مدخل عام

الهدف الأول من هذه السلسلة، كان ولا يزال، أن نحاول تعديل الصورة السيئة عن المرأة التي استمرت في بلادنا سنواتٍ طويلة، والتي روَّج لها الرجل واقتنعت بها المرأة! ومن هنا جاءت أهمية إلقاء الأضواء الكاشفة على الوضع المُتردِّي للمرأة العربية عن طريق دراسة الخلفية النظرية لهذا الوضع، وهي خلفية أرست دعائمها في الفلسفة اليونانية ثم هبطت إلى تراثنا مع غيرها من الأفكار الكثيرة التي استقرَّت واتخذت لنفسها صبغة دينية — كما حدث في العالم الغربي.

والغاية من هذه السلسلة هو أن نُقدم أمام القارئ العربي مادة «نظرية» لمناقشة هذه الأوضاع التي تزداد سوءًا وتدهورًا يومًا بعد يوم. فعلى الرغم من أن المرأة العربية كانت قد حققت بعض الانتصارات في النصف الأول من هذا القرن عندما حطمت قيود الحريم واستردَّت شيئًا من كرامتها المفقودة، وإنسانيتها الضائعة، فإن هذه الانتصارات أُصيبَت للأسف الشديد، بنكسة قوية في النصف الثاني من هذا القرن، ثم تحوَّلت هذه النكسة إلى مأساة عندما أخذت ترتاب هي نفسها في جدوى التعليم، وزاد الأمر سوءًا أنها أخذت تتشكك في مشروعية حقوقها الإنسانية، من حيث هي مواطنة، وكأنما يُوسوس لها شيطان بأنها خُلِقَت لا لتكون حرةً أمام ربِّها وضميرها، بل لتكون تابعةً للرجل، تتحجَّب إذا شاء لها سيِّدها أن تتحجب، وتَسفر إذا أراد لها مولاها أن تسفر.١
لقد تحولت النساء في بلادنا إلى مَلَكَات، وقُدرات، وكفاءات مُعطَّلة ومُهدَرة مع أنها كان يمكن أن تعمل مع الرجل، جنبًا إلى جنب، في دفع المجتمع العربي إلى التقدُّم والازدهار، فتتضاعف بذلك الملَكات والقدرات في المجتمع،٢ وينهض من سُباته لعله يحاول اللحاق بالركب المُتقدم الذي أصبحت المسافة بيننا وبينه عظيمة، وغدت الهُوَّة واسعة … واسعة.
وإذا كنا ركَّزنا الانتباه على موضوع «الفيلسوف … والمرأة» فذلك لأن الفيلسوف كان على مدار التاريخ «المُقنِّن» وصاحب النظرية التي يُقدِّم لها الواقع الاجتماعي الذي يعيشه الرجل والمرأة مُلخَّصًا في الفكر، مِصداقًا لقول هيجل:٣ «إن كلًّا منَّا هو ابن عصره، وربيب زمانه، وإن الفلسفة هي عصرها ملخصًا في الفكر.»

والواقع أن العلاقة بين «الفيلسوف … والمرأة» كانت علاقةً سيئة ومضطربة على مدار التاريخ، ما دام يصور الواقع السيئ الذي عاشت فيه ويلخِّص المجتمع الذكوري وما فيه من نظرةٍ دونية للمرأة. ولقد أُرسيت دعائم هذه العلاقة السيئة كما ذكرنا، في العصر اليوناني، أعني مع البدايات الأُولى للفلسفة، وظلَّت مستمرة بعد ذلك حتى القرن التاسع عشر في التراث الغربي، وحتى يومِنا الراهن في التراث العربي.

وربما كانت المشكلة الأولى التي واجهت المرأة هي ما يُثار حول «الضعف» الظاهر، وهل هو جزء من طبيعتها، أعني أنها خُلقت على هذا النحو من الضعف البادي، أم أنه شيء فرضه عليها المجتمع؟ غير أن السؤال لم يكن يتعلق بضعف البنية فحسب، وإنما امتدَّ ليشمل القُوى العقلية، والإمكانات الذهنية، والمهارات … إلخ، إذا ما قورنت بقدرات الرجل ومَلكَاته؛ فهل ما تفرضه العادات والتقاليد على المرأة من قيود وأعباء ومسئوليات، وهي أضعاف ما يُفرض على الرجل — وذلك كله إلى جانب الحمل والولادة، وتربية الأطفال والعناية بالمنزل … إلخ — هل هذه الأعباء الأسرية والمسئوليات الاجتماعية هي السبب في ضعف المرأة، بحيث يجوز لنا أن نصفه بأنه ضعف اجتماعي، وليس ضعفًا طبيعيًّا، أم أنه ضعف طبيعي خَلقي، أعني أنه كُتب عليها أن تكون على هذا النحو من الضعف البدني والعقلي والنقص في الإمكانات والقدرات …؟

