الفصل الأول

حياته

تمهيد

وُلد جون لوك — الذي يُعَدُّ أعظم فلاسفة القرن السابع عشر — في قرية سومرست Somerset Village بالقرب من برستول في ٢٩ أغسطس عام ١٦٣٢م (بنفس العام الذي ولد فيه إسبينوزا)، ونشأ وترعرع في إنكلترا على المذهب البروتستانتي التطهُّري Puritanism من ناحية أبيه وأمِّه معًا، حيث كان الاثنان من أتباع هذا المذهب.١ وهو الابن الأول لوالدَيه، وكانت أمُّه حين وضعته في الخامسة والثلاثين، أما الأب فكان يكبرها بعشرة أعوام. وعلى الرغم من أن الأم كانت على جانبٍ كبير من التقوى والتديُّن، ويتحدث عنها الابن بحبٍّ شديد؛ فإن الأثر الحاسم كان — فيما يبدو — هو أثر الأب.٢
كان الأب محاميًا ذكيًّا ذائع الصيت ترقى في كثير من المناصب حتى وصل إلى منصب «قاضي المصالحات» ولما كان «بيوريتانيًّا» فقد ناصر البرلمان عام ١٦٤٢م في صراعه مع الملك.٣ وقد لحقت به أضرار شديدة في ثورته من جراء الحرب الأهلية، لكنه استطاع أن يُربي ولدَيه تربية جيدة. (فقد أنجب بعد جون ولدًا هو توماس، وُلد عام ١٦٣٧م) ويعتني بهما عناية شديدة، وقد أشاد فيلسوفنا نفسه فيما بعد بمواقف أبيه واتجاهاته، إذ تُخبرنا «ليدي ماشام Lady Masham» أن «والده قد استخدم معه أسلوبًا، في صغره، تحدث عنه الابن فيما بعد باستحسانٍ بالغ. فقد كان قاسيًا معه بإبقائه في رُعبٍ شديد بعيدًا عنه حيثما كان صبيًّا. ولكنه كان يُخفِّف من هذه القسوة بالتدريج كلما نما وأصبح رجلًا. فقد عاش معه عندئذٍ كصديقٍ حميم …»٤
وليس ثمة شك في أنهما أصبحا صديقَين حميمَين فيما بعد.٥ وهناك شهادة بذلك موجودة في رسائل لوك إلى والده التي كُتبت بعد ذلك بسنواتٍ طويلة عندما ساءت صحة الأب.٦ وإن كان «لوك» قد عرف في صباه نظامًا بيوريتانيًّا قاسيًا للمنزل علَّمه الجدية، وبذل الجهد والرزانة، وحب البساطة وكراهية الإسراف، كما تعلَّم في فترةٍ مبكرة من حياته معنى «الحرية السياسية» والعدل الاجتماعي، فضلًا عن أن والده شرح له في صباه نظرية حق الشعب في السيادة من خلال برلمان منتخب. وهي النظرية التي كان الأب على استعدادٍ للتضحية من أجلها! غير أن تجارب الفيلسوف بعد ذلك هي التي عدَّلت ووسَّعت هذه النظرة وجعلتها أكثر رحابة. لكن الموقف الأساسي تجاه الحياة كان قد تحدَّد بالنسبة له مرة واحدة وإلى الأبد في ذلك المنزل البرجوازي البسيط!

وفي استطاعتنا أن نُحدد ثلاثة أحداث هامة هي التي وجهت مسار حياة «لوك» على النحو التالي:

  • (١)

    الحدث الأول: هو انتقاله من قريته «سومرست» إلى لندن عام ١٦٤٦م للدراسة في مدرسة وستمنستر، ثم انتقاله بعد ذلك إلى أُكْسفُورد لكي يلتحق بكلية المسيح، وكان ذلك في عام ١٦٥٢م.

    اهتم «لوك» بدراسة الطب اهتمامًا خاصًّا حتى أصبح طبيبًا. وهو طريق سار فيه فيلسوفنا بهمةٍ ونشاط من حيث النظر والعمل معًا، فقد درس الطب في جامعة أُكْسفُورد دراسةً منظمة لسنوات طويلة، ثم قام بخدمات طبية هامة وخطيرة بالنسبة لأصدقائه ومعارفه. وارتبط ارتباطًا وثيقًا بواحدٍ من أعظم أطباء القرن السابع عشر وهو «دكتور توماس سدنهام Dr. Thomas Sydenham» الذي كان رائدًا في علاج الأمراض المُعدية. كما أن اهتمامات لوك الطبية أيضًا — وليست بحوثه الفلسفية أو اللاهوتية — هي التي قدمت له أعظم فرصةٍ في حياته، وهي تدعيم علاقته مع «اللورد آشلي».
  • (٢)
    الحدث الثاني: وهو تعرُّفه ثم صداقته باللورد آشلي وقد كان في عام ١٦٦٦م. ففي هذا العام، ومن خلال صديق طبيب آخر هو «ديفيد توماس David Thomas»، التقى لوك لأول مرة باللورد آشلي «Ashley» الذي أصبح فيما بعد إيرل شافتسبري الأول — وكان شخصية سياسية رائدة في بلاط الملك شارل الثاني — وكانت مناسبة اللقاء زيارة «اللورد» لمدينة أُكْسفُورد ليشرب من مياهها المعدنية، لكن نتيجة اللقاء كانت بالغة الأهمية في حياة «لوك».
  • (٣)
    الحدث الثالث: شغفه بالدراسات الفلسفية والفهم الفلسفي.٧ ولا شك أن هذا الحدث كان أقلَّ وضوحًا في ذهنه، وأكثر تدرجًا من الحدثَين السابقين: أعني: انتقاله إلى مدرسة وستمنستر، ثم جامعة أُكْسفُورد والْتحاقه بخدمة شافتسبري. وقد كان اهتمام «لوك» بالمشكلات الفلسفية منحصرًا في السلطة السياسية، والتسامح، والأخلاق، ونظرية المعرفة. وهي اهتمامات ربما بدأت في خمسينيات القرن السابع عشر (١٦٥٠م) وليس ثمة ما يُبرر الافتراض بأن اهتمامه بالفلسفة جاء نتيجة ارتباطه بشافتسبري أو عمله في خدمته.

