(٦) سرطان البروستاتا

سرطان البروستاتا مرض مثير للاهتمام. ففي أوروبا وأمريكا الشمالية، نجده أكثر أنواع السرطان التي تُشخَّص عند الرجال وأحد أهم أسباب الوفاة نتيجة للسرطان بينهم. في عام ٢٠٠٧، شُخِّصت ٦٧٠ ألف حالة لهذا المرض بين الرجال على مستوى العالم. أما فيما يتعلق بالوفيات، فيصعب التحقق منها؛ لأن الكثير من الرجال الذين تُشخَّص حالاتهم بأنها مرحلة مبكرة من سرطان البروستاتا يموتون لسبب آخر غير المرض. وشأنه شأن سرطان الثدي، تكون هناك فوارق كبيرة في المعدلات بين مختلف البلدان. ويبدو أن بعض تلك الفروق عائد إلى وجود فروق في معدلات استخدام اختبار الدم لقياس «المستضد البروستاتي النوعي» الذي يكتشف السرطانات في بدايتها، ويمكن استخدامه كاختبار تحرٍّ.

تنتج البروستاتا المستضد البروستاتي النوعي، وهو بروتين تتمثل وظيفته الطبيعية في إماعة السائل الذي ينتج أثناء قذف السائل المنوي (ملحوظة جانبية: القوارض لا تصنع أجسامها المستضد البروستاتي النوعي، وتنتج كتلة منوية صلبة أثناء الجِماع، ومع ذلك تُستخدَم الفئران كثيرًا في الأبحاث التي تجرى حول سرطان البروستاتا). يوجد المستضد البروستاتي النوعي بكميات ضئيلة في دماء الرجال غير المصابين بالسرطان. وفي وجود سرطان البروستاتا (لكن أيضًا في وجود أمراض أخرى تصيب البروستاتا)، تُفرز كميات كبيرة منه في مجرى الدم، ما يُمَكِّننا من قياس نسبته للاستعانة بها كاختبار تشخيصي مبكر واختبار مراقبة لسرطان البروستاتا. ومنذ بدايات التسعينيات، صار الاختبار متوافرًا على نحو متزايد، ويستعمل لفحص الأفراد لاكتشاف السرطان الذي لم يُشخَّص بعدُ، أو كأداة لمراقبة مدى استجابة السرطان للعلاج. وفي الولايات المتحدة، صار الاختبار واسع الانتشار من مصادر عدة، ويروِّج له بنشاطٍ صانعو مجموعات الاختبار؛ فمعرفة مستوى المستضد البروستاتي النوعي لديك صار شيئًا يحتاج الرجال إلى الدراية به على النحو نفسه الذي كانت عليه نسبة الكولسترول في الدم. في المملكة المتحدة، وحتى وقت قريب، كانت سياسة الحكومة مناهضة لاختبار المستضد البروستاتي النوعي «الانتهازي»، ولم يكن هناك برنامج منهجي للفحص على أساس أنه لم تكن هناك أدلة على أن التشخيص المبكر لسرطان البروستاتا يخفض معدلات الوفيات الناجمة عن المرض. وتشير بيانات حديثة واردة من تجارب فحص إلى أن اختبار المستضد البروستاتي النوعي ربما يخفض أعداد الوفيات نتيجة لسرطان البروستاتا، غير أن ٤٠ رجلًا في حاجة للعلاج من السرطان المكتشف باختبار المستضد البروستاتي النوعي حتى ننقذ حياة رجل واحد فقط. وسواء أكان هذا المستوى من الفائدة سوف يؤدي إلى إقامة برامج للفحص أم لا، فلا يزال هذا أمرًا يحتاج النظر فيه. وجدير بالذكر أن هذا الأمر مشابه لمستوى النفع العائد من اختبارات فحص سرطان الثدي. ومع أن الفحص يستخدم على نطاق واسع، فإن فوائده لا تقترب — حتى في وضوحها — مما يمكن تخيله من التطبيق واسع الانتشار لفحص سرطان الثدي بجميع أرجاء العالم الغربي. ففي الوقت الحالي، لا يزال فحص المستضد البروستاتي النوعي متباينًا من مكان إلى آخر، ويعتمد اعتمادًا كبيرًا على المستهلك.
fig8
شكل ١-٨: أعداد المصابين بسرطان البروستاتا والوفيات.5
إذا بدأنا بالنظر إلى التشخيص ومعدلات الوفيات الناجمة عن سرطان البروستاتا، فسنجد بعض الفروق شديدة الوضوح (الشكل ١-٨). فمعدل الوفاة بين الرجال الذين يعيشون في أوروبا وأمريكا الشمالية أعلى بدرجة مذهلة من الرجال الذين يعيشون في الهند الصينية، حيث يعد المرض نادرًا نسبيًّا، كما هو الحال في معظم أجزاء قارة أفريقيا. وداخل أوروبا وأمريكا الشمالية هناك تباينات أكثر إثارةً للاهتمام، حيث يزيد احتمال الوفاة كلما ابتعدنا عن خط الاستواء، وهي ظاهرة يمكن مشاهدتها على أفضل ما يكون لدى السكان البيض في الولايات المتحدة وأستراليا؛ حيث يكون الأصل العرقي للسكان البيض موحدًا إلى حد ما. إذا نظرنا إلى التأثيرات العرقية، فسنجد أيضًا تباينات مذهلة، فالرجال ذوو الأصول الأفريقية يتعرضون تقريبًا لِضِعف احتمال الوفاة من سرطان البروستاتا مقارنةً بأقرانهم البيض. وعلى النقيض، نجد أن الرجال المنتمين لأصول هندية-صينية يحتفظون باحتمالات الإصابة الأقل الموجودة في مناطق أصولهم، وهو تأثير مماثل لما نراه لدى النساء مع سرطان الثدي.

