مقدمة

في أكتوبر من عام ٢٠٠٨، عندما كانت أخبار الأزمة الاقتصادية العالمية تتصدر صفحات كل الجرائد، استوقفني أحد التقارير الإخبارية، ربما كان أول تقرير معنيٍّ بإيجاد مخرجٍ أقرؤه بشأن الأزمة. فبعد إعلان حكومة أيسلندا إفلاسها، استعانت بسيدتين لإعادة بناء نظامها المالي. وقد ذكرت مسئولة حكومية بعد انهيار الإمبراطورية المصرفية: «النساء يتولين المسئولية … لإصلاح ما فسد.»1 كانت آيدور كابيتال، التي تديرها السيدات دون الرجال، شركة الأسهم الخاصة الوحيدة التي لم تعصف بها الأزمة،2 وفي خضم الفوضى الاقتصادية، انتخب الأيسلنديون امرأة لمنصب رئيس الوزراء؛ وهي يوهانا سيجورداردوتير.
بينما أواصل قراءة التقرير، بدا لي المخرج من الوضع الاقتصادي المتأزم في أيسلندا مُقنعًا؛ فمن خلال عملي مع منظمة أصوات حيوية، استمعت إلى قصص لا حصر لها من صاحباتها اللاتي يتولين المسئولية حول العالم. هناك نساء رواندا اللاتي نهضن من تحت ركام حرب الإبادة لإعادة بناء بلدهن، الذي أخذ في الازدهار بدءًا من عام ٢٠١١ بأنه صاحب الأغلبية البرلمانية النسائية الوحيدة بالعالم،3 وصاحب أسرع معدلات إجمالي الناتج المحلي نموًّا في أفريقيا.4 كما توجد عضوة الكونجرس الشابة من بيرو التي طالبت — وهي في ربيعها الثامن والعشرين — بتفسير الزيادة في معدلات الفقر، وانتهاكات حقوق الإنسان التي مرت دون عقاب إبان حكم ألبرتو فوجيموري. ثمة الكثير من القصص على هذه الشاكلة بكل منطقة وبلد ومجتمع بالعالم؛ قصص نساء اضطلعن بالمسئولية كقائدات في أوقات الأزمات، سواء كانت أزمات مالية أو إنسانية أو غير ذلك.

وعلى مدار أجيال، أخذت النساء يلتمسن المساواة من باب الإنصاف؛ ففوق كل شيء، تشكِّل النساء ما يزيد قليلًا على نصف عدد سكان العالم. وفي حين أن تلك العواطف ولغة الإنصاف تساند الحُجَّة المطالبة بالعدل، توجد أسباب أكثر إقناعًا وأوسع نطاقًا تدعو إلى المشاركة الكاملة للمرأة. فمع تخفيف القيود عن النساء وبلوغهن فرصًا أكبر، تُحدث مشاركتهن الجماعية تغييرًا مجتمعيًّا من نوع خاص يختلف كليًّا عن أي شيء شهده العالم من قبْلُ؛ فخلال أصعب الأوقات، وفي كثير من أخطر بقاع العالم، تتولى النساء أكثر مشكلات العالم جسامة، وتَحُدُّ من وطأتها تدريجيًّا.

لم يكن شعب أيسلندا الوحيد الذي ربط بين النساء والتنمية الاقتصادية؛ فقبلها بأشهر قلائل، وتحديدًا في مارس ٢٠٠٨، أعلن لويد بلانكفين؛ رئيس مجلس الإدارة والمدير التنفيذي لبنك جولدمان ساكس، عن الاستثمار التاريخي البالغ ١٠٠ مليون دولار، على مدار خمس سنوات، من أجل تقديم برنامج تعليمي في الأعمال والإدارة للسيدات بالأسواق الناشئة؛ وهي مبادرة يُطلق عليها «مبادرة ١٠ آلاف سيدة». وسبق هذا الالتزام تقرير بنك جولدمان ساكس المُعنون «المرأة تمسك نصف السماء»، الذي ساق الحجة المؤيدة للاستثمار في النساء بالعالم النامي.5 كان الالتزام الواضح والملموس من الإدارة العليا أكثر إبهارًا من حجم الهبة؛ إذ لم يرَ القائمون على بنك جولدمان ساكس أن هذا هو التصرف السليم وحسب، بل تفهَّموا أنه استثمار ذكي من حيث استدامة أعمالهم. وفي فعالية تدشين المبادرة بجامعة كولومبيا في نيويورك، نظرتُ إلى جَمْع النساء المفعم بالحماس، لكنني رأيت أيضًا حشدًا من الرجال الذين كانوا يرتدون بدلات داكنة اللون. حينها أدركتُ أن عهدًا جديدًا قد بدأ.