ظهرت هذه الأسئلة مع بداية الفلسفة في العصر اليوناني، وانقسم الفلاسفة إلى مجموعتين؛ الأولى انحازت إلى «الطبيعة» التي جعلت المرأة على هذا النحو من الضَّعف والنقص. أمَّا المجموعة الثانية من فلاسفة اليونان فقد رأت أن العادات، والعُرف، والتقاليد، والمؤسسات والأنظمة الاجتماعية هي التي شكلت المرأة في هذه الصورة التي جعلتها تبدو ضعيفة. وكان عمالقة الفِكر اليوناني: سقراط وأفلاطون وأرسطو، من أنصار المجموعة الأولى التي اكتسحت أفكارها التراث البشري وسيطرت عليه لألفَين من السنين. في حين كان السوفسطائيون من الفلاسفة الذين وضعوا أيديهم على حقيقة المشكلة، وهي أن العادات والتقاليد هي الأساس في تشكيل ضعف المرأة.

لقد كانت آراء سقراط وأفكاره بالغةَ السوء عن المرأة، وهي بذلك تُساير الشعور العام لكراهية المرأة الذي ساد المجتمع اليوناني، فكثيرًا ما تحدَّث عن زوجته أكزانثيب Xanthippe بشيء من الاحتقار؛ فقد كانت زوجته تنفر بشدة من وقوفِه مع تلاميذه في الشارع لساعاتٍ طويلة أمام باب منزله يتحاورون في موضوعات الأخلاق، في الوقت الذي تنتظر فيه الزوجة أن يقضي لها حاجياتها من السوق. وتفتح الزوجة النافذة لتجد سقراط ما زال عند باب المنزل، وتظلُّ تصرخ لعلَّه يذهب إلى السوق كما طلبت منه أو أن يبتعِد هو وتلاميذه قليلًا عن باب الدار. فإذا لم تجد استجابةً لصراخها أحضرت دلوًا كبيرًا مملوءًا بالماء وأفرغته من النافذة فوق رءوسهم. عندئذٍ يقول سقراط لتلاميذه، وهو ينفض قَطرات الماء عن ثوبه:

«لا بأس، الواقع أيها الأصدقاء أن زوجتي كالسماء ترعد أولًا ثم تُمطر بعد ذلك.» ورغم ذلك كله فقد كان يحثُّ تلاميذه على الزواج قائلًا:

«تزوَّجوا … فإما أن تكونوا سعداء في حياتكم الزوجية، أو أن تصبحوا فلاسفة — مثلي!»٤
ومن المواقف القليلة التي رواها المؤرخون نعرف أن سقراط كان يعامل «أكزانثيب» معاملةً سيئة؛ فهو يطردها هي وأطفالها من المحكمة عندما جاءت لتُشاركه المأساة. والموقف نفسه يرويه أفلاطون في محاورة «فيدون Phaedo» إذ تُطرَد بطريقةٍ لا إنسانية عندما حضرت إلى السجن وهي تبكي وتندب حظَّها العاثر. كما أنه كثيرًا ما يتحدَّث عن المرأة عمومًا على أنها مصدر النكَد وأنها شرٌّ لا بُدَّ منه، وهو يحمد الله على ثلاثة أمور: أنه خُلِقَ يونانيًّا وليس بربريًّا، حرًّا وليس عبدًا، رجلًا وليس امرأة! أما تلميذه «أفلاطون» الذي يبدو أحيانًا نصيرًا للمرأة، فقد كان في الواقع يُعبر في فلسفته عن الجو العام الذي ساد الثقافة اليونانية، والذي يُكنُّ كراهية شديدة للمرأة. ومن هنا فقد قام أفلاطون في جمهوريته بإلغاء الأسرة، ثم احتار، كما يقول «روسو» في أمر المرأة، ماذا يفعل بها: «عندما أصبحت في طبقة الحراس لا أسرة، ولا ملكية خاصة، احتار أفلاطون أين يضع المرأة، فأحالها إلى رجل وجعلها تدخل الجيش، وتتدرَّب وتقوم بالتمرينات الرياضية والعسكرية في شوارع المدينة، واشترط عليها ألَّا تخجل وهي تسير عارية تمامًا في الشارع أثناء هذه التدريبات! ثم عندما عاد أفلاطون إلى الأسرة والملكية الخاصة، في محاورة «القوانين» — في نهاية حياته — أعاد المرأة إلى الحريم مرةً أخرى، وإلى وضعها المُتدنِّي المعتاد في المجتمع الأثيني!»٥

