الفصل الأول

في باحة قصر الأمير

المشهد الأول

(طعَّان وحده)
طعَّان (يدخل مُلتفًّا بعباءته، بيده مشعل وفي زُنَّاره خنجر مشكوك) : لقد أضنكني التعب، ما أمرَّ حياة قُطَّاع الطرق وأصعبَ مهمة رؤساء العصابات! أهذا هو المكان؟ نعم، هذا هو القصر، أذكر أنني مررت به مرةً، ماذا يريدون مني؟ الجواب تحصيل حاصل: الفتك بالناس، يا طعَّان! يا شقيق عزرائيل! عفوًا — أيُّها الضمير المُخدَّر — لا تبكِّتني؛ فهذه طريق اختطَّها لنا مولانا الأمير فسِرْنا عليها، والناس على دين ملوكهم … لم أجد أحدًا، أتلك أحبولة لاصطيادي؟ لا لَعَمري، فلنسترحْ قليلًا حتى يأتي المساوِم.
(يرتمي على المقعد، وبعد هُنَيْهة يُفتَح الباب، ويقف به رجل مُلثَّم؛ فينهض طعَّان قائلًا له): أأنت الذي يطلبني؟

المشهد الثاني

(طعَّان – بدر)
بدر (يدخل) : نعم، وقد قيل لي: إنك أَمْهر مَن ضرب بسيف وطعن بخنجر.
طعَّان : إنني أقتل الرجل الذي أنازله.
بدر : ولهذا الغرض استقدمتك إليَّ، أأنت مستعدٌّ للقيام بما أطلبه منك؟
طعَّان : نعم، ولكن أتعرف الجُعْل١ الذي أتقاضاه؟
بدر : إنني أجهله، بَيْد أنني أَنْقُدُك ما تطلبه مني على شرط أن تقتل الرجل …
(يجلس بدر على المقعد ويُخْرِج كيسًا مملوءًا ذهبًا من جيبه ويضعه أمامه قائلًا): أسمعت؟
طعَّان : قُلْ.
بدر : أمستعد أنت لقتله؟
طعَّان : هذه مهنتي.
بدر : الرجل قوي هائل، أليس لك رجال؟
طعَّان : لا أحتاج إلى أحد.
بدر : الرجل بطل مخيف هائل.
طعَّان : سيُقْتَل.
بدر : ألا تخاف؟
طعَّان : وممَّ أخاف؟
بدر : من الرجل.
طعَّان : لقد صرعت قبله رجالًا.
بدر : إذن موعدنا الساعة التاسعة، يعاونك على مهمتك رجلان وأنا ثالثهم.
طعَّان : وأين الملتقى؟
بدر : في وادي الجَوْز.
طعَّان : أنا مستعد.
بدر : خُذِ الكيس، واذهب إذن.
طعَّان (يتناول الكيس وبعد وصوله إلى الباب يعود قائلًا) : ما اسم الرجل؟
بدر : وما يهمك اسمه؟
طعَّان : يجب أن أعرف اسم مَنْ أقتله، وإلا فلا أقوم بمهمتك.
بدر : بطل هائل خرج من القبر حيًّا، يفتك بمَن يتصدَّى له وهو رأس عصابة تعيث في البلاد فسادًا.
طعَّان : لا أفهم الكنايات والرموز صرِّح، قل ما اسمه؟
بدر : اسمه الظافر.
طعَّان : ماذا قلت؟
بدر : الظافر.
طعَّان : الظافر؟
بدر : نعم.
طعَّان : الظافر؟ أهذا الذي أقتله الليلة؟
بدر : نعم، نعم الظافر.
طعَّان (يرمي كيس الدراهم) : خُذْ دراهمك فلا حاجة لي إليها.
بدر : من أين لمثلك هذه النزاهة؟
طعَّان : قلت لك استردَّ دراهمك.
بدر : ولماذا؟
طعَّان : لأنني لا أريد أن أمدَّ يدي إلى الظافر.
بدر : ويلَك يا تَعِس! أأنت راغب في زيارة السجن؟ ألا تؤدي خدمة للحكومة؟
طعَّان : أنا لا أعرف حكومةً، أنا لا أعرف سيدًا، إيَّاك والتطاوُل، أنا لا أُشْتَم، أنا لا أُهَان (يضع يده على قبضة خنجره).