وسوف نتحدث في شيءٍ من التفصيل عن هذه الأحداث مقسمِّين حياته إلى مراحل وفق الترتيب التالي:

  • أولًا: السنوات المبكرة.
  • ثانيًا: سنوات النمو.
  • ثالثًا: سنوات النضج.
  • رابعًا: سنوات النهاية.

(١) أولًا: السنوات المبكرة

في عام ١٦٤٦م انتقل جون لوك من قريته الصغيرة إلى مدينة لندن حيث التحق بمدرسة وستمنستر، وكان مدير هذه المدرسة واحدًا من أنصار البرلمان حيث كان الصراع بينه وبين الملك لا يزال مستمرًّا. ومن المُحتمل أن يكون الفتى جون لوك (كان في السابعة عشرة من عمره) قد شاهد تنفيذ حُكم الإعدام في الملك شارل الأول في ٣٠ يناير عام ١٦٤٩م الذي تم في ساحة قصر وايتهول Whitehall القريب من المدرسة، والذي وضع نهايةً لهذا الصراع الدامي، وأنهى الحرب الأهلية لصالح البرلمان. غير أن الصبي كان بغير شكٍّ مشغولًا بدروسه في هذه السنِّ المبكرة أكثر من انشغاله بالأحداث في العالم الخارجي. لا سيما وأن مدرسة وستمنستر قد أرهقته بالدروس في اللغتَين اليونانية واللاتينية فضلًا عن اللغتَين العِبرية والعربية، مما جعل الفتى يضيق بشدةٍ من مناهج المدرسة،٨ وقد تجلَّى ضِيقه هذا في نقده للمناهج التي كانت تسير عليها وستمنستر في كتابه «أفكار عن التربية والتعليم»، ولا سيما تخصيص قدْرٍ مُبالَغ فيه من الوقت لتعلُّم اللغات. فعلى الرغم من تسليمه بأن اللغة اللاتينية كانت أساسيةً في عصره، فإنه كان يشعر أن اللغة اليونانية ينبغي أن تُترَك للباحث المتخصِّص، دع عنك العبرية وغيرها من اللغات الشرقية.٩ غير أن الانطباع الذي ظل عالقًا في ذهن الفتى منذ تلك الفترة المبكرة، هو قسوة النظام وصرامته في مدرسة وستمنستر، وتشهد على ذلك خطاباته إلى «إدوارد كلارك Edward Clarke» التي وصف فيها الحياة البالغة القسوة بأنها لا تُطاق.١٠

وفي عام ١٦٥٢م وقع الاختيار على «جون لوك» لتكون منحة كلية المسيح في جامعة أُكْسفُورد من نصيبه. ومنذ ذلك التاريخ وعلى مدى ثلاثين عامًا قادمة سوف يجعل من مدينة أُكْسفُورد بيتَه ومقرَّه الدائم.

