الفصل الثاني

روح العصر

تمهيد

وُلدت أوروبا من جديد في «عصر النهضة … Renaissance» بالمعنى الحرفي لهذا اللفظ.١ غير أن المولود الجديد لم يكن طفلًا صغيرًا، بل عملاقًا ضخمًا، انتفض ليُثير رياح الثورة والتغيير في كل مكان. فراح يراجِع التراث القديم كله الذي ورِثه عن أسلافه مراجعةً دقيقة: تراث العصر الوسيط الديني من ناحية، وتراث اليونان والرومان العلمي والفلسفي من ناحيةٍ أخرى، وتراث العادات والتقاليد والنظُم الاجتماعية والسياسية من ناحيةٍ ثالثة. وتمخَّضت هذه المراجعات عن ثلاث ثوراتٍ كُبرَى: دينية، وعلمية (وفلسفة)،٢ وسياسية، بدأت في القرنين الرابع عشر والخامس عشر، واستمرَّت حتى مطلع القرن السابع عشر، وامتدَّت إلى أنحاء مختلفة من أوروبا، وبذلك كان عصر النهضة مرحلة انتقالية بين العصور الوُسطَى والعصر الحديث.

ولقد انعكست روح العصر في فكر فيلسوفنا وأعماله، فأدَّت به الثورة الدينية وما أعقبها من خصوماتٍ ومشاحنات وعداوات بل وحروب، إلى أن يكتب بحثَين في التسامح.

وانتهت به الثورة العلمية — وممارسته للطب — وإجراء التجارب مع أصدقائه من علماء العصر؛ إلى أن يسأل نفسه: كيف يمكن للإنسان أن يعرف العالم من حوله؟ وهل هناك أفكار فطرية يُولَد بها الإنسان هي التي توجهه. وكان من نتيجة هذه الأسئلة بحثه في «الفهم البشري».

أما الثورة السياسية والاجتماعية فقد ظهرت عند فيلسوفنا واضحةً جلية فيما كتبه في الفلسفة السياسية، في محاولة لإعادة بناء المجتمع البشري (كما يتمثل في المجتمع الإنكليزي) الذي دمَّرته الحرب الأهلية — لا سيما كتابه الشهير «رسالتان عن الحكم المدني» الذي عرض فيه نظريته السياسية. وسوف نتناول هذه الثورات الثلاث بإيجازٍ في الصفحات القادمة.

(١) أولًا: الثورة الدينية

بدأت الثورة الدينية ضد الكنيسة الكاثوليكية في روما في القرن السادس عشر بقيادة الراهب الألماني مارتن لوثر M. Luther (١٤٨٣–١٥٤٦م) في ألمانيا، وجون كالفن J. Calvin (١٥٠٩–١٥٦٤م) في فرنسا وسويسرا، وأدَّت إلى ظهور المذهب البروتستانتي، الذي كانت له آثار بعيدة المدى على الحياة الدينية في القارة الأوروبية.

أما في إنكلترا فقد بدأت البروتستانتية تشق طريقها إليها إبَّان حياة مؤسسها — مارتن لوثر — وساعد على انتشارها لأول مرة الملك هنري الثامن (١٥٠٩–١٥٤٧م) الذي وقع في نزاع خطير مع البابا أدَّى إلى إعلانه استقلال إنكلترا دينيًّا عن بابا روما.

ثم عملت ابنته «إليزابيث» على تشجيع البروتستانتية، فعزلت بعض الأساقفة الكاثوليك، وأودعت غيرهم السجون، وأمرت عامة الناس بحضور الصلوات البروتستانتية في الكنائس المحلية كل يوم أحد. وكان مندوبون ملكيُّون يمرُّون في الأرياف لتلقي خضوع رجال الدين لأوامر الملكة، ومن يرفض يُعزل. فاختبأ بعضهم من أعين الرقباء، وفرَّ البعض الآخر خارج البلاد.