•••

بالرجوع إلى عام ١٩٩٥، عندما بدأت العمل في مجال قضايا المرأة في العالم، لم يكن هناك تأييد كبير لتلك القضايا؛ حيث لم يكن بوسعك حينها قراءة مقالات نيكولاس كريستوف الحماسية في صحيفة نيويورك تايمز التي تسلط الضوء على بطلات دوليَّات على جبهات التغيير، ولم يكن هناك سوى عدد قليل من الكتب أو المقالات المكتوبة عن الموضوع. لم نمتلك لغة — ولم يُتح لنا سوى القليل جدًّا من الأبحاث ذات الأهمية — تمكننا من التعبير عن الدور الحاسم للمرأة في بناء عالم أفضل. وفي المقابل، صوَّرت معظم التقارير الإخبارية النساء ضحايا في حاجة إلى الرأفة أو الحماية. وحتى انعقاد مؤتمر الأمم المتحدة العالمي الرابع المعني بالمرأة في العاصمة الصينية بكين؛ حيث أعلنت هيلاري كلينتون؛ السيدة الأولى حينها، أن «حقوق المرأة هي حقوق الإنسان» لم تتعرض برامج السياسة الخارجية لأغلب الحكومات لقضايا المرأة إلا تعرُّضًا سطحيًّا على أحسن تقدير.

قلة من الأصوات الجسورة أقامت الحجة المؤيدة للنهوض بالمرأة كسبيل للتنمية والديمقراطية. كانت زيادة المنافع الاقتصادية من الاستثمار في تعليم الفتيات في صلب دراسة لاري سامرز؛ الأستاذ بجامعة هارفرد والاقتصادي بالبنك الدولي؛ التي أجراها عام ١٩٩٤، وحملت عنوان «الاستثمار في جميع الشعوب: تعليم النساء بالبلدان النامية».6 وذهب أمارتيا سِن؛ الاقتصادي الحائز جائزة نوبل، إلى أنه لا شيء يفوق إسهامات المرأة أهمية في تنمية الأمم. حتى في عام ١٩٩٥، في ظل البيانات الضئيلة وقلة عدد المناصرين أصحاب التأثير، اتضح للبعض أنه في عصر جديد من العولمة ستجد البلاد صعوبة في إحراز تقدم اقتصادي أو اجتماعي إن لم تستغل ٥٠ بالمائة من سكانها — أعظم مواردها الطبيعية — ومنعت هذه النسبة من المشاركة بكامل إمكاناتها.

ارتأت هيلاري كلينتون، مثل سِن وسامرز، أن الاستثمار في الإمكانات غير المستغَلَّة لنساء العالم أسرع سبيل لإحراز تقدم نحو تحقيق سلام دائم وديمقراطية وتنمية اقتصادية لا تنقطعان. في عام ١٩٩٧، عادت السيدة الأولى لأرض الوطن وهي مفعمة بطاقة ٥٥ ألف قائدة حول العالم اجتمعن بمؤتمر الأمم المتحدة المعني بالمرأة في بكين. وبالتعاون مع مادلين أولبرايت؛ التي كانت تشغل منصب وزيرة الخارجية حينذاك، دشنت كلينتون «مبادرة أصوات حيوية من أجل الديمقراطية» ضمن وزارة الخارجية. كانت الرسالة جريئة: التشجيع على النهوض بقيادة المرأة كهدف للسياسة الخارجية الأمريكية، وإظهار العلاقة المتمثلة في أن الدول التي تشجِّع على حقوق المرأة هي نفسها الدول التي تعرب عن التزامها الثابت بالمُثل الديمقراطية والتقدمية. كانت هذه فكرة ثورية في أواخر تسعينيات القرن العشرين.

