ترجمة ساكن الجنان المغفور له محمد علي باشا الكبير

والي مصر ورأس الأسرة المالكة المصرية

مولده ونشأته

انظر إلى خارطة بلاد الروملي في سواحلها الجنوبية على مسافة ٣٢٠ كيلومترًا من الأستانة غربًا ترَ قرية اسمها «قواله»، لا يزيد عدد سكانها على ثمانية آلاف نفس. وكان في تلك القرية في أواسط القرن الثامن عشر رجل اسمه إبراهيم أغا كان متوليًا خفارة الطرق، ولد له سبعة عشر ولدًا لم يعش منهم إلا واحد، وفي سنة ١٧٧٣ توفي هذا الرجل وامرأته عن ذلك الولد وسنه أربع سنوات واسمه محمد علي.

فأصبح الغلام يتيمًا ليس له من يعوله إلا عمه طوسون أغا، وكان متسلمًا على قواله فجاء به إلى بيته شفقة عليه، غير أن المنية عاجلت طوسون فقتل بأمر الباب العالي، بعد ذلك بيسير فأصبح الغلام يتيمًا قاصرًا وليس من ينظر إليه.

وكان لوالده صديق يعرف بجربجي براوسطة فشفق على الغلام، وجاء به إليه وعني بتربيته مع أولاده. غير أن ذلك لم ينسه حاله من اليتم فكان يشعر بالذل وضعف النفس. ويروى عنه بعد أن ارتقى ذروة المجد واعتلى منصة الأحكام أنه كان يحدث أخصاءه عما قاساه في طفولته من الذل.
figure
ساكن الجنات المغفور له محمد علي باشا الكبير منشئ مصر الحديثة ومؤسس العائلة المالكة.
قلنا: إنه ربي في طفولته ببيت جربجي براوسطة، وتعلم في صغره ما يتعلمه أبناء تلك البلاد من ألعاب السيف والجريد والحكم وما شاكل، فنبغ فيها حتى إذا بلغ أشده انتظم في سلك الجهادية تحت إدارة مربيه، فأظهر في جباية الضرائب مهارة وبسالة عجيبتين، فرقاه إلى رتبة بلوك باشي وزوجه إحدى ذوات قرابته وكانت مطلقة ولها مال وعقار فترك الجهادية وتعاطى التجارة وعلى الخصوص في صنف التبغ؛ لأنه أكثر أصناف التجارة في بلاده.
figure
ساكن الجنات المغفور له محمد علي باشا الكبير.
وقد برع في تلك التجارة حتى اكتسب شهرة واسعة وثقة عظمى لدى عملائه، وكان قد ذاق لذة التجارة وأحبها منذ كان يتردد على شخص اسمه «ليون» أحد صغار التجار «ويقال: إنه كان وكيلًا لإحدى المحال التجارية بمرسيلية مسقط رأسه»؛ ولذلك رأيناه بعد أن تولى مصر يوجه انتباهه بنوع خاص لتنشيط التجارة.
figure
نابليون بونابرت إمبراطور فرنسا.

وما زال يتعاطى التجارة إلى سنة ١٨٠١ حينما عزم الباب العالي على إخراج الفرنساويين من مصر بمساعدة إنجلترا. وكان الفرنساويون قد جاءوا مصر تحت قيادة نابليون بونابرت سنة ١٧٩٨، فحاربوا الأمراء المماليك ودخلوها عنوة، وأقاموا فيها ثلاث سنوات والحكومة العثمانية تبعث إليهم الجنود، وتحاربهم تارة وحدها وطورًا بمساعدة إنجلترا، وهم قائمون بين إقدام وإحجام إلى سنة ١٨٠١م، فبعثت الحكومة العثمانية إليهم عمارة قوية تحت قيادة قبطان باشا وفيها قوات إنجليزية، وبعثت الصدر الأعظم في حملة من جهة البر.