كيف يمكننا تفسير هذا الأمر؟ أفضل الأدلة تشير إلى أن الفروق بين السكان البيض والآسيويين ترجع إلى الفوارق في الغذاء، علاوة على فارق في الحساسية العرقية لما يمكن أن يكون سبب سرطان البروستاتا (وهو سبب غير معلوم إلى حد بعيد). والتباين في خطوط العرض الجغرافية أمر يصعب كثيرًا تفسيره عن طريق الغذاء، ومن الواضح أنه لا يُفسَّر عن طريق الأصول العرقية؛ إذ يمكن رؤيته في أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا. ويبدو أفضل تفسير هنا هو مسألة التعرض لأشعة الشمس؛ إذ إن التعرض لها يعد عاملًا واقيًا. وهذه نتيجة مفاجئة تمامًا، إذا علمنا بوجود حملات صحة عامة واسعة الانتشار تهدف إلى التقليل من تعرض الناس للشمس. فكيف يمكن للتعرض للشمس أن يؤثر على احتمال الإصابة بالسرطان في عضو داخلي محمي من الشمس إلى أقصى درجة ممكنة؟ يبدو أن الإجابة تكمن في فيتامين د. إن نقص فيتامين د يؤدي إلى الكساح ويعيد إلى الذاكرة صور ورش العمل في العصر الفيكتوري والأطفال المشوهين، لكن في القرن الحادي والعشرين ربما تمثل المرض في شكل تزايد احتمال الإصابة بالسرطان، مثلما يوجز المربع الآتي:

فيتامين د وضوء الشمس والسرطان

يشارك فيتامين د مشاركةً قوية في نمو مجموعة كاملة من أنواع الأنسجة وتكوُّنها، ومن بينها البِنى الغددية كالبروستاتا والثدي. وأيض فيتامين د معقد، غير أن هناك خطوة رئيسية به تحدث في الجلد وتحتاج إلى ضوء الشمس. وقلة التعرض لأشعة الشمس مدة طويلة قد يؤدي من ثم إلى نقص فيتامين د «النشط»، ولا يكون هذا النقص كافيًا لإصابة المرء بالكساح، ولكنه كافٍ للتغيير قليلًا من احتمالات الإصابة بسرطان البروستاتا. وقد يفسر هذا أيضًا لماذا قد يكون الرجال المنتمون لأصول أفريقية، الذين هم في الغالب أصحاب بشرة أكثر سمرة من غيرهم، أكثر عرضة للإصابة بسرطان البروستاتا عندما يعيشون في مناطق تقع عند خطوط عرض معتدلة المناخ. لو كانت هذه الفرضية صحيحة، فمن الممكن التنبؤ بأن أصحاب البشرة البيضاء الأكثر تعرضًا للشمس في مجتمع ما هم أصحاب أقل احتمالات للإصابة بسرطان البروستاتا. وسرطان الجلد يعد مؤشرًا قويًّا على التعرض للشمس، وقد أجريت دراسات على احتمال إصابة مرضى سرطان الجلد بسرطان البروستاتا. وكما كان متوقعًا، وُجِد أن احتمال الإصابة بسرطان البروستاتا يقل لدى أصحاب أعلى مستويات التعرض للشمس، وهو ما دل عليه التلف الجلدي الشمسي وسرطان الجلد. وعلاوة على ذلك فإنه مع التعرض للشمس يكون الانخفاض في احتمال إصابة الفرد بسرطان البروستاتا كبيرًا، وتقدر إحدى الدراسات هذا الانخفاض بنسبة ربما تصل إلى ٤٠٪. وحتى لدى أولئك الذين يصابون بسرطان البروستاتا، فإن التعرض للشمس يؤخر على ما يبدو التشخيص بصورة واضحة، فترة تقترب من ٥ سنوات، ليرتفع متوسط سن تشخيص المرض من ٦٧ عامًا لأولئك الأقل تعرضًا للشمس إلى ٧٢ عامًا للأكثر تعرضًا لها. والرسالة الرئيسية من هذا إذًا تبدو شديدة الاتساق، وهي أن واحدًا من أكثر الأمراض فتكًا بالرجال يمكن الوقاية منه بمزيد من حمامات الشمس، ومع ذلك تحذر سياسة الصحة العامة من ذلك!

إذا كان هذا الأثر موجودًا في حالة سرطان البروستاتا، ويحدث بوضوح نتيجة لعوامل وسيطة تدور مع تيار الدم ينتجها الجلد، فهل يمكن أن نراه في أنواع أخرى أيضًا من السرطان؟ فيما يبدو أن الإجابة على هذا السؤال بنعم، ويبدو أن حجم الأثر مماثل في الغالبية العظمى من أنواع السرطان التي تصيب الأعضاء الداخلية. والسرطانات الوحيدة التي ترتفع نسبة الإصابة بها مع التعرض للشمس هي سرطانات الجلد (ولا سيما الميلانوما)، التي هي في حقيقة الأمر لا تتسبب إلا في وفاة عدد قليل نسبيًّا من المرضى. ومن ثم فإن دراسة معدلات الوفيات الناجمة عن سرطان البروستاتا تلقي بجميع أصناف الضوء المثير للاهتمام على سببية السرطانات الشائعة، وتوضح علاقة ارتباط مدهشة تُناقضُ جوهريًّا النصائح التقليدية التي توجه في برامج الصحة العامة حاليًّا. وفي رأي كاتب هذه السطور، فقد فات الأوان على إخضاع الحكمة المقبولة حول التعرض للشمس لعملية إعادة نظر جذرية.