(بدر يضطرب.)

طعَّان : خُذْ ذهبك فلست رجلَك، أنا لا أريد اختلاسك، أفهمت ما أقول؟
بدر : إنني أدَعُ لك الذهب؛ لأنك جريء جسور، ولكن قل ما السبب؟ يظهر أنك خائف من الظافر.
طعَّان : أنا لا أعرف الخوف.
بدر : بلى تعرفه، وقد راعك ذِكْر الظافر.
طعَّان : كل مَنْ تحدِّثه نفسه بمقاومة الظافر يموت موتًا، أمَّا أنا فلا أخاف الموت.
بدر : إذن لماذا ترفض؟ تكلَّم، ناشدتك أبالسة الجحيم وشياطين الأرض.

(يتحرك فيظهر ثوب القائد العام.)

طعَّان : عفوًا يا حضرة القائد العام، فأنا أعرِفُ الناس.
بدر (ينهض تاركًا رداءه على المقعد) : أما وقد عرفتني، فهل تجسُر على مقاومتي.
طعَّان : ولِمَ لا؟ فقبل أن تحرِّك يدك أقتلك.

(بدر يصفرُّ ويضطرب.)

طعَّان : أمَّا إحجامي عن قتل الظافر فسببه بسيط جدًّا.
بدر : ما عساه يكون؟
طعَّان : أنا قاتل ولست جاسوسًا، مهنتي خدمة الرجال الذين لا يحسنون النِّزال، ولكنني لا أخدم الحكومة، فللحكومة رجال يقومون بخدمتها، فعلى هؤلاء مناوأة أعدائها، الظافر ثائر على الحكومة، فعلى حكومة مولاك الفاتك أن تقبض عليه، أمَّا نحن اللصوص فأشبه بالدول تحمي المجرمين السياسيين، إن مولاك الفاتك — بل السفاح — لهو شرٌّ مني، سمل عينَي أخيه، واختلس عرشه، لا أدري إذا كنتَ فهمتَ ما قلته لك، سِيَّان عندي فهمت أم لم تفهم، فلي كلام أقوله له أيضًا، أنا رجل معتزل حربكم، سفكت دماءً كثيرةً والجَلَّاد بانتظاري؛ ليقتصَّ مني، ولكن البلاد غنية برجالها الفضلاء الذين يعملون بذِمَّة وشرف عقولهم وأيديهم، لا أظنك إلا جاهلًا ذلك، ومن مصلحتك أن تجهل ما في الدنيا من المصائب والبلايا، لقد تجاوزَت حكومتكم الحدَّ في معاملة الفقراء فسُمْتموهم عذابًا واختلستم أموالهم بالرِّشا والضرائب، وأثقلتم كواهلهم بأعباء الجَوْر والظلم، فهذه الفئة لا تفكِّر إلا بفوز الظافر على حكومتكم؛ لتستريح من مظالمكم، وهو قد وعد أنه سيخلِّصهم، وإن قال فعل، فإذا قتلته — يا مولاي القائد — فكأنني قتلت الرجاء في مَهْد قلوب أولئك المظلومين الذين لم يسيئوا إليَّ قط فأضطر إلى قتل نفسي.

(بدر صامت مُفكِّر.)