كانت أُكْسفُورد قد بدأت تستعيد حالة النظام بعد الفوضى التي أحدثتْها الحرب الأهلية؛ فقد كانت المدينة تَدين بالولاء للملك وتتبع قواته، ولهذا كانت خسائرها فادحة، وكان «جون أوين» الذي عُيِّن عميدًا لكلية المسيح يحاول أن يُعيد تنظيم هذه الكلية أو بناءها من جديد. غير أن المُلفت للنظر حقًّا أنْ لا يترتب على تحوُّل جامعة أُكْسفُورد من القبضة الملكية إلى قبضة البيروتان أي تعديلٍ في مناهج الدراسة. فقد أصرَّ المُتطهرون على الإبقاء على نفس الموضوعات التقليدية كما هي، وقد كانت معظم هذه الموضوعات أرسطية الأصل إسكولائية العرض. ومن المُحتمل أن يكون لوك قد قضى أعوامًا مملَّةً في هذه الدراسة المدرسية: سنة لدراسة البلاغة والنحو، وسنة أخرى للمنطق وفلسفة الأخلاق … إلخ، على نحو ما كان سائدًا في العصور الوُسطَى. وكما يمكن للقارئ أن يتوقَّع فقد وجد فيلسوفنا ذلك كله عقيمًا مجدبًا بلا معنى. ولقد اشتكى بعد ذلك من أنه أضاع وقتًا طويلًا لكي يبدأ دراسته، لأن الفلسفة المعروفة في ذلك الوقت هي الفلسفة المشائية،١١ الممزوجة بمصطلحات غامضة والتي تدور حول مشكلاتٍ لا غناء فيها. كما سبق أن اشتكى توماس هوبز (١٥٥٨-١٦٧٩م) من الدراسة في جامعة أُكْسفُورد ووصفها بأنها أرسطية أو إسكولائية من بقايا الفلسفة المدرسية التي سادت العصر الوسيط. ويبدو أن هذا الانطباع نفسه كان انطباع غيره من مُفكري العصر؛ فقد وصف الشاعر الإنكليزي «جون ملتون John Milton» هذه الدراسة بأنها «وجبة للحمير مؤلفة من أعشابٍ ونفايات …»١٢
نال «جون لوك» بعد أربع سنواتٍ في جامعة أُكْسفُورد الدرجة الجامعية الأولى — درجة الليسانس — ثم حصل بعد عامَين على درجة الماجسيتر. وبعد حصوله على هذه الدرجة بقي في كليته باحثًا في الدراسات العُليا يدرس ويحاضر. وتُوفي والده بالسلِّ عام ١٦٦١م تاركًا له ثروةً ضئيلة حقًّا لكنها مع ذلك حسَّنت من وضعه، ورئتين ضعيفتين ظلَّ يُعاني منهما طوال حياته!١٣
لم يكن «جون لوك» قانعًا بوظيفة باحث في الدراسات العليا، بل كان يتطلع لوظيفةٍ أرقى، لا سيما وأنه كان يأمل في الزواج في ذلك الوقت.١٤ ولقد نصحه بعض أصدقائه بقبول إحدى وظائف الكنيسة، غير أن «لوك» تردَّد في الانخراط في السلك الكهنوتي، وكتب إلى أحد هؤلاء الأصدقاء قائلًا: «لا أستطيع أن أضعك، أو أي شخصٍ آخر، في موضعٍ مُخْزٍ بأن أقبل وظيفةً إذا رُقِّيت فيها قد لا أستطيع أن أملأ فراغَها، ثم يكون للانحدار منها سقوط مروِّع له دَويٌّ شديد».١٥

أما الوظيفة التي جذبته أكثر من غيرها فهي مهنة الطب، لا سيما وأنه كان منجذبًا إلى البحوث التجريبية الجديدة في العلوم الطبيعية وتطبيقها على الأمراض البشرية، وعلى الرغم من أنه تمرَّس في هذه المهنة جيدًا حتى إنَّ الناس اعترفوا بمعلوماته الجيدة في الطب، فإنه لم يحترف أبدًا هذه المهنة، بل كان يُفضل أن يُمارسها ممارسة الهُواة.

(٢) ثانيًا: سنوات النمو

في عام ١٦٦٥م ظهر أمام لوك بديل آخر عن مهنة الطب هو الميدان الدبلوماسي الذي كان يُناسبه تمامًا في ذلك الوقت، ففي نوفمبر من هذا العام صحب «سير ولتر فين Sir Walter Vane» في بعثة دبلوماسية إلى أحد الأُمراء الجرمان، ثم إلى «كليف Cleves» ثم عاد إلى لندن في فبراير عام ١٦٦٦م. وما إن عاد إلى أرض الوطن حتى عُرضت عليه وظيفة دبلوماسية أكثر أهمية هي العمل كمستشار في سفارة إنكلترا في مدريد تحت رئاسة سفير إنكلترا في إسبانيا: «أيرل أوف ساندويتش Earl of Sandwich».١٦ لكن «لوك» سرعان ما رفض العمل في السلك الدبلوماسي، وعاد إلى أُكْسفُورد لمواصلة دراسته هناك. وراح يتلمس طريقه بالتدريج، فوجد أن رسالته الحقيقية ليست في ميدان اللاهوت، ولا في مجال الطب، ولا في الحقل الدبلوماسي، بل في ميدانٍ آخرَ بعيدٍ عن ذلك كله هو ميدان الفلسفة.١٧ ومع ذلك فلم يكن الفكر النظري، بما هو كذلك، هو الذي ناداه، فلبَّى، فقد ظل طوال حياته «رجل عمل». لكنه كان يشعر عن وعيٍ حادٍّ أن إحدى الحاجات العظيمة التي يحتاج إليها جيله هي الفهم الفلسفي للموضوعات الأساسية التي تواجهه، ولقد وجد أن رسالته الحقة هي البحث الجاد عن مثل هذا الفهم.