وعندما تولى جيمس الأول وكان بروتستانتيًّا مُخلصًا، بدأ حكمه بأن وعد باتخاذ سياسة التسامح مع الكاثوليك! وخلفه تشارلز الأول (١٦٢٥–١٦٤٩م) الذي سمح لعددٍ كبير من رجال الدين الكاثوليك بالعمل في إنكلترا، وقام وكلاء بابويُّون عديدون بالإقامة في لندن، بدعوى أنهم سفراء لدى البلاط. ولما قامت الحرب الأهلية بينه وبين البرلمان، وقف زعماء الكاثوليك في صفِّ الملك ضد البرلمان والشعب. وانتهت الحرب في يناير ١٦٤٩م بإعدام الملك، وبإلغاء النظام الملكي، وتولَّى «كرومويل» قيادة البلاد لمدة خمس سنوات (١٦٥٣–١٦٥٨م) صُودرت فيها أملاك الكاثوليك، وأُعدِمَ اثنان من قساوستهم. وهكذا يُظهرنا العصر على أن العصر الديني كان مُحتدمًا أيام لوك بين الكاثوليك والبروتستانت، بل إن الصراع بين «كروميل» وبين البرلمان طويل الأجل كان له ذلك الجانب اللاهوتي، فقد كان في جزءٍ منه صراعًا بين من رفضوا القول بأن للدولة أن تُقرر شيئًا في المسائل الدينية وأولئك الذين تقبَّلوها. وقد أدى الضجر الناجم من الحرب الدينية، شيئًا فشيئًا، إلى ازدياد الدعوة إلى التسامُح والإيمان بأهميته. وكان ذلك أحد مصادر الحركة التي تطوَّرت في النزعة الليبرالية فيما بعد.

وقد انعكس أثر ذلك كله بوضوح على فكر فيلسوفنا الشاب «جون لوك» لا سيما أنه عندما ارتحل إلى هولنده، وجد هناك من حرية العبادة أكثر مما كان في إنكلترا. وعندما أقام بضعة أشهر في مدينة كليف Cleves رأى ما يسود المدينة من تسامح ديني، وقد تأثر كثيرًا بهذا التسامح، وعبر عن تأثره هذا في رسالة كتبها إلى صديقه «روبرت بويل R. Boyle» يخبره فيها أنه شاهد الكلفانيين واللوثريين بل والكاثوليك يمارسون عباداتهم بحُرية ويحتمِل بعضهم بعضًا. يقول في هذه الرسالة: «إن كل واحد منهم يسمح للآخر في هدوء أن يختار طريقه إلى السماء، وأنا لم ألاحظ أي نزاعٍ أو عداوة بينهم في أمور الدين … إنهم يرون آراءً مختلفة دون أن يعتلج في نفوسهم أي بُغضٍ سرِّي أو حقد».٣
لقد أدت الضغائن الكثيرة والمشاحنات بين البروتستانت والكاثوليك في إنكلترا إلى إقناع كل فردٍ أنه لا يمكن لهذا الفريق أو ذاك أن ينتصر انتصارًا حاسمًا ونهائيًّا، وأصبح من الضروري التخلي عن ذلك الأمل الذي ساد العصر الوسيط في إيجاد وحدةٍ مذهبية، وترك الناس تعتنق ما تشاء. وقد زاد ذلك في حرية الناس في أن يُفكروا لأنفسهم حتى فيما يتعلق بالأساسيات، بل إنَّ تعدُّد العقائد في الأقطار المختلفة جعل من الممكن الفرار من الاضطهاد والحياة في بلدٍ آخر. كما أن الاشمئزاز من الحرب الدينية حوَّل أنظار الناس القادرين تحويلًا متزايدًا نحو التعاليم العلمانية وبخاصة الرياضيات والعلم.٤
أدى ذلك كله بفيلسوفنا إلى أن يكتب في مُذكراته تدوينةً أو ملحوظة بعنوان «التسامح» يُقرر فيها هذ المبدأ العام «ليس لأي إنسانٍ السلطة في أن يفرض على إنسانٍ آخر ما يجب عليه أن يؤمِن به أو أن يفعله لأجل نجاة روحه هو، لأن هذه مسألة شخصية تمامًا، ولا تعني أي إنسانٍ آخر. إن الله لم يمنح مثل هذه السلطة لأي إنسان، ولا أية جماعة، ولا يمكن لأي إنسانٍ أن يُعطيها لإنسانٍ آخر على الإطلاق.»٥ وفضلًا عن ذلك فإن «لوك» يكتب بحثَين في التسامح، الأول عام ١٦٦٧م بعنوان «مقال عن التسامح Easy on Toleration» لم يُنشر في حياته وإن نُشر لأول مرة بعد ذلك بما يزيد على قرنَين (عام ١٨٧٦م)، والثاني بعنوان «رسالة في التسامح Epistola de Tolerantia» طُبعت لأول مرة في هولندا عام ١٦٨٩م.٦