طعَّان : ما بالك مُتحَيِّرًا؟
بدر : لقد حيَّرني ضميرك الحَيُّ يا حضرة اللص.
طعَّان (بحِدَّة) : إن لصًّا بثَوْبه الخَشِن يحترم إرادة الشعب لهو أجزل شرفًا من مجرم مثلك يستر تحت ثوبه المُزركَش نفسًا سافلةً وقوةً تفعل — باسم الشريعة — ما نُحْجِم عنه نحن اللصوص، أنتم معاشر الحُكَّام توجِدُون اللصوص، يرَوْنكم تختلسون أمام عين الشمس فينهبون تحت جُنْح الظلام متعلمين وخائفين منكم.
بدر : تأدَّبْ يا وَقِح.
طعَّان : لقد أدَّبني الدهر فاتعظت، أمَّا أنتم فكم لكم من عِبْرة في بطون التاريخ ولا تتعظون، أتدفعني إلى ارتكاب جريمة هائلة، وتقول لي: تأدَّب، فيا لَضَيْعة الأدب! (يخرج.)

المشهد الثالث

(بدر وحده)
أيا ويحَ شارات المَفاخر والمجد
تلوح لَآليها بصدر فتًى وغدِ
أيسخر بي لصٌّ وإني أميره
أُغَيِّبه إن شئْتُ في ظُلمة اللَّحدِ
هو الذنب يا ويحَ الأمير أذلَّني
ومَنْ كان ذا ذنب يُذَلُّ إلى العبدِ
أرى النار قد مدَّت إلينا لسانها
هو الموت يدعونا فيا هِمَّتي اشتدِّي
فإن تُحْجِمي فالموت أمرٌ مُقدَّرٌ
وإن تُقْدِمي فالفوز يُدرَك بالجِدِّ

المشهد الرابع

(بدر – الفاتك)
فاتك (من الخارج) : يا بدر … يا بدر! إليَّ … إليَّ.
بدر (يتقدَّم إلى الأمام ويده على مقبض سيفه) : مولاي!

(فاتك يدخل مذعورًا.)

بدر : مولاي ماذا جرى؟
فاتك : ثائرٌ كَمَن ليغتالني.
بدر : ومن أين عرفت ذلك؟
فاتك : دونك خنجره الذي انتزعتُهُ من يده (يرميه وبعد سكوت قليل يتنهَّد قائلًا) قل لي: هل أتممت مهمتك؟ ومتى يُقْتَل الظافر؟
بدر : لقد أبى اللص أن يقتله.
فاتك : ويحك ألم تستطع إقناعه؟!
بدر : لقد أبى وتمرَّد، فلم يُقنِعْه وعد، ولم يُرهِبْه وعيد.
فاتك : يا خيبة المسعى، اذهب وادعُ الوزراء.

(بدر يَهُمُّ بالخروج.)

فاتك : عجِّل، عجِّل.

المشهد الخامس

(الفاتك وحده)
سَلَلْتُ على هامِ الطغاة المُهنَّدا
فمزَّق شَمْلَ العائثين وبدَّدا
وعلَّمهمُ طُرْق الخضوع لسيِّد
أبى أن يرى للدهر مولًى وسيِّدا
صليل حسامي تَرهَبُ الأرضُ وقْعَه
وترتجف الدنيا إذا ما تجرَّدا
ولي عرشُ مجدٍ ينطح الجوَّ رَوْقُه
على مَفرِق العَيُّوق بات مُوَطَّدا٢
ورمحيَ لو غادرتُه في تنوفة
لخافَتْ ولم تَمْرُر بأرجائها العِدَى
فكيف يقاويني ضعيف وسطوتي
تقاوِمُ جيشًا لو طَغا وتمرَّدا
وحولي من الأبطال سُورٌ مُحصَّنٌ
على الرمح والسيف الصَّقيل تشيَّدا
فهل أختشي الأعدا ولي من عشيرتي
ألوف لدى الهَيْجا تكون ليَ الفِدا
فمَنْ مُبلِغٌ عني الخوارج أنني
أكون لهم في الخافقَين مُشرِّدا
الصوت :
ألا أيُّها السَّفَّاح مهلًا إلى غدٍ
فمنقلب الظَّلَّام مَوعِده غَدا
فاتك : ما هذا الصوت؟ ومَن هذا اللئيم؟
الصوت :
ففي الغيب أسرارٌ سيدرك كُنْهَها
متى ثُلَّ عرش الظلم فاستقبل الرَّدى
فاتك (يتطلَّع لجهة الصوت) : لا أرى أحدًا فما هذا؟

