الفصل السادس

توصيل الرسائل: الاتصالات الجزيئية

إن كل فرد عالَم مستقل بذاته. وتكشف النظرة الجزيئية للحياة عن أن الخلية تشبه بحق مدينة تعجُّ بسكانها من الجزيئات؛ ومن ثم فإن أجسادنا العديدة الخلايا هي تجمعات متعاونة من مجتمعات سكانية، وكل خلية تتصل وتتواصل مع الأخرى كما تفعل لندن مع ليفربول، ونيويورك مع فيلادلفيا؛ إذ تمرُّ الرسائل عبر الأسلاك أو تُحمَل من مكان لمكان. تُنقَل البضائع الحيوية هنا وهناك على طول شبكة نقل تتمثل في الجهازين الدوري والليمفاوي. وكما قال بيرسيليوس: «إن القوة اللازمة للحياة هي نتيجة التأثير المتبادل بين الأدوات والعناصر.»

طالما كانت البيولوجيا الجزيئية قانعة بمجرد ذكر نبذة عن الشبكات الاجتماعية للخلية؛ إذ تستنتج أي الجزيئات تتحدث فيما بينها، وكيف تأتي وتذهب. ولكن هذا لا يكفي على أي حال، بل يلزمنا أن نعرف أيضًا ما يقال، وكيف تُنقل الرسائل بين الجزيئات. هذه المعلومات يمكن أن تفيد الكيميائي الصيدلاني في استحداث العقاقير، ويتمثل التحدي الأساسي حيال العلوم الطبية في معرفة كيفية المشاركة في المحادثات الجزيئية بالجسم؛ لتفسير الرسائل الضارة أو غير السارة ولإرسال رسائل تحذير جديدة، ولمنع التفاعلات غير المرغوبة.

ونتيجة لهذه الجهود التي تبذل في حقل الكيمياء الحيوية، صارت الكيمياء نفسها تخضع الآن لما يشبه إعادة الاختراع؛ فخيال الكيميائيين يشتعل بفعل ما يرونه محتملًا في علم الأحياء. ورغم أن الكثير من صناعة الكيماويات مكرس لتصنيع منتجات «سلبية» — مثل أنواع البلاستيك الجديدة، والأسمنت والغراء والدهانات، والألياف الاصطناعية — فإن جزيئات العقاقير تُعد شيئًا مختلفًا دائمًا؛ لأن مهمتها المشاركة في عملية ديناميكية، والانخراط في حياة الخلية النشطة. إنها تشبه ممثلين دُرِّبوا على أداء الأدوار الدرامية، وفي الواقع، كثيرًا ما يلعبون أدوارهم عن طريق تقمص الشخصية. لقد بدأ الكيميائيون الآن يدركون أن هذا النوع من الدِّيناميكية يمكن أيضًا تحقيقه في الأنظمة الكيميائية التخليقية بالكامل؛ ومن ثم بدأت الكيمياء يقل اهتمامها شيئًا فشيئًا بخصائص الجزيئات المفردة، ويزيد اهتمامها بكيفية سلوك مجموعات الجزيئات المختلفة معًا؛ من حيث تكوين العلاقات وتحطيمها، وتعديل بعضها ميول بعض، وإرسال الإشارات. إن الكيمياء في طريقها لأن تصير علمًا يتعلق ﺑ «العمليات».

هذا هو التوجه الذي تقوم عليه الكثير من الجهود والأبحاث العلمية التي ناقشتُها في هذا الكتاب؛ مثل استحداث الخلايا الشمسية الجزيئية، وأجهزة الاستشعار الكيميائية، وعلم تكنولوجيا النانو الجزيئية، والأجهزة الجزيئية التي تعالج المعلومات. وقد جُمع الكثير من الأبحاث في هذا المجال تحت مظلة ما تسمَّى «الكيمياء فوق الجزيئية»، التي تتعدى الدراسة العادية للجزيء، إلى علم الجزيئات وهي تتواصل.

في هذا الفصل سوف أستكشف قليلًا من الطرق التي تتواصل بها الجزيئات في علم الأحياء، قبل أن أقدم لمحة عن إمكان استحداث نزعة اجتماعية مماثلة في الجزيئات التخليقية. كما هو الحال دائمًا، يجب أن نتذكر أن الطبيعة، وإن كانت ملهمة موحية، يعتبرها البعض بخيلة وعمياء أحيانًا. يستخدم علم الأحياء نطاقًا محدودًا من المواد، ولديه ميل لأقلمة حل جيد لأغراض جديدة بلا حدود أكثر مما يهتم باستكشاف سبيل جديد تمامًا في كل مرة. وكما أن طائرة الجامبو النفاثة ليست مجرد حمامة هائلة الحجم، فعلى مهندس الجزيئات الذكي أن يأخذ من الطبيعة المبادئ وليس المخططات الفعلية.

البريد الجزيئي

لقد صارت إيطاليا وألمانيا دولتين حين وافق الخليط المتنافر من الممالك الصغيرة والولايات على أن يحترموا وجود سلطة مركزية ويتضامنوا معًا من أجل صالحهم المشترك. وكذلك جسم الإنسان لا يستطيع التصرف ككيان مترابط ما لم تفعل خلاياه هذا بالمثل؛ هذا يعني أنه لا بد من آليات لإرسال الأوامر والمراسيم والاستدعاءات للعمل في جميع أنحاء ذلك العالم الجسماني. وتُعد الإشارات العصبية الآتية من المخ إحدى الوسائل التي عن طريقها ينسق الجسم أفعاله؛ فهي منظومة الجسم الهاتفية.

ولكن الرسائل العامة المرسلة في نطاق «عام» لأنحاء الجسم تشبه كومة من البريد أطلقت إلى مجرى الدم، في صورة جزيئات تسمى «هرمونات»، وهذه تتنوع في تكوينها ووظيفتها؛ فبعض الهرمونات بروتينات كبيرة الجزيئات، والبعض الآخر جزيئات عضوية صغيرة، وبعضها قابل للذوبان والبعض الآخر غير قابل للذوبان في الماء (بما يعني أن الجزيئات الحاملة مطلوبة لحملها في تيار الدم)، وبعضها ينقل رسائل فورية عاجلة مثل: «اهرب!» والبعض الآخر له تأثيرات طويلة الأمد؛ كتعزيز النمو، أو تطور الخصائص الجنسية.