(٢) ثانيًا: الثورة العلمية

يقول براتراتد رسل: «كل ما يُميز العالم الحديث عن العصور الوُسطَى يُنسب، في الأعم الأغلب، إلى العلم الذي حقق أعظم انتصاراته إثارةً في القرن السابع عشر …»٧ وهو يرى أن هناك أربعة رجال عظام ساهموا في دفع الثورة العلمية إلى الأمام هم: «كوبرنيكس» Copernicus (١٤٧٣–١٥٤٣م) رجل اللاهوت البولندي الذي قلَب نظام بطليموس٨ في الفلك رأسًا على عقب في كتابه العظيم «دوران الأفلاك»، أو حركات الأجرام السماوية. وعلى الرغم من أن الأفكار التي جاء بها هذا العالِم العظيم كانت أفكارًا هامة، فإن الفكرة الثورية الخطيرة التي ساقها في كتابه هي أن الثقات القدماء كلهم مُخطئون، وأنه حتى الملاحظة والحس المشترك مُعرَّضان للخطأ. أما العقل المُستنِد إلى الحساب الرياضي فهو وحدَه ما يمكن أن نثق به. وقد اتضحت حاجة الناس إلى جمع ثروة من الملاحظات الدقيقة لكي يعمل فيها العقل.٩
والواقع أن قيمة نظرية «كوبرنيكس» تستند أساسًا إلى القول بوجود تجانُس في الجوهر بين الأرض والأجرام السماوية … بعد قسمة أرسطو لما هو فوق فلك القمر، وما تحت فلك القمر، ووجود تماثُل في القوانين التي تتحكم في حركاتها. وسرعان ما رحبت جماعة من المفكرين بالمعاني التي جاءت ضمنًا عند كوبرنيكس.١٠ وظهر «كبلر Kepler» (١٥٧١–١٦٣٠م) في بداية القرن السابع عشر، فكان أول عالم فلك يعتنق نظرية كوبرنيكس في اعتبار الشمس مركزًا تدور حوله بقية الكواكب. ثم أضاف إلى الدراسات السابقة للطبيعة فكرةً هامة مُلخصها أن قُوَى الجذب تتخلل الطبيعة برمَّتها، وأن كل الأجسام تتمتع بقدرةٍ من هذا النوع لجذب الأجسام الأخرى، وتمخَّضت عن هذه الفكرة نتائج خصبة، إذ ذكر أن كل جسمٍ ينزع، اعتمادًا على الطبيعة، إلى البقاء ساكنًا في أي مكانٍ يوضع فيه، وبذلك وضع كبلر مبدأ القصور الذاتي. وهكذا دحض النظرة اليونانية، ونظرة عصر النهضة الأول في تفسير الحركات الطبيعية.١١
أما ثالث هؤلاء العلماء فهو جاليليو Galileo (١٥٦٤–١٦٤٢م) أعظم مؤسسي العلم الحديث الذي اعتبر أفكار كبلر أساسية في علم الطبيعة تعتمِد على مُسلَّمات واضحة. وقد كتب يقول:
«إن الفلسفة مكتوبة في هذا الكتاب العظيم الهائل المفتوح أمام أعيُننا على الدوام، وأعني به: الكون، ولكن قراءة هذا الكتاب لن تتيسَّر إلَّا بعد تعلُّم لغته، ومعرفة الرموز التي كُتب بها: وهو مكتوب بلغة رياضية، والحروف المُستعملة في كتابته هي المثلثات والدوائر وغيرها من الأشكال الهندسية، وبغير هذه الأشكال يستحيل فهم أية كلمة واحدة …»١٢
وهكذا بدا من الواضح أن وقائع الطبيعة تعتمد على حقائق الرياضة، وما هو معقول وحقيقي في الطبيعة هو ما يمكن قياسه بلُغة الكم، ولا مكان فيه لاختلافات الكيف (كالاختلاف بين الألوان والأصوات وغيرها)؛ لأن اختلافات الكيف مجرد تنويعات تُحدثها فينا الأجسام الطبيعية المُحددة عندما تؤثر على حواسِّنا.١٣ وهنا تبدو تبعية الكيفيات الثانوية للفهم أو الذهن أو العقل، أو الطابع الظاهري البحت للكيفيات الثانوية، وهو موضوع سوف يُفصِّل فيه «جون لوك» القول.١٤ وقد لا يعرف طلاب الفلسفة الإنكليزية عندما يصادفون هذه الفكرة عن لوك، أنها لم تكن من اختراعه، بل اهتدى إليها جاليليو قبل ذلك، وتحدث عنها بوصفها إحدى الحقائق الهامة. وكانت هذه الفكرة في الواقع من أهم أُسس الحركة العلمية التي حدثت في القرنين السابقين، بحيث بدت في عصر لوك وقد استنفدت أغراضها إلى حدٍّ ما.١٥
وفضلًا عن ذلك فقد قام جاليليو بتأسيس علم الديناميكا، ونظرية «التسارع» أعني تغيير السرعة: سواء في المقدار أو الاتجاه. والواقع أنه يرجع الفضل إليه، بصفةٍ عامة، في نضج العلوم الطبيعية الحديثة، فهو أول من وضع الشروط التي تساعد على جعل الطبيعة موضوعًا للمعرفة، وساعدت هذه الشروط على استبعاد كل ما له طابع كيفي، وجعلت الواقع الطبيعي مقصورًا على الكم وحدَه. وتنقسم الجوانب المُستبعَدة من دراسة الطبيعة قسمَين أساسيَّين؛ أولًا الكيفيات بوجهٍ عام، وثانيًا العقول. بل فُسرت الكيفيات كمظاهر للعقل … وتابعَه في ذلك كل من ديكارت ولوك.١٦
والرجل الرابع والأخير من هؤلاء العظماء الأربعة الذين قادوا الثورة العلمية في القرن السابع عشر وأسهموا في تشكيل روح العصر، هو سير إسحاق نيوتن I. Newton (١٦٤٢–١٧٢٧م)، الذي يأتي في آخر ذلك الصف من عباقرة العلم الذين قاموا بالثورة العلمية، فقد صاغ أخيرًا في شكلٍ رياضي كاملٍ النظرةَ الآلية إلى الطبيعة، فحقق تلك العملية الفيزيائية التركيبية العظيمة التي ارتكز عليها العلم فيما بعد، والتي بقِيت ثابتة غير متغيرة إلى أن ظهرت في أيامنا هذه ثورة جديدة أخذت تُطالب بحق تغييرها.