ارتقاؤه منصة الأحكام

وكان محمد علي في جملة القوة البحرية، وقد تجند فيها في جملة من تجند في برواسطة بصفة معاون لعلي أغا ابن مربيه على ثلاثمائة جندي ألباني «أرناءوط».

فجاءت العمارة إلى أبي قير وكانت الغلبة هناك للفرنساويين، ثم عاد علي أغا إلى بلاده تاركًا رجاله تحت قيادة محمد علي، وكان هذا قد ترقى إلى رتبة بيكباشي.

ثم تغلب العثمانيون بمساعدة العمارة الإنجليزية، وحملة الصدر الأعظم، ودخلوا البلاد وأخرجوا الفرنساويين منسحبين انسحابًا قانونيًّا، وجعلوا يهتمون بتأييد سلطة الباب العالي فيها.

وبعد جلاء الحملة الفرنسية من البلاد المصرية ورجوعها إلى فرنسا، ابتدأت جماعة المماليك تشرئب أعناقها لأن تقبض على زمام إدارة شؤون البلاد، كما أن الباب العالي كان يطمح ببصره إلى طرد المماليك من الديار المصرية، واستئصال شأفتهم، واسترجاعها بعد أن اغتصبت منه مدة من الزمان، فبدأ النزاع بين الباب العالي والمماليك عندما أراد الباب العالي أن يستقل بالسيادة في الديار المصرية، فاستعمل للتغلب عليهم طريقة غير مقبولة فأوعز سرًّا للقبطان حسين باشا بإبادة جماعة المماليك واستئصالهم عن آخرهم، فاحتال عليهم القبطان حسين باشا، ودعا البكوات العظام من حزب مراد بك إلى معسكر أبو قير بعلة التفاوض معهم في إدارة شؤون حكومة مصر، فكان معظمهم غير مرتاح البال وأوجس خيفة من هذه الدعوة، إلا أنهم تخوفوا إذا تأخروا أن تنزع السلطة من أيديهم، وهذا الأمر الذي حملهم على تلبية الدعوة، وسكن روعهم لقرب معسكر القائد «هتشنسون الإنجليزي»، فقابلهم الباشا المشار إليه آنفًا بوجه باش وبكل حفاوة وإكرام، ثم دعاهم إلى ركوب زورق لزيارة القائد الإنجليزي بعلة أنه يريد أن يتفاوض معهم في صيرورة حكومة مصر، ولما بعد عن الشاطئ قليلًا لحقه زورق آخر يحمل بعض الأوراق، فاستأذنهم لقراءتها على انفراد، وترك الزورق بمن فيه من المماليك، فظهر لهم عند ذلك أنه يريد بهم سوءًا فأمروا النوتية بالرجوع فامتنعوا وأطلقوا عليهم الرصاص فقتلوا ثلاثة، وجرح عثمان بك البرديسي واثنان آخران، فلما وصل خبرهم للقائد الإنجليزي استشاط غيظًا فاعتذر له القبطان باشا بأسباب واهية. وفي الوقت نفسه مثلت الرواية في باقي المماليك الموجودين بالقاهرة، وقد احتمى معظم البكوات «المماليك» بالمعسكر الإنجليزي فيها، فأسعفهم القائد «رَمزي» رغم إلحاح الصدر الأعظم في تسليمهم إليه، فكانت هذه الحادثة سببًا في إشعال نار الحقد في صدور المماليك، وقد زادها لهيبًا تولية «محمد خسرو» مملوك القبطان باشا واليًا على مصر في ربيع الأول، سنة ١٢١٦ﻫ «يوليو سنة ١٨٠١ميلادية» بتوسط القبطان باشا لدى الصدر الأعظم يوسف باشا، بصدور أمر همايوني بتولية المذكور على مصر.
figure
مراد بك أحد أمراء المماليك (توفي بالطاعون بالوجه القبلي سنة ١٢٥٠ﻫ ودفن بسوهاج بجوار الشيخ العارف).

