الفصل الثالث

الزواج والأسرة عند جون لوك

(١) أولًا: الزواج

لا شك أن نظرة لوك إلى الزواج كانت مسايرة للفكرة التي سيطرت على التراث الغربي منذ أرسطو حتى عصره. والتي تقول إن الغاية من الزواج، واقتران الذكر بالأنثى، هي الإنجاب أساسًا، وذلك بهدف استمرار الجنس البشري؛ فطبيعة «النوع» تجعله يميل إلى تخليد نفسه بأن ينسل أفرادًا على صورته. ومن هنا كان الزواج ضرورة تفرضها الطبيعة أحيانًا، أو تُمليها إرادة السماء أحيانًا أخرى حتى لا ينقرض النوع الإنساني.

غير أن «لوك» يُضيف إلى هذه الفكرة العامة القول بأن الزواج لا بدَّ أن يدوم بين الزوج والزوجة بعد عملية الإنجاب، بقدْر ما تدعو الضرورة وتتطلَّب الحاجة إلى رعاية الأبناء وإطعامهم. ذلك هو أساس واجب الوالدَين الذي يترتب عليهما نتيجة الاقتران، ما دام الأبناء عاجزين عن تدبير طعامهم بأنفسهم والاستقلال عنهما، فاللَّه العلي القدير، والحكيم حكمة لا مُتناهية، وضع بيدِه تلك القاعدة لمخلوقاته، ولا يزال يُطيعها حتى المخلوقات الدُّنيا.١

وهكذا يقدم «جون لوك» تصنيف أنواع الحيوانات المختلفة، والفترة اللازمة لدوام الاقتران، ومرافقة الزوج للزوجة لرعاية صغارهما:

  • (أ)

    فالحيوانات من أكَلة العُشب، وكذلك الحيوانات التي تلِد أطفالها مكتملة النمو، لا يدوم الاقتران بين الذكر والأنثى سوى بمقدار دوام فِعل الجماع بينهما. لأن إرضاع الأم كافٍ لتغذية صغيرها حتى يصبح قادرًا على أن يقتات العُشب بالنسبة للمجموعة الأولى من الحيوانات. فالذكر هنا يُنجب لكنه لا يأبه للأنثى أو لصغارها، لأنه عاجز عن إمدادها بأي عون.

  • (ب)

    أما عند الحيوانات المفترسة، فإن الاقتران يدوم زمنًا أطول، لأن الأنثى لا تقوى على البقاء، وتغذية صغارها الكثيرة ممَّا تفترسه بمفردها؛ وتلك سبيل من سُبل العيش أشق وأخطر من الاقتيات على العُشب. لذلك كانت مساعدة الذكر ضرورية لبقاء النوع والأسرة المُشتركة التي لا يتسنى لأفرادها البقاء حتى يصبحوا قادرين على الافتراس إلَّا بتعهُّد الذكر والأنثى ورعايتهما.