والواقع أن كتاب نيوتن العظيم «المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية» الذي نشره عام ١٦٨٧م كان يُعبر عن إحدى المعالم الرئيسية لروح العصر. ويروي لنا نيوتن قصة مكتشفاته على النحو التالي:

«كشفتُ أولًا النظرية الثنائية، ثم حساب التفاضل والتكامل، وأخذتُ أفكر في موضوع الجاذبية متوسِّعًا فيه حتى مسار القمر، ولمَّا وجدت كيف أستطيع أن أقيس القوة، استنتجتُ من قاعدة كبلر الأولى: القوى التي تحفظ الكواكب في مساراتها …» وهكذا ينتهي إلى أننا: «لن نقبل بعد الآن عللًا للأشياء الطبيعية، إلَّا ما كان منها صحيحًا وكافيًا لتفسير ظواهرها. لذلك يجب أن نربط، إلى أبعدِ حدٍّ ممكن، نفس النتائج الطبيعية بنفس العِلل، إن صفات الأجسام الطبيعية التي لا يمكن أن تنقص أو تزيد، يجب أن تُعتبر صفاتٍ كلية لجميع الأجسام أيًّا كانت …»١٧
لا نريد أن نُطيل في الجوانب المختلفة للثورة العلمية، فليس ذلك مما يعنينا في حدِّ ذاته، بل إننا نريد أن نوضح ملامح العصر الذي عاش فيه «لوك» وانعكاس هذه الملامح على فكره. ولا شك أنه كان «ابن عصره» بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة، فقد عاش هذه الثورة العلمية وانعكست على فلسفته حتى إنَّه أصدر كتابه الرئيسي «مقال عن الفهم البشري» الذي اعتُبِرَ واحدًا من الكتب الهامة في هذا العصر، وعكف فيه «لوك» — بتأثير الثورة العلمية — على تحليل العقل البشري ودراسة طرُق المعرفة وخصائص الأشياء الجوهرية منها والعارضة. ولقد سبق أن ذكرنا شيئًا عن علاقته ببعض علماء العصر، وعلى رأسهم «روبرت بويل». وعلى الرغم من أن لوك كان يكبُر «نيوتن» بعشر سنوات فقد أصبحا صديقَين منذ عام ١٦٨٠م.١٨ وعندما تولَّى نيوتن الإشراف على سكِّ النقود، وهو في الرابعة والخمسين، كان «لوك» يساعده في عمله.