لقد كانت المشكلات الأساسية التي شغلت تفكيره حتى عام ١٦٦٧م هي المشكلات العملية والاجتماعية، فهي التي فرضت نفسها عليه نتيجة للأحداث التي كانت تدور من حوله. ومع ذلك فقد تعرف على الآراء النظرية لكثيرٍ من قادة الفكر في الماضي، وفي عصره على حدٍّ سواء. ويمكن أن نتعقب، بإيجاز، تأثير بعض الشخصيات الهامة على تفكيره في هذه الفترة:

  • (١)
    قد يبدو للنظرة العجْلَى أن المفكرين السابقين، أو المعاصرين ل «لوك» لم يُمارسوا عليه سوى تأثير ضعيف، نظرًا لإشاراته القليلة إليهم. كما أنه أحيانًا يقتبس من أهل الثقة من أمثال «هوكر Hooker».١٨ الذي كان يغتبط جون لوك كثيرًا وهو يعترف بدَينه إلى «هوكر الحكيم».١٩ وإن كان ذلك لا يحدث إلَّا نادرًا.٢٠ فقد رفض المنهج الساذج الذي كان سائدًا في القرن السابع في التأثير على القارئ عن طريق تكديس الاقتباسات المختلفة وحشو الأذهان وملء الصفحات. ولقد حاول بدلًا من ذلك أن يبرهن برهنةً عقلية على كل مسألةٍ يعرض لها، والنظر في كل حجة بما تستحقه، وفي استقلالٍ تام عمَّا قيل عنها في الماضي، لكنه لم يكن جاهلًا بالماضي، إذ تُبيِّن لنا يومياته مدى قراءاته الواسعة ومقدار دَينه للآخرين.٢١
  • (٢)
    وليس في نيَّتنا أن نقدم حصرًا شاملًا بدَينه للآخرين، فذلك ليس مطلوبًا في كُتيِّبٍ يسعى إلى إلقاء الضوء على حياته تمهيدًا لعرض آرائه عن المرأة. ولكن ما نودُّ أن نلفت إليه النظر هو تأثُّره ببعض مصادر الفكر اليوناني، وربما كان المثير للدهشة حقًّا هو أن نجد دَينه للعصور الوُسطى أكبر بكثيرٍ من دَينه لليونان والرومان. فأول فلسفةٍ تعلَّمها وتأثر بها هي الفلسفة الإسكولائية Scholasticism،٢٢ ولقد راح يُجاهد ليخلِّص نفسه منها بالتدريج وبصعوبة، وإن ظلت مصطلحاته وأفكاره المركزية مُستمدَّةً أساسًا من الفلسفة المدرسية: الإطار المنطقي لأفكاره، الجوهر والعرَض، والحال، والأجناس والأنواع، والكليات، والجزئيات … إلخ، كذلك ميتافيزيقاه كانت جذورها أيضًا إسكولائية؛ تصوُّره لله، علاقة الله بالعالم، وتصوُّره للإنسان، ومكانه في الكون في الترتيب التصاعدي Hierarchy للموجودات. ذلك كله كان ذا أصولٍ مدرسية. فليس عجيبًا بعد ذلك أن يتحدث فيلسوفنا عن «حرية الإنسان»، وعن حقوقه التي يدافع عنها دفاعًا مجيدًا، وعن التسامح، وغير ذلك من الأفكار النبيلة التي يخصُّ بها الرجل وحدَه، ويسقط منها تمامًا حقوق المرأة وحُريتها على نحو ما سنعرف بعد قليل.
  • (٣)
    ومن بين المؤثرات التي أثرت في فكر «لوك» في هذه الفترة من نموه الروحي: شخصيتان مُعاصرتان كان لهما تأثير حاسم هما: رينيه ديكارت R. Descartes (١٥٩٦–١٦٥٠م) وروبرت بويل Robert Boyle (١٦٢٧–١٦٩١م).
    بدأ «لوك» في دراسة ديكارت بعد تخرُّجه على الأرجح، ولم يستغرق الأمر فترة طويلة لكي يتبيَّن فيلسوفنا أن الفلسفة الجديدة التي ينشرها ديكارت كانت أكثر أهمية، وأشد واقعيةً وحقيقة من التمارين المنطقية المُجدبة القاحلة والجافة التي كان يدرسها في جامعة أُكْسفُورد، فهو في أول خطابٍ له إلى «ستلنج فيلت» يقول: «إنه يعترف بإعجابه بذلك المفكر المهذب — الجنتلمان — (يقصد ديكارت) الذي كان أول من حرَّرني من طريقة الحديث الغامض».٢٣ وتُخبرنا ليدي ماشام Lady Masham أن الكتُب الأُولى، كما أخبرني مستر لوك نفسه، التي كانت بمثابة الوجبة فاتحة الشهية عنده للمسائل الفلسفية، هي كتب ديكارت! فقد استمتع بقراءتها، رغم أنه كثيرًا ما كان يختلف في الرأي مع صاحبها، لكنه مع ذلك وجد أن ما يقوله بالغ الوضوح.٢٤ ومن هنا فقد كان ديكارت أول من علَّم «لوك» كيف يكتب بحثًا فلسفيًّا بطريقةٍ واضحة. بعد أن ترك تعليمه في أُكْسفُورد وظل يعاني من الشعور باليأس في إمكان التقدُّم أو السير في طريق العقل. فجاء ديكارت وحرَّره من مشاعر القنوط والتشاؤم. وإن كان لوك لم يُتابع المُخلِّص أو المُحرِّر بطريقةٍ عمياء، بل انتقد آراءه على أُسس تجريبية.
  • (٤)
    وربما كانت الشخصية الأكثر أهميةً في تأثيرها على لوك من المنظور التجريبي، هو عالم الكيمياء الإنكليزي «روبرت بويل Robert Boyle» (١٦٢٧–١٦٩١م) الذي عُرف بتجاربه الرائدة في خصائص الغازات، ووضع عام ١٦٦٢م قانونًا يُعرَف حتى اليوم باسم «قانون بويل».٢٥
كان بويل الذي يكبر «لوك» بخمس سنوات فقط، عالمًا مرموقًا تحلَّقت حوله مجموعة من الأصدقاء أسَّسوا في النهاية «الجمعية الملكية Royal Society» كان بويل عضوًا فيما يُسمَّى ﺑ «الكلية المستورة Invisible College» التي تعقد اجتماعاتها في لندن، وكرست نفسها ل «الفلسفة الجديدة» وهي تُعنى أساسًا بالفلسفة الطبيعية الجديدة التي تؤكد أهمية الملاحظة، وتطبيق الرياضيات على دراسة الظواهر الطبيعية. وكان لهذه «الكلية المستورة» فرع في أُكْسفُورد. وعندما ذهب «لوك» للإقامة هناك عام ١٦٥٤م، سرعان ما أصبح واحدًا من أعضائها المرموقين. وفي عام ١٦٦٣م تحولت «الكلية المستورة» إلى الجمعية الملكية التي لعب «بويل» فيها دورًا هامًّا في سنواتها الأولى.٢٦
كان «بويل» يعيش في أُكْسفُورد من عام ١٦٥٤م حتى عام ١٦٦٨م، وتعرف عليه «لوك» وصادقه معظم هذه الفترة. حتى إن «لوك» عندما زار «كيلف … Cleves» عام ١٦٦٥م٢٧ أرسل إلى صديقه «العزيز» «بويل» عدة رسائل من هناك، وكذلك بعض المعلومات العلمية. أما في أُكْسفُورد نفسها فقد ساعده في إجراء التجارب التي كان يقوم بها. وكان «بويل» من جانبه يُقدم إلى لوك بحثَه عن «التاريخ العام للهواء» ليحكم عليه قبل نشره.٢٨