  • (جـ)
    ويمكن أن نلاحظ هذه الملاحظة نفسها عند جميع الطيور — باستثناء بعض الدواجن التي تُوفر كثرة الغذاء على الذكر مئونة تغذيةِ الفراخ أو العناية بها — أما إذا كانت فراخها تحتاج إلى الغذاء وهي في العش، فإن الذكر والأنثى يَبقيان قريبَين، حتى تُصبح صغارها قادرةً على الطيران، وعلى جمع القوت بمفردها، والعناية بنفسها.٢
وهذا هو — في رأي لوك — السبب الرئيسي، أو لعلَّه السبب الوحيد، لاقتران الرجل والمرأة أو الذكر والأنثى من البشر، اقترانًا يربو أمدُه على اقتران جميع المخلوقات الأخرى. أعني أن الأنثى قادرة على الحمل من جديد، كما هي الحال في أغلب الأحيان، ثم تضع مولودًا جديدًا، قبل أن يستغني المولود الأول عن مساعدة والدَيه فيما يُقيم أوْده، أو يصبح قادرًا على طلب العيش بنفسه، فيجب لهذا السبب، أن يُحيطه والداه بجميع ضروب الرعاية والعناية. ومن هنا فإن الرجل الذي يُلزمه واجب الزوجية برعاية صغاره، عليه أن يبقى ملازمًا لمن ينجب، محافظًا على علاقته الزوجية مع المرأة ذاتها زمنًا أطول، دون سائر المخلوقات التي تصبح صغارها قادرة على طلب العيش بنفسها، قبل حلول أوان ولادة المولود الثاني، فتُحلُّ رابطة الزواج من تلقاء ذاتها، ويصبح الولدان طليقَين حتى يدعوهما «هيمن Hymen».٣ عندما يحين الموعد السنوي المعروف إلى اختيار قرناء جُدُد.٤ ولا يسع المرء سوى أن يَعجب من حكمة الخالق العظيم — فيما يقول لوك — الذي وهب الإنسان القدرة على الادِّخار لِغَدِه، وتأمين حاجات يومه، فجعل الرابطة الزوجية بين الرجل والمرأة أبقى وأثبت من الرابطة بين الذكر والأنثى لدى سائر الحيوانات الأُخرى. ولكي يكون لهما حافز على الكدِّ والجد، وتوحيد الغرَض من أجل تأمين حاجات أولادهما، والادخار لهم، وهي أمور يُخل بها الاقتران العابر أو الواهي، والانحلال السهل المُتكرر للرابطة الزوجية إخلالًا عظيمًا.٥
ومع أن هذه الروابط المفروضة على البشر تجعل رابطة الزوجية بين الرجل والمرأة أثبتَ وأبقى منها بين أنواع الحيوانات الأخرى، فإن المرء مع ذلك قد يتساءل: لمَ لا يجوز فسخ هذا العقد على أساس التراضي، أو بعد مرور مدةٍ مُعينة من الزمن، أو بناءً على شروط أخرى مُتفق عليها، كما هي الحال في سائر العقود الاختيارية، متى تمَّت عمليتا الإنجاب والتربية، وأمكن تدبير أمور الوراثة، ما دمنا لا نجد في طبيعة الأشياء، أو في أغراض الزواج ما يُحتم استمراره طوال الحياة، أعني عند أولئك الذين لا يرتبطون بقانون وضعي يقضي أن تكون كل هذه العقود قائمة ودائمة.٦ والجواب هو أن وجود الأبناء يفرض مسئولياتٍ جديدة أولًا، ثم إن هؤلاء الأبناء هم امتداد للزوج والزوجة.
وعلى الرغم من أن «جون لوك» يعتقد أن الزواج ضرورة تفرضها الطبيعة، أو إرادة السماء، كما سبق أن بيَّنَّا، وعلى الرغم أيضًا من أنه يعتقد أن الزوج والزوجة يشتركان على قدم المساواة في أمور تربية الصغار وتنشئتهم حتى يبلغوا سنَّ الرشد، ومِن ثم فليس لهما سوى همٍّ مشترك؛ رغم ذلك كله فإنه يعتقد أنهما مختلفان من حيث «الفهم والإدراك» (وهي نفس نظرة أرسطو القديمة التي ترى أن هناك تمايزًا بين قدرات الزوج والزوجة، بل تضادًّا أحيانًا).٧ ولا مندوحة أن تكون لهما، في بعض الأحيان، إرادتان مختلفتان، ومن ثَم كان من الضروري أن يكون القرار الأخير (أعني الحكم) منوطًا بشخصٍ ما، ولذلك كان من الطبيعي أن يصبح هذا الشخص هو الرجل، وأن يكون الحسم من نصيبه ما دام هو الأقدر والأقوى.٨ ومن هنا فإن فيلسوفنا يقترب جدًّا مما كان يقوله المعلم الأول من أنه «من الطبيعي أن يأمر الزوج، وأن تطيع الزوجة، لأن جنس الذكر أصلح للرئاسة من جنس الأنثى، ومِن ثم فتسلُّط الرجال على النساء مسألة طبيعية جدًّا …»٩

وعندما يناقش «جون لوك» دور النساء فإنه يُقرر بوضوح أنهنَّ خُلِقن ليكُنَّ مرافقات للرجال تابعات لهم، وكما أنهن عاجزات عن إنجاب الأطفال بدون الرجال، فإنهن كذلك عاجزات عن تربيتهم بدون مساعدة الرجال أيضًا، أو على الأقل حتى يصبح الأطفال قادرين على الاعتماد على أنفسهم. ولهذا كان المصير الطبيعي للمرأة، في رأيه، أن تتزوج أولًا: لقدرتها على الإنجاب، فهي الأداة التي تُحقق بها الطبيعة استمرار النوع، وثانيًا: لخضوعها لسيطرة الرجل أو الزوج، وذلك بسبب اعتمادها عليه في تربية النَّشء. وهكذا افترض «لوك» أن الأسرة وبِنيتها الخاصة بما فيها من سيطرة الرجل على المرأة أو تسلُّط الزوج على الزوجة، هما تداعيات طبيعية، أو ارتباط طبيعي تم خلقُه في حالة الطبيعة.