ويعتبر خسرو باشا الوالي الجديد على الديار المصرية من أشهر رجال الترك في القرن الثالث عشر، وكان ذا حظوة عظيمة لدى السلطان، وقد استحكم الخلاف بينه وبين محمد علي ونال على أثره رتبة «قبي بلوك» فرتبة «سرجشمه»، وأصبح قائدًا لأربعة آلاف، ساعيًا جهده وراء استمالة رجاله إليه، حتى أجمعت القلوب على محبته وألسنتهم على شكره. فلما أراد خسروا مطاردة المماليك ونزع البلاد من أيديهم وقاوموه مقاومات عنيفة، بعث لهم حملة عسكرية لكبح جماحهم فلم يفلح، فاضطر إلى إمداد جنوده بفرقة محمد علي، ولكن قبل أن تصل هذه الفرقة إلى ميدان القتال تقهقرت الحملة وفشلت، فتوهم قائدها أن أسباب هذا الفشل ورجوعهم القهقرى تأخر محمد علي وفرقته ورفع تقريرًا مسهبًا لخسرو باشا، فأضمر له الشر وبعث يطلب محمد علي ليلًا، فأقبل وأتى إلى مصر موجسًا شرًّا من هذه الدعوة، ودخل إلى القلعة وعلى أثر مجيئه تمرد الجند لتأخير صرف رواتبهم وثاروا وحاصروا الخزانة، ونهبوا وسلبوا القاهرة فاعتصم خسرو باشا بالقلعة، وأصلى العصاة منها نارًا حامية، فأراد إذ ذاك طاهر باشا قائد فرقة البانية وعددها (٥٠٠٠) أن يتوسط بين خسروا والعصاة، فأبى خسرو ورفض وساطته فانضم العصاة عليه، ولما لم يجد خسرو لديه حينئذ جندًا تحميه ولى هاربًا إلى دمياط، وبقى بها ينتظر فرصة يسترد فيها ما فقده.

ولما علم طاهر باشا بذلك جمع رؤساء العلماء وأشراف العاصمة وشاورهم في الأمر، فرضوا أن يكون نائبًا عن الوالي عليهم، فأعلن أنه هو الحاكم على مصر حتى يولي الباب العالي خلفًا لخسرو باشا، وذلك في صفر سنة ١٢١٨ﻫ/مايو سنة ١٨٩٣م، وكان من سوء طالع طاهر باشا أنه وقع في نفس الحيرة، التي وقع فيها خسرو إذ لم يمكنه دفع مؤخر رواتب الجند. وبعد اثنين وعشرين يومًا من قبضه على زمام الأحكام تألب عليه الجند، واغتاله ضابطان هما «موسى أغا وإسماعيل أغا» بعد أن تظلما من تأخير رواتب الجند.

