حياته
تمهيد
وفي استطاعتنا أن نُحدد ثلاثة أحداث هامة هي التي وجهت مسار حياة «لوك» على النحو التالي:
-
(١)
الحدث الأول: هو انتقاله من قريته «سومرست» إلى لندن عام ١٦٤٦م للدراسة في مدرسة وستمنستر، ثم انتقاله بعد ذلك إلى أُكْسفُورد لكي يلتحق بكلية المسيح، وكان ذلك في عام ١٦٥٢م.
اهتم «لوك» بدراسة الطب اهتمامًا خاصًّا حتى أصبح طبيبًا. وهو طريق سار فيه فيلسوفنا بهمةٍ ونشاط من حيث النظر والعمل معًا، فقد درس الطب في جامعة أُكْسفُورد دراسةً منظمة لسنوات طويلة، ثم قام بخدمات طبية هامة وخطيرة بالنسبة لأصدقائه ومعارفه. وارتبط ارتباطًا وثيقًا بواحدٍ من أعظم أطباء القرن السابع عشر وهو «دكتور توماس سدنهام Dr. Thomas Sydenham» الذي كان رائدًا في علاج الأمراض المُعدية. كما أن اهتمامات لوك الطبية أيضًا — وليست بحوثه الفلسفية أو اللاهوتية — هي التي قدمت له أعظم فرصةٍ في حياته، وهي تدعيم علاقته مع «اللورد آشلي». -
(٢)
الحدث الثاني: وهو تعرُّفه ثم صداقته باللورد آشلي وقد كان في عام ١٦٦٦م. ففي هذا العام، ومن خلال صديق طبيب آخر هو «ديفيد توماس David Thomas»، التقى لوك لأول مرة باللورد آشلي «Ashley» الذي أصبح فيما بعد إيرل شافتسبري الأول — وكان شخصية سياسية رائدة في بلاط الملك شارل الثاني — وكانت مناسبة اللقاء زيارة «اللورد» لمدينة أُكْسفُورد ليشرب من مياهها المعدنية، لكن نتيجة اللقاء كانت بالغة الأهمية في حياة «لوك».
-
(٣)
الحدث الثالث: شغفه بالدراسات الفلسفية والفهم الفلسفي.٧ ولا شك أن هذا الحدث كان أقلَّ وضوحًا في ذهنه، وأكثر تدرجًا من الحدثَين السابقين: أعني: انتقاله إلى مدرسة وستمنستر، ثم جامعة أُكْسفُورد والْتحاقه بخدمة شافتسبري. وقد كان اهتمام «لوك» بالمشكلات الفلسفية منحصرًا في السلطة السياسية، والتسامح، والأخلاق، ونظرية المعرفة. وهي اهتمامات ربما بدأت في خمسينيات القرن السابع عشر (١٦٥٠م) وليس ثمة ما يُبرر الافتراض بأن اهتمامه بالفلسفة جاء نتيجة ارتباطه بشافتسبري أو عمله في خدمته.
وسوف نتحدث في شيءٍ من التفصيل عن هذه الأحداث مقسمِّين حياته إلى مراحل وفق الترتيب التالي:
- أولًا: السنوات المبكرة.
- ثانيًا: سنوات النمو.
- ثالثًا: سنوات النضج.
- رابعًا: سنوات النهاية.
(١) أولًا: السنوات المبكرة
وفي عام ١٦٥٢م وقع الاختيار على «جون لوك» لتكون منحة كلية المسيح في جامعة أُكْسفُورد من نصيبه. ومنذ ذلك التاريخ وعلى مدى ثلاثين عامًا قادمة سوف يجعل من مدينة أُكْسفُورد بيتَه ومقرَّه الدائم.
أما الوظيفة التي جذبته أكثر من غيرها فهي مهنة الطب، لا سيما وأنه كان منجذبًا إلى البحوث التجريبية الجديدة في العلوم الطبيعية وتطبيقها على الأمراض البشرية، وعلى الرغم من أنه تمرَّس في هذه المهنة جيدًا حتى إنَّ الناس اعترفوا بمعلوماته الجيدة في الطب، فإنه لم يحترف أبدًا هذه المهنة، بل كان يُفضل أن يُمارسها ممارسة الهُواة.