إن جميع الهرمونات هي من إفراز «جهاز الغدد الصماء»؛ وهي سلسلة من الغدد التي تشكِّل الجهاز التنظيمي المهيمن على الجسم بكامله (شكل ٦-١). رأينا آنفًا كيف يتحكم هرمونا الإنسولين والجلوكاجون اللذان يفرزهما البنكرياس في محتوى سكر الدم (انظر الفصل الرابع)، وبالمثل فإن معدل العمليات الأيضية في الخلايا ينظمه هرمونا الثيروكسين وثلاثي أيودثيرونين اللذان تفرزهما الغدة الدرقية؛ فهذه الهرمونات تؤثر على إنتاج الطاقة واستهلاك الأكسجين، ويحدث هذا جزئيًّا عن طريق تغيير معدل دقات القلب.
fig33
شكل ٦-١: جهاز الغدد الصماء في الجسم، وهي سلسلة من الغدد المفرزة للهرمونات.

يقع مركز التحكم في جهاز الغدد الصماء في الوطاء، وهي غدة في المخ، ويرتبط الوطاء بالغدة النخامية التي تستقر تحته مباشرة، والتي تخرج منها الهرمونات إلى الغدد الأخرى؛ فمثلًا، إذا حدث انخفاض في معدل الأيض، فهذا يحث الوطاء على إرسال جزيئات من هرمون يسمى الهرمون المُطلِق للثيروتروبين إلى الغدة النخامية، وهذه الغدة بدورها تبدأ في إرسال الهرمون المنبه للغدة الدرقية، فيحثها على ممارسة نشاطها.

إن جميع الهرمونات المُفرَزة من الغدة النخامية هي من الببتيدات؛ وهي جزيئات شبه بروتينية صغيرة. الهرمون المضاد لإدرار البول — على سبيل المثال — يتحكم في المحتوى المائي للجسم عن طريق تنظيم إنتاج البول في الكليتين، ويمثل هرمون النمو محفزًا للتكاثر الخلوي، ويلعب دورًا رئيسيًّا أثناء مرحلتَي الطفولة والمراهقة، كما ينشط النمو الموضعي للأنسجة عند الحاجة لإجراء إصلاحات فيها، كما يحدث مثلًا أثناء الْتئام الجروح.

تصنع الغدتان الكظريتان (فوق الكلويتين) بعض الهرمونات الستيرويدية المهمة، وهي جزيئات غير قابلة للذوبان في الماء، لها هيكل كربوني يتكون من عدد من الحلقات الصغيرة المرتبطة معًا. بعض الستيرويدات، مثل الكورتيزول، تنظِّم عمليتَي تخزين موارد الطاقة بالجسم واستخدامها، وتحويل الجلوكوز إلى جلايكوجين وتفكيك البروتينات إلى أحماض أمينية. والكثير من ممارسي كمال الأجسام والرياضيين عامة يستخدمون هذه الهرمونات (بشكل قانوني وغير قانوني) لبناء كتلة الجسم والعضلات.

هرمون الأدرينالين هو أيضًا من إفراز الغدة الكظرية؛ إذ يتم إطلاقه مع زميله هرمون النورأدرينالين سريعًا إلى مجرى الدم كاستجابة للتوتر. وكلا الهرمونين يسرعان معدل دقات القلب ويوسعان الأوعية الدموية؛ مما يزيد إمداد العضلات بالأكسجين حتى يتم تحضيرها لأقصى درجات الجهد.

أما الغدد الجنسية — وهما الخصيتان في الرجل والمبيضان في المرأة — فتفرز الهرمونات التي تميِّز بين الجنسين وتحث على إحداث التغيرات في النمو أثناء البلوغ. يحفز التستوستيرون إنتاج الحيوانات المنوية في الرجال، بينما يتحكم الإستروجين والبروجستيرون في الدورة الحيضية الأنثوية، ويُنظَّم إفرازهما من خلال هرمونان يُفرَزان من الغدة النخامية، يسميان الهرمون المنبه للحويصلات المبيضية وهرمون اللَّوْتَنة (أو هرمون الجسم الأصفر).

هذان الهرمونان ينظمان عملية التبويض أثناء الدورة الحيضية. في الأيام الأولى من الحمل ترتفع مستويات الإستروجين والبروجستيرون في مجرى الدم؛ مما يسبب تثبيطًا لإفراز كلٍّ من الهرمون المنبه للحويصلات وهرمون اللوتنة وتثبيطًا للتبويض. تتسم حبوب منع الحمل بنفس التأثير؛ إذ تحتوي على الإستروجين والبروجستيرون اللذين يوهمان جسم المرأة بأنها حامل.

ينخفض إفراز هرمون الإستروجين حين تصل المرأة إلى عقد الثلاثينيات من عمرها، ويزداد هذا الانخفاض أثناء مرحلة اليأس من المحيض. ويسبب انخفاض مستويات الإستروجين آثارًا جانبية من أهمها زيادة القابلية للإصابة بمرض الشرايين التاجية بالقلب وهشاشة العظام، ويعدان سببين من الأسباب الرئيسية التي تدعو إلى تقديم الإستروجين كعلاج هرموني تعويضي. ولكن يبقى هذا العلاج مثيرًا للجدل؛ إذ إن إعطاء جرعات من الإستروجين على المدى الطويل يمكن في حد ذاته أن يسبب آثارًا جانبية غير مرغوبة، من أخطرها زيادة قابلية إصابة النساء بسرطان الثدي وبصور مختلفة من أمراض القلب.