فأصبح محمد علي بعد هرب خسرو وقتل طاهر باشا رئيس الجند غير المماليك من الأرناءوط وغيرهم؛ لأن رتبته في الجيش تلي رتبة طاهر باشا، وقد طمحت نفس أحمد باشا قومندان الضبطية إلى الاستيلاء على مصر، فلم يتوصل إلى أمنيته؛ لأن محمد علي كان اتفق مع عثمان البرديسي وإبراهيم وكلاهما من أمراء مماليك الصعيد على إخراجه من القاهرة، ولما نفذ هذا الاتفاق توجه البرديسي إلى دمياط في ١٤ ربيع أول سنة ١٢١٨ﻫ وأسر خسرو باشا، ولما علمت الدولة العلية ذلك عينت علي باشا الجزائري واليًا على مصر، ونزل هذا الوالي الجديد بالإسكندرية في ربيع الأول سنة ١٢١٨ﻫ/٨ مايو سنة ١٨٠٣م، فرأى أنه لا يمكنه مقاومة البرديسي ومحمد علي بحد السيف فاتفق معهما ظاهرًا، على حين أنه كان يعمل في الخفاء على هدم قوتهما وتكوين حزب وطني مصري يناهض المماليك. ولكن من سوء حظه أن بعض مراسلاته مع السيد «السادات وقعت في يد البرديسي وكان هذا ضيفًا عنده»، فاحتال البرديسي في قتله وتم له في شوال سنة ١٢١٨ﻫ/يناير سنة ١٨٠٤م، وكان للمماليك رئيس آخر مع البرديسي يدعى محمد بك الألفي، الذي كان سافر إلى إنجلترا؛ ليطلب منها المساعدة التي تنيله الاستئثار بحكم مصر، فلما عاد منها ووصل إلى ساحل مصر علم أنه لا يمكنه الوصول إلى ضالته إلا بتوحيد قوى المماليك، وجعلهم تحت حماية الإنجليز، وكان ذلك لا يتم له إلا باتحاد مع البرديسي عدوه العنيد وإبراهيم بك الكبير، فلما نزل عند أبو قير قابله أعوانه بكل حفاوة وإكرام. وإذ كان في ريبة من أمر البرديسي اتخذ مسكنه في دمياط، وأصدر الأوامر إلى أتباعه بالاجتماع في ضيعة بالجيزة، ومعهم كل ما يمكن جمعه من العدة والعدد على أن يلحق بهم فيما بعد، إلا أن وصوله إلى الديار المصرية لم يرق في نظر كل من البرديسي ومحمد علي؛ لأن الأول رأى أن من الخطل أن تكون نتيجة خلعه واليين وقتله ثالثًا أن يشاركه في السلطة مناظر كان بعيدًا عن الديارة المصرية أثناء حربه معهم، وفاته أنه لو اتحد مع الألفي ومع إبراهيم بك لاستعادوا سلطة المماليك في مصر؛ لأن محمد علي غريب عن البلاد وهو وحده لا يقوى على مقاومتهم، ولكن تدبير محمد علي ودهاؤه وسعوده كلها حالت دون اتفاقهم، فاتفق الاثنان على أن يتخلصا من محمد الألفي. وفعلًا حاصر محمد علي ومن كان معه من الألبانيين قصره في الجيزة وأخذ أتباعه على حين غرة، وقتل منهم خلقًا كثيرًا وفر الباقون، أما عثمان البرديسي فصار بجيشه؛ ليفتك بالألفي في طريقه إلى القاهرة فقابله بالمنوفية هو وحاشيته، فأفلت الألفي من يده وهرب إلى سوريا، وأما من كان معه فقتل معظمهم وسلب كل ما معهم من المتاع والمال، وظل البرديسي في القاهرة يتصرف في شؤونها كيف يشاء وضرب على الأهالي الضرائب الفادحة حتى أثقل كواهلهم؛ لكي يصرف رواتب الجند فلم يكن للأهالي طاقة لقبول هذه الضرائب فثاروا ضده، وحملوه على الهرب في عام ١٨٠٤م إلى سوريا، ولما صفا جو مصر لمحمد علي، ولم يبق فيها سواه أرسل خسرو باشا إلى الأستانة إبعادًا، وجمع لديه علماء مصر ومشايخها واستشارهم بتعيين خورشيد باشا حاكم الإسكندرية واليًا على مصر، فوافقوه على شرط أن يعينه حاكمًا للقاهرة، ورفعوا القرار للباب العالي فصدق عليه في ٢٣ محرم سنة ١٢١٨ﻫ.