وهكذا نجد هنا أن الفيلسوف يتوارى لتتحدث العادات والتقاليد، بل التراث الغربي بأسره، فلسنا نجد تبريرًا عقليًّا واحدًا لما يقول. فهو يكتفي بتقرير الوقائع القائمة في مجتمعه، ويجعلها فروضًا مُسَبَّقة لنظريته، كما قال ماكفرسون بحق، الذي يرفض أن يجعله من أنصار «النظرية الفردية» التي تدافع عن حقوق الفرد ضد المجتمع، ويجعله من أنصار السلطة «الجمعية» التي تُخضِع أغراض الفرد لأغراض المجتمع.١٠

(٢) ثانيًا: الأسرة

لم يكن من أهداف «لوك» مناقشة الأسرة كموضوعٍ مستقل قائم بذاته، ذلك لأن المشكلة التي شغلته هي أساسًا موضوع السلطة السياسية (أو السلطة في الدولة) ومدى ارتباطها بالسلطة الطبيعية، التي هي سلطة الزوج في الأسرة. ومن هنا راح يُفرق، بوضوح، بين نوعَين من السلطة:

  • (أ)

    السلطة السياسية، وهي السلطة في الدولة بين الملك ورعاياه، أو بين الحكومة والمواطنين، وهي سلطة يشترط فيها فيلسوفنا أن ترتكِز على رضا الناس وموافقتهم.

  • (ب)
    السلطة في الأسرة، وهي سلطة الرجل أو الزوج، وهي سلطة طبيعية، تعتمد أساسًا على تفوُّق الذكر على الأنثى، وهو تفوُّق يضرب بجذوره في الاختلاف الطبيعي بينهما بسبب دور الأنثى في عملية الإنجاب. وهكذا تكون السلطة الأولى صناعية بقدْر ما تكون السلطة الثانية طبيعية.١١
يبدأ «لوك» — في مناقشته لنشأة الدولة — يتبنَّى فكرة أرسطو التي تقول إن الأسرة هي التجمع الطبيعي الأول، فهي أول صورة من صور التجمع البشري، وهي تجمع طبيعي لتحقيق إشباع الحاجات الطبيعية المُلِحَّة. ومن مجموعة الأُسَر يظهر الشكل الثاني للمجتمع الذي منه يظهر التجمع النهائي الكامل وهو الدولة.١٢
ومن الطبيعي، في رأي لوك، أن تكون الدولة السياسية قد بدأت تحت حُكم وإدارة رجلٍ واحد هو الأب في الأعم الأغلب. وكانت «العائلة»، وهي تجمع لمجموعة من الأسر من الضخامة بحيث كانت تكفي نفسها بنفسها، فحافظت على وحدتها، ولم تختلط بغيرها من العائلات، كما يحدُث غالبًا عندما تكثر الأرض ويندر البشر. وكان للأب، بناء على قانون الطبيعة، الصلاحية نفسها التي كانت لكل حاكمٍ آخر، أعني أن يُنزل العقاب على كلِّ من يرتكب جريمةً أيًّا كان نوعها، وعلى كل من يخرق القانون، حتى إنه يحقُّ له أن يُعاقب أبناءه الذين ينتهكون القانون، وأبناء الجانِحين إلى أن يصبحوا ناضجين، ويخرجوا عن طور الوصاية. وكان من الطبيعي أن يتقبَّل الأبناء عقاب الأب عن رضًا بل أن يساعدوه على تنفيذ أحكامه وقراراته التي يوقعها بأية جريمة أو مخالفة للقانون الطبيعي الذي هو قانون العقل، حتى أصبح الأب هو بالفعل الحاكم والمُشرِّع والمُنفِّذ للقانون على كل أفراد «العائلة». وكان اعتيادهم على طاعته أثناء حداثتهم قد جعل الخضوع لأوامره أيسرَ من الخضوع لأوامر أي فردٍ آخر سواه. فإذا كان لا بد لهم من حاكمٍ (ومن الصعب جدًّا الاستغناء عن الحاكم حيثما تجمَّع عدد من الناس وعاشوا معًا!) فمَن تراه أجدرَ بذلك المنصب من أبيهم المشترك؟ اللهم إلَّا أن تكون القسوة والإهمال، أو ما شابهَ ذلك، من عاهات العقل أو الجسد، قد جعلته غير جديرٍ به؟ أما إذا مات الأب مُخلفًا أي وريثٍ أقل جدارةً بالحكم، إما لصغر سنة أو رعونته أو جُبنه … إلخ، إذا اجتمع عدد من الأُسَر واتفقوا على الاستمرار على الحياة معًا، فلا شك أنهم قادرون بحكم حُريتهم الطبيعية على اختيار وتنصيب الرجل الذي يُخيل إليهم أنه أقدرهم أو أجدرهم بهذا المنصب وهو الذي سيحكمهم حكمًا عادلًا.١٣
وهكذا نجد أننا كلما أوغلنا في التاريخ الماضي وجدْنا أن الحكومة كانت في الغالب وقفًا على رجلٍ واحد، إلَّا أن ذلك لا ينفي ما أثبتناه، فيما سبق، من أن نشأة المجتمع السياسي تتوقف على رضا الأفراد بالانضمام إليه وتأليف مجتمعٍ واحد، فإذا اندمجوا فيه حقَّ لهم إقامة أي شكلٍ أرادوا من أشكال الحُكم.١٤