المشهد السادس

(الفاتك – الوزيران – النديم)
الوزيران والنديم (يدخلون قائلين) : تحية وسلامًا أيُّها الأمير العظيم.
فاتك : مرحبًا بكم.
عارف : ما بال بارقة الغضب تلوح على مُحَيَّا مولانا الأمير؟
فاتك : ألم تسمعوا ذلك الصوت الهائل الذي يتهدَّدني؟!
عارف : لا يا سيدي.
فاتك : يا لَلعجب! كيف لم تسمعوه وقد دوَّى كالرعد القاصف؟
حلزة : لقد أُصيب الأمير بالجنون.
فاتك : ماذا قلت يا حلزة؟
حلزة : قلت لو كان السامع سِواك؛ لمات من الخوف.
فاتك : إذن أنت سمعت.
حلزة : نعم، سمعتك تروي الخبر.
عارف : إنه يحب المجون دائمًا.
فاتك : وأنت يا صالح، ألم يطرق آذانك ذلك الصوت؟
صالح : لا يا سيدي، ولكنني عرفت أن نيران الثورة ستضطرم وينوي الأعداء أن يقوموا بتظاهرة على قبر الأمير الناصر.
فاتك : أبعد عشر سنوات يفعلون ذلك؟
عارف : نعم، وقد لمُّوا شعثهم، وشَحَذوا سيوفهم، واستعدوا للنِّزال، تخفَّيت البارحة وسِرْت بين جموعهم؛ فسمعتهم يقولون: إمَّا أن نموت عن آخرنا أو نأخذ بثأر أميرنا الناصر الذي قتله الفاتك بَغيًا وعُداونًا.
صالح : والذي نفخ فأضرم النار النائمة تحت رماد النسيان هو رجل غريب الأطوار لا يُعْرَف له نسب يُلقَّب بالبطل المجهول.
فاتك : ومَن هو هذا البطل المجهول؟
صالح : رجل غريب الأطوار، إذا ظهر بين الثُّوَّار خِلْتَه أسدًا شاكِيَ السلاح يقودهم وراءه إلى حيث يريد.
فاتك : إذن، ما هذا بشرًا إنْ هذا إلا شيطان رجيم.
عارف : لقد حارت فيه الناس، فكلٌّ يقول في أمره شيئًا حتى ظنَّه الشعب الساذج مُخلِّصًا أرسله الله ليضربكم ضربةً قاضيةً كما أرسل موسى ليضرب فرعون.
فاتك : ويلاه منذ سَمَلْتُ عينَي أخي المنتصر، وقتلتُ ابنه الناصر، وسجنتُ صغيره الحارس، واختلست هذا العرش؛ أرى نفسي مضطربةً وقلبي خفوقًا، إذا رقدت أحدَقَت بي الأشباح واكتنفتني خيالات الظلام، رأيت في سقف بيتي سيوفًا وخناجر مصوَّبةً إلى صدري وأفاعِيَ تنساب في زواياها، فماذا أفعل لأستريح؟
صالح : ويسوءني يا مولاي أن أُلْقِي على مسامعك كلمات تزيدك ارتباكًا، وتتركنا عُرْضةً للأفكار والهواجس.
حلزة : وما هي تلك البشائر التي عوَّدتمونا إيَّاها أيُّها الوزراء؟
عارف : خلِّ المزاح يا حلزة، فنحن في مقام جدٍّ، وإذا أخفينا عن أميرنا أمرًا نخطئ إلى واجباتنا.
حلزة (سرًّا) : يذبح العصفور ويأكله، ويتألَّم أن رآه بيد طفل يُهينه.
فاتك : قل — أيُّها الوزير الصالح — ما هي تلك الأخبار، واعلم أن مولاك لا يخشى.
وإذا كان آخر العمر موتًا
فسواءٌ طويلُه والقصير
صالح : قد فهمتُ الليلة أن الأمير الناصر قام من الموت.
حلزة : يا لَلحماقة والجهل!