وفي ٢١ صفر سنة ١٢٢٩ﻫ عين محمد علي بإرادة سنية حاكمًا «لجدة»، ولكن أهالي مصر وجنوده أبوا إلا عدم مبارحته لبلادهم، فعينوه واليًا على مصر فقام إليه الشيخ الشرقاوي والسيد عمر مكرم نقيب الأشراف وألبساه «الكرك» والقفطان إيذانًا بولايته، وكان في يد السيد عمر مكرم أمر العامة في جميع أنحاء مصر لا يعارضون له أمرًا، فأيد أمر محمد علي باشا بنفوذه وجاهه أكثر من أربع سنوات تأييدًا لم يقم به أحد مثله. وأرسل العلماء رسولًا إلى الباب العالي يلتمس العفو عما فرط منهم في حقه، ويرجو اعتماد تنصيب محمد علي واليًا لمصر، فعلم السلطان من ذلك مقدار ميل الأهلين لمحمد علي، وأيقن أنه أصبح صاحب الكلمة العالية في مصر، فوافق على تنصيبه واليًا عليها في ربيع الثاني سنة ١٢٢٠ﻫ/يوليو سنة ١٨٠٥م، ولما علم خورشيد باشا بهذا النبأ سلم له القلعة وتخلى عنها، ولم يمض إلا زمن يسير على تولية محمد علي حتى أقبلت العمارات العثمانية إلى ميناء الإسكندرية في يوم ١٥ من ربيع آخر سنة ١٢٢١ﻫ تقل أمير البحر التركي، يصاحبه «موسى باشا» والي سلونيك يحمل فرمانًا ساميًا؛ ليكون واليًا على مصر؛ لينتقل منها محمد علي ليتولى منصب موسى باشا في سلونيك. فتظاهر محمد علي بإظهار الطاعة لأوامر الباب العالي، ثم ادعى أنه يغادر مصر توًّا ثم جمع كبار المشايخ والعلماء وبلغهم الأمر. فكتبوا عريضة إلى الباب العالي يلتمسون بها بقاء محمد علي واليًا على مصر ورفعوها على يد إبراهيم بك نجله، الذي سافر بها خصيصًا إلى الأستانة وقدمها إلى المرجع الإيجابي بمساعدة سفير فرنسا في دار السعادة، فصدرت الأوامر السامية في ٢٤ شعبان سنة ١٢٢١ﻫ/نوفمبر سنة ١٨٠٦م بتأييد محمد علي في منصب والي مصر، وبعد ورود هذه الأوامر بثلاثين يومًا أخذ كل من عثمان البرديسي ومحمد الألفي يناوش محمد علي، فقضى على البرديسي في ١٩ ذي الحجة سنة ١٢٢١ﻫ/ديسمبر سنة ١٨٠٨م، ومات الألفي في ذي القعدة سنة ١٢٢١ﻫ/يناير سنة ١٨٠٧م وبموتهما تفرق أتباعهما أيدي سبا ولم يبق في البلاد المصرية مناظر لمحمد علي ولا معارض البتة، غير أن إنجلترا قد ارتأت بتأييد ولاية محمد علي إجحافًا بمصلحتها ومساسًا بنفوذها في القطر المصري. فجردت ضده حملة بدد بعضها الأرناءوط عند ثغر رشيد، وحمل بعضها الآخر على الجلاء بعد أن عقدت إنجلترا ومصر معاهدة الصلح في ١٣ رجب سنة ١٢٢٢ﻫ/سبتمبر سنة ١٨٠٧م وذلك بمدينة دمنهور، وكان من نتائج هذه الحملة رضاء الباب العالي عن محمد علي. فمنحه السلطان خلعة وسيف شرف. وأمر بإرجاع ابنه إبراهيم إليه «وكان معتقلًا في القسطنطينية»، وقد صار لهذه الإنعامات السلطانية أثر عظيم في توطيد سلطته، إذ كان في هذا الوقت في وجل شديد من جنده حتى إنه استعد للاعتصام بالقلعة إذا تألبوا عليه.
figure
السلطان محمود الثاني (ولد سنة ١٧٨٥م، وتولى سنة ١٨٠٨م، وتوفي سنة ١٨٣٩م).