الهرمونات في وضع التشغيل

كيف تتم قراءة الرسالة الهرمونية؟ يعتمد هذا على طبيعة هذه الرسالة؛ فبعض الهرمونات يمكن إمرارها مباشرة عبر جُدُر الخلايا، حيث ترتبط بأحد البروتينات المستقبلة؛ وهذا يحفز البروتين المستقبل على نسخ جين معين يحث على صنع البروتين الذي تحتاجه الخلية. هذه الآلية الجينية المباشرة للنشاط الهرموني تصلح للهرمونات التي تكون جزيئاتها صغيرة وغير قابلة للذوبان في الماء؛ ومن ثم يمكن أن تخترق الغشاء الخلوي الدهني.

ولكن الكثير من الهرمونات، لا سيما التي تتكون من جزيئات ببتيدية وبروتينية، تكتفي فقط بدق أبواب الخلية؛ إذ يتلقاها وسطاء عند سطح الخلية، وهي البروتينات المستقبِلة التي تكون مهمتها توصيل الرسالة إلى البروتينات الأخرى داخل الخلية.

شأن أغلب أنشطة الاتصال الجزيئية الأخرى، يعد نقل رسالةٍ ما من الهرمون إلى البروتين المستقبل أمرًا حميمًا، فلا تبدي الجزيئات أي مظاهر تثبيط، بل تتحدث بعضها إلى بعض من خلال «معانقات» لصيقة. ولأن الجزيئات تفتقر إلى أي وسائل تعارف أخرى؛ فإن بعضها يتعرف إلى البعض الآخر عن طريق «التلامس»، من خلال عمليات الارتباط التي يقابل فيها المستقبِل هدفًا ما ويمسك به (الركيزة)، يكون له الشكل الصحيح تمامًا، كما يدخل المفتاح في القفل المناسب له. لكل بروتينٍ مستقبِلٍ للهرمون على سطح الخلية موقعُ ارتباط «نُحِتَ» بحيث يناسب الهرمون تمامًا ويحتويه.

رغم تنوع الرسائل الكثيرة التي تنقُلها الهرمونات، فإن الآلية التي تمر بمقتضاها الإشارة من البروتين المستقبل عند سطح الخلية إلى ما بداخل الخلية هي آلية واحدة في جميع الحالات تقريبًا، وتتضمن تتابعًا من التفاعلات الجزيئية التي يحوِّل فيها بعض الجزيئات البعض الآخر على طول سلسلة ترحيلية. يسمَّى هذا في علم بيولوجيا الخلايا باسم «تحويل الإشارات». وفي نفس وقت حدوث ترحيل الرسالة، تعمل هذه التفاعلات على تضخيم الإشارة بحيث يتسبب «رُسُوُّ» جزيء هرموني واحد على مستقبِلٍ ما في إحداث استجابة كبيرة داخل الخلية.

الأمر يحدث على النحو التالي: تنتشر البروتينات المستقبِلة بعرض الغشاء الخلوي بكامله، ويَبرز موقع ارتباط الهرمون من السطح الخارجي، بينما تَبرز قاعدة المستقبِل من السطح الداخلي (شكل ٦-٢). وحين يرتبط المستقبِل بهرمونه المستهدف، ينتقل ما يحدث من تغيُّر في الشكل إلى الوجه السفلي من البروتين، وهو ما يمكنه من أن يعمل كإنزيم.

إن العملية التي يحفِّزها الإنزيم هي عملية «تفعيل» لِمَا يسمى البروتين «جي»، الملتصق بالسطح الداخلي للغشاء الخلوي. والبروتين جي هو اختصار للفظ «بروتين ربط نيوكليوتيد الجوانين»، ويرتبط هذا البروتين بجزيء من ثنائي فوسفات الجوانوسين. وحين يتفاعل مستقبل مشحون بالهرمون مع بروتين جي المحمَّل بثنائي فوسفات الجوانوسين (جي دي بي)، فإن البروتين جي يبدأ أولًا في التخلص من ثنائي فوسفات الجوانوسين ليحل محله ثلاثي فوسفات الجوانوسين (وهو مناظر لثلاثي فوسفات الأدينوسين الغني بالطاقة)، ثم يتفكك إلى نصفين. يصير النصف الذي يربط ثلاثي فوسفات الجوانوسين (جي تي بي) إنزيمًا، وينتقل لكي ينشِّط إنزيمًا آخر عند السطح السفلي للجدار الخلوي، وكثيرًا ما يكون هذا الإنزيم الآخر هو سيكلاز الأدينيلات، وهو بروتين يحول ثلاثي فوسفات الأدينوسين إلى أحادي فوسفات أدينوسين حلقي (سي إيه إم بي).

fig34
شكل ٦-٢: طريقة عمل بروتينات جي.

ويلتصق المشاركون في جميع هذه العمليات بالجدار الخلوي، ولكن أحادي فوسفات الأدينوسين الحلقي يطفو بحُرية في سيتوبلازم الخلية، ويكون قادرًا على حمل الإشارة إلى ما بداخل الخلية. وهو يسمى «المرسال الثاني»؛ إذ إنه العامل الذي يُرحِّل إشارة «المرسال الأول» (أي الهرمون) إلى مجتمع الخلية. ويصبح أحادي فوسفات الأدينوسين الحلقي ملتصقًا بجزيئات بروتينية تسمى «كينازات البروتين»، التي بدورها يتم تنشيطها كإنزيمات. وأغلب إنزيمات كينازات البروتين تشغِّل وتطفئ الإنزيمات الأخرى عن طريق إلصاق مجموعات فوسفاتية بها، وهو تفاعُل يسمى «الفسفتة». تُحدث كينازات البروتين شلالًا من التفاعلات؛ إذ يمكن أن يؤثر كل كيناز منشِّط على العديد من الجزيئات الإنزيمية، يمكن أن يؤدي كلٌّ منها مهمته بدوره مرات كثيرة. وبهذه الطريقة فإن رُسُوَّ هرمون واحد على مستقبِله يمكن أن يؤثر على جزيئات كثيرة داخل الخلية؛ أي إن الإشارة يتم تضخيمها.

قد تبدو هذه العملية معقدة بعض الشيء، ولكنها في حقيقتها ليست أكثر من عملية ترحيل جزيئية؛ إذ يتم إمرار الإشارة من الهرمون إلى مستقبله ثم إلى البروتين جي، ومنه إلى أحد الإنزيمات؛ ومن ثم إلى المرسال الثاني، ثم إلى كيناز بروتين، وهلم جرًّا.