بعد مرور أكثر من عقد على تأسيس منظمة أصوات حيوية، تناولت هيلاري كلينتون؛ وزيرة الخارجية، الطبيعة المتشابكة لحقوق المرأة والسياسة الخارجية للولايات المتحدة على نحو متكرر. وانتقلت التحديات التي كانت تُنحَّى جانبًا في وقت من الأوقات باعتبارها «قضايا نسائية» إلى الشأن العام، لا سيما مع تركز اهتمام العالم على التعافي الاقتصادي والتنمية الاقتصادية. وهذا أمر منطقي، على اعتبار أن النساء مجتمعاتٍ هنَّ أسرعُ قوة اقتصادية نموًّا في العالم؛ إذ يتحكمن فيما يزيد على ٢٠ تريليون دولار من الإنفاق على مستوى العالم.7 ومن شأن منطقة آسيا والمحيط الهادئ أن تجني ما بين ٤٢ و٤٧ مليار دولار سنويًّا إن أُتيحت للسيدات فرصُ عملٍ أكبر.8
الواقع أن تقدم المرأة هو تقدم عالمي؛ ففي المجتمعات التي تتمتع فيها المرأة بفرص مكافئة للرجال فيما يتعلق بالتعليم والحقوق السياسية، تتمتع الحكومات بدرجة أكبر من الانفتاح والحرية، وتتمتع الأجيال الأحدث سنًّا بمستويات أفضل من الصحة والتعليم؛ فقد توصلت الأمم المتحدة إلى أن النساء بالدول النامية يُعِدنَ استثمار ما يصل إلى ٩٠ بالمائة من دَخْلهن في أُسرهن ومجتمعاتهن، في مقابل نسبة اﻟ ٣٠–٤٠ بالمائة التي يعيد الرجال استثمارها من دُخُولهم في هذين الجانبين.9
من وجهة نظر تنموية، النساء هن ما يطلق عليه علماء الاقتصاد احتياطي النمو؛ أي إنه لا تزال هناك إمكانات اقتصادية ضخمة لم يستغلها أحد. وتقدِّر مجلة ذي إكونوميست أنه على مدار العقدين الماضيين، أسهمت النساء في نمو إجمالي الناتج المحلي العالمي بما يزيد على إسهامات التقنيات الجديدة أو القوتين الاقتصاديتين الصاعدتين؛ وهما الهند والصين.10 ووجدت الأمم المتحدة أن النساء يقمن بنسبة ٦٦ بالمائة من أعمال العالم،11 وأنه اعتبارًا من عام ٢٠١٠، وللمرة الأولى في التاريخ، تشكل النساء أغلبية القوة العاملة في الولايات المتحدة.12 وتضع الشركات والحكومات على السواء استراتيجيات لتوجيه طاقة النساء نحو تحقيق الرخاء للجميع.

يمكن القول إن النساء أصبحن السوق الصاعدة، وذلك يأتي ببعض اللاعبين الجدد إلى الساحة. منذ وقت ليس ببعيد، تحديدًا في عام ٢٠٠٥، عندما كان يسألني أحدهم عما أراه بمثابة أسرع وأنجع طريقة للنهوض بالنساء والفتيات عالميًّا، كنت أجيبه بأن هذه الطريقة تتمثل في تحويل الحكومات خطابها الرنان بشأن تلك القضايا إلى إجراء قابل للقياس. بالطبع، لا تزال هناك حاجة ماسة للتحرك من جانب القطاع الحكومي، إلا أنني أدركت أن القطاع الخاص يمكن أن يكون بالقدر ذاته من القوة؛ فعندما تنضم الشركات إلى الحلبة محققة التوازن بين مساعيها الخيرية واستراتيجيات أعمالها الأساسية، يكون بإمكانها تغيير قواعد اللعبة في المجتمعات التي تعمل بها بما يخدم مصالح النساء. وتمتلك الشركات الدافع والتأثير اللذين تستطيع من خلالهما التشجيع على إحداث نقلة ثقافية تؤثر بالإيجاب على حياة ومعيشة النساء وأسرهن. وهذا يرسل رسالة قوية إلى الحكومات والمواطنين بشأن قيمة المرأة.

كل عام يعلن عدد أكبر من الشركات عن مبادرات واسعة النطاق لاغتنام الإمكانات الاقتصادية غير المستغلة للنساء؛ ففي عام ٢٠١١، كشف مهتار كِنت؛ رئيس مجلس إدارة شركة كوكاكولا ومديرها التنفيذي، عن مبادرة شركته التي أُطلق عليها «مبادرة خمسة قبل عشرين»؛ لتوفير فرص اقتصادية لخمسة ملايين سيدة قبل عام ٢٠٢٠. وفي العام نفسه، دشَّنت وولمارت «مبادرة ٣٦٠» — أضخم التزام مؤسسي بمليارات الدولارات حتى تاريخه — لشراء منتجات لسلسلة توريد الشركة من شركات تملكها سيدات حول العالم. كما استخدمت تينا براون؛ عملاقة الإعلام، منبرها الإعلامي بمجلة نيوزويك وموقع «ذا ديلي بيست»، بشجاعة؛ للدعوة إلى مزيد من الاهتمام بمنظمات المرأة.