فاتك : ومن أين عرفت ذلك؟
صالح : قد رأيته بأمِّ عيني، وحدَّقت إليه النظر حتى كأنه كلَّمني قائلًا: قُلْ عني لعَمِّي الفاتك الذي يتنعَّم في الإمارة ويظنني في عِداد الأموات أنني سَأُريه كيف تدور عليه الدوائر.
عارف : هذا خبر غريب!
حلزة : أأنت على ثقة ممَّا تقول؟
صالح : نعم، إلا إذا كانت الناس تتشابه منظرًا ونُطقًا.
فاتك : وماذا قال غير ذلك؟
صالح : لم يقل شيئًا، إلا أنه سألني كتمان الخبر.
فاتك : وهل تستطيع مقابلته؟
صالح : لا أدري.
فاتك : ما رأيك يا عارف؟
عارف : لا رَأْي لي.
فاتك : وأنت يا حلزة؟
حلزة : يصحُّ الخبر إن قام ميِّت من القبر، وقد شهدت دَفْنه بأمِّ عيني.
فاتك : إنه لحديث بعيد عن التصديق، ولو صحَّ وجوده أيختفي أمره على قومه الهائجين ليثأروا له؟
الثُّوَّار (من الخارج) : فليسقط الظالمون.
عارف : ما هذا الصياح والضجيج؟
صالح : هم الثُّوَّار يُحْدِثون تظاهرةً على قبر الأمير.
حلزة : أنت تقول إنه حَيٌّ يُرزَق، وكيف هؤلاء هائجون ثائرون؟
صالح : إنهم يجهلون ذلك.
حلزة : وأنت تعرفه وحدك؟
الثُّوَّار (من الخارج) : الدِّما! الدِّما!
فاتك : إن صياحهم يزداد، أليس هناك من الجنود ما يكفي لردِّهم على أعقابهم؟
عارف : لا أدري يا مولاي.
فاتك : اذهب يا حلزة، وقُلْ للقائد بدر أن يزحف عليهم بجنوده ويمزِّقهم.
حلزة : أمرك مولاي (يخرج).
فاتك : ما رأيكما أيها الوزيران؟ ماذا نصنع؟
عارف : لا تقاومهم بغير القوة، وبالسيف أدِّبهم، وإن لم تفعل ظَلَّ صفاء عَيْشك مُكدَّرًا ونظام الأمن مُختَلًّا.
فاشحَذْ حسامك للنِّزال مُمزِّقًا
في غربه الثُّوَّار والأعداء
واطعن برمحك صدر كل منافق
في قلب شعبك وَلَّدَ الشحناء
فالسيف للثوار خير مُطبِّبٍ
في حدِّه وضَع الجُدودُ دواء
صالح :
وأنا الذي عرف الأمير محبتي
لمَقامِه الأسنى فحُزْتُ مقاما
تفديه نفسي والحياة عزيزةٌ
وأمزِّق الأعداء والظُّلَّاما
الثُّوَّار (من الخارج) : فليسقط الأمير، الدِّما. الدِّما.
فاتك : يظهر أنهم شديدو البأس، وقد فهمت أنهم يريدون إنقاذ ابن أخي الحارس من السجن ليجعلوه أميرًا عليهم بعد خلعي، فيا أيها الوزيران، اذهبا الآن عاجلًا وحصِّنا السجن، واضربا حوله نطاقًا من الجنود الأشداء، والويل لهم ثم الويل إذا أفلت السَّجين، لقد سَكِرْتُ من الدم، فلأتجرَّعن الكأس حتى الثمالة، سنلحقه بأخيه ونطفئ بدمه نيران الثورة المُتَّقدَة، سيروا مع القائد في مقدمة الجنود وقاتلوا الثُّوَّار حتى تبيدوهم عن آخرهم، لقد أرسلت طرفة للمداولة مع حليفي الأمير خالد، أسأله إذا كان يمدُّني بالرجال، وسيعود عن قريب وأخبركم بما يكون، سيروا الآن.