هناك مجموعة مذهلة أخرى من الاختلافات في التشخيص ومعدلات الوفيات. إذا عقدنا مقارنة، مثلًا بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة، فسنجد معدلات الوفيات متشابهة للغاية، لكن معدلات التشخيص غاية في الاختلاف لكل ١٠٠ ألف نسمة؛ إذ نجد في الولايات المتحدة عدد الحالات المُشخَّصة من الوفيات الناجمة عن سرطان البروستاتا ضعف ذلك العدد في المملكة المتحدة. بالنظر إلى الأمر من زاوية أخرى، فالنسبة المئوية للرجال المصابين بسرطان البروستاتا الذين يتوفون نتيجة لهذا المرض في الولايات المتحدة أقل بكثير منها في المملكة المتحدة.

ثمة عدد من التفسيرات المحتملة لهذا؛ فربما كان سرطان البروستاتا بحق أكثر انتشارًا في الولايات المتحدة، وجودة نظام الرعاية الصحية الأمريكي في علاجه ضعف نظيرتها في المملكة المتحدة. ومع أنه صحيح أن نظام الرعاية الصحية بالمملكة المتحدة يحقق نتائج أقل جودة بدرجة طفيفة مقارنةً بالنظام الأمريكي، فإن هذه الاختلافات في معظم أنواع السرطان لا تزيد في حجمها عن بضع درجات مئوية، ومن غير المرجح أن تفسر الفارق الواضح في نسب الشفاء. زد على ذلك أنه إذا نظرنا إلى معدلات اكتشاف الأنواع الأخرى من السرطانات الشائعة، فسنجد أن كلًّا من بريطانيا والولايات المتحدة تتشابه فيهما الأرقام بصفة عامة لكل ١٠٠ ألف نسمة؛ ما يشير إلى وجود عوامل أخرى. التفسير إذًا يكمن في اختبار المستضد البروستاتي النوعي بالدم.

لقد أدت الاختلافات في السياسة العامة وتوافر اختبارات المستضد البروستاتي النوعي إلى أن عددًا أقل بكثير من الرجال في المملكة المتحدة يُجري هذا الاختبار مقارنةً بالولايات المتحدة، ومن ثم كان معدل تشخيص المرض في الأولى أقل من الثانية، ولكن معظم الرجال الذين تُشخَّص حالتهم في الولايات المتحدة — حيث ترتفع معدلات إجراء الاختبار — يكون المرض لديهم غير خطير سريريًّا. وربما ما كان المرض ليزعجهم على الإطلاق ما لم يُشخَّص لديهم، وهذا يشير إلى أن الفارق الكبير في معدل الإصابات مرجعه الأساسي أنه في الولايات المتحدة توجد معدلات أعلى من تشخيص الحالات المرضية متدنية الدرجة غير المؤدية للوفاة نسبيًّا، مقارنةً بما في المملكة المتحدة. وعلى كلٍّ من جانبي المحيط الأطلنطي عدد أقل من الرجال تُشخَّص حالتهم بالمرض ويُتَوَفَّوْن في النهاية من أكثر صوره شراسةً. ومنذ أواخر التسعينيات، بدأت معدلات الوفيات في التناقص، غير أن الجدل لا يزال محتدمًا حول ما إذا كان هذا يعود إلى عمليات الفحص مباشرةً أم إلى عوامل أخرى.

(٧) سياسات الاهتمام بمرض السرطان

من الواضح أنه توجد زوايا عدة لسياسات الاهتمام بالسرطان، وهذه الزوايا مرتبطة ارتباطًا وثيقًا باقتصاديات المرض. ولأُوَفِّي بالغرض من هذا الفصل، سيكون تركيزي على الاختلافات في الحالات المُشخَّصة ومعدلات الوفاة، وكيف يوجه هذان العاملان سياسات التعامل مع المرض، مستعينًا بسرطاني الثدي والبروستاتا لإيضاح الاختلافات بين الجنسين، وسرطاني الثدي والرئة لعرض تأثيرات الطبقة الاجتماعية.