ذلك كله مقبول، ومُسلَّم به، في نظر «لوك» لأنه كان يهاجم الحكومة الأبوية البطريركية. لكن لا بد له أن يعترف، رغم ذلك، بأمرَين؛ الأول: الواقعة التاريخية التي تقول إن معظم الحكومات كانت قد بدأت على صورة القوة، أو السلطة الأبوية، وأنها من ثَم كانت حكومات بطريركية أبوية. والثاني أن العلاقة الزوجية، أو سلطة الزوج، إذا كانت في الماضي قد قامت على القوة، مثل السلطة السياسية، فلا بد أن تقوم العلاقة على التراضي أيضًا وعلى المساواة التامة، مثلها مثل السلطة السابقة. لكنه اهتم أساسًا أن لا تقوم الحكومة الشرعية على السيطرة الطبيعية التي كانت للرجل في الأسرة؛ بمعنى أن سيادة الزوج وسيطرته على زوجة، ليست هي الأساس في قيام الحكومة.

غير أن النقطة الهامة والمثيرة حقًّا هي أنه ما دام «جون لوك» يزعم أن سيطرة الذكَر في الأسرة مسألة طبيعية، فقد كان عليه أن يُبين لنا أن السلطة أو السيطرة الأبوية، ينبغي أن تتميز عن السلطة السياسية، حتى يتمكن بعد ذلك من القول بأن أساس الحكومة الشرعية هو القبول والرضا. وما دام يزعم أن الرجال في «حالة الطبيعة» قد سيطروا على النساء، فسوف يصعب عليه أن يذهب إلى أنه حتى السيطرة الأبوية البطريركية في الأسرة صناعية. ومِن ثَم لا يمكن استخدامها في تبرير التصورات الأبوية البطريركية للحكومة. وكانت هذه ستكون الحجة الأكثر قبولًا للوصول إلى هذه النتيجة. لكنه لم يستخدمها. وتلك هي النقطة الهامة، فهذا الموقف بالنسبة لأهدافه واهتماماته لا قيمة له، لأنه، ببساطة، يزعم أن الأسرة وتقسيم السلطة فيها مسألة طبيعية وليست سياسية. والعجيب أنه كان عليه أن يزعم ذلك حتى يصل إلى نظريةٍ عن المجتمع تتطابق مع مجموعة المبادئ التي يؤمن بها.١٥
وإذا تساءلنا الآن عن وضع النساء عند «لوك» في «حالة الطبيعة» المفترضة والتي تسبق نشأة المجتمع المدني … لكان الجواب: من الطبيعي جدًّا أن النساء كنَّ في حالة الطبيعة في ظروفٍ سيئة غير مواتية، ومن الطبيعي أيضًا أن يكون الرجال أكثر تفوقًا عليهم، فالأسرة تنشأ كمؤسسةٍ طبيعية تقوم على أساس الاختلافات الطبيعية بين الجنسين،١٦ ومن ثم فكل ما يقوله «جون لوك» عن المساواة في حالة الطبيعة يختص بالرجال فحسب.

فمن الطبيعي أن يكون الرجال، والرجال وحدهم، أحرارًا، فقد تخلصوا من سيطرة شخص على شخصٍ آخر. وعلى الرغم من أن ذلك يتسق مع إيمانه، بأن بعض النساء قادرات، إلى حدٍّ ما، على السيطرة على حياتهن وممتلكاتهن، فإنه كان يعتقد أن الغالبية العُظمَى من النساء هن، بالفعل، تحت سيطرة الرجال فُرادَى، لأنهن كن «بالطبيعة» الأضعف والأقل قدرة، فهنَّ يشتركن في الظروف الصعبة العامة التي تخضع لها جميع النساء، وليس لديهن القدرات التي تعوِّضهن عن وضعهن السيئ. وبالتالي تضعهن في وضعٍ يكنَّ فيه قادرات على رفض إدارة الرجال وسيطرتهم. ومن هنا كانت الحالة الافتراضية التي افترضها «جون لوك» وهي حالة الطبيعة، مليئة بالمزاعم والافتراضات المُسَبَّقة عن الطبائع المختلفة للإنجاب والعلاقات بين الجنسين، مثلما هي مليئة بالمزاعم والافتراضات المُسَبَّقة عن العلاقات المختلفة بين الرجال.