ثمة دلائل لا تخطئها عين على التقدم؛ فالمعنيَّات منا بحل قضايا المرأة العالمية يمتلكن مفردات جديدة، وفي حوزتهن كمٌّ متنامٍ من الأبحاث، ولديهن فهم أكبر لهذه القضايا. نحن نمتلك حاليًّا شركاء ومؤيدين أكثر من أي وقت مضى؛ ففي عام ٢٠٠٧، صرح روبرت زوليك؛ رئيس البنك الدولي، بأن المساواة بين الجنسين بمثابة «اقتصاد ذكي»، مدشِّنًا خطة عمل رباعية الأعوام معنيَّة بالمسائل الجنسانية؛ لزيادة حق المرأة في الحصول على الأرض، وفي مزيد من المشاركة الاقتصادية.13 بعد ذلك بعامين، قرر الرئيس باراك أوباما تعيين ميلان فرفير؛ التي شاركت في تأسيس منظمة أصوات حيوية وشغلت منصب رئيس مجلس إدارة المنظمة، كأول سفيرة متجولة لقضايا المرأة العالمية، مع اتصال مباشر بوزير الخارجية. وبعد مرور بضع سنوات، حقق أوباما سبقًا تاريخيًّا باستصداره أول أمر تنفيذي بتأسيس خطة العمل الوطنية بشأن المرأة والسلام والأمن؛ لحشد حكومة الولايات المتحدة حول الدور الحاسم الذي تلعبه النساء في بناء السلام ومنع نشوب النزاعات.14

في عام ٢٠١٠، أنشأت منظمةُ الأمم المتحدة «هيئةَ الأمم المتحدة للمرأة»؛ للإسراع في تحقيق المساواة بين الجنسين، وإخضاع الدول الأعضاء للمساءلة. وقد عُينت ميشال باشيلي؛ رئيسة شيلي السابقة، كأول قائدة لها. وفي العام التالي، وقع الاختيار على كريستين لاجارد؛ وزيرة المالية الفرنسية السابقة، لقيادة صندوق النقد الدولي، لتصبح أول امرأة تترأس مؤسسة مالية متعددة الأطراف. أدانت القيادات النسائية حول العالم العنف ضد المرأة لتأثيره المدمِّر على الأفراد والجماعات والمجتمعات، بل والاقتصاد. وقد ربطت المؤسسات المتعددة الأطراف بين مشاركة المرأة في العملية السياسية والحكم الرشيد.

لكن رغم كل التقدم المحرز، لا يزال أمامنا طريق طويل لنقطعه؛ فلا تزال الاستفادة الكاملة من إمكانات المرأة الاقتصادية بعيدة، وأغلب نساء العالم لا يَحُزنَ ممتلكات أو أرضًا أو ثروة، ولا يتحكمن بها ولا يَرِثْنها،15 وتقل نسب حصولهن على الائتمان، والتعليم والتدريب، والتكنولوجيا، والأسواق، والتوجيه والتدريب، والشبكات، والحماية القانونية.16 ونتيجة لذلك، لا يتمكنَّ في كثير جدًّا من الأحيان من بدء شركات صغيرة والنهوض بها. واعتبارًا من عام ٢٠١٢، تمثل الشركات المملوكة لسيدات أقل من ١ بالمائة من المبيعات في مقابل المؤسسات الكبرى المتعددة الجنسيات.17 ورغم أنهن يشكلن غالبية طلاب الجامعة عالميًّا، فإن ٥١ بالمائة من النساء يشاركن في القوى العاملة الرسمية، في مقابل ٧٨ بالمائة من الرجال.18 وحتى التحسينات الاقتصادية للنساء لن تكون مستدامة إلا إن عززتها زيادة حصولهن على فرص اجتماعية وسياسية.
تقدِّر الأمم المتحدة أن ٦٠٣ ملايين سيدة يعشن في بلدان لا يُعتبر العنف الأسري بها جريمة.19 ومما يثير الدهشة أن سيدة من بين كل ثلاث سيدات في العالم ستقع ضحية للعنف في حياتها.20 ورغم أن ثلثي بلدان العالم تُسن بها قوانين لمكافحة العنف ضد المرأة، ففي أغلب الحالات نادرًا ما تُطبق تلك القوانين، أو تحصل على تمويل جيد، أو تُؤخذ على محمل الجد.21 إن العنف ضد النساء والفتيات — الذي يتخذ أشكالًا مثل: الاتجار بالبشر، والممارسات الثقافية المؤذية، والاغتصاب كتكتيك حربي، والعنف الأسري — أحد أكبر العوامل التي تقوِّض تقدم المرأة، وإن لم نتعامل — بوصفنا مواطنين عالميين — مع مسألة التفاوت الناجم عن تقييد حقوق المرأة، أو التنكيل الناتج عن العنف على أساس النوع، فلن يُستفاد من إمكانات المرأة، ومن المرجح أن تتكبد المجتمعات بأسرها الخسارة. وفي الواقع، في البيئات التي تحصل فيها المرأة على نصيب عادل، تزداد الفرص ويعم الرخاء على الجميع.