أما أرسطو — المعلم الأول وأعظم فلاسفة اليونان — فقد وضع نظريةً فلسفية متكاملة تتألف عناصرها الأساسية من الأفكار الآتية:

  • (أ)
    أن هناك هيراركية٦ في الكون، أيْ مراتب تصاعدية للموجودات بحيث يكون بعضها أعلى من بعض.٧
  • (ب)

    لما كان المجتمع البشري جزءًا من هذا العالم، فهناك هيراركية بين الشعوب، أعني داخل الجنس البشري نفسه، فمِن الشعوب ما هو أعلى مثل الإغريق، ومنها ما هو أدنى مثل البرابرة — وهم غير اليونانيين والبرابرة:

    «عامِل اليونانيين بوصفك قائدًا لهم، وعامِل البرابرة بوصفك سيدًا عليهم، لأن البرابرة يخضعون، بالطبيعة، للإغريق …»٨
  • (جـ)
    هذه الهيراركية داخل الشعب اليوناني نفسه؛ فهناك مراتب لليونانيين بعضهم أعلى من بعض، فإذا كان هناك مَن يظن أن الناس سواسية، وأنه يتساوى في ذلك رجل الدولة والملك، ورب المنزل، والسيد، والعبد، والمرأة والرجل لأنهم جميعًا بشَر، فهم في ذلك واهمون!٩

ومن الأهمية بمكانٍ أن ننتبِه جيدًا إلى ملاحظتَين أساسيتَين:

  • الأولى: أن الهيراركية، أو مراتب الوجود — أي مبدأ «اللامساواة» أو مبدأ الأعلى والأدنى — ليس من اختراع البشر، وإنما هو مبدأ طبيعي، والطبيعة لا تفعل شيئًا باطلًا «كما يقول المعلم الأول»، ولذلك فأنت تجده مُسيطرًا على الموجودات جميعًا …!
  • والملاحظة الثانية: هي أننا نُخطئ كثيرًا عندما نظن أن تعريف أرسطو الشهير للإنسان بأنه «حيوان ناطق، أو عاقل» ينطبق على الإنسان بما هو إنسان، كلَّا! لأن الإنسان في نظر أرسطو الذي ينطبق عليه هذا التعريف هو الرجل الأثيني الحُر فحسب، فلا العبد إنسان يصدُق عليه التعريف، ولا المرأة إنسان بحيث تكون حيوانًا عاقلًا (حتى ولو كانت امرأة أثينية).

ولقد ظلَّت هذه النظرة الغريبة قائمةً في الفكر الغربي بصورٍ شتَّى حتى القرن التاسع عشر! عندما ظهر من الفلاسفة مَن أنصف المرأة (كما أنصف العبيد!) وتولَّى الدفاع عنها من أمثال «ستيوارت مل» (١٨٠٦–١٨٧٣م) أعظم فلاسفة الليبرالية في ذلك العصر، وأكثر المُتحمسين لحرية الإنسان والمدافعين عنها، دون أن يجعل الحرية مقتصرةً على الرجل فحسب، كما فعل جون لوك (١٦٣٢–١٧٠٤م) على نحوِ ما سنعرف بعد قليل.