(٣) ثالثًا: تربية النَّشء

ومع ذلك كله فإن «جون لوك» يبرز دور «الأم» في تحمل مسئولية تربية النشء، وحجته الرئيسية، إنما توجَد في الفصل السادس من الرسالة الثانية وعنوانه «في السلطة الأبوية» حيث يذهب إلى أننا لا نستطيع أن ندعم الحكومة الأبوية بدعامات مُستمَدة من وجود السلطة الأبوية في الأسرة، لأن السلطة في الأسرة وتربية النشء تتمثل في سلطة الوالدَين على الأبناء، ولا يقوم بها الأب بمفرده (وإن كان له القرار الأخير بالطبع) بل تشاركه الأم على قدم المساواة، ولهذا فإننا نراه يذهب إلى تسميتها «بالسلطة الأبوية» تسمية مضللة، إذ تبدو هذه التسمية وكأنها تضع السلطة كلها في يد الأب، كما لو لم يكن للأم نصيب فيها، على حين أننا لو استشرنا العقل أو الوحي لوجدْنا أن لها قسطًا مساويًا للأب. يقول «جون لوك» في هذا المعنى:

«من المُهم التصدِّي لبعض الألفاظ والأسماء الشائعة بالنقد … لا سيما تلك التي تُعرِّض الناس للوقوع في الخطأ. ومن ذلك عبارة السلطة الأبوية التي يبدو من ألفاظها أنها تقصر السلطة على الأب وحدَه. بمعنى أن تكون سلطة الوالدين على الأبناء هي سلطة الأب دون أن يكون للأم فيها نصيب. ومع ذلك فنحن إذا اعتمدنا دليل العقل أو دليل الوحي، وجدنا أن لها مثل حق الأب. ويدفعنا ذلك إلى التساؤل: لم لا تُدعى تلك السلطة، إذن، سلطة الوالدين؟ إذ مهما فرضت الطبيعة، بحُكم البنوة، من الواجبات على الأبناء، ينبغي أن يُطبق كلامنا على الإنجاب (أي الأب والأم معًا). لذلك نجد أن الشريعة الإلهية الصريحة تُشير إليهما معًا دون تمييز، في كل المواضع التي تأمر فيها بالطاعة مثل: «أكرم أباك وأمك»،١٧ «وكل من لعن أباه وأمَّه يُقتل …»١٨ «ليهب كل إنسان أمَّه وأباه»١٩ «أيها الأولاد أطيعوا والديكم …»٢٠ «وعلى هذا المنوال ينسج العهدان القديم والجديد …»٢١

والواقع أن «جون لوك» عندما يتحدث عن الحكومة الأبوية وينقدها، فإنه نادرًا ما يذكر سيطرة الزوج على زوجته داخل الأسرة. وذلك لأنه لا يجد ذلك مناسبًا. ولهذا يكتفي بأن يقول إنه لا يوجَد الحق لرجلٍ واحد أيًّا ما كان، أن يسيطر على غيره دون موافقة أو رضا هذا الغير. غير أن «لوك» افترض أن ذلك لا يعني أيضًا أنه لا يوجَد الحق لرجلٍ واحد أيًّا ما كان أن يسيطر على امرأةٍ أو يتحكم فيها. بل على العكس فقد افترض إمكان ذلك. لأنه كان يفترض أن الرجال سوف يواصلون السيطرة على النساء في الميدان السياسي كما هي الحال في ميدان الأسرة. فليس ثمة حاجة إلى السؤال عن سلطة الزوج على زوجته.