(٣) ثالثًا: سنوات النضج

التقى «جون لوك» لأول مرة باللورد آشلي Ashley عام ١٦٦٦م وهو الذي أصبح فيما بعد «أيرل شافتسبري الأول» — وكان اللقاء الذي تم في أُكْسفُورد مصادفة هامة بالنسبة للرجلَين معًا. وإن كان بالنسبة لجون لوك بصفةٍ خاصة حادثة مُفعمة بالنتائج الهامة. فقد كان آشلي بالفعل شخصية بارزة في مجتمعه ذا مواهب متعددة، يمتدح الجميع قدراته العملية، وقد أُعجب به «لوك» إعجابًا كبيرًا، في حين تعرف اللورد «بدوره»، على ما يتَّسم به هذا الشاب من حكمةٍ ونبوغ. وهكذا أصبح لوك منذ منتصف عام ١٦٦٧م وما بعدها واحدًا من خلصاء اللورد حتى ترك أُكْسفُورد وسافر ليعيش معه في لندن، حيث قدم له خدمةً كُبرَى بوصفه طبيبًا للأسرة عام ١٦٦٨م فقد أجرى له عملية جراحية بارعة لاستئصال ورمٍ خبيث. وإن كان اللورد آشلي لم يكن يسعى إلى أن يحصل من «لوك» على خدماتٍ طبية فحسب، بل كان يودُّ أن يتَّخذ منه صديقًا، وهو ما عبر عنه حفيده شافتسبري الثالث بقوله:
«لقد حظي مستر لوك بتقدير كبير لدى جدي، فقد عرف بالتجربة أنه رجل عظيم في الطب، لكنه عرف أيضًا أن ذلك جانب ضئيل من جوانب شخصيته. ولهذا شجَّعه أن يتَّجه بأفكاره إلى منحًى آخر، ولم يسمح له بمزاولة الطب إلَّا في الأسرة فقط، أو من قبيل العطف والرحمة بصديقٍ حميم. وهكذا هيَّأه لدراسة المسائل الدينية والمدنية التي تهم البلاد، وكل ما يتصل بوزير في الدولة. ولقد أحرز في ذلك نجاحًا كبيرًا جدًّا. حتى إن جدِّي بدأ يتخذ منه صديقًا، ويسأله المشورة في أية قضية من هذا النوع.»٢٩
وهكذا وجد «لوك» نفسه في مركز الأحداث بسبب علاقته باللورد آشلي: الشخصية السياسية الرائدة في إنكلترا في ذلك الوقت، مما اضطرَّه للتعرُّف على مُجريات الأمور، ودراسة جميع الأحداث الرئيسية في أيامه حتى يستطيع أن يُقدم النصيحة للرجل الذي وثق فيه، وهو صاحب مكانة كبيرة في دُنيا السياسة. لقد كان لوك يقضي أيامه في أُكْسفُورد في صُحبة مجموعة من المثقفين والعلماء، أما الآن فهو يتعامل مع رجال الأعمال، والسياسيين، ورجال البلاط … ذلك هو عالمه اليومي، وهو عالم جديد عليه تمامًا.٣٠
ولمدة عامين (١٦٧٣–١٦٧٥م) عمل فيلسوفنا سكرتيرًا لمجلس التجارة والزراعة (المُستعمرات) الذي كان يرأسه شافتسبري. وكانت أُولى مهامه المساعدة في وضع دستور لمستعمرةٍ جديدة في كارولينا Carolina التي أسسها اللورد آشلي (شافتسبري) — وكان أكبر مُلَّاك الأرض فيها — ولقد نُسِب الدستور كله إلى «لوك» بسبب العثور على نسخةٍ منه بخطِّ يده بين أوراقه، لكن من غير المُحتمل أن يكون هو مؤلِّفه كله.

