ابتسامة ذئبة!

عندما أُذيعَت نشرةُ الأخبار التالية، كان خبرُ مصرعِ «كريم الجبروني» وعددٍ من أصدقائه من رجال الأعمال العرب يتصدَّر الأنباء …

وأفاد التحقيقُ الأوليُّ بأنَّ الفاعل مجهول … وأنَّ عمَّالَ محلِّ الحلوى مع سائقةِ السيارة قد اختفَوا ولم يعثر لهم أحدٌ على أثر … وأنَّهم كانوا قد التحقوا بالعمل في المحل قبل ساعة واحدة فقط … من انفجار القنبلة!

•••

بعد أيام قليلة كان يجري مشهدٌ آخر على شاطئ المحيط الأطلنطي … فقد رسَت باخرةٌ كبيرة تشعُّ منها أضواء متألقة على مسافة قريبة من تمثال الحرية الأمريكي في مدخل ميناء مدينة «نيويورك» … وقد وضحَت عبارة فوق جسم الباخرة تقول باللغة العربية: «الفهد العربي» …

وفوق سطح الباخرة كان يمكن أن يُلاحَظَ بوضوح عددٌ من الحرس الخاص والمدجَّجين بالمدافع الرشاشة وقد راحَت عيونُهم تجوب المياه القريبة في حذر وأيديهم فوق أسلحتهم.

وبداخل الباخرة الضخمة كان ثمة نقاشٌ حادٌّ اختلطَت فيه اللهجات المختلفة للغة العربية من المحيط إلى الخليج.

قال أحد الجالسين محتدًّا: إننا لن نستسلم لهؤلاء الأوغاد … فمن الواضح أنَّ اغتيال «كريم الجبروني» لم يكن مصادفةً أبدًا، وصار كلٌّ منَّا معرَّضًا للخطر أيضًا.

قال آخر: إنَّه مجرد احتمال، وقد احتَطنا لكلِّ الاحتمالات؛ ولهذا استعنَّا بعدد من الحراس الأشداء الذين نَثِق في ولائهم.

انبرَى ثالثٌ من طرف مائدة الاجتماع يقول: لا تدَعوا ما حدث يصرفنا عمَّا اجتمعنا بسببه؛ فإنشاء هذا الاتحاد العربي لرجال الأعمال هنا في قلب «نيويورك» هو أمرٌ هامٌّ وضروري كما فعل كثيرٌ من رجال الأعمال من جنسيات مختلفة … فهذا الاتحاد سيدعم مركزَنا الاقتصادي وسيجعلنا قوة لا يُستهان بها أمام الآخرين.

أضاف رابع: هذا صحيح؛ فإذا ما اتحدَت رءوسُ أموالنا وأهدافنا فلن يكون هناك أيُّ منافس يستطيع هزيمتنا.

فتساءل خامس: وما هي اقتراحاتكم؟

وفي هدوء راحَت الاقتراحاتُ تُتلَى وتُسجَّل …

لكن تعالَت من الخارج صفارةُ أحدِ زوارق الشرطة النهرية … واقترب الزورق حتى حاذى الباخرة الكبيرة، وتساءل أحدُ ضباط الشرطة في شكٍّ لبعض الحراس: ماذا تفعلون هنا؟ … إن هذا المكان من الشاطئ ممنوعٌ فيه الانتظار أو حمل السلاح.

فأبرز له قائدُ الحراس ورقةً قائلًا في غضب: إن لدينا تصريحًا بذلك.

التقط ضابط الشرطة التصريحَ وقرأه في تمعُّنٍ، وألقى نظرةً متفحصة على وجوه الحراس ثم هزَّ رأسه في صمت، وقال بعد لحظة: إذا ما انتهى الاجتماع فأرجو أن تغادرَ باخرتُكم هذا المكانَ من الشاطئ …

أومأ قائد حرس الباخرة العربية رأسَه موافقًا … وأشار الضابط لبقية رجاله فابتعد زورق الشرطة النهرية، ومن مؤخرة الزورق برزَ رأسٌ مبلَّلٌ بالماء قد تشبَّثَ به، كان الرأس لشقراء فاتنة ذات عينَين زرقاوَين وشعرٍ ذهبيٍّ قصيرٍ.

وقفزَت الشقراء إلى داخل الزورق وهي تنفض الماء عن نفسها، فهرع إليها ضابطُ الشرطة يسألها في لهفة: هل فعلتِها؟

فأجابَته باسمةً: لم يكن أمامي غير دقيقة واحدة فقط لتثبيت القنبلة في قاع تلك الباخرة أثناء انشغال حراسها بالحديث معكم … ولقد فعلتُها.

ما كادت الشقراء تُتمُّ عبارتَها حتى دوَّى انفجارٌ شديدٌ وتحوَّلَت الباخرة «الفهد العربي» إلى شظايا من لهب، أحالَت ظلام المكان إلى جحيم مشتعل …

•••

عندما أُذيعَت نشرة الأخبار التالية … كان نبأُ انفجار الباخرة يتصدَّر بقيةَ الأنباء وأفادَت الشرطة الأمريكية بأنَّ الفاعل مجهولٌ أيضًا، وأنَّه يجري البحث عن الضباط المزيفين الذين تظاهروا بأنَّهم من رجال الشرطة النهرية وقاموا خلال ذلك بزرع قنبلة في قاع الباخرة … والتي أدَّى انفجارُها إلى قتل وإصابة العديد ممن كانوا بداخلها في تلك اللحظة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