اكتُشفت آلية البروتين جي لتحويل الإشارات في سبعينيات القرن العشرين على يد ألفريد جيلمان ومارتن رودبل، ونالا بسبب ذلك جائزة نوبل في الطب عام ١٩٩٤. وهي تمثل واحدة من أكثر الوسائل انتشارًا لنقل رسالة عبر غشاء خلوي. بعض الهرمونات تضعف العمليات الخلوية بدلًا من أن تُنبِّهَها، وفي تلك الحالات قد يكون لبروتينات جي المنشَّطة تأثير مثبط لإنزيماتها المستهدفة بدلًا من أن تنشطها. وفي حالات أخرى قد يكون المرسال الثاني جزيئًا صغيرًا غير جزيء أحادي فوسفات الأدينوسين الحلقي؛ إذ تحفز بروتينات جي مُنشَّطة معينة انطلاق أيونات الكالسيوم من بروتين رابط للكالسيوم يسمى كالموديولين، على سبيل المثال.

ليست عمليات إرسال الإشارات الهرمونية هي وحدها التي تستخدم آلية البروتين جي، بل إن حاستَي البصر والشم، اللتين تشملان أيضًا إرسالًا للإشارات، تَستخدمان نفس عملية التحويل. إن سقف التجويف الأنفي مبطن بأعضاء للإحساس بالشم تسمى الشعيرات الأنفية، تلتصق بنهايات الخلايا العصبية التي تحمل الإشارات إلى البصلة الشمية، والتي هي «مركز الشم» في المخ. تمتلئ جُدُر خلايا الشعيرات الأنفية ببروتينات مستقبلة مصممة للارتباط بجزيئات معينة ذوات رائحة تدخل الأنف.

هناك مئات الأنواع المختلفة من مستقبِلات الرائحة، وكلٌّ منها له موقع ارتباط شُكِّل ليستوعب مادة شائعة معينة ذات رائحة. ويمكننا مع ذلك أن نميز بين نطاق من الروائح أوسع من هذا؛ لأن كل رائحة تكون بشكل مميز نتاجًا لتوليفة معقدة من جزيئات مختلفة ذوات رائحة. وتصنع البصلة الشمية «صورة» للرائحة الآتية من خليط من النبضات التي تتلقاها من مستقبلات مختلفة، ويشبه هذا بدرجة كبيرة تعرفنا على وجه شخصٍ ما من مجموع الأجزاء المختلفة المكونة لوجهه.

وعند وصول إشارات الشم، يرتبط أحادي فوسفات الأدينوسين الحلقي الذي تنتجه بروتينات جي ببروتين غشائي يسمى «قناة الصوديوم»؛ حيث تنفتح القناة وتدع أيونات الصوديوم تتدفق إلى داخل الخلية. يُحدث هذا نبضة عصبية، وهذه تمر إلى البصلة الشمية، ونفس العملية الأساسية تولد إشارات بصرية في العصب البصري حين ينبهه الضوء.

يُعزى إحساسنا بالذوق بدرجة كبيرة إلى جهازنا الشمي، وتستطيع براعم الذوق في ألسنتنا تمييز عدد محدود فقط من أنواع إشارات الذوق البسيطة نسبيًّا؛ وهي: الحلاوة والمرارة والملوحة والحموضة. وإن ما نشعر به من لذة إذا أكلنا جبنًا ناضجًا أو خبزًا طازجًا يأتي أغلبه من جزيئات الرائحة والنكهة التي تطلقها.

كل ذلك في عقلك

يمكن أن تنشِّط الهرمونات شبكات معقدة من الأفعال الكيميائية الحيوية، ولكن الرسائل التي تحملها تعد بسيطة بالفعل، وتتعلق بمطالب النمو وضرورات البقاء. وإنه لأمر مختلف تمامًا أن يُنتج التواصل بين الجزيئات أعمالًا بشرية رائعة مثل كاتدرائية سيستين أو أوبريت الناي السحري أو اكتشاف نظرية النسبية، إلا أن العقل البشري، على أي حال، مصنوع من جزيئات.

في الوقت نفسه، لا يزال العقل يثير الحيرة، ويعتبر واحدًا من الألغاز العظيمة الباقية في مجال العلوم. يذهب بعض العلماء إلى أن العقل لن يكون قادرًا أبدًا على فهم نفسه بالكامل، وأن الطبيعة المرجعية الذاتية لهذه المشكلة سوف تخلق دائمًا نقاطًا عمياء، بينما يعتقد آخرون أن هناك تفسيرًا علميًّا للوعي يلوح في الأفق. وفي أيٍّ من الحالتين، من المرجح أن أسرار المخ تكمن فيما وراء عالم الجزيئات بكثير، مدفونة في تساؤلات عن سلوك شبكات معلومات معقدة وشديدة الترابط. وهنا نرى مواطن قصور النظرة الاختزالية؛ إذ إن العمليات الجزيئية الخاصة بالتفكير صارت الآن مرسومة بالتفصيل جيدًا، إلا أن تبعاتها المجمعة لم يتم تبيُّنها إلا بالكاد.

يحتوي المخ على ما يتراوح بين مليار ومائة مليار من الخلايا العصبية أو «العصبونات». ولا أذكر هذا العدد كدلالة على الكثرة، فهناك أعضاء كثيرة بالجسم أكثر ازدحامًا بالخلايا نسبيًّا، ولكن الصفة المميزة للمخ هي تعقيد شبكة الاتصال بين الخلايا العصبية تلك؛ فكل عصبون له حوالي ألف رابطة؛ ومن ثم قد يصل عدد الروابط البينية في المخ إلى مائة تريليون؛ وهو حوالي نفس عدد النجوم في ألف مجرة مثل مجرتنا «درب التبانة». وفي شبكة نقل كهذه يمكن أن يضل المرء طريقه في لحظة. لا تُقارب دوائرُ الكمبيوتر المخَّ من حيث درجة التواصل ولو من بعيد، ولا عجب إذن أن نجد الكمبيوترات بكل سرعتها العملية المشهودة، تخفق بشكل مؤسف في إنجاز بعض المهام التي يستطيع طفل أداءها في ثانية واحدة.