(الوزيران يخرجان.)

المشهد السابع

(الفاتك وحده)
فاتك : ويلك أيها العرش القائم على أساس من دم، وويلي منك أيها الضمير فقد خنقتك بيد الآثام والفظائع، أُراجع تاريخ حياتي فأراه مخضَّبًا بالدم وبين سطوره تروح وتجيء أشباحُ صَرْعى سيفي وقَتْلى رمحي، فويلك أيها الفاتك، ستقضي حياتك عرضةً لأعاصير الثورات الهائجة، ولا يبعد أن تهدم على رأسي أنا الظالم قصري هذا الذي أثقلت بحمل حجارته ظهور الفقراء، وجبلت طينَه بعَرَق جبين المساكين، لقد ذهب الجيش كله فهل يمزِّق شمل الثائرين؟
(من الخارج) فليعش الأمير، فليحيَ الفاتك.
فاتك : ها هم يضجُّون بالدعاء، آه أيها الجنود الأُمَناء أنَّى الحياة لرجل قَتَلَ — بغيًا وعدوانًا — ألوفًا من النفوس، وأفنى رَعِيَّته بحدِّ السيف، كيف يهنأ راعٍ مُسِخَ ذئبًا فافترس خِرافه، ولكن فلنتجلَّد ونخفي تحت ستار الابتسام أحزاننا القائلة:
قتلتُ الناس عدوانًا وغَدْرا
وعشتُ على حضيض الظُّلم دَهْرا
بنيتُ على رِقاب الشعب قَطْرا
ونفسي من دم الأعداء سَكْرى
وبالتَّبْكيت عذَّبني ضميري
لقد خضعَت لسلطاني العشائر
ودان لِيَ الأكابر والأصاغر
وجَوْري فُقْت فيه كل جائر
فويلي يوم تُنتَهك السرائر
ويظهر للعَيان أخو الفُجور
وسوف آتيه في بِيْد المعاصي
وأُفْني بالمُهنَّد كل عاصِ
وليس لمَن عصاني من خلاصِ
من الموت الزُّؤَام ولا مناصِ
ومَنْ ينجو من الليث الهَصُور؟
أجل إنني في موقف يقود به الخوف إلى الموت، وعار عليَّ أن أسمع صوت تبكيت الضمير. أسمع وَقْع أقدام، مَنْ هذا؟

المشهد الثامن

(الفاتك – طرفة)
طرفة : عِمْ مساءً مولاي الأمير.
الفاتك : مرحبًا بك يا طرفة، وما فعلت؟
طرفة : لقد تكلَّل سَعْيُنا بالنجاح، قابلت الأمير خالدًا؛ فأنزلني على الرَّحْب والسَّعَة، ووعدني أنه يعضدك بكل قواه، وهاكَ كتابه.
فاتك : اقرأه على مسمعي.
طرفة (يقرأ) :

إلى السيد المُهاب أخينا الأمير الفاتك

انتهى إلينا رَقِيمُكم، وبعد الاطلاع عليه قرَّرنا أن نؤيِّد عرشكم بكل ما لنا من قوة ونفوذ وسلطان، فليهدأ رَوْعُكم، والسلام.

خالد
فاتك : حيَّاك الله يا طرفة، يا رسول الخير والفلاح، أَعَلِمْت ما أبدت لنا الأيام في غيبتك؟ لقد شاع أن الأمير الناصر لا يزال حيًّا يُرزَق.

(طرفة يرتبك.)