وظلَّت النظرة الأرسطية مسيطرةً على التراث الغربي، تقول سوزان بل: «لقد كانت الصورة التي رسمها أرسطو للمرأة بالغةَ الأهمية؛ فقد ترسَّبت في أعماق الثقافة الغربية، وأصبحت الهادي والمرشد عن النساء بصفة عامة …»١٠ وهي عبارةٌ صحيحة تمامًا؛ فقد سبق أن رأينا هيراركية أرسطو بين الموجودات تضع ترتيبًا تصاعديًّا من أدنى الموجودات (الجمادات) إلى أعلاها (الإنسان)، وهي هيراركية هدمها العلم الحديث عندما أعلن أن الكون يتألَّف من مادة واحدة تسري في الموجودات جميعًا، وليس هناك «ما فوق فلك القمر» الذي يتألف من مادة أثيرية تعلو على مادة الموجودات التي يزخَر بها «ما تحت فلك القمر»؛ فليس من الموجودات ما هو أعلى وما هو أدنى، وقد عبَّرت فلسفة هوبز عن فكرة المادة الواحدة التي جاء بها العلم أصدقَ تعبير!

غير أنَّ فكرة أرسطو عن الهيراركية، أو المراتب، بين البشر ظلَّت قائمة، فلم يجرؤ أحد على إلغاء تجارة الرقيق، بل كان بعض الفلاسفة أعضاءً في الغرفة التجارية التي تُشرِف على هذه التجارة! ولم يجرؤ أحد على مدِّ التعريف الأرسطي للإنسان بأنه حيوان عاقل ليشمل البشر جميعًا — دع عنك أن يشمل النساء!

ففي العصور الوُسطَى المسيحية ظل الرقيق نظامًا اجتماعيًّا مُعترَفًا به، بل طلبت الكنيسة من العبيد «طاعة سادتهم».١١ أمَّا المرأة فقد تحوَّلت إلى مجرد «جسد»، أعني مادةً أو «هيولى» كما ذهب أرسطو، حتى إن أحد الأساقفة في مجمع «ماكون» Macon (مدينة شرق فرنسا انعقد فيها مؤتمرٌ لاهوتي شهير) — الذي انعقد عام ٥٨٥م — تساءل في هذا المؤتمر عما إذا كان للمرأة «روح». ويقول القديس جريجوري أسقف مدينة تور Tours،١٢ إن أحد الأساقفة تساءل أثناء النقاش عما إذا كانت كلمة «إنسان» تعني المرأة أيضًا،١٣ إلى هذا الحد المُزري بلغ وضع المرأة في نظر رجال اللاهوت الذين يبشرون بتعاليم المسيح، ويضربون عُرض الحائط بما جاء به السيد المسيح نفسه من مواقف جديدة، منها مثلًا أنه لم ينظر إلى المرأة قط على أنها جسد فحسب، أو على صوتها عورة، ولم يرفض الاختلاط بين الجنسَين، وعالج المرأة كما عالج الرجل سواءً بسواء! إلى آخر هذه المواقف الإنسانية النبيلة التي توارت كلها ليحلَّ محلَّها التراث اليهودي الروماني الذي كان سائدًا في فلسطين في ذلك الوقت.١٤ وهو تراثٌ كان امتدادًا طبيعيًّا للتراث اليوناني بما يحمل من كراهيةٍ ونظرة دونية للمرأة عبَّر عنها فلاسفة اليونان الكبار: سقراط، وأفلاطون، وأرسطو، كما سبق أن رأينا.
ومن هنا فلم نجد من بين فلاسفة المسيحية طوال العصور الوُسطى مَن حاول إنصاف المرأة أو الارتفاع بها إلى المستوى الحضاري الذي رفعها إليه السيد المسيح، أو حتى من نادى بأن هذه النظرية الدونية — التي كانت سائدة في ذلك الوقت — ليست هي النظرة الدينية، وإنما هي نظرة الرجل الأنانية التي تريد السيطرة على الجنس الآخر، وتطويعه وفق رغباته وأهوائه، بل وجدنا على العكس من يُلبِس العادات والتقاليد السائدة زيًّا دينيًّا، ويُضفي عليها شيئًا من القداسة. ومن هنا أصبحت المرأة هي «الشيطان نفسه» الذي أغوى الرجل وأخرجه من الجنة! وأصبح صوتها هو فحيح «الأفعى»! وجمال المرأة هو الشرك الأعظم! حتى انتهوا إلى هيراركية جديدة تتلخَّص في «أن الرجل أعلى من المرأة كما أن السيد المسيح أعلى من الرجل، وأن مصير المرأة خاضع لتأثير الرجل، ولا سلطان لها على سيدها.» كما يقول أعظم فلاسفة المسيحية القديس توما الأكويني.١٥
استمرَّت هذه النظرة — المرتبطة أساسًا بالتراث اليوناني الروماني — قائمةً طوال العصر الوسيط، مع إضفاء صبغةٍ دينية عليها، وظلت المرأة قاصرًا تحت وصاية الرجل: والدها أو شقيقها قبل الزواج، ثم زوجها بعد أن تتزوج، في عصور الإقطاع، فلم يكن ثمة حاجة للحصول على موافقتها أثناء زواجها؛ إذ يجوز تزويجها رغمًا عنها كما كان للزوج أن يهجرها وفق هواه، وله عليها حق الحياة والموت، فضلًا عن أنه كان يُعاملها بصفة عامة معاملة الخادمة!١٦
صحيح أن المرأة كانت تنال حمايةً قوية من القانون، فليس من حق أي شخص آخر، غير الزوج، أن يُهينها أو يؤذيها، وذلك لأنها كانت تُعتبر ملكيةً خاصة لرجل مُعين، فضلًا عن أنها أمٌّ لأطفاله، أمَّا هي كإنسانة فلا حقوق لها، ولا شخصية مستقلة. وكما كان قدْرها يعلو وينخفض بمقدار قدرتها على الإنجاب، فهي في هذه الحالة تساوي أكثرَ من رجل؛ فالمرأة الولود مثلًا تساوي ثلاثة رجال أحرار، في حين أن المرأة العاقر لا تساوي شيئًا، وليس لها أدنى قيمة!١٧