ولم يُهمل فيلسوفنا البحث العلمي، فقد انشغل بالطب بالتعاون مع «سيدنهام» كما سبق أن ذكرنا، كما تعاون مع مجموعةٍ أخرى من العلماء البارزين. غير أن مصيره كان يرتبط دائمًا بمصير آشلي، فإذا ما فُصل من هذه الوظيفة أو تلك فقَد «لوك» وظيفته في الحال، حتى إنه كان يُهاجر إلى فرنسا وهولندا إذا ما ساءت أحوال «آشلي» السياسية.

(٤) رابعًا: سنوات النهاية

كان «لوك» في السادسة والخمسين عندما عاد من هولندا، وقد أصبح معروفًا بالفعل وسط حلقة واسعة من الأصدقاء، ومشهورًا عند آخرين. فقد أصبح الآن شخصيةً وطنية، فهو نبي «حزب الهويج Whig»٣١ وكان أول ما نُشر له «رسالة حول التسامح» ظهرت في البداية غفلًا. غير أن معيار التسامح الذي أقرَّته، فيما بعد، الحكومة الجديدة عام ١٦٩٠م كان بالغ الضِّيق، حتى إن الفرصة التي كان يأملها «لوك» والبروتستانت في توحيد جميع الفرق في كنيسة رحبة شاملة، ضاعت أدراج الرياح.
وفي عام ١٦٩٠م ظهر كتاب آخر هو «رسالتان في الحكومة المدنية» وكانت الرسالة الأولى — على نحو ما سنعرف بعد قليل — هجومًا على كتاب المفكر اللاهوتي فلمر Filmer الذي ظهر عام ١٦٨٠م باسم «الحكم الأبوي Patriarcha». أما الرسالة الثانية فهي إسهام «لوك» الإيجابي في النظرية السياسية. والهدف من الكتاب كله يوضحه التصدير: «وهو دعم تاج ملِكنا العظيم الملك وليم … بموافقة الشعب. وأن نُبرز للعالم حُب الشعب الإنكليزي للعدالة والحقوق الطبيعية، وعزمه على المحافظة عليها، وإنقاذ الأمة التي كانت على شفا العبودية والدمار …»٣٢
وفي العام نفسه (عام ١٦٩٠م) أصدر «لوك» كتابه الشهير «مقال عن الفهم البشري»،٣٣ وخلال عامي ١٦٨٩-١٦٩٠م كان الفيلسوف يعيش في حي وستمنستر في لندن، ولقد قدم له الملك عدة وظائف دبلوماسية، لكنه اعتذر عنها في أدب. وبعد عام ١٦٩١م قضى معظم وقته في أوتس Oates في إسكس Essex مع سير فرنسيس ماشام وقرينته داماريس … Damaris أو ليدي ماشام إحدى بنات الفيلسوف رالف كودورث. وفي عام ١٦٩٣م ظهر له «بعض أفكار حول التربية والتعليم». وفي عامي ١٦٩٧-١٦٩٨م اشتد عليه المرض وكتب يشكو إلى كلارك «وقتي موزَّع بين الفراش وركن المدفأة، فقد أصبحتُ عاجزًا عن المشي بسبب حاجتي الماسة مع أقل حركةٍ إلى التنفُّس والهواء، في استطاعتك أن تقول إنني أصبحتُ سجينًا، لا فقط سجين المنزل، بل أيضًا سجين المقعد، ويصعب عليك أن تجد شخصًا يعيش حياةً وحيدة مثلي».
وفي سنوات لوك الأخيرة كانت اهتماماته تعود شيئًا فشيئًا إلى اللاهوت Theology على نحو ما تكشف رسائله، كما أنه انشغل بعض الوقت بإصدار الطبعة الرابعة من كتابه «مقال عن الفهم البشري» وعندما انتهى من هذه الطبعة التي أُصدرت عام ١٧٠٠م، عاد مرة أخرى إلى رسائل القديس بولس، وكتب بعض التعليقات على رسائل بولس إلى أهل رومية، وإلى أهل كورنثه، وأفسس وغلاطية.