فاتك : وأنت قلت لي إنك قتلته ودفنته، فكيف يتفق قولك مع هذه الإشاعة؟ أنا واثق بك، ولكن هذه الإشاعة قد أوجدت في نفسي بعض الرَّيْب، فماذا تجيب؟
طرفة (على حِدَة) : سوف ينفضح سرنا. (إلى الفاتك) لقد قتلناه ودفنَّاه فكيف يقوم من القبر؟ تلك إشاعة كاذبة يا مولاي اختلقها بعض المُقرَّبين إليك؛ لإقلاق راحتك وسُخْطِك عليَّ.
فاتك : أنا لم أصدِّق تلك الإشاعة، ولقد عوَّلت على قتل الحارس السجين وإلحاقه بأخيه الناصر، وموعدنا بذلك غدًا.
طرفة (على حِدَة) : فلنُنْجِ الحارس من مخالب هذا النمر. (إلى الأمير) وإن غدًا لناظره قريب، أنت أدرى يا مولاي، ومَنْ ذا يعارض سيدًا في عبده؟!
فاتك : أجل، وسأتخفَّى أيضًا، وأطلع بنفسي على أسرار أولئك الخوارج، وأرى بعيني بَطَلَهم المجهول، أمَّا أنت فاذهب وخذ لنفسك قسطًا من الراحة بعد مشاقِّ السفر.
طرفة (على حِدَة) : وسأنقذ الحارس من براثنك إن شاء الله. (إلى الأمير) وفَّق الله سعيك يا مولاي (يخرج).

المشهد التاسع

(الفاتك وحده)
فاتك :
إذا ما نبا رمحي وخان مهنَّدي
أَدُسُّ على وجه البسيط دسائسا
وأنقض أركان الجبال بلفظةٍ
وأُخْرِج من قلب الجحيم أبالسا

المشهد العاشر

(الفاتك – الأعمى)
الأعمى (وهو داخل يضرب بعصاه إلى الوراء) : ابعدوا أيها الأولاد، إليكم عني (يمشي خطوات قليلة، ويقف باسطًا يده قائلًا) يا مَنْ يرحم! ارحم تُرْحَم.
فاتك (يتقدم نحوه قائلًا) : ما تريد أيها الأعمى؟ (يتفرَّس به جيدًا ويقول مرتجفًا على حِدَة) هذا أخي.
الأعمى : تسألني ما أريد؟ أتعطيني كل ما أريد؟
فاتك : نعم، قل ما تريد.
الأعمى : أريد أولًا خبزًا لأنني جائع ولم يُحْسِن إليَّ اليوم أحد.
فاتك : دونك دينارًا فاشتر به خبزًا وقل ما تريد.
الأعمى (يجُسُّه بأصابعه) : نعم دينار.
فاتك : قل ما تريد أيضًا.
الأعمى : أريد ثيابًا.
فاتك : دونك دينارًا آخر فاشتر به ثيابًا.
الأعمى (يأخذ الدينار) : ما هذا العطاء؟
فاتك : قل ما تريد أيضًا.
الأعمى (يهُزُّ رأسه) : ماذا أريد؟ (بصوت أجش) النور النور، أريد أن أُبْصِر.
فاتك (يرتجف صارخًا) : ربَّاه.
الأعمى : أريد الانتقام من قايين.٣
فاتك (يصرخ) : ويلاه.
(يُسدل الستار.)
١  الجُعْل: ما يُجْعَل للعامل على عمله، ثم سُمِّي به ما يُعطَى المجاهد ليستعين به على جهاده، وهو أَعَمُّ من الأجر والثواب.
٢  الرَّوْق: القَرْن، العَيُّوق: نجم أحمر مضيء في طرف المجرة الأيمن يتلو الثُّرَيَّا ولا يتقدَّمها.
٣  إشارة إلى القضية الدينية التي تدور حول قتل قابيل أخاه هابيل، والأعمى هنا يتوعَّد أخاه فاتك الذي سمل له عينيه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