ولم يكن وضع المرأة في القرن السابع عشر أفضل مما كان عليه في الماضي، وسوف نجد في هذا البحث عن الفيلسوف الإنكليزي «جون لوك» (١٦٣٢–١٧٠٤م) أنَّ رأي الفيلسوف في المرأة ظلَّ مُسايرًا للتراث القديم، فلم يكن حديثه عن تحرير الإنسان، واسترداد كرامته وحريته وحقوقه، سوى حديث عن «الرجل». بل عن نوعٍ مُعين من الرجال هم الذين يشكلون الطبقة البرجوازية الصاعدة التي وقفت تتصدى للملك شارل لتنال حقوقها، وكان من نتيجة هذه الوقفة أن قامت حربٌ أهلية طاحنة بين الملك من ناحية وهذه الطبقة (مُمثَّلة في البرلمان) من ناحيةٍ أخرى، ومن هنا انصبَّ اهتمام فيلسوفنا على إرساء مجتمعٍ ذكوري ينال فيه الرجل (والرجل الإنكليزي البرجوازي بصفةٍ خاصة) حقوقَه كاملة غير منقوصة، أمَّا المرأة (وكذلك العبيد) فقد بقِيَت تابعة للرجل لأنه الأقوى والأقدر، والأدق فهمًا، والأشمل إدراكًا، ومِن ثَم فليس للمرأة حقوق سياسية على الإطلاق، وليس لها من دورٍ في المجتمع سوى الزواج والإنجاب وتربية النَّشء! وهي نفسها نظرةُ المعلم الأول مع تعديلاتٍ طفيفة، بل الأدهى والأمَرُّ أن ظلت نظرته إلى هيراركية البشر قائمةً كما هي، فليست الشعوب على درجة واحدة، ولا هي تتصف كلها بصفة الإنسانية. فهناك فئات من البشر أرقى من غيرها وأجدر بممارسة الحقوق الطبيعية، أما العبيد مثلًا فليس لهم هذا الحق، أما العمال الأُجَراء والفقراء، ومَن لا يملكون قوت يومِهم، فليست هذه الحقوق أساسية بالنسبة لهم.

وسوف نرى في العدد القادم عن «روسو … والمرأة» أن هذه النظرة الدونية للمرأة ظلَّت قائمة؛ فهي لم تبدأ في التغيُّر إلَّا في القرن التاسع عشر، مع أنه كانت هناك في العالم الحديث نساء فلاسفة لامعات، وكان منهن في القرن العشرين فلاسفة أسهمنَ في نظريات المنطق والميتافيزيقا، وفلسفة العلم، والفلسفة الوجودية … إلخ، مما يُثبت خطأ النظرة التي تردُّ «قصور» المرأة إلى الطبيعة، أي إنها بطبيعتها أقل عقلًا، وأشد انفعالًا، وأضعف إمكانات، ولا تجعل القصور نتيجةً منطقية مُترتبة على العادات والعُرف والتقاليد والتربية — وهما نظرتان تصارعتا منذ فجر الفلسفة عند اليونان بين عمالقة الفكر اليوناني (سقراط، وأفلاطون، وأرسطو) أنصار نظرية الطبيعة، وبين فلاسفة السوفسطائية دعاة رد هذه الأفكار جميعًا إلى المجتمع بما فيه من عُرف وتقاليد.

