أبو مالك بن النضر العذري وابنة عمهِ

قال شبابة بن الوليد: إن فتًى من بني عذرة يقال لهُ: أبو مالك بن النضر كان عاشقًا لابنة عمه عشقًا شديدًا، فلم يزل على ذلك مدة، ثم إنه فُقِد بضع عشر سنين ولم يُعلم خبره، فضلَّت إبل لي فخرجت في طلبها، فبينا أنا أسير في الرمال إذا بهاتف يهتف بصوت ضعيف وهو يقول:

يا بن الوليد ألا تحمون جاركم
وتحفظون له حق القراباتِ
عهدي إذا جار قوم نابهُ حدث
وقوه من كل أضرار الملماتِ
هذا أبو مالك المسمى ببلقعة
مع الضباع وآساد بغاباتِ
طريح شوق بنار الحب محترق
تعتاده زفرات إثر لوعات
أما النهار فيضنيه تذكره
والليل مرتقب للصبح هل يأتي
يهذي بجارية من عذرة اختلست
فؤاده فهو منها في بليات

فقلت: دلني عليه — رحمك الله — فقال: نعم، اقصد الصوت، فلما قصدت غير بعيد سمعت أنينًا من خباء فأصغيت إليه فإذا قائل يقول:

يا رسيس الهوى أذبت فؤادي
وملأت الحشا عذابًا أليمًا

فدنوت منه فقلت: أبو مالك؟ فقال: نعم، قلت: ما بلغ بك ما أرى؟ قال: حب سعاد ابنة أبي الهيذم العذري، فشكوت يومًا إلى ابن عم لنا من الحي ما أجد من حبها فاحتملني إلى هذا الوادي منذ بضع عشر سنين ويأتيني كل يوم بخبرها ويقوتني — حفظه الله — من عنده، فقلت له: إني أصير إلى أهلها فأخبرهم بما رأيت، قال: أنت وذاك، فانصرفت إلى أهل الجارية فخبرتهم بحال الفتى وما رأيت منه وحدثتهم حديثهُ، فرقوا له وعزموا على تزويجه بحضرتي، فعدت إليه لأفرج عنه، فلما أخبرته الخبر حدد النظر إليَّ ثم تأوه تأوهًا شديدًا بلغ من قلبي وأنشأ يقول:

الآن إذ حشرجت نفسي وخامرها
فراق دنيا وناداها مناديها

ثم زفر زفرة فمات، فدفنته في موضعه ثم انصرفت فأعلمتهم الخبر، فأقامت الجارية ثلاثة أيام دون أكل ولا شرب ثم ماتت على الأثر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