أُسست منظمة أصوات حيوية بأخذ هذا الافتراض الجوهري في الحسبان، وهو أن تحسين فرص حصول مجموعة معينة على فرص لا يعني حرمان مجموعة أخرى من إمكانية الحصول عليها. وفي مطلع الألفية، انفصلت مبادرة أصوات حيوية عن وزارة الخارجية لتصبح منظمة غير حكومية وغير حزبية وغير هادفة للربح، وتحول اسمها إلى «الشراكة العالمية للأصوات الحيوية»، ثم حاولت السيناتور هيلاري كلينتون التواصل مع حزبها السياسي لإشراك السيناتور الجمهورية كاي بيلي هتشيسون، والسيناتور الجمهورية السابقة نانسي كسباوم بيكر في هذه المهمة، وأصبحتا رئيستي مجلس الإدارة الشرفيتين. ورغم أننا حظينا بمجلس إدارة استثنائي ومؤثر من كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي، كنتُ أول موظفة بالمنظمة غير الحكومية وموظفتها الوحيدة لبرهة من الزمن. وخلال الفترة ما بين عامي ٢٠٠٠ و٢٠١٢، نما طاقم عملنا ليتجاوز الخمسين. في الخمسة عشر عامًا الأولى، عملنا مع ما يزيد على اثني عشر ألف قائدة من ١٤٤ بلدًا. ورغم أننا بدأنا والأمل يحدونا بتحسين حياة النساء، اتضح بمرور الوقت أننا نحن اللاتي استفدنا منهن.

في البداية كان هدفنا إيصال المزيد من النساء إلى طاولة صنع القرار، فتعرفنا على سيدات في مجتمعات مختلفة تولَّين القيادة في جوانب متنوعة مثل: الفرص الاقتصادية، والمشاركة السياسية، وحقوق الإنسان، وعملنا على إعلاء أصواتهن، ودعمنا جهودهن من أجل صنع التغيير. لقد قدَّمنا لهن برامج التدريب والربط الشبكي والتوجيه؛ لتزويدهن بمهارات وجهات اتصال جديدة. كنا همزة الوصل بين خبراء في القضايا النسائية وممارسين من أصحاب الخبرة العملية للتعرف على حلول للتحديات. كانت برامج منظمة أصوات حيوية بمثابة فعاليات دولية دُعي إليها بعضٌ من أفضل وأشجع النساء في كل منطقة. لقد شعرنا بالفخر، لا سيما عندما بدأت القيادات النسائية في تبنِّي نماذج عملية من إحدى المناطق وتطبيقها في منطقة أخرى، لكن التأثير الأكبر لعملنا كان شيئًا لم يخطر ببالنا، فعندما انتهت القيادات النسائية من برامجنا عُدنَ إلى أوطانهن وبدأن تدريب الأخريات على ما تعلمْنَه. أدركنا أن القيادات النسائية يزدن من تأثير جهدنا أضعافًا؛ فمن خلالهن، كان تأثيرنا هائلًا. وأصبحت جهودهن محورية في نجاح منظمة أصوات حيوية.

رد الجميل بإسدائه للغير — أو بعبارة أخرى استخدام التمكين الذي حظين به في تمكين أخريات — كان مجرد سمة واحدة من بين مجموعة من السمات التي لاحظناها لدى كثير من القيادات النسائية اللاتي عرفناهن. تلك السمات مجتمعة وسَّعت من منظورنا للقيادة. تترسخ هذه الصفات وتجذب مزيدًا من الاهتمام مع تولي مزيد من النساء مراكز مؤثرة حول العالم. ونؤمن أن هذه السمات تمثل تحوُّلًا عميقًا متوقعًا في الطريقة التي يتفاعل بها الناس. إن إمكانات النساء الاقتصادية استثنائية، لكن قد تفوقها أهميةً إسهاماتُهن في المجتمع كقائدات شاملات ومتعاونات.