(٣) ثالثًا: الثورة السياسية

شهد عصر «لوك» ثورة في ميدان السياسة لا تقلُّ أهميةً وقوة وأثرًا، عن الثورتَين السابقتين؛ الدينية والعلمية، فقد أدَّت إلى نتائج بعيدة المدى في نظم الحُكم، وطرُق التشريع، وفن الإدارة، وتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكومين، وإبراز الحقوق الإنسانية لكل مواطن … إلخ. وإذا كانت العقلية الأوروبية قد تطورت في نظرتها العلمية والفلسفية، فقد أصبحت تتطلَّب تطورًا مُماثلًا في ميدان النظريات السياسية: ومن ثَم دعا نيقولا مكيافلِّي Machiavelli, N (١٤٦٩–١٥٢٧م) إلى الثورة على مبادئ السياسة القديمة، ووضَع أساسًا جديدًا للسياسة، يفصل بين الأخلاق والسياسة فصلًا تامًا، ودعا الفيلسوف الفرنسي جان بودان Bodin (١٥٣٠–١٥٩٦م) بعده بنصف قرنٍ إلى ضرورة قيام سلطة تشريعية عُليا ترمز إلى الدولة، فكان أول من نادى بمبدأ سيادة الدولة … إلخ. وهكذا نجد أن الفكر السياسي الذي وصلت إليه أوروبا عند انتهاء القرن السادس عشر تطلَّب أساسًا جديدًا من النظريات السياسية، ومن هنا كانت نظريات القانون الطبيعي، و«العقد الاجتماعي» عند «توماس هوبز» و«جون لوك» في القرن السابع عشر. لكن إذا كان الفكر السياسي قد تطور في أوروبا بصفة عامة، منذ أواخر القرن السادس عشر وأوائل السابع عشر، فقد تطورت الأحداث السياسية، في إنكلترا بوجهٍ خاص، على نحو عجَّل بوضع النظريات السياسية المطلوبة، ففي ثلاثينيات وأربعينيات القرن السابع عشر كان الغليان السياسي على أشُدِّه، لا سيما بين أنصار الحُكم المطلق المؤيدين للملك و«لِحقِّ الملوك الإلهي» (ومعظمهم من الكاثوليك)، وبين أعضاء البرلمان الذين يُحاولون تقييد سلطان الملك شارل الأول.١٩

والحق أن هذا النزاع قديم قدم الملك «جون» نفسه، وهو يلخص تاريخ الحركة السياسية في إنكلترا، ولهذا فلا بد أن نسوق عنه كلمةً سريعة:

في عهد الملك جون أو يوحنا، حدث أن تمرَّد النبلاء (أو البارونات) عليه لابتزازه المُتكرر للمال، ومخالفته لتقاليد الإقطاع، فثار كثير من النبلاء ومعهم أفراد ممَّن دونهم من الأعيان والفرسان، وأهل المدن، فضلًا عن جماعةٍ كبيرة من رجال الكنيسة. وعلى الرغم من أن الطبقات الدُّنيا من الأقنان (عبيد الأرض) وأصحاب الحرف لم تشارك في الثورة على نحوٍ فعَّال وإيجابي، وعلى الرغم من أن البارونات هم الذين كانوا مُسيطرين تمامًا على الثورة على مدى عامَين (١٢١٣–١٢١٥م)، فقد كان للثورة مظهر قومي. ولمَّا كانت القُوى التي تواجِه الملك جون أو يوحنا متفوِّقة عليه، فقد اضطرَّ إلى التفاوض مع النبلاء، ووصل الطرفان إلى اتفاقٍ في ١٩ يونيو ١٢١٥م؛ وبعد بضع محاولات للتهرُّب والمُماطلة وقَّع الملك على الوثيقة — ومهرها بخاتمه — التي تقدَّم بها النبلاء، وتنطوي على ٧٠ مادة، الغرض منها تأمين الحقوق والرسوم الإقطاعية، وضمان عدم اعتداء الملك على امتيازات النبلاء، كما تنص الوثيقة على موادَّ تكفل حُرية الكنيسة، وعادات المدن، كما تشير إلى وجود قوانين تحمي حقوق الرعية والجماعات، وتوجِب على الملك مراعاتها، فإذا لم يفعل أُجبِر على ذلك بالقوة، وأهم ما في الوثيقة من مواد — وإن كانت غامضة الأسلوب — حماية الرعية كلها من الظلم؛ نُشرت فيما بعد على أنها ضمانات تكفل المحاكمة على أيدي مُحلَّفين، وعدم سجن أي شخصٍ أو القبض عليه بوجهٍ غير قانوني … إلخ. ولهذا سُميت هذه الوثيقة باسم «الميثاق الأعظم أو الماجنا كارتا Magna Carta» التي اعتُبرت أعظم وثيقة في التاريخ الدستوري لإنكلترا وأكثرها أهمية. لأنها حدت من سلطة الملك المطلقة، وفرضت عليه عدم المبالغة في فرض الضرائب عليهم أو مصادرة أملاكهم، أو تزويج بناتهم من عامة الشعب … إلخ. وفي القرون التالية لصدور هذا الميثاق اتَّجهت جهود الإنكليز إلى تقييد سلطات الملك عن طريق برلمانٍ يُمثلهم، بحيث لا يجوز فرض ضرائب إلَّا بموافقته. ولم تكن العامة مُمثلة في البرلمان، بادئ الأمر، لأنه كان مجلس الأشراف أو النبلاء أو البارونات (مجلس اللوردات الآن). ولكن لمَّا رفض أثرياء العامة المساهمة في نفقات الملك بسبب عدم اشتراكهم في تقريرها سُمح لهم بدخول البرلمان، ولكن كطبقةٍ أقلَّ شأنًا من النبلاء، فكان مجلس العموم. ولم تُقدِّر طبقة اللوردات في بداية الأمر أهمية ذلك المجلس، فلمَّا ثبتت أهميته سارع أبناؤها إلى الدخول فيه، فصار شأنه يزداد شيئًا فشيئًا، حتى جاوز شأن مجلس اللوردات.