يعد سرطان البروستاتا — من أوجه كثيرة — المقابل عند الذكور لسرطان الثدي عند الإناث. وتمتد أوجه الشبه إلى عدة مستويات: فكلا العضوين يلعب دورًا في النواحي الجنسية والإنجاب، وكلاهما يتعرض لتغيرات خلال مراحل العمر المختلفة استجابةً لمستويات الهرمونات، ويمكن علاج كلا النوعين عن طريق التغييرات في البيئة الهرمونية، إلى جانب أن علاجات نوعي السرطان في هذين العضوين تتسبب في تغيرات شديدة في الوظيفة الجنسية. ومن الناحية السياسية، استُخدِمت الصورة الجنسية والعاطفية القوية للثدي بدرجة كبيرة لتوجيه الأموال المخصصة للبحث والعلاج نحو سرطان الثدي على مدار عدة عقود. وقد أدى ذلك إلى تحسن منتظم ومطَّرد في النتائج لدى النساء المصابات بسرطان الثدي، لينعكس ذلك في صورة تحسن في معدلات البقاء على قيد الحياة وتقليص حجم الضرر نتيجة للعلاج الناجح. على سبيل المثال: صارت تُقدَّم للنساء على نحو متزايد عمليات إعادة بناء أو جراحات أقل تدميرًا للثدي بدلًا من استئصال الثدي بأكمله. ومن ناحية تمويل العقاقير، نجحت النساء تمامًا أيضًا في إقامة حَمَلات للعلاجات الحديثة، ولعل من أمثلة ذلك ما شهدناه من سرعة تبني عقار «تراستوزوماب» (ويشتهر أكثر باسم «هيرسيبتين») في جميع أنظمة الرعاية الصحية الأوروبية والأمريكية الشمالية.

حتى عهد قريب، وبالرغم من نقاط التشابه البيولوجي، لم يكن هناك تحرك مماثل لمساندة الرجال المصابين بسرطان البروستاتا أو حملات لتحسين العلاج ونتائجه. ففي عام ١٩٩٥ مثلًا، لم يكن حجم الإنفاق على أبحاث سرطان البروستاتا في المملكة المتحدة يمثل سوى عُشر نظيره الذي ينفق على سرطان الثدي. وخلال الأعوام العشرة الأخيرة، تغير هذا الحال، ومن أسباب ذلك اختبار المستضد البروستاتي النوعي، وأدى هذا إلى تحول جذري في مجال سرطان البروستاتا، مع انخفاض في الحالات المتأخرة وزيادة في الحالات التي تُكتشَف مبكرًا، والتي تكون خيارات العلاج فيها أكثر تنوعًا وتوجد فيها احتمالية للشفاء أو إطالة العمر للمصابين بالمرض. ويدهشنا بوجه خاص هذا الافتقار، الذي امتد فترات طويلة، للاهتمام بالصحة العامة والأبحاث، مع أن السلطة السياسية والاقتصادية بصفة عامة ترتكز في أيدي حفنة من رجال في منتصف العمر أو جاوزوه، وهي أكثر الفئات العمرية تعرضًا لخطر الإصابة بالمرض والأقل عرضة للإصابة بسرطان الثدي (وإن كان الرجال يصابون به أيضًا). وتعود جذور هذا الاختلاف إلى التباين في العوامل النفسية بين الرجال والنساء؛ فلا بأس لدى النساء من التحدث عن سرطان الثدي، ولا ترى النساء في هذا عيبًا ينتقص من قدرهن وإنما على العكس كثيرًا ما يتقوَّيْنَ به. ولعل خير مثال على ذلك الرحلة التي قامت بها كايلي مينوج مؤخرًا حول العالم. على الجانب الآخر، كان الرجال يجدون حرجًا فيما مضى من التحدث عن مرضهم، وبخاصة إذا كانت الأساليب العلاجية تحمل في طياتها مخاطر «على رجولتهم» مثل العجز الجنسي والسلس البولي، ناهيك عن المسار شديد الإحراج المستخدم في عمليات التشخيص (عبر المستقيم). ومع أسلوب الرجال «المماثل للنعامة التي تدفن رأسها في الرمال» في كل شأن يتعلق بالصحة، تكون المحصلة ذلك الثمن الذي يدفعه الرجال، وهو أن يعيشوا أعمارًا أقصر ويصيروا أضعف صحيًّا من النساء.