وفي ربيع عام ١٧٠٤م كان لوك يشعر أن نهايته قد اقتربت، واشتدَّ المرض خلال الصيف، فكتب آخر رسائله إلى «لمبورك» في أغسطس. أما في شهر أكتوبر فكان شهر النهاية، نام في فراشه يوم السبت ٢٨ أكتوبر وراحت ليدي ماشام تقرأ له في مزامير داود، وبعد لحظات قليلة أغمض عينَيه وفارق الحياة في هدوءٍ وسكينة. وكتبت عنه ليدي ماشام بعد ذلك «كانت وفاته مثل حياته خاشعة ساكنة طبيعية وسهلة».

١  John Dunn, Lock, Oxford University Press, 1984, p. 1.
٢  Richard I. Aaron, John Locke, Second Edition, Oxford, at the Clarendon Press, 1955.
٣  كان أغلب أعضاء البرلمان من «البيورتان» حتى إنَّ الحرب الأهلية سُميت باسم «ثورة البيورتان».
٤  Quoted by R. I. Aaron, John Locke, p. 2.
وقارن أيضًا ول ديوارنت، «قصة الحضارة»، مجلد ٣٤، ترجمة محمد علي أبو درة، ومراجعة علي أدهم، ص٤٢.
٥  «شرح لابنة نظريتَي: «سيادة شعب»، و«الحكومة النيابية»، وبقي لوك مخلصًا لهذه الدروس مؤمنًا بها، شاكرًا معترفًا بفضل أبيه في تعويده على الرصانة …» ول ديوارنت، «قصة الحضارة»، مجلد ٣٤، ص٤٢.
٦  تروي ليدي ماشام عن والد لوك أنه: «سلك معه في صغره نهجًا تحدث عنه الابن فيما بعد في استحسانٍ بالغ. ذلك أنه كان قاسيًا عليه بإبقائه في رعبٍ شديد منه، وعلى أبعد منه، حين كان صبيًّا. ولكنه كان يُخفف من هذه القسوة شيئًا فشيئًا حتى استوى جون رجلًا، آنس منه رشدًا، ومقدرة، فعاش معه صديقًا حميمًا …» نقلًا عن ول ديورانت في «قصة الحضارة» مجلد ٣٤ ص٤٢.
٧  يقول دن: لقد كرس لوك حياته العقلية بأسرها لمسألتَين؛ الأُولى: كيف يمكن للموجودات البشرية أن تعرف شيئًا ما؟ والثانية: كيف ينبغي لهذه الموجودات أن تعيش؟
John Dunn, Locke (Preface), Oxford University Press.
٨  ول ديورانت، «قصة الحضارة»، مجلد ٣٤، ترجمة محمد علي أبو درة، ص٤٣.
٩  J. Dunn, op. cit..
١٠  R. I. Aaron, op. cit., p. 3.
١١  الفلسفة المشائية هي الفلسفة الأرسطية، وقد سُمِّيت بهذا الاسم كما يعرِف المتخصصون، لأن أرسطو كان يُلقي دروسَه وهو يمشي في حديقة المدرسة يتبعه تلاميذه.
١٢  قارن في هذا الموضوع بالتفصيل كتابنا «توماس هوبز: فيلسوف العقلانية» لا سيما الفصل الثاني من الباب الأول، القسم الثاني بعنوان «الغرب في أُكسفورد».
١٣  ول ديورانت، «قصة الحضارة»، مجلد ٣٤، ص٤٣.
١٤  هناك دلائل على أنه وقع في ذلك الوقت في غرام إحدى السيدات لا نعرف من اسمها سوى أنها «مدام Madam» ويدل على ذلك الخطاب الذي أرسله إلى والده، وكذلك مسوَّدات الخطابات الغرامية إلى Madam من المجموعة الغرامية التي تنتمي إلى تلك الفترة (١٦٥٨-١٦٦١م) وهي مليئة بعبارات عاطفية رقيقة مثل «سلبتني عقلي»، كما يصف هو نفسه علاقته بها في واحدٍ من هذه الخطابات … وكانت هناك أيضًا مشاجرات بين العشاق. و«مدام» جعلته يُدرك «أنني لم أبلغ الرضا على حساب وقتك أو صبرك». رسالة بتاريخ ٤ يونيو ١٦٥٩م.
١٥  Dunn, op. cit..
١٦  هو إدوارد مونتاجو Edward Montagu (١٦٢٥-١٦٢٧م) قاتل في جيش البرلمان، كان جنرالًا بحريًّا، عُيِّن سفيرًا لإنكلترا في مدريد (١٦٦٦-١٦٦٩م) عقد أثناءها معاهدة مع إسبانيا.
١٧  كانت الضغوط السياسية نتيجة للأحداث والاضطرابات التي سادت إنكلترا في ذلك الوقت إلى جانب تأثير والده، هي التي جعلت «لوك» يشعر أن ما يحتاجه جيله هو «الفهم الفلسفي العميق لما يحدث» او على حدِّ تعبير «دن J. Dunn»: كيف ينبغي للإنسان أن يعيش؟