ترسل العصبونات إشارات عصبية — هي في حقيقتها نبضات كهربائية — فيما بينها على طول قنوات أنيبيبية تسمى المحاور العصبية. وينتهي كل محور عصبي بسلسلة من الفروع التي تدفع أطرافها أغشية عصبونات أخرى. وعند هذه الوصلات — التي تسمى التشابكات العصبية — تُنقل الإشارة العصبية من عصبون إلى آخر. كما أن العصبونات نفسها يَخرج منها الكثير من الفروع الأقصر طولًا، التي تشبه تفرعات الشجيرات؛ ومن ثم تسمى «الزوائد الشجرية»، وهي تجمع المعلومات من محاور خلايا عصبية أخرى، وعلى هذا تُعتبر تلك المحاور العصبية سبل المواصلات المخية؛ إذ تمتد من مدينة عصبونية إلى التي تليها، وتنتهي في طرق تتجمع فيها التشابكات حتى تصل إلى منظومة طرق المدينة من الزوائد الشجرية.

ورغم أن إشارات المحاور العصبية إشارات كهربائية في طبيعتها، فإنها تختلف عن تلك التي تسري في الأسلاك المعدنية والدوائر الإلكترونية؛ فالمحور العصبي هو أساسًا غشاءٌ خلويٌّ أنيبيبيٌّ تخترقه على طول مساره قنوات دقيقة تمرُّ من خلالها أيونات الصوديوم والبوتاسيوم دخولًا وخروجًا. بعض تلك القنوات الأيونية تكون مفتوحة باستمرار، والبعض الآخر يكون محروسًا ببوابات (أو صمامات) تُفتح أو تُغلق استجابة للإشارات الكهربائية الواردة إليها، وبعضها لا يُعتبر قنوات حقيقية، بل هي مضخات، تنقل أيونات الصوديوم بفعالية إلى مخارج الخلية وأيونات البوتاسيوم إلى داخلها. ومضخات الصوديوم والبوتاسيوم هذه يمكنها أن تحرِّك الأيونات في الاتجاه «التصاعدي»؛ أيْ من مناطق من التركيز المنخفض إلى مناطق من التركيز المرتفع؛ وذلك لأنها مشحونة بثلاثي فوسفات الأدينوسين.

المحور العصبي في حالته «الساكنة» يتَّسم بعدم توازن بين أيونات الصوديوم والبوتاسيوم داخله وخارجه؛ مما يسبب فرقًا في الشحنات أو الفولطية (فرق في الجهد الكهربي)، عبر غشائه، فيكون للسائل الذي في داخله شحنة سالبة صغيرة (وتسمى «جهد السكون») مقارنة بالتي في خارجه. وحين تُرسَل إشارة على طول المحور، تنفتح بعض قنوات الصوديوم ذوات البوابات؛ مما يغير توزيع الأيونات ويقلب حالة عدم التوازن، إذ يصير ما بداخل المحور مشحونًا بشحنة موجبة مقارنة بما هو خارجه. وهذه المنطقة من الفولطية المعكوسة تعمل على فتح قنوات الصوديوم الواحدة تلو الأخرى بحيث تتحرك هذه الحالة على طول المحور العصبي، وفي الوقت نفسه تنغلق القنوات التي في الوراء الواحدة تلو الأخرى، ويُستعاد جهد السكون. وبهذه الطريقة تنتقل نبضة الفولطية أو ما يسمى «جهد الفعل» على طول المحور (شكل ٦-٣).
fig35
شكل ٦-٣: تُرسَل النبضات الكهربائية على طول المحور عن طريق فتح القنوات الأيونية وغلقها.

وعند التشابك العصبي، تنتقل هذه النبضة العصبية من المحور إلى عصبون آخر. بصفة عامة، تتحول الإشارة أولًا من صورة كهربائية إلى صورة كيميائية؛ إذ يوجد مرسال جزيئي صغير يسمى «الناقل العصبي» ينقل الإشارة عبر ذلك الفراغ (المسمى «الحيز التشابكي») الواقع بين الغشاء النهائي للمحور العصبي وغشاء عصبون آخر. يُختزَن ذلك الناقل العصبي داخل غشاء يشبه الفقاعة مندمجٍ مع الجدار الخلوي المحوري ويطلق الرسالة الجزيئية إلى الحيز التشابكي، وينتقل إلى السطح الخارجي للغشاء العصبوني الآخر؛ حيث يصير مرتبطًا بالبروتينات المستقبِلة.

هناك تنوع واسع من الجزيئات التي تعمل كنواقل عصبية؛ فبعضها أحماض أمينية بسيطة، مثل الجلايسين والجلوتامات؛ أو جزيئات مشتقة منها، مثل السيروتونين والدوبامين. ويُعد جزيء الأسيتيل كولين ناقلًا عصبيًّا يحمل رسائل بين الجهاز العصبي المركزي والخلايا العضلية عند الوصلات العصبية العضلية (انظر الفصل الخامس)، وحين يرتبط الأسيتيل كولين بمستقبِله عند خلية عضلية، فإن المستقبل يتحول إلى قناة صوديوم مفتوحة، فتندفع أيونات الصوديوم إلى داخل الخلية؛ مما يغير الفولطية عبر الغشاء الخلوي ويفتح قناة كالسيوم ذات فولطية محكومة. وهذا يسبب ارتفاعًا في تركيز أيون الكالسيوم داخل الخلية؛ الأمر الذي يحفز الانقباض العضلي.