غير أن العلاقة بين الملك والبرلمان كان يغلب عليها التوتر بصفة مستمرة، وهو توتر كان ينقلب إلى صراعٍ في كثير من الأحيان، بل إن هذا الصراع تصاعدت حدَّته على نحو خطير في القرن السابع عشر في عهد الملكَين جيمس الأول (١٦٠٣–١٦٢٥م) وشارل الأول (١٦٢٥–١٦٤٩م)، فقد كان البرلمان يريد أن يحكم، وأن تكون حقوقه مُستندة إلى القانون، لا إلى إحسان الملك ورضاه. واضطرَّ جيمس الأول أن يساير البرلمان لحاجته الشديدة إلى المال.

غير أن ابنه وخليفته على العرش «شارل الأول» كان أكثر عنادًا وصلابةً من والده. فعندما حاول البرلمان أن يحدَّ من سلطاته ويُرغمه على توقيع عريضة الحقوق عام ١٦٢٨م التي تضمَّنت عدم تكليف أي إنسانٍ أي شيءٍ ما لم يُقرَّه البرلمان، رفض وظل يفرض الضرائب دون موافقة البرلمان، وأخيرًا حلَّه عام ١٦٢٩م، وحكم إحدى عشرة سنة بدونه. ثم اضطر لدعوته عام ١٦٤٠م كي يمنحه الإعانات المالية لمواصلة حرب الأساقفة (الحرب ضد اسكتلنده) فقدم البرلمان عريضةً عدَّد فيها مفاسد حكم الملك شارل، وسعى إلى تجنيد جيش، وجهز الملك من جانبه جيشًا آخر، ورفض إجابة مطالب البرلمان، وحاول القبض على خمسة من أعضاء مجلس العموم، لكنهم هربوا، وأثاروا الشعب ضده، وبدأت الحرب الأهلية لعام ١٦٤٢م واستمرت ثلاث سنوات (حتى عام ١٦٤٥م). ثم تجددت مرة أخرى لمدة عامَين من ١٦٤٧–١٦٤٩م، وانتهت بإعدام الملك شارل الأول في ٣٠ يناير عام ١٦٤٩م، وتولى أحد أعضاء البرلمان هو «أوليفر كرومويل Oliver Cromwell (١٥٩٩–١٦٥٨م) زعامة البلاد، فحكم إنكلترا بالاشتراك مع كبار قُواد الجيش حكمًا دكتاتوريًّا. ولكنه رفض أن يُتوَّج ملكًا وإن ظلَّ يتربع على منصة الحكم خمس سنوات (١٦٥٣–١٦٥٨م).
ولقد عاصر «لوك» هذه الأحداث، وشاهد، وهو طالب، إعدام الملك في ساحة قصر «ويتهول» القريب من مدرسة وستمنستر، كما شارك والده البيورتان في القتال إلى جانب البرلمان ضد الملك. كما أنه عاصر الثورة المجيدة Glorious Revolution حتى ذهب بعض الباحثين إلى القول بأن النظرية السياسية التي بثَّها في كتابه الشهير «رسالتان في الحكم المدني»، لا سيما الرسالة الثانية، إنما كُتبت أساسًا بهدفٍ واضح، هو تبرير ثورة ١٦٨٨م. وإن كان إنجاز هذا الهدف قد حقق مبدأً سياسيًّا هامًّا وحيويًّا للأمة الإنكليزية عام ١٦٨٨م، كما أنه يصلح في رأي «لوك» لأي مجتمعٍ منظم تنظيمًا جديدًا وفي أي زمان ومكان، وهو أن الحكومة لا بدَّ أن تكون برِضا المحكومين.٢٠
وهكذا نلاحظ بوضوح كيف انعكست «روح العصر» في فكر «لوك» فكانت كل كتاباته دعوة إلى الحرية والتحرر. فما كتبه عن «التسامح» ليس سوى دعوة لحرية العقيدة الدينية، والتحرُّر من التعصُّب الأعمى للمعتقدات الدينية، وما كتبَه عن الفلسفة وتحليله للعقل البشري ليس سوى تحرير العقل من أغلال الأفكار الفطرية والموروثة، لينطلق في فهم ظواهر الطبيعة من الواقع الموجود أمامه بغير أفكارٍ مُسَبَّقة، وما كتبه في الفلسفة السياسية كان دعوة إلى تحرير المواطن من أغلال الحكم المُطلق، ومحاربةً لطغيان الحكم؛ فلا يكون الحكم صحيحًا في رأيه إلَّا إذا قام بموافقة الشعب ورضاه. تُرى هل تمتد هذه الأفكار النبيلة إلى تحرير المرأة أيضًا من سيطرة الرجل واستغلاله؟ أيكون هذا الفيلسوف «المُتحرر» داعيةً إلى إنصاف المرأة، وإعطائها حقوقها المسلوبة؟ أم إنه سيُعبِّر، كما فعل أسلافه، عن عادات المجتمع الذي يعيش فيه وتقاليده، وما تدعو إليه من المحافظة على مصالح الرجل وحدَه، حيث إنه مجتمع «ذكوري» أو «الأبوي» لا يرى من الإنسان Man سوى الرجل كما تدل الكلمة الإنكليزية التي تجعلهما مُترادفَين؟

هذا ما سوف تكشف عنه الصفحات القادمة.