غير أن «لوك» حرض على أن يبين لنا أن سلطة الأب على أبنائه ليست مطلقة يقول: «إن انعدام النظر في هذا الموضوع قد يقي الناس شرَّ الوقوع في تلك الأخطاء الفاحشة، التي يتعرضون لها عندما يتحدثون عن سلطة الوالدين باسم السلطة المُطلقة، ويتخيَّلون أنها مقصورة على الأب عندما يُشار إليها باسم السلطة الأبوية، فإذا ما أُطلق على هذه السلطة المزعومة على الأبناء اسم «سلطة الوالدين» تبيَّن لنا مقدار وقعها على الأذن، وتجلَّت استحالتها من ظاهرة التسمية. إذ يتضح أنها تصح على الأم أيضًا. لأن إشراك الأم في هذه السلطة لا يفيد غرض الغُلاة من دعاة هذه السلطة المطلوبة التي تُعرف عندهم باسم سلطة الأبوة. فتصبح عندئذٍ واهية ما دام الاسم نفسه يدلُّ على أن السلطة الأساسية التي تُبنى عليها حكومة الرجل الفرد لا تحل في شخصٍ واحد، بل في شخصين معًا (هما الأم والأب) …٢٢ وهكذا نجد أن الأسرة لا تزودنا بأي مبرر لكي يسيطر رجل واحد بحكومةٍ ما، لأن السلطة التي تمارس على الأطفال موزعة بين شخصين.
غير أن السلطة المشتركة للوالدين هي موضوع يُكرره «لوك» مرارًا دون أن يمل. والواقع أنه يذهب معه بقدْر ما يستطيع إلى حدِّ أنه يشوِّه سمعة السلطة على الأطفال، ويجعلها بشِعة، تلك التي تجعل الأبوة مشروعة. وذلك لكي يقوِّض، بقدر المستطاع، التصورات الأبوية البطريركية التي تجعل الحكومة شرعية. ولهذا نراه يقول: «ما المُبرر الذي نقدِّمه هنا لرعاية الوالدين لنسلِهما في سيطرة تعسفية للأبِ الذي لا تصل سلطته أبعدَ من أن يُعطي مثل هذه القوة والصحة لأجسادهم … على أفضل نحوٍ يصلح للأطفال وعلى أفضل ما يستطيعون الاستفادة، غير أن للأم، في هذه القوة والسلطة نصيبًا أيضًا مثل الأب. والقول بأن هذه القوة تنتمي إلى الأب، فليس ذلك بأي حقٍّ من حقوق الطبيعة، بل فقط بوصفه حارسًا على أطفاله، بحيث إذا ما هجر رعايتهم أضاع سُلطته عليهم، وبالتالي فسلطته بفعل الإنجاب قليلة جدًّا …»٢٣

ويقول «لوك» أيضًا:

«إن هذه السلطة لا تخص الأب كحقٍّ طبيعي إلَّا بمقدار ما يكون هو ولي أمر أطفاله. وهذا واضح من أنه عندما يتخلَّى عن العناية بهم يفقد سلطانه عليهم … فهي تقترن بإطعامهم وتربيتهم، أو ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالطعام والتربية. وهي من حق الرجل الذي تولى أمر طفلٍ لَقيط كما هي من حق الأب الطبيعي لطفلٍ آخر. إن إنجاب الأب لبنِيه لم يكن ليُسبغ عليه السلطة عليهم، لو كانت عنايته بهم تنتهي عند إنجابهم فحسب. وكان ذلك وحده هو أساس حقه في السلطة الأبوية …»٢٤

ففي رأي «لوك» أن مجرد الإنجاب لا يعطي الأب أية سلطة، ذلك لأن السلطة الأبوية لا تنبُع من مجرد الأبوة، بل من قبوله تحمُّل المسئولية (فسلطة الأب سلطة أخلاقية تأتي أساسًا من قبوله تحمُّل مسئولية الأبناء). ولا شك أن «لوك» كان يقول ذلك وفي ذهنه سلطة الحكومة. وعلينا أن نلاحظ هنا أيضًا أنه يريد أن يستمد دور الأب من «الحراسة» فهو حارس على أبنائه، وهي مسألة تنطبق أيضًا على الحكومة المدنية أكثر مما تنطبق على العلاقات الطبيعية. وفي غمرة حماسه لنزع الصفة الطبيعية من السياسة فإنه يصل إلى حافة تسييس الأسرة.

ويسعى «لوك» إلى التمييز بين سلطة الأب على أبنائه، وسلطة الملك على رعاياه. ذلك لأن الأخيرة ليست سوى سلطة سياسية، يقول «يمكن التمييز بين سلطة الحاكم على المحكوم، وسلطة الأب على أبنائه، والسيد على عبيده، والزوج على زوجته. ولكن ما كان من الممكن أن يتصادف أن تجتمِع هذه السلطات في رجل واحد، فقد يُفسر لنا أن نُميز بين هذه السلطات إذا نظرنا إليها من كل هذه الزوايا، وأن نُبين الفرق بين حاكمٍ في مملكةٍ ما، وبين رب أسرة، ورُبَّان سفينة …»٢٥
ويستمر قائلًا: «وأنا أعني بالسلطة السياسية: حق سَن القوانين، وتطبيق عقوبة الإعدام وما دونها من عقوبات؛ محافظةً على الملكية الخاصة وتنظيمها. واستخدام قوة الجماعة في تنفيذ هذه القوانين، ودفع العدوان الخارجي عن البلاد، وكل ذلك من أجل الصالح العام …»٢٦

غير أن ما هو أكثر أهميةً بالنسبة لموضوعنا هنا، هو أن السلطة على الأطفال تضع أمامنا العلاقة المناسبة للطبيعة وحدود السلطة السياسية. فالعلاقة بين الزوج والزوجة التي يكون فيها الزوج في وضع أعلى مُميز دون أن يكون لذلك تبرير مثل تبرير «سلطة الأب على أبنائه»: مثل هذا الشكل من السلطة يظهر، ببساطة، نتيجةً طبيعيةً للتفاوت وعدم المساواة التي هي على خلاف سلطة الوالدَين على أطفالهما — لا تختفي بمرور الزمن أو انقضاء الوصايا، وتلك هي السيطرة الطبيعية لجنسٍ على جنسٍ آخر.

