مدخل عام
الهدف الأول من هذه السلسلة، كان ولا يزال، أن نحاول تعديل الصورة السيئة عن المرأة التي استمرت في بلادنا سنواتٍ طويلة، والتي روَّج لها الرجل واقتنعت بها المرأة! ومن هنا جاءت أهمية إلقاء الأضواء الكاشفة على الوضع المُتردِّي للمرأة العربية عن طريق دراسة الخلفية النظرية لهذا الوضع، وهي خلفية أرست دعائمها في الفلسفة اليونانية ثم هبطت إلى تراثنا مع غيرها من الأفكار الكثيرة التي استقرَّت واتخذت لنفسها صبغة دينية — كما حدث في العالم الغربي.
والواقع أن العلاقة بين «الفيلسوف … والمرأة» كانت علاقةً سيئة ومضطربة على مدار التاريخ، ما دام يصور الواقع السيئ الذي عاشت فيه ويلخِّص المجتمع الذكوري وما فيه من نظرةٍ دونية للمرأة. ولقد أُرسيت دعائم هذه العلاقة السيئة كما ذكرنا، في العصر اليوناني، أعني مع البدايات الأُولى للفلسفة، وظلَّت مستمرة بعد ذلك حتى القرن التاسع عشر في التراث الغربي، وحتى يومِنا الراهن في التراث العربي.
وربما كانت المشكلة الأولى التي واجهت المرأة هي ما يُثار حول «الضعف» الظاهر، وهل هو جزء من طبيعتها، أعني أنها خُلقت على هذا النحو من الضعف البادي، أم أنه شيء فرضه عليها المجتمع؟ غير أن السؤال لم يكن يتعلق بضعف البنية فحسب، وإنما امتدَّ ليشمل القُوى العقلية، والإمكانات الذهنية، والمهارات … إلخ، إذا ما قورنت بقدرات الرجل ومَلكَاته؛ فهل ما تفرضه العادات والتقاليد على المرأة من قيود وأعباء ومسئوليات، وهي أضعاف ما يُفرض على الرجل — وذلك كله إلى جانب الحمل والولادة، وتربية الأطفال والعناية بالمنزل … إلخ — هل هذه الأعباء الأسرية والمسئوليات الاجتماعية هي السبب في ضعف المرأة، بحيث يجوز لنا أن نصفه بأنه ضعف اجتماعي، وليس ضعفًا طبيعيًّا، أم أنه ضعف طبيعي خَلقي، أعني أنه كُتب عليها أن تكون على هذا النحو من الضعف البدني والعقلي والنقص في الإمكانات والقدرات …؟
ظهرت هذه الأسئلة مع بداية الفلسفة في العصر اليوناني، وانقسم الفلاسفة إلى مجموعتين؛ الأولى انحازت إلى «الطبيعة» التي جعلت المرأة على هذا النحو من الضَّعف والنقص. أمَّا المجموعة الثانية من فلاسفة اليونان فقد رأت أن العادات، والعُرف، والتقاليد، والمؤسسات والأنظمة الاجتماعية هي التي شكلت المرأة في هذه الصورة التي جعلتها تبدو ضعيفة. وكان عمالقة الفِكر اليوناني: سقراط وأفلاطون وأرسطو، من أنصار المجموعة الأولى التي اكتسحت أفكارها التراث البشري وسيطرت عليه لألفَين من السنين. في حين كان السوفسطائيون من الفلاسفة الذين وضعوا أيديهم على حقيقة المشكلة، وهي أن العادات والتقاليد هي الأساس في تشكيل ضعف المرأة.
«لا بأس، الواقع أيها الأصدقاء أن زوجتي كالسماء ترعد أولًا ثم تُمطر بعد ذلك.» ورغم ذلك كله فقد كان يحثُّ تلاميذه على الزواج قائلًا:
أما أرسطو — المعلم الأول وأعظم فلاسفة اليونان — فقد وضع نظريةً فلسفية متكاملة تتألف عناصرها الأساسية من الأفكار الآتية:
- (أ)
-
(ب)
لما كان المجتمع البشري جزءًا من هذا العالم، فهناك هيراركية بين الشعوب، أعني داخل الجنس البشري نفسه، فمِن الشعوب ما هو أعلى مثل الإغريق، ومنها ما هو أدنى مثل البرابرة — وهم غير اليونانيين والبرابرة:
«عامِل اليونانيين بوصفك قائدًا لهم، وعامِل البرابرة بوصفك سيدًا عليهم، لأن البرابرة يخضعون، بالطبيعة، للإغريق …»٨ -
(جـ)
هذه الهيراركية داخل الشعب اليوناني نفسه؛ فهناك مراتب لليونانيين بعضهم أعلى من بعض، فإذا كان هناك مَن يظن أن الناس سواسية، وأنه يتساوى في ذلك رجل الدولة والملك، ورب المنزل، والسيد، والعبد، والمرأة والرجل لأنهم جميعًا بشَر، فهم في ذلك واهمون!٩
ومن الأهمية بمكانٍ أن ننتبِه جيدًا إلى ملاحظتَين أساسيتَين:
- الأولى: أن الهيراركية، أو مراتب الوجود — أي مبدأ «اللامساواة» أو مبدأ الأعلى والأدنى — ليس من اختراع البشر، وإنما هو مبدأ طبيعي، والطبيعة لا تفعل شيئًا باطلًا «كما يقول المعلم الأول»، ولذلك فأنت تجده مُسيطرًا على الموجودات جميعًا …!