يعد الأسيتيل كولين مثلًا واضحًا على الوظيفة العامة للناقل العصبي؛ الذي يفتح قناة أيونية أو يغلقها؛ ومن ثم يغير الفولطية عبر الغشاء الذي يستقر فيه المستقبل، وهذا يحوِّل الرسالة الكيميائية لتعود إلى حالتها الكهربائية. ويؤدي الأسيتيل كولين مهمته مباشرة؛ إذ إن مستقبِله هو في حد ذاته قناة أيونية، ولكن بعض مسارات النواقل العصبية الأخرى تمارِس وظيفتها بطريقة مختلفة بعض الشيء؛ إذ تستخدم مرسالًا ثانيًا لنقل الرسالة من الناقل العصبي إلى قناة أيونية، مع وساطة كذلك من بروتينات جي.

هل يثير الدهشةَ أن تظهر آلية تحويل إشارة البروتين جي في كثير جدًّا من المواقع المختلفة؟ ليس حقيقة، فمع تطور الكائنات المتعددة الخلايا وزيادة درجة تعقيدها، ظهرت خلايا لها وظائف أكثر تخصصًا ورُقيًّا من أسلاف مشتركة لها وظائف أكثر عمومية. احتفظت الكائنات بما لديها من آليات مجرَّبة لأداء مهام معينة، وإن كانت مؤقلمة حسب الظروف الضرورية. ومن ثم فإننا، في نهاية الأمر، نتشارك كبشر في بعض الجينات مع الخميرة والبكتيريا. ويعتبر مسار البروتين جي وسيلة فعالة لإمرار رسالة كيميائية من خارج غشاء حيوي إلى داخله، وتضخيمها من خلال هذه العملية؛ وبذا يكون شعار الخلية: إذا كان هذا الأمر ناجحًا، فالْتمس وسيلة لاستخدامه!

السعادة والألم

تُعد عملية النقل العصبي هدفًا كيميائيًّا شائعًا للعقاقير؛ ومنها ما هو نافع، أو ضار، أو مثير للبهجة، أو الأمور الثلاثة كلها، حسب الجرعة المستخدمة. والجهاز العصبي من أكثر أجزاء الجسم حساسية للأذى، فإذا أعيقت النبضات العصبية فيه فلن تستطيع الحركة. وهناك الكثير من الحيوانات التي تفرز سمومًا تسبب الشلل لفرائسها عن طريق الإضرار بمضخات الصوديوم والبوتاسيوم التي ذكرناها أو القنوات الأيونية ذوات البوابات الفولطية التي في المحاور العصبية؛ مما يعوق سريان جهد الفعل.

يتأثر النشاط العضلي أيضًا بجزيئات العقاقير التي تشبه الأسيتيل كولين؛ ومن ثم تتنافس معه في الارتباط بالبروتينات المستقبِلة عند الوصلات العصبية العضلية. والنيكوتين — المكوِّن الفعال للتبغ — هو واحد منها؛ فهو يرتبط بنوع معين من مستقبِلات الأسيتيل كولين في العضلات ويسبب الأحاسيس التنبيهية المصاحبة، مثل زيادة معدل دقات القلب واتساع حدقتَي العينين. ولكن ليس مفهومًا تمامًا السبب في شعور المدخن بالتلذذ بالتدخين. الكورار سم قاتل يوجد في لحاء أحد النباتات الاستوائية بأمريكا الجنوبية، وكان السكان المحليون من الهنود الحمر يستخرجونه ويسمِّمون به أطراف سهامهم. يرتبط الكورار بنفس النوع من مستقبِلات الأسيتيل كولين مثل النيكوتين، ولكنه لا ينشطها، بل يَحدُث العكس؛ إذ يمنع النشاط العضلي ويُحدِث الشلل في العضلات. وإذا سُمِّم حيوان بالكورار فإنه يموت بالاختناق نتيجة لشلل العضلات التنفسية؛ مما يسبب عدم القدرة على ملء الرئتين بالهواء. يعمل الشوْكَران السام، الذي كان يُستخدم في القرون الوسطى، بنفس الكيفية أيضًا.

وبينما يعمل بعض النواقل العصبية على تنبيه العصبونات يكون دور البعض الآخر هو تهدئتها، والحد من جهد الفعل. يوصف هذا الدور بأنه تثبيطي، ويشمل استخدام الجلايسين وجزيء مهم آخر هو حمض جاما أمينو بيوتريك. تُعد أفكارنا تفاعلًا معقدًا من التنبيه والتثبيط؛ إذ تقيِّم العصبونات الإشارات المختلفة التي تتلقاها من جيرانها، وتقرر إن كان يجب عليها، وهي في حالة اتزانها، أن تعمل بشكل جماعي أم لا. وهناك عقاقير تسمى عقاقير الهلوسة مثل إل إس دي (ثنائي إيثيل أميد حمض الليسرجيك) والمسكالين، تهيج المخ بشكل زائد عن طريق تعزيز التأثيرات التنبيهية للسيروتونين. ويعمل سم الإستريكنين على إعاقة الإشارات المثبطة؛ مما يؤدي إلى تشنجات عضلية، لا تخضع للتحكم، وموت بغيض. وتساعد العقاقير المهبطة على ربط النواقل العصبية المثبطة أو تعمل (كما في حالة الكحول) على إعاقة مفعول النواقل العصبية المنبهة.

يميز العقاقير المسكِّنة للألم أنها تتكفل بالمستقبلات التثبيطية؛ فالمورفين — وهو المكون الفعال الأساسي في الأفيون — يرتبط بما تسمى المستقبلات شبه الأفيونية في الحبل الشوكي، وهو ما يثبِّط انتقال إشارات الألم إلى المخ. كما توجد أيضًا مستقبلات شبه أفيونية في المخ ذاته؛ ولهذا يكون للمورفين وغيره من العقاقير الأفيونية ذوات الصلة تأثير عقلي فضلًا عن التأثير الجسدي. هذه المستقبلات الواقعة في المخ هي مواقع ربط للجزيئات الببتيدية، وتسمى الإندورفينات (أي المورفينات الداخلية)، التي ينتجها المخ كرد فعل للألم، وبعضها في حد ذاته يعتبر من مسكنات الألم الشديدة القوة.