وهكذا نجد أن العلاقة بين الوالدين والأطفال تُشبه أكثرَ العلاقة بين الحاكم الشرعي ورعاياه، فهي سلطة محدودة تكون فيها فترة السيادة والسيطرة قائمةً على تفاوتٍ طبيعي بمرور الزمن، وهي بالطبع تختلف عن السيادة المشروعة، من حيث إن هذه الأخيرة لا تُجيز أبدًا سلطةً مُطلقة طالما أنه لا يوجد تفاوت طبيعي، ولا حتى من النوع المؤقت بين الأشخاص الذين تُنظمهم مثل هذه العلاقة.

يقول لوك:

«إن خضوع الأطفال القُصَّر لسيطرة الأب تكسِبه حقًّا مؤقتًا فحسب، ينتهي بانتهاء فترة القصور. أما إكرام الأبوين، فإنه يفرض على الابن واجبًا دائمًا باحترامهما، وإجلالهما، وطاعتهما. ويُضارع في مداه العناء والمشقة والرفق التي أغدقها الوالد على ولده إبَّان تربيتِه له. وذلك الواجب لا ينتهي بانتهاء سِن القصور، بل يستمر مدى حياة المرء مهما اختلفت حالُه أو سِنُّه …»٢٧

ويقول في الفقرة نفسها:

«… والتواني في التمييز بين هاتين السلطتَين اللتين للوالد؛ القائمة إحداهما على حق الأب بتعهُّد ابنه ما دام قاصرًا، والأخرى على حقه بالإكرام مدى حياته، هو مَنشأ معظم الأخطاء التي تلحق بالمسألة».٢٨

ويقول أيضًا:

«إن هاتين السلطتين؛ السياسية والأبوية، متمايزتان تمايزًا تامًا، ومنفصلتان انفصالًا كاملًا، ويقومان على أساسَين متمايزَين ومختلفَين ويؤدِّيان إلى نهاياتٍ مختلفة تمامًا، وتهدفان إلى أغراضٍ مختلفة أتم الاختلاف. حتى إن لكلِّ واحدٍ محكوم سلطةً على أولاده تُشبه سلطة الأمير على أولاده. وكل ملك ما زال والداه على قيد الحياة مَدين لهما بالواجب وطاعة الأبناء، شأنه في ذلك شأن أوضع أفراد رعيته تجاه أبوَيه. وهما لا يشتملان قطُّ على ذرةٍ من ذلك الضرب من السلطة التي يمارسها الملك على رعاياه …»٢٩
وهكذا نجد أنه على حين أن «جون لوك» يرفض «سلطة الأب Paternal» لصالح سلطة الوالدين Parental، فإنه يميز عن عمدٍ «السلطة الأبوية» عن سلطة الزوج على زوجته. وعلى حين أنه ربما وجد الآن تسميةً أفضل للعلاقة الموجودة بين الأب وأبنائه (وهي سلطة الوالدين). فإنه ليس لدَينا حتى الآن اسم نُشير به إلى العلاقة بين الزوج والزوجة! فقد توقفَت عن أن تكون علاقة سلطة ما دام لا يتَّضح أنها من نوع السلطة التي تستحق اسمًا فريدًا خاصًّا.

وعلى أية حال فإن السلطتين: السلطة السياسية من ناحية، وسلطة الأب على أبنائه من ناحية أخرى، ينبغي أن نقابل بينهما معًا وبين سلطة الزوج على زوجته، وهي السلطة التي يتضح أنها لا تتغير مع مرور الزمن. ومن الطبيعي أن لا تكون هذه حجة يسوقها «لوك» وإنما هي فكرة كامنة، بوضوح، في خلفية تفكيره، وما لم تكن كذلك ما واصل هجومَه ضد الحكومة الأبوية، عن طريق تحليل دور الأب في سلطة الوالدين على الأطفال. وفضلًا عن ذلك ما كان قد استنتج سلطةً كسلطة الأب على وجه الخصوص، ولكان قد استدعى بالمثل علاقة الزوج بزوجته.