سيصحبك هذا الكتاب في رحلة تستغرق سبعة عشر عامًا، تبدأ بمؤتمر الأمم المتحدة للمرأة الذي انعقد في بكين عام ١٩٩٥ وصولًا إلى وضع المرأة في العالم عام ٢٠١٢. سوف تمر بقارات وبلدان، وتنتقل من قرًى نائية إلى مدن مترامية الأطراف. سوف تعايش الأيام الأولى من مبادرة أصوات حيوية، وتشاهد النساء اللاتي شكلن الصورة التي نحن عليها. سوف ترى كيف اجتمعت هذه المنظمة للمرة الأولى وطوَّرت نفسها لتصبح مستقلة تمامًا عن الروابط الحكومية كمنظمة رائدة غير هادفة للربح. ومن خلال قصص النساء اللاتي منحن هذا الحراك زخمًا، ستتعلم ما تعلمناه نحن في أصوات حيوية؛ أن القيادات النسائية المعاصرة حول العالم يعملن على تشكيل نموذج قيادة مختلف نعتقد أنه يمكن أن يكون فعالًا وفريدًا في التعامل مع عدد كبير من أكثر تحديات البشرية إلحاحًا.

إن النساء اللاتي نعمل معهن يتَّسمن بتنوع مذهل، ويمثلن مجموعة من الثقافات والخبرات، لكن رغم اختلافاتهن، اكتشفنا أن ثمة عناصر مشتركة تجمع بين سماتهن القيادية:
  • قوة دافعة أو شعور بالواجب.

  • وجود راسخ بالمجتمع.

  • القدرة على التواصل رغم العوائق.

  • أفكار جريئة وأفعال جسورة.

  • إصرار على إسداء المعروف لغيرهن.

يلقي كل فصل من هذا الكتاب الضوء على إحدى سمات القيادة تلك. ولا نعتبر هذه السمات مستقلة أو مترتبة على غيرها، بل نرى أن كلًّا منها تعزز الأخرى. علاوة على ذلك، رغم أن منظمة أصوات حيوية اكتشفت تأثير سمات القيادة هذه من النساء، فليس ذلك نموذجًا نسائيًّا، أو من صنع النساء دون غيرهن، أو من أجلهن دون سواهن، بل إننا نراه نموذجًا فعالًا للجميع في عالم اليوم. ومع مضي العولمة قُدمًا، وانتشار التكنولوجيا، ونمو حجم المجتمعات، تتجلى الحاجة إلى نموذج قيادة أكثر تعاونًا وشمولًا. وفي الوقت الذي تكافح فيه دول حول العالم للتعافي من الأزمة المالية، ينبغي لنا إعادة التفكير في الوضع الراهن، ومحاولة الاستفادة من إمكانيات النساء، لا بوصفهن قوًى دافعة للنمو الاقتصادي فحسب، بل بتشكيلهن نموذجًا جديدًا في القيادة.

من وجهة نظرنا، وكما يتناول الفصل الأخير: القيادة رحلة، وليست وجهة؛ فالقيادة معنية بالأفعال التي نُقدِم عليها يوميًّا، والطريقة التي نختار أن نحيا بها، والمسئولية التي نتولاها من أجل تحقيق رفاهية العالم الذي يجمعنا، أكثر مما هي معنية بأي لقب أو رتبة أو وضع. إننا نؤمن إيمانًا راسخًا أن أي شخص بإمكانه اختيار القيادة ليصبح له تأثير إيجابي في حياة الآخرين.

من خلال منظمة أصوات حيوية، تعلمنا الكثير من متابعة القيادات النسائية البارزة والتعاون معهن عمليًّا، ومن ملاحظتنا لاستغلالهن خبراتهن في دفع عجلة التقدم. ما تعلمناه منهن جعل منا منظمة أفضل، وعزز من قدرتنا على دعم وتعضيد نساء أخريات حول العالم. هدفنا من هذا الكتاب هو تسليط الضوء على تلك الدروس على أوسع نطاق ممكن، عاقدين الآمال على أن تتمكن النساء الأخريات، والأفراد، المتطلعون إلى التأثير، من استمداد الإلهام والتوجيه والأمل من أصوات هؤلاء النساء وقصصهن ونجاحاتهن.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