أيضًا ترتبط القنبينويدات — وهي المكونات الفعالة للقنب — بمستقبلات عصبية تثبيطية في المخ لتحدث تسكين الألم. والهدف الطبيعي لهذه المستقبلات هو جزيء يسمى أنانداميد وهو مثل الإندورفين، ينتج كرد فعل لإشارات الألم. كما يوجد جزيء آخر وثيق الصلة به يسمى أولياميد، يبدو أنه المادة الكيميائية الحيوية التي تحث على النوم الطبيعي.

ليست كل العقاقير المخففة للألم (المسكنات) تعمل عن طريق إعاقة إشارة الألم؛ فبعضها يمنع الإشارة من أن تُرسَل أصلًا. تبدأ إشارات الألم من ببتيدات تسمى البروستاجلاندينات، وهذه يتم صنعها ثم إطلاقها من الخلايا الواقعة تحت ضغط. يلتصق الأسبرين (حمض أسيتيل ساليسيليك) بأحد الإنزيمات المسئولة عن تصنيع البروستاجلاندين ويثبطه؛ مما يقطع صرخة الألم عند منبعها. ومما يؤسف له أن مركَّبات البروستاجلاندين هذه مسئولة أيضًا عن إنتاج المخاط الذي يحمي بطانة المعدة (انظر الفصل الرابع)؛ ولهذا نجد من الآثار الجانبية للأسبرين احتمال الإصابة بقروح المعدة.

من الاكتشافات الحديثة المثيرة للدهشة في علم الأعصاب أن الجزيئات غير العضوية الشديدة الصغر يمكن أيضًا أن تعمل كنواقل عصبية؛ فأول أكسيد الكربون وأكسيد النيتريك — وكلاهما من الجزيئات ثنائية الذرات — يمارسان هذه الوظيفة، وكلاهما يكونان سامَّين بجرعات كبيرة؛ لأنهما يتنافسان مع الأكسجين في الارتباط بهيموجلوبين الدم. إلا أن السمِّية تتوقف على الجرعة، فإذا أُخذ أكسيد النيتريك بكميات صغيرة، فإنه يفعل أشياء مهمة؛ إذ يحث على توسيع الأوعية الدموية؛ مما يمكن أن يخفف التوتر عن القلب ويفرج النوبة القلبية؛ ولهذا يُعطَى النيتروجلسرين، الذي يتحلل وينطلق منه أكسيد النيتريك، لعلاج المشكلات القلبية. وهذا التحسن في الدورة الدموية الذي يبدؤه أكسيد النيتريك، يشكِّل الأساس لعقَّار الفياجرا، الذي يستخدم لعلاج ضعْف الانتصاب عند الرجال.

الكيمياء فوق الجزيئية

في العقود الأخيرة، أصبح العلماء مهتمين في طرقهم التخليقية بمحاكاة بعض عمليات التواصل الجزيئية في الخلية، وهناك الكثير من الدوافع لهذا الأمر. كثيرًا ما يتم استحداث العقاقير وتطويرها كعملية علمية تنكرية بارعة؛ بحيث يمُر الجزيء المخلَّق كجزيء طبيعي ويرتبط تفضيليًّا بأحد المستقبلات؛ مما يؤدي إلى بدء إشارة كيميائية حيوية أو إعاقتها. وقد أوحت عملية تحويل الإشارات في خلايا شبكية العين وفي الجهاز الشمِّي إلى العلماء بفكرة أجهزة الاستشعار الجزيئية التي يمكنها أن تحس بالضوء أو بالجزيئات الأخرى بدرجة حساسية عالية. ويتطلع مهندسو الجزيئات إلى الجهاز الشمِّي كي يستلهموا منه تصميم أنوف اصطناعية يمكنها التعرف على أخلاط معقدة من المكونات الجزيئية.

من المبادئ الحاضرة بشكل واضح حولنا في الطبيعة مبدأ «القفل والمفتاح»؛ إذ إن الجزيئات لا يتصل بعضها ببعض إلا حين تتوافق توافقًا تامًّا.١ ولكي يتحول هذا الحدث «التعارفي» إلى عملية تواصل، يجب أن يُحدِث الحدث الرابط بعض التغيير في المستقبِل الذي يسمح له بأن يُرحِّل الإشارة مع اتجاه التيار. في علم الأحياء، كثيرًا ما تكون عملية الترحيل هذه مُحفَّزة بإنزيم؛ إذ تحوِّل عملية الربط المستقبَل إلى إنزيمٍ فعال. ولكن قد يتم إمرار الإشارة أيضًا بطرق أخرى مثل إطلاق الضوء، أو تحرير إلكترون، أو (كما في حالة مستقبل الأسيتيل كولين) بإحداث جهد كهروكيميائي.

يعد بناء عمليات التحول الاصطناعي للإشارات على المستوى الجزيئي هدفًا شائعًا في الكيمياء فوق الجزيئية. منذ بداية هذا الفرع العلمي وهو يتلقى الإلهام من علم الأحياء؛ ففي ستينيات القرن العشرين، عمل الكيميائي الفرنسي جان ماري لين على تقصِّي ما سُمِّيت جزيئات الإيثير التاجية، التي يمكنها أن تتعرف على أيونات فلزية معينة وأن ترتبط بها. كان لين مهتمًّا بنقل أيونات مثل الصوديوم والبوتاسيوم عبر الأغشية الدهنية، ورغم أن هذا يمكن إنجازه من خلال قنوات ومضخات بروتينية، فإن هناك استراتيجية أخرى بابتلاع الأيون ضمن جزيء يمكن أن «يذوب» في الطبقة الداخلية الدهنية من جدار الغشاء. هذه الجزيئات موجودة في الطبيعة وتسمى «حاملات الأيونات»، ومن أمثلتها النمطية الفالينومايسين؛ وهو ببتيد حَلْقيُّ الشكل له ثقب مركزي يمكن إدخال أيون بوتاسيوم فيه بحيث يتلاءم معه. والإيثيرات التاجية هي محاكيات تخليقية للفالينومايسين، وهي أيضًا حلقية الشكل، ويمكنها أن تربط أيونًا فلزيًّا في تجويفها المركزي، ويكون هذا الأيون مثبتًا بشكل مستقر تقريبًا اعتمادًا على الأحجام النسبية لكلٍّ من الأيون والفتحة الجزيئية التي هو فيها، فإذا كانت الفتحة أكبر من اللازم، فإن الفلز «يتقلقل» فيها ويكون سائبًا، وإذا كانت الفتحة أصغر من اللازم فلن تكون مناسبة؛ ومن ثم يمكن توفيق الإيثيرات التاجية وتهيئتها لتناسب أيونات فلزية معينة، أو لتُظهر تعارفًا جزيئيًّا بتعبير آخر.