- والملاحظة الثانية: هي أننا نُخطئ كثيرًا عندما نظن أن تعريف أرسطو الشهير للإنسان بأنه «حيوان ناطق، أو عاقل» ينطبق على الإنسان بما هو إنسان، كلَّا! لأن الإنسان في نظر أرسطو الذي ينطبق عليه هذا التعريف هو الرجل الأثيني الحُر فحسب، فلا العبد إنسان يصدُق عليه التعريف، ولا المرأة إنسان بحيث تكون حيوانًا عاقلًا (حتى ولو كانت امرأة أثينية).
ولقد ظلَّت هذه النظرة الغريبة قائمةً في الفكر الغربي بصورٍ شتَّى حتى القرن التاسع عشر! عندما ظهر من الفلاسفة مَن أنصف المرأة (كما أنصف العبيد!) وتولَّى الدفاع عنها من أمثال «ستيوارت مل» (١٨٠٦–١٨٧٣م) أعظم فلاسفة الليبرالية في ذلك العصر، وأكثر المُتحمسين لحرية الإنسان والمدافعين عنها، دون أن يجعل الحرية مقتصرةً على الرجل فحسب، كما فعل جون لوك (١٦٣٢–١٧٠٤م) على نحوِ ما سنعرف بعد قليل.
غير أنَّ فكرة أرسطو عن الهيراركية، أو المراتب، بين البشر ظلَّت قائمة، فلم يجرؤ أحد على إلغاء تجارة الرقيق، بل كان بعض الفلاسفة أعضاءً في الغرفة التجارية التي تُشرِف على هذه التجارة! ولم يجرؤ أحد على مدِّ التعريف الأرسطي للإنسان بأنه حيوان عاقل ليشمل البشر جميعًا — دع عنك أن يشمل النساء!
ولم يكن وضع المرأة في القرن السابع عشر أفضل مما كان عليه في الماضي، وسوف نجد في هذا البحث عن الفيلسوف الإنكليزي «جون لوك» (١٦٣٢–١٧٠٤م) أنَّ رأي الفيلسوف في المرأة ظلَّ مُسايرًا للتراث القديم، فلم يكن حديثه عن تحرير الإنسان، واسترداد كرامته وحريته وحقوقه، سوى حديث عن «الرجل». بل عن نوعٍ مُعين من الرجال هم الذين يشكلون الطبقة البرجوازية الصاعدة التي وقفت تتصدى للملك شارل لتنال حقوقها، وكان من نتيجة هذه الوقفة أن قامت حربٌ أهلية طاحنة بين الملك من ناحية وهذه الطبقة (مُمثَّلة في البرلمان) من ناحيةٍ أخرى، ومن هنا انصبَّ اهتمام فيلسوفنا على إرساء مجتمعٍ ذكوري ينال فيه الرجل (والرجل الإنكليزي البرجوازي بصفةٍ خاصة) حقوقَه كاملة غير منقوصة، أمَّا المرأة (وكذلك العبيد) فقد بقِيَت تابعة للرجل لأنه الأقوى والأقدر، والأدق فهمًا، والأشمل إدراكًا، ومِن ثَم فليس للمرأة حقوق سياسية على الإطلاق، وليس لها من دورٍ في المجتمع سوى الزواج والإنجاب وتربية النَّشء! وهي نفسها نظرةُ المعلم الأول مع تعديلاتٍ طفيفة، بل الأدهى والأمَرُّ أن ظلت نظرته إلى هيراركية البشر قائمةً كما هي، فليست الشعوب على درجة واحدة، ولا هي تتصف كلها بصفة الإنسانية. فهناك فئات من البشر أرقى من غيرها وأجدر بممارسة الحقوق الطبيعية، أما العبيد مثلًا فليس لهم هذا الحق، أما العمال الأُجَراء والفقراء، ومَن لا يملكون قوت يومِهم، فليست هذه الحقوق أساسية بالنسبة لهم.
وسوف نرى في العدد القادم عن «روسو … والمرأة» أن هذه النظرة الدونية للمرأة ظلَّت قائمة؛ فهي لم تبدأ في التغيُّر إلَّا في القرن التاسع عشر، مع أنه كانت هناك في العالم الحديث نساء فلاسفة لامعات، وكان منهن في القرن العشرين فلاسفة أسهمنَ في نظريات المنطق والميتافيزيقا، وفلسفة العلم، والفلسفة الوجودية … إلخ، مما يُثبت خطأ النظرة التي تردُّ «قصور» المرأة إلى الطبيعة، أي إنها بطبيعتها أقل عقلًا، وأشد انفعالًا، وأضعف إمكانات، ولا تجعل القصور نتيجةً منطقية مُترتبة على العادات والعُرف والتقاليد والتربية — وهما نظرتان تصارعتا منذ فجر الفلسفة عند اليونان بين عمالقة الفكر اليوناني (سقراط، وأفلاطون، وأرسطو) أنصار نظرية الطبيعة، وبين فلاسفة السوفسطائية دعاة رد هذه الأفكار جميعًا إلى المجتمع بما فيه من عُرف وتقاليد.
ونأمل أن يظهر هذان العددان قريبًا: «روسو … والمرأة» و«نساء فلاسفة … في العالم الحديث» حتى تكتمل الصورة أمام القارئ العربي فيساعد في تحرير المرأة من أصفادها لتنطلق مع الرجل، جنبًا إلى جنب، في بناء المجتمع العربي الحديث.
والله نسأل أن يهدينا جميعًا سبيل الرشاد.