١  هذا هو المعنى الحرفي لكلمة «عصر النهضة الأوروبية Renaissance» فهي مؤلَّفة من مقطعَين Naissance بمعنى المولد أو الميلاد، وRe أي مرة أخرى أو من جديد، فهي تعني أن الإنسان الأوروبي عندما استرد وعيَه المسلوب الذي سيطرت عليه الكنيسة المسيحية ما يقرُب من ألف عام؛ قد وُلِد مرة أخرى في عصر النهضة، أو كان ذلك بمثابة «الميلاد الجديد» للبشر. قارن كتابنا «مدخل إلى الفلسفة» ص١٨ وما بعدها من الطبعة السادسة.
٢  ظهر إلى جانب الثورة العلمية تياران فلسفيَّان هما المذهب التجريبي المساير للنهضة العلمية، والمذهب العقلي الديكارتي. ولا شك أن الثورة العلمية كانت تجمع بينهما معًا، ذلك لأن معظم فلاسفة العصر كانوا علماء أيضًا، فضلًا عن أن العلم الذي يبدأ باستخدام الحواس في الملاحظة وإجراء التجارب، ينتهي باستخدام العقل في استخلاص النتائج الكلية التي هي القوانين: «والكُلِّي لا يوجد وجودًا فعليًّا للعين الخارجية على أنه كُلي، فالنوع بما هو نوع لا تُدركه الحواس، وقوانين الأجرام السماوية ليست مكتوبةً في السماء: إن الكُلي لا يُرى ولا يُسمع؛ لأن وجوده من أجل العقل وحده …» على ما يقول هيجل بحق. راجع «موسوعة العلوم الفلسفية»، ترجمة د. إمام عبد الفتاح إمام، مكتبة مدبولي، عام ١٩٦٦م. فقرة ٢١ (إضافة).
٣  جون لوك، «رسالة التسامح»، ترجمها عن اللاتينية د. عبد الرحمن بدوي، دار الغرب الإسلامي، عام ١٩٨٨م، ص٤٣-٤٤.
٤  Bertrand Russell, “A History of Western Philosophy” London, Unwin Paperbacks, 1979, pp. 510-511.
٥  جون لوك، «رسالة التسامح»، ترجمة الدكتور عبد الرحمن بدوي، ص٤٧.
٦  ترجمها الدكتور عبد الرحمن بدوي عن اللاتينية مع مقدمةٍ مُستفيضة وتعليقات، وأصدرتها دار الغرب الإسلامي، الطبعة الأولى، بيروت عام ١٩٨٨م.
٧  B. Russell, op. cit., p. 512.
٨  كان النظام البطلمي يقول بنظرية «الجيوسنتريك» أي مركزية الأرض؛ حيث تدور الكواكب حولها، ثم جاء كوبرنيكس بنظرية «الهيلوسنتريك» أو مركزية الشمس التي أصبحت فيها الشمس المركز الذي تدور الكواكب حوله.
٩  جون هرمان راندل، «تكوين العقل الحديث»، ترجمة الدكتور جورج طعمة ومراجعة برهان دجاني، دار الثقافة بيروت، عام ١٩٦٥م، الجزء الأول ص٣٦٣.
١٠  ر. كولنجوود:«فكرة الطبيعة» ترجمة د. أحمد حمدي محمود، ومراجعة د. توفيق الطويل، الهيئة العامة للكتب والأجهزة العلمية، مطبعة جامعة القاهرة، ١٩٦٨م، ص١١٧-١١٨.
١١  المرجع السابق، ص١٢١.
١٢  المرجع نفسه.
١٣  كانت مشكلة الكيفيات الأولية التي تُوجد في الجسم المادي مثل: الصلابة والامتداد، والشكل، والحركة والسكون، والعدد … إلخ، والصفات والكيفيات الثانوية التي لا توجَد في الموضوعات التي ندركها، بل فيمن يُشاهد هذه الأشياء ويُدركها، ومن أمثلتها الأصوات، والألوان، والأذواق، والروائح … إلخ. أقول كانت هذه المشكلة موضع نقاشٍ حادٍّ بين المفكرين والفلاسفة في القرن السابع عشر: فقد ادَّعى «توماس هوبز» أنه أول من قال بهذه التفرقة (راجع كتابنا «توماس هوبنز فيلسوف العقلانية» ص٦٨ وما بعدها). وادَّعى ديكارت أنه صاحبها وأن هوبز انتحل أفكاره. أما «لوك» فقد اهتم بها اهتمامًا شديدًا في كتابه «مقال عن الفهم البشري» الذي أصدره عام ١٩٦٠م (وهي أفكار سوف تصبح في الواقع أساسية بالنسبة لفيزياء نيوتن)؛ ورغم الجدال وتبادل الاتهامات بين هؤلاء الفلاسفة، فإن صاحب هذه التفرقة، وأول من نادى بها هو «جاليليو» فهو صاحبها الحقيقي وأول من قال بها علنًا منذ عام ١٦٠٣م وعرضَها بتفصيل شديد في كتابه «المحاولة Saggiatore» منذ عام ١٦٣٣م. راجع كتابنا السالف عن «توماس هوبز» ص٦٨. وكذلك الموسوعية الفلسفية المختصرة بإشراف د. زكي نجيب محمود، دار القلم، ص٣٧٦، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، عام ١٩٨٤م.
١٤  د. عبد الرحمن بدوي، «موسوعة الفلسفة»، المجلد الثاني، ص٣٧٦، المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام ١٩٨٤م.
١٥  ر. كلونجوود، «فكرة الطبيعة»، ص١٢٢.
١٦  المرجع السابق، ص١٢٤.
١٧  نقلًا عن هرمان راندل، «تكوين العقل الحديث»، ترجمة الدكتور جورج طعمة، الجزء الأول: دار الثقافة بيروت، ١٩٦٥م، ص٣٩٨ وص٤٠١.
١٨  Richard Aaron, John Locke, p. 12.
١٩  د إمام عبد الفتاح إمام، «توماس هوبز: فيلسوف العقلانية»، ص٦٥.
٢٠  R. Aaron, John Locke, Oxford at the Clarendon Press, 1955, p. 270.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