وفي ٥ جمادى الثاني تبوأ السلطان محمود الثاني عرش الخلافة على أثر تنازل السلطان مصطفى، فاستمد محمد علي رضاء الخلف عنه وضم الإسكندرية لولايته، ثم أمره في السنة التالية حيث استفحل أمر الوهابيين في شبه جزيرة العرب، حتى امتدت شوكتهم من الشمال إلى صحراء سوريا، ومن الجنوب إلى بحر العرب، ومن الشرق إلى خليج العجم، ومن الغرب إلى البحر الأحمر، بأن يجمع الجنود ويذهب بهم إلى حيث يشتت عملهم قوة واقتدارًا، فصدع محمد علي بالأمر وأرسل ثمانية آلاف مقاتل مع ولده طوسون باشا، ولكن أوجس من المماليك شرًّا بعد سفر هذه القوة فدعاهم لوداع ولده الذي عين للاحتفال أجلًا محدودًا، وهو اليوم الخامس وفي شهر صفر سنة ١٢٢٦ﻫ، فتوافدت وفود المماليك يومئذ إلى القلعة يتقدمهم زعيمهم شاهين بك، ولبثوا حتى إذا سار الموكب والمماليك وراءه محتاطين بالمشاة والفرسان ووصلوا إلى باب القلعة. أمر محمد علي بوصد أبوابها فوصدت، وأشار إلى جماعة من أخصائه الأرناءوط فهجموا على المماليك وحكموا سيوفهم في رقابهم حتى قتلوهم جميعًا وعددهم ٤٠٠، ولم ينجح منهم إلا أحمد بك وأمين بك وبعد وصول حملة طوسون إلى حيث كانت قاصدة قابلها الوهابيون، ثم جمعوا قواهم وعادوا فبددوا شمل الوهابيين، وقد أمدهم محمد علي بكثير من الجند فهجمت على الوهابيين وقهرتهم، واحتلت مكة المكرمة، وفي سنة ١٢٢٨ﻫ عاود الوهابيون الكرة على حملة طوسون في ترابيا «تراباة» وكانت خسائر هذه الهزيمة عظيمة جدًّا، حتى إن سعودًا زعيم الوهابيين زحف بجيشه على المدينة ثانية وهددها بالأخذ عنوة.

ولما وصل خبر هذه النكبة إلى محمد علي عزم على أن يتولى قيادة الجيش بنفسه فأخذ العدة، وتوجه إلى الأقطار الحجازية. ولما وصل هناك أدى فريضة الحج، ثم علم من بعض الأفراد أن الشريف غالبًا مذبذب في ولايته فاحتال في القبض عليه بواسطة طوسون ابنه، وأرسله إلى القسطنطينية حيث قتل هناك بعد مدة وجيزة، وفي أوائل سنة ١٢٢٩ﻫ/سنة ١٨١٤م مات سعود الثاني، وبموته فقد الوهابيون أعظم ساعد وأكبر بطل، وخلفه ولده عبد الله، فعهد هذا بمحاربة المصريين «لأخيه فيصل»، فحاربهم في كثير من الأرجاء ولم يفز من عواقب هذه الحرب إلا بالفشل والخجل. ولما اطمأن محمد علي على ولده من قوة الوهابيين عاد إلى مصر وترك ابنه هناك لإبادة أعدائه وخصومه، فوصل القاهرة في ٤ رجب سنة ١٢٣٠ﻫ/سنة ١٨١٥م، وخصوصًا أنه اتصل به هرب نابليون من منفاه في «ألبا»، فرجع عن طريق الأقصر، فقنا، فالقاهرة، وعلم له أيضًا بتدبير مؤامرات على عزله وقتله، فظن أن ذلك بإيعاز من رجال الباب العالي. أما رئيس المؤامرة فهو «لطيف باشا» أحد المماليك، وكشف سر هذه المؤامرة الفظيعة «الكخيا لاظ أوغلي باشا»، فقتل لطيفًا ومن معه بعد أن حاول الهرب والاختفاء، وكان غرضه أن يكون واليًا على مصر إذا نجح في قتل محمد علي، وعند عودة محمد علي هم بتنظيم جيشه على الطراز الغربي، وفي خلال ذلك رجع ولده طوسون ناجحًا، ولكنه لم يصل ثغر الإسكندرية حتى توفاه الله عقب مرض لم يمهله أكثر من عشر ساعات.