١٨  ريتشارد هوكر R. Hooker (١٥٥٣–١٦٠٠م) لاهوتي إنكليزي، كتب «قوانين حكومة الكنيسة» في عدة أجزاء من عام ١٥٩٤م حتى ١٥٩٧م. على الرغم من أنه كان يعالج موضوع حكومة الكنيسة صراحة، فإنه كان في الواقع باحثًا في فلسفة القانون والحُكم بوجهٍ عام.
١٩  جورج سباين: «تطور الفكر السياسي» الكتاب الثالث، ترجمة الدكنور راشد البراوي، دار المعارف بمصر، عام ١٩٧١م ص٥٩٧.
٢٠  Richard I. Aaron, John Locke, Oxford at the Clarendon Press, 1955, p. 7.
٢١  Ibid..
٢٢  أو الفلسفة المدرسية، وسُمِّيت بهذا الاسم لأنها كانت تدرس في العصر الوسيط في مدارس Schola ملحقة بالكنائس أشبه «بالكُتَّاب» عندنا الذي كان مُلحقًا بالمسجد.
٢٣  Quoted by Richard Aaron, John Locke, p. 9.‏
٢٤  Ibid..
٢٥  يذهب «دن J. Dunn» إلى أن الفرصة قد واتتْه للاستفادة من البحوث الطبية والكيميائية عند «بويل» والعالم الإنكليزي روبرت هوك R. Hooke (١٦٣٥-١٧٠٣م) وعالم الفسيولوجيا ريتشارد لور R. Lower (١٦٣١-١٦٩١م)، وتوماس سيدنهام T. Sydenham (١٦٢٤-١٦٨٩م) الطبيب المشهور. فقد تعلم لوك من هؤلاء الرجال قيمة الملاحظة المنظمة، كما تعلم التواضع والصبر، والعمل الجاد، وتحمُّل المشاقِّ في محاولة الإنسان لإدراك ظواهر الطبيعة. ويذكر الطبيب سيدينهام أن لوك كتب بخط يدِه عام ١٦٦٩م يقول «المعلومات والمعارف الصحيحة لا تظهر في بدايتها في العالم إلا عن طريق التجربة والملاحظة العقلية، غير أن الرجل الأبيَّ لا يقنع بالمعلومات التي حصل عليها، بل يحتاج إلى النفاذ إلى عِلل الأشياء الخفية، ليضع أمامه المبادئ والقواعد التي تتحكَّم في عمليات الطبيعة».
John Dunn, Locke, Oxford University Press, 1984, p. 7.
٢٦  R. Aaron, John Locke, p. 12.
٢٧  يُقال إنه عندما ترك إنكلترا في نوفمبر عام ١٩٤٥م، في صحبة سير ولتر فين Sir Walter Vane الذي أرسله الملك تشارلز الثاني في مهمة خاصة إلى ألمانيا أولًا، ثم أقام بضعة أشهر في مدينة «كليف»، وجد أن هذه المدينة يسودها التسامح الديني فأثَّر ذلك في نفسه بشدة. وقد عبر عن هذا المعنى في رسالة إلى روبرت بويل R. Boyle يُخبره فيها أن أتباع كالفن، وأتباع لوثر، بل والكاثوليك يمارسون عباداتهم بحرية ويحتمل بعضهم بعضًا. «كل واحد منهم يسمح للآخر في هدوء أن يختار طريقَه إلى السماء، ولم ألحظ أي نزاعٍ أو عداوة بينهم في «أمور الدين …»». جون لوك: رسالة في التسامح، ترجمَها عن اللاتينية د. عبد الرحمن بدوي، دار الغرب الإسلامي، ١٩٨٨م، ص٤٣-٤٤.
٢٨  R. Aaron, John Locke, p. 13.
٢٩  Quoted by R. Aaron, John Locke, p. 15.
وقارن أيضًا ول ديورانت، «قصة الحضارة»، مجلد ٣٤، ترجمة محمد علي أبو درة ومراجعة علي إبراهيم، دار الجيل، بيروت، ١٩٨٨م، ص٤٤.
٣٠  Ibid., pp. 15-16.
٣١  حزب سياسي بريطاني نشأ في البداية في استكلندا، عمل على الحدِّ من سلطة الملك بالقسر والإكراه، وقد شارك هذا الحزب في تنظيم الثورة عام ١٦٨٨م. وحكَم بريطانيا من عام ١٧١٤م إلى عام ١٧٦٠م. وفي عام ١٨٦٨م أصبح يُعرف باسم «حزب الأحرار Liberal Party».
٣٢  هذا التصدير، للأسف، كثيرًا ما يُحذَف في جميع الطبعات الحديثة. راجع في ذلك كتاب ريتشارد هارون «جون لوك»، ص٣٦، وحاشية رقم ٢ من نفس الصفحة.
٣٣  ولهذا سُمِّيت «سنة العجائب» لأن لوك أصدر فيها ثلاثة كتُب هامة هي: «رسالة عن التسامح» و«رسالتان في الحكم المدني» و«مقال عن الفهم البشري». راجع ديورانت، ص٤٦.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