ونأمل أن يظهر هذان العددان قريبًا: «روسو … والمرأة» و«نساء فلاسفة … في العالم الحديث» حتى تكتمل الصورة أمام القارئ العربي فيساعد في تحرير المرأة من أصفادها لتنطلق مع الرجل، جنبًا إلى جنب، في بناء المجتمع العربي الحديث.

والله نسأل أن يهدينا جميعًا سبيل الرشاد.

إمام عبدالفتاح إمام
١  ناقش أستاذنا الدكتور زكي نجيب محمود «هذه الردة قي عالم المرأة» على مدى ثلاث مقالاتٍ في كتابه «في مُفترق الطرُق»، من ص١٣٩ إلى ص١٦٩، دار الشروق بالقاهرة، عام ١٩٨٥م.
٢  قارن ما يقوله جون ستيوارت مل في كتابه «استعباد النساء …» العدد الخامس من سلسلة «الفيلسوف والمرأة» عن تعطُّل ملكات المرأة عمومًا.
٣  أصول فلسفة الحق لهيجل. ترجمة د. إمام عبد الفتاح إمام، ص١١٦، وهو العدد الأوَّل من المكتبة الهيجلية (المؤلفات) أصدرته مكتبة مدبولي بالقاهرة.
٤  قارن د. إمام عبد الفتاح إمام مقال «إلى زوجتي …» في كتاب «أفكار … ومواقف»، ص٢٨١ وما بعدها، أصدرته مكتبة مدبولي بالقاهرة عام ١٩٩٦م.
٥  طالِع ذلك كله بالتفصيل في كتابنا «أفلاطون … والمرأة»، العدد الأول من سلسلة «الفيلسوف … والمرأة»، مكتبة مدبولي بالقاهرة، الطبعة الثانية، عام ١٩٩٦م.
٦  كلمة «هيراركية Hierarchy» تعني الترتيبَ التصاعُدي في الموجودات أو الملائكة أو العقول السماوية، أو تدرُّج مختلف الوظائف الكنسية بحيث يكون فيها الأدنى والأعلى. وأرسطو يعني بها هنا أن هناك مراتبَ تصاعدية في الوجود والمجتمع معًا.
٧  قارن كتابنا «أرسطو … والمرأة»، العدد الثاني من سلسلة «الفيلسوف … والمرأة»، مكتبة مدبولي بالقاهرة، عام ١٩٩٦م، ص٢٩ وما بعدها.
٨  المرجع السابق، ص٣٠.
٩  المرجع نفسه، ص٣١.
١٠  Susan Bell, “Women, from the Greeks to the French Revolution”, p. 17, Stanford University Press, 1973.
١١  راجع كتابنا «الطاغية: دراسة فلسفية لصور من الاستبداد السياسي»، «الطبعة الثالثة»، مكتبة مدبولي بالقاهرة، عام ١٩٩٧م وما بعدها.
١٢  القديس جريجوري أسقف تور St. Gregory of Tours كتب «تاريخ الفرنجة» و«حياة القديسين» و«كتاب المعجزات».
١٣  قارن مونيك بيتر «المرأة عبر التاريخ»، ترجمة هنريت عبود، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ص٢٤.
١٤  عالجنا هذا الموضوع في شيء من التفصيل في كتابنا «الفيلسوف المسيحي … والمرأة»، وهو العدد الثالث من سلسلة «الفيلسوف … والمرأة» أصدرته مكتبة مدبولي بالقاهرة.
١٥  قارن د. إمام عبد الفتاح إمام، «الفيلسوف المسيحي … والمرأة»، مكتبة مدبولي بالقاهرة، ص١٣٥.
١٦  Simone de Beauvoir, “The Second Sex” Eng. Trans. by H. M. Parshley, Penguin Books, 1979, p. 130.
١٧  Ibid., p. 131.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