مع ذلك، فقد حدث مؤخرًا تحول في السياسات العامة والاقتصادية، فصارت النقود تُنفَق بقدر أكبر على علاج الرجال وعلى الأبحاث التي تُجرَى على هذا المرض. ولا شك أنه من أسباب هذا التوجه أن صناعة الدواء أدركت متأخرة وجود فيض هائل من المال يمكن جمعه من وراء أحد أكثر السرطانات فتكًا بالرجال في الغرب. حدث أيضًا تَحَوُّل تَمَثَّلَ في أن شخصيات عامة شهيرة من أمثال كولن باول وروجر مور ورودولف جولياني صاروا على استعداد للتحدث عن قصة علاجهم من المرض.

وأخيرًا، تستحق قضية التدخين والسياسة العامة أن نذكرها في سياق السياسة والاهتمام بالسرطان، فقد تباين هذا الأمر تباينًا هائلًا من مكان إلى آخر في العالم ومن عقد إلى آخر من الزمان. فمنذ زمن ليس ببعيد، استخدمت شركات التبغ بالفعل شعارات إعلانية تزعم أن نوعًا معينًا من السجائر هو المفضل لدى الأطباء، وقد كان الربط بين التدخين وارتفاع احتمال الإصابة بمختلف أنواع السرطان أحد الانتصارات التي حققتها البحوث في مجال الأوبئة، وقد أدى إلى تناقص هائل في معدلات التدخين والأمراض المرتبطة به في العالم المتقدم. وكان المحرك وراء ذلك عدد من الإجراءات، بدءًا من القانونية (حظر التدخين) ومرورًا بالتثقيفية (حظر الإعلان عن السجائر أو رعاية شركاتها، والتحذيرات الصحية) وصولًا إلى المالية (فرض ضريبة على المنتج، وهو ما حقق منفعة إضافية تمثلت في تسديد تكاليف الرعاية الصحية اللازمة لمعالجة آثار التدخين). أما في العالم النامي، فيختلف الأمر: فلا يزال التدخين يُنظَر إليه باعتباره «تحضرًا» يدعمه التسويق والإعلانات الموجهة للشباب، لا باعتباره نشاطًا منبوذًا تحظر ممارسته مثلما صار يومًا بعد يوم في أوروبا وأمريكا الشمالية. وليس هذا فحسب، وإنما الأموال التي تدخلها كبرى شركات التبغ العالمية للدول النامية تحمل معها تأثيرًا سياسيًّا كبيرًا؛ الأمر الذي يُمكن استغلاله لتهدئة هجوم جهات الصحة العامة على هذه العادة والذي حدث في الغرب. إذا جمعنا بين هذا والهياكل العمرية للشباب في الدول النامية، فسيمكننا توقع انتشار وبائي للسرطانات المرتبطة بالتدخين في العالم النامي خلال السنوات القادمة، وهي سرطانات الرئة والمثانة والحلق والفم. وفي بلدان مثل الصين التي تعيش حالة من التحضر السريع والتحسن في مستويات المعيشة والعمر المتوقع، يمكن أن يؤدي ذلك إلى ارتفاع هائل في الإصابة بهذه الأنواع من السرطان.

هوامش

(1) © Cancer Research UK, http://info.cancerresearchuk.org/cancerstats/world/, accessed January 2011.
(2) © Cancer Research UK, http://info.cancerresearchuk.org/cancerstats/types/breast/incidence/, accessed January 2011.
(3) © Contains public sector information licensed under the Open Government Licence v1.0.
(4) Reprinted from Parkin et al., “Global Cancer Statistics”, Cancer Journal for Clinicians, 49 (1999): 33–64 © John Wiley and Sons.
(5) © Cancer Research UK, http://info.cancerresearchuk.org/cancerstats/types/prostate/incidence/, accessed January 2011.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