(٢) ثانيًا: سنوات النمو
لقد كانت المشكلات الأساسية التي شغلت تفكيره حتى عام ١٦٦٧م هي المشكلات العملية والاجتماعية، فهي التي فرضت نفسها عليه نتيجة للأحداث التي كانت تدور من حوله. ومع ذلك فقد تعرف على الآراء النظرية لكثيرٍ من قادة الفكر في الماضي، وفي عصره على حدٍّ سواء. ويمكن أن نتعقب، بإيجاز، تأثير بعض الشخصيات الهامة على تفكيره في هذه الفترة:
-
(١)
قد يبدو للنظرة العجْلَى أن المفكرين السابقين، أو المعاصرين ل «لوك» لم يُمارسوا عليه سوى تأثير ضعيف، نظرًا لإشاراته القليلة إليهم. كما أنه أحيانًا يقتبس من أهل الثقة من أمثال «هوكر Hooker».١٨ الذي كان يغتبط جون لوك كثيرًا وهو يعترف بدَينه إلى «هوكر الحكيم».١٩ وإن كان ذلك لا يحدث إلَّا نادرًا.٢٠ فقد رفض المنهج الساذج الذي كان سائدًا في القرن السابع في التأثير على القارئ عن طريق تكديس الاقتباسات المختلفة وحشو الأذهان وملء الصفحات. ولقد حاول بدلًا من ذلك أن يبرهن برهنةً عقلية على كل مسألةٍ يعرض لها، والنظر في كل حجة بما تستحقه، وفي استقلالٍ تام عمَّا قيل عنها في الماضي، لكنه لم يكن جاهلًا بالماضي، إذ تُبيِّن لنا يومياته مدى قراءاته الواسعة ومقدار دَينه للآخرين.٢١
-
(٢)
وليس في نيَّتنا أن نقدم حصرًا شاملًا بدَينه للآخرين، فذلك ليس مطلوبًا في كُتيِّبٍ يسعى إلى إلقاء الضوء على حياته تمهيدًا لعرض آرائه عن المرأة. ولكن ما نودُّ أن نلفت إليه النظر هو تأثُّره ببعض مصادر الفكر اليوناني، وربما كان المثير للدهشة حقًّا هو أن نجد دَينه للعصور الوُسطى أكبر بكثيرٍ من دَينه لليونان والرومان. فأول فلسفةٍ تعلَّمها وتأثر بها هي الفلسفة الإسكولائية Scholasticism،٢٢ ولقد راح يُجاهد ليخلِّص نفسه منها بالتدريج وبصعوبة، وإن ظلت مصطلحاته وأفكاره المركزية مُستمدَّةً أساسًا من الفلسفة المدرسية: الإطار المنطقي لأفكاره، الجوهر والعرَض، والحال، والأجناس والأنواع، والكليات، والجزئيات … إلخ، كذلك ميتافيزيقاه كانت جذورها أيضًا إسكولائية؛ تصوُّره لله، علاقة الله بالعالم، وتصوُّره للإنسان، ومكانه في الكون في الترتيب التصاعدي Hierarchy للموجودات. ذلك كله كان ذا أصولٍ مدرسية. فليس عجيبًا بعد ذلك أن يتحدث فيلسوفنا عن «حرية الإنسان»، وعن حقوقه التي يدافع عنها دفاعًا مجيدًا، وعن التسامح، وغير ذلك من الأفكار النبيلة التي يخصُّ بها الرجل وحدَه، ويسقط منها تمامًا حقوق المرأة وحُريتها على نحو ما سنعرف بعد قليل.