ومع حلول سبعينيات القرن العشرين تَمكَّن لين وآخرون من صنع جزيئات مستقبلة تخليقية بجميع الأشكال والأحجام، لها تجاويف صُمِّمت لتستوعب مدًى واسعًا من الجزيئات العضوية وغير العضوية المستهدفة. هذه الجزيئات «المستضافة» تُثبَّت في أماكنها عن طريق تفاعلاتها مع مضيفيها الذين يُعتبرون ضعافًا مقارنة بالروابط التساهمية التي تضم الذرات معًا في الجزيئات أنفسها، وبهذه الطريقة يمكن أن تُلتقَط الجزيئات المستضافة وأن تُطلَق مجددًا. هذه هي الطريقة التي يعمل بها الفالينومايسين كناقل للأيونات الفلزية؛ فهو يقبض على الأيونات عند أحد جانبَي الغشاء ويطلق سراحها مجددًا من الناحية الأخرى. وتختص الكيمياء فوق الجزيئية أساسًا بضم الجزيئات معًا لتشكيل تجمعات سائبة يمكن تفكيكها مجددًا إلى مكوناتها المنفصلة.

حين تأخذ الإيثيرات التاجية أيونًا فلزيًّا، فإنها تغير أشكالها. حين تكون بمفردها تكون في شكل حلقات مرنة سائبة بعض الشيء مثل الرباط المطاطي، لكن حين يدخل أيون فلزي في قلبها، فإنها تتحول عضويًّا إلى تراكيب صلبة نسبيًّا، تحتوي فيها الحلقة على زوايا متعرجة؛ أيْ إنها تكون تاجية الشكل (شكل ٦-٤). وتكون تغيرات الشكل من هذا النوع شائعة حين يربط المستقبِل جزيئه المستهدف.
fig36
شكل ٦-٤: الإيثير التاجي جزيء حلقي يقبض على أيون فلزي في تجويفه المركزي.

إذا كان الربط وحده هو الهدف، فلن يكون إجراء تغيير كبير في الشكل أمرًا مرغوبًا فيه بشدة؛ إذ إن إجراءات إعادة الترتيب الداخلية في المستقبِل ستشكل عبئًا ثقيلًا على عملية الربط الجزيئي، وقد تجعل تحقيقها متعذرًا؛ ولهذا السبب يُصمَّم الكثير من تلك المواد المضيفة فوق الجزيئية على أساس «تنظيمها عضويًّا مسبقًا» لتستقبل ضيوفها؛ مما يقلل التغير الشكلي الناتج عن عملية الربط.

لكن إذا كانت الفكرة هي استخدام الربط كمحفز يحث على ترحيل إشارةٍ ما، فهُنا يكون تغير الشكل مهمًّا. وقد وصف في عام ٢٠٠٠ أولريش كورن ومعاونوه بجامعة هومبولت في برلين بألمانيا حدوثَ تغيير مثير خاص في الشكل بتأثير الربط بين المضيف والضيف؛ إذ أنشَئوا جزيئًا مستقبلًا يمكن اعتباره سلسلة من «الوحدات المنفصلة»؛ فله ذراعان وساقان ووحدة «تحويل» تشبه جذعًا قابلًا للانثناء يصل ما بين الذراعين والساقين. وحين تمسك الذراعان بأيون من الزنك، فإن وحدة التحويل ترتجُّ وتجذب الساقين مباعدة بينهما (شكل ٦-٥)، ويكتسي طرفا الساقين بمجموعتين لهما إشعاع فلوريسي، وتغيِّران الطول الموجي لانبعاثهما — من الأخضر إلى ما فوق البنفسجي — حين تزداد المسافة بين الساقين. وقد أوضح الباحثون كيف أن هذا المستقبل الجزيئي يُظهر بعضًا من خصائص المستقبِل البروتيني المشتغل بتحويل الإشارات؛ إذ يستجيب لربط الهدف عند أحد الطرفين بأن يغير شكله؛ ومن ثمَّ يبدل سلوكه عند الطرف الآخر.
fig37
شكل ٦-٥: جزيء محوِّل اصطناعي يحول ربط أيون من الزنك إلى عملية إرسال للإشارات، وذلك بتغيير شكله وتبديل خواصه الإشعاعية.

ذلك التغير في الشكل الذي يبدل خصائص الجزيء المشع للضوء قد تمت هندسته في مستقبِلات تخليقية أخرى عديدة. بيد أن استخدام عمليتَي التعرف والربط لتحويل السلوك التحفيزي للجزيء — كما في آلية إرسال الإشارات التي تخص البروتين جي — هو أمر أكثر صعوبة إلى حد ما؛ لأن هذا يعني ضمان أن يكون الشكل النهائي هو المطلوب تمامًا حتى يؤدي المحفز عمله. والأصعب من هذا مهمةُ تنظيم جزيئات عدة في عملية ترحيل كي تحمل رسالة مع اتجاه التيار. ومع ذلك، فإن مهارة علماء الكيمياء فوق الجزيئية تتزايد يومًا بعد يوم، ولن يثير دهشتنا أن نرى بعد فترة قصيرة اختراعات اصطناعية لأنظمة تَواصُل جزيئي تُحاوِل مضاهاة تعقيد الأنظمة التي يستخدمها الجسم في تسيير عالمه بشكل متناغم.

هوامش

(١) كان أول من استخدم هذا التعبيرَ المجازيَّ الكيميائيُّ الألمانيُّ إميل فيشر في عام ١٨٩٤ ليشرح مدى انتقائية الإنزيمات فيما يتعلق بعمليات التحول التي تحفزها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