ولما رأى محمد علي أن الوهابيين لم ينفذوا شروط الصلح جهز حملة أخرى، وأرسلها إلى بلاد العرب بقيادة ابنه إبراهيم باشا، ورافقه في هذه الحملة القائد العظيم سليمان باشا في شوال سنة ١٢٣١ﻫ/سبتمبر سنة ١٩١٦م، وقد أعمل الفكر ذلك البطل العظيم في استنباط الخطط الحربية التي أوقفته بين صميم عظماء الرجال ومشاهير القواد، فأول موقعة التحم فيها جيشه مع الوهابيين كان عند «البريس» سنة ١٢٣٢ﻫ/سنة ١٨١٧م، وفي هذه المقتلة انهزم جيشه هزيمة لم تثن من عزمه ولم تفت في ساعده، بل استمر سنة كاملة في كفاح وجدال حتى ذلل كل الصعوبات؛ ولذلك أخضع قرى كثيرة وصار قاب قوسين أو أدنى من الدارعية حاضرة الوهابيين، وهي على بعد ٤٠٠ ميل من المدينة المنورة التي اتخذها قاعدة لأعماله الحربية، وحاصر إبراهيم باشا الدارعية في جمادى الثانية سنة ١٢٣٣ﻫ/وأول شهر أبريل سنة ١٨١٨م، وفي هذه الأثناء انفجر مخزن ذخيرته فلم تفتر همته ولم يساوره اليأس؛ لأنه كان على يقين من استياء العالم الإسلامي أجمع من فظاعة الوهابيين، وعند ذلك اضطر عبد الله إلى الخضوع والاستسلام لسيطرته وسلطانه، فسلم نفسه في ذي القعدة سنة ١٢٣٣ﻫ/سنة ١٨١٨م ولم يعامله إبراهيم باشا إلا بكل كرامة وإحسان، ثم أرسله إلى أبيه بالقاهرة فبالغ في إكرامه أيضًا، وأرسله إلى الباب العالي وبعد وصوله بزمن قليل أمر به فقتل وقد ضرب إبراهيم باشا مدينة الدارعية، وتركها أثرًا بعد عين، وهكذا انتهت الحروب في بلاد العرب بعد القضاء على سلطة الوهابيين.
figure
سليمان باشا الفرنساوي، منظم الجند المصري.

فتح السودان

فكر محمد علي باشا في فتح السودان، فأرسل خمسة آلاف مقاتل بقيادة إسماعيل باشا ابنه الثالث فتوجه في شعبان سنة ١٢٣٥ﻫ، ففتح شندي والمتمة وسنار فالخرطوم، وأخضع قبيلة الشائفية وكردوفان وتقدم إلى فذقل وتفشى المرض في جيش إسماعيل، فمات كثير من جنوده في هاتيك البقاع المقفرة، فأمده والده بثلاثة آلاف مقاتل تحت قيادة صهره أحمد بك الدفتردار، فأقامه على كردوفان. وصار هو إلى المتمة فقتله نمر ملك شندي بحيلة غريبة، وهو أنه أقام مأدبة فاخرة دعا إسماعيل لحضورها، فلبى طلبه فأمر «نمر» أتباعه وأشياعه أن يجعل حول منزله حطبًا ومواد ملتهبة ثم يضرمون فيها النار، ففعلوا. فشبت النار في المنزل فدمرته وحرقت جميع من فيه، وكان من بين المحروقين إسماعيل باشا، فلما بلغ أحمد بك الدفتردار صهره زحف بما لديه من الجند وحارب الملك النمر مستقتلًّا حتى تمكن من النصر والظفر. وقتل عشرين ألف نفس انتقامًا لإسماعيل وأخذًا بثأره.
figure
جامع محمد علي بالقلعة.