-
(٣)
ومن بين المؤثرات التي أثرت في فكر «لوك» في هذه الفترة من نموه الروحي: شخصيتان مُعاصرتان كان لهما تأثير حاسم هما: رينيه ديكارت R. Descartes (١٥٩٦–١٦٥٠م) وروبرت بويل Robert Boyle (١٦٢٧–١٦٩١م).بدأ «لوك» في دراسة ديكارت بعد تخرُّجه على الأرجح، ولم يستغرق الأمر فترة طويلة لكي يتبيَّن فيلسوفنا أن الفلسفة الجديدة التي ينشرها ديكارت كانت أكثر أهمية، وأشد واقعيةً وحقيقة من التمارين المنطقية المُجدبة القاحلة والجافة التي كان يدرسها في جامعة أُكْسفُورد، فهو في أول خطابٍ له إلى «ستلنج فيلت» يقول: «إنه يعترف بإعجابه بذلك المفكر المهذب — الجنتلمان — (يقصد ديكارت) الذي كان أول من حرَّرني من طريقة الحديث الغامض».٢٣ وتُخبرنا ليدي ماشام Lady Masham أن الكتُب الأُولى، كما أخبرني مستر لوك نفسه، التي كانت بمثابة الوجبة فاتحة الشهية عنده للمسائل الفلسفية، هي كتب ديكارت! فقد استمتع بقراءتها، رغم أنه كثيرًا ما كان يختلف في الرأي مع صاحبها، لكنه مع ذلك وجد أن ما يقوله بالغ الوضوح.٢٤ ومن هنا فقد كان ديكارت أول من علَّم «لوك» كيف يكتب بحثًا فلسفيًّا بطريقةٍ واضحة. بعد أن ترك تعليمه في أُكْسفُورد وظل يعاني من الشعور باليأس في إمكان التقدُّم أو السير في طريق العقل. فجاء ديكارت وحرَّره من مشاعر القنوط والتشاؤم. وإن كان لوك لم يُتابع المُخلِّص أو المُحرِّر بطريقةٍ عمياء، بل انتقد آراءه على أُسس تجريبية.
-
(٤)
وربما كانت الشخصية الأكثر أهميةً في تأثيرها على لوك من المنظور التجريبي، هو عالم الكيمياء الإنكليزي «روبرت بويل Robert Boyle» (١٦٢٧–١٦٩١م) الذي عُرف بتجاربه الرائدة في خصائص الغازات، ووضع عام ١٦٦٢م قانونًا يُعرَف حتى اليوم باسم «قانون بويل».٢٥
(٣) ثالثًا: سنوات النضج
ولم يُهمل فيلسوفنا البحث العلمي، فقد انشغل بالطب بالتعاون مع «سيدنهام» كما سبق أن ذكرنا، كما تعاون مع مجموعةٍ أخرى من العلماء البارزين. غير أن مصيره كان يرتبط دائمًا بمصير آشلي، فإذا ما فُصل من هذه الوظيفة أو تلك فقَد «لوك» وظيفته في الحال، حتى إنه كان يُهاجر إلى فرنسا وهولندا إذا ما ساءت أحوال «آشلي» السياسية.
(٤) رابعًا: سنوات النهاية
وفي ربيع عام ١٧٠٤م كان لوك يشعر أن نهايته قد اقتربت، واشتدَّ المرض خلال الصيف، فكتب آخر رسائله إلى «لمبورك» في أغسطس. أما في شهر أكتوبر فكان شهر النهاية، نام في فراشه يوم السبت ٢٨ أكتوبر وراحت ليدي ماشام تقرأ له في مزامير داود، وبعد لحظات قليلة أغمض عينَيه وفارق الحياة في هدوءٍ وسكينة. وكتبت عنه ليدي ماشام بعد ذلك «كانت وفاته مثل حياته خاشعة ساكنة طبيعية وسهلة».
وقارن أيضًا ول ديوارنت، «قصة الحضارة»، مجلد ٣٤، ترجمة محمد علي أبو درة، ومراجعة علي أدهم، ص٤٢.
John Dunn, Locke (Preface), Oxford University Press.
John Dunn, Locke, Oxford University Press, 1984, p. 7.
وقارن أيضًا ول ديورانت، «قصة الحضارة»، مجلد ٣٤، ترجمة محمد علي أبو درة ومراجعة علي إبراهيم، دار الجيل، بيروت، ١٩٨٨م، ص٤٤.