ثم أخذ محمد علي بعدئذ في العناية بأحوال الجهادية فأسس لها مدرستين حربيتين الأولى للمشاة في الخانكا، والثانية للطوبجية وعين لها نظارًا فرنساويًّا يدعى الكولونيل «ساف»، وهو الذي اعتنق الإسلام، وسمي سليمان باشا الفرنساوي ثم أنشأ في القاهرة معامل لسبك المدافع والرصاص كما شاد في الإسكندرية حصنًا حصينًا، ثم التفت بعين عنايته إلى داخلية البلاد فأصلح شؤونها وعني بزراعتها وتجارتها، فأتى ببذور القطن الأمريكي من الهند، وأكثر من زراعة الأشجار في البنادر والثغور والعواصم والأباعد والجفالك؛ تلطيفًا للهواء وهبوب الزوابع في الصيف ثم أنشأ ميناء الإسكندرية، وحفر ترعة المحمودية، وبني معامل للقطن، والنيلة، والطرابيش، وشيد مدرسة طبية وصيدليات ومستشفيات بنظارة الدكتور كلوت بك.

وألف مجلسًا للمعارف وأرسل كثيرًا من طلبة العلم إلى أوربا لاقتباس نور المعارف والفنون، وأمر بغرس حديقة الأزبكية، وتقسيم القطر المصري إلى مديريات ومراكز، وشيد القناطر الخيرية ومطبعة بولاق الأميرية، كما أنه شيد المسجد الشهير باسمه الكائن بالقلعة بمصر، وأمد الدولة العلية عام ١٢٣٩ﻫ بحملة مصرية في حرب المورة، وأخضع حكام سورية وفي مقدمتهم عبد الله باشا حينما جاهروا بالعدول ضد الدولة العلية، وقد فتح كل البلاد السورية، واستولى على حلب على يد ابنه إبراهيم، فأوجس الباب العالي خيفة فأرسل جيشًا لإرجاع العساكر المصرية، فلم يستطع إلى ذلك سبيلًا؛ لأن إبراهيم باشا كان قد تقدم في آسيا الصغرى تقدمًا سريعًا كاد يتهدد به الأستانة، ثم عقدت على أثر ذلك معاهدة لندن سنة ١٢٥٥ﻫ، التي قضت بأن يبقى محمد علي تابعًا لدار الخلافة العثمانية. ثم أرسل إليه الباب العالي فرمانًا همايونيًّا مؤرخًا في ٢١ ذي الحجة سنة ١٢٥٦ﻫ يخوله حق وراثة الأريكة المصرية لأعقابه، ويؤيد ولايته على نوبيا ودارفور وكردوفان فضلًا عن القطر المصري.
figure
الدكتور كلوب بك ناظر مدرسة الطب والصيدليات.

وفي عام ١٢٦٢ﻫ توجه إلى دار السعادة فأكرم جلالة السلطان الأعظم وفادته، ثم عاد إلى مصر شاكرًا داعيًا وفي أثناء رجوعه مر على «قوله» وطنه الأول، وبني فيها كثيرًا من الأبنية الخيرية لفقرائها، وظل في مصر بين آيات التعظيم وتحت رايات التبجيل لغاية سنة ١٢٦٤ﻫ، إذ مرض مرض الشيخوخة وخلفه ابنه إبراهيم باشا، ونقل هو للإسكندرية تبديلًا للهواء، ولكن لم يستقر به المقام حتى توفاه الله في ١٨ رمضان سنة ١٢٦٦ﻫ الموافق ٢ أغسطس سنة ١٨٥٠م، وكان عمره إذ ذاك ٨٤ سنة قمرية، ثم نقلت جثته إلى القاهرة بمزيد الاحتفاء والاحتفال، ودفنت بجامع القلعة بملء الإكرام. تغمده الله برحمته ورضوانه وأسكنه فسيح جناته.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