وفي غمرة حماسه للعثور على حججٍ ضد الحكومة الأبوية البطريركية، فإن أنثروبولوجيته البدائية قد ذهبت بعيدًا جدًّا إذ تراه يقول:

«ثم ماذا يكون من أمر تلك السلطة الأبوية في ذلك الجزء من العالم حيث تتَّخذ المرأة لنفسها أكثر من زوجٍ واحد؟ وفي تلك الأنحاء من أمريكا التي كثيرًا ما يحدُث فيها أن يلحق الأولاد بالأم لدى انفصال الزوج عن زوجته، كي تتعهَّدهم وتُعيلهم؟ وعندما يموت الأب والأطفال ما زالوا صغارًا: أفلا يتوجَّب عليهم في جميع أنحاء العالم الطاعة نفسها نحو الأم في أثناء سِني قصورهم الشرعي التي كانت تتوجَّب عليهم نحو الأب، وهو ما زال على قيد الحياة …؟».٣٠

وهو هنا لا يدرس، من جديد، الموضوع برُمَّته، ويبحث الزواج الواحدي وسيطرة الذكر، بل الموضوع واضح، وهو أنه يؤمِن أن هناك بعض «الحالات الطبيعية» لم تكن توجَد فيها سيطرة الزوج على زوجته. لكن ينبغي علينا أن نقول إنه يبدو، في بعض الأحيان، أنه كان على وعيٍ بأن سيطرة الزوج على زوجته، قد وضعت بعض العراقيل أمام حجَّته ضد الحكومة الأبوية. فهو يذهب، مثلًا، إلى أن الزواج «علاقة تعاقدية».

يقول:

«إن رابطة الزواج قامت بناء على اتفاقٍ إرادي أو تعاقُد حر بين رجل وامرأة …»٣١ وهكذا نراه يحاول أن يجعل من الزواج علاقة مُماثلة، بقدْر الإمكان، لوجهة نظره من الحكومة الشرعية. وكما أن السلطة الشرعية تستند إلى رضا المحكومين وقبولهم، فكذلك سلطة الزوج على زوجته يُبررها رضاها وقبولها. وهو يذهب إلى أن سلطة الزوج على زوجته ليست مطلقةً أو لا محدودة.

يقول:

«إن سلطة الزوج على زوجته هي أبعد ما تكون عن سلطة الملك المُطلق، إذ مِن حق الزوجة، بطرُق شتَّى، أن تنفصل عن الزوج، حيث يسمح لها بذلك الحق الطبيعي أو تعاقدهما بأنفسهما سواء قاما بأنفسهما، بعمل ذلك التعاقد في حالة الطبيعة، أو فرضته العادات والتقاليد أو قوانين البلاد التي يعيشان فيها؛ وعندها يئول الأطفال — عند الانفصال — إلى الأم أو الأب وفق ما ينصُّ عليه العقد».

ويُشدد «جون لوك» على ضرورة التزام الوالدين بتربية ورعاية نسلِهما.

يقول:

«إن الله قد جعل الوالدين أداة له في تحقيق غرضه الأعظم: وهو بقاء النوع البشري، وعلَّة مولد بنِيهم. وكما فرض على الوالدين واجب إطعام بنِيهم، والمحافظة عليهم وتربيتهم، فقد فرض على الأولاد بدورِهم واجب إكرام والدِيهم دومًا …»٣٢
وهو يشرح ضرورة الزواج الواحدي على أساس واقعة أنَّ أطفال الموجودات البشرية تحتاج إلى فترة تغذيةٍ أطول من نسل الحيوان، يقول: «الأب المسئول عن رعاية نسلِه يخضع لالْتزام الاستمرار في الزواج مع نفس المرأة لفترةٍ أطول مما تفعل الكائنات الأخرى التي تصبح صغارها قادرة على طلب العيش بنفسها قبل حلول أوان الولادة الثانية، فتحل رابطة الزواج من تلقاء نفسها، ويُصبح الوالدان طليقَين …»٣٣

وهكذا يظهر أنه واجب طبيعي أن يساعد الأب أولئك الذين أعانهم على الظهور إلى الوجود، وربما قيل إنه من المعقول أيضًا أن تؤكد أن من حق المرأة الطبيعي أن يساعدها أحد في تنشئة ما تحمِل من صغار، لكن ما دام الرجل يعتقد أيضًا أن النساء، مثل أنثى الحيوانات الأخرى التي تهَب الحياة لصغارها، عاجزة عن تنشئة النسل، فمِن الواضح أنه ليس أمامهن أي خيار سوى الزواج لو أردن أن يكون لهنَّ أبناء، أو لو شعرن بالحمل سواء رغبنَ في الطفل أم لا.

ولم يحظر على بال «لوك» أن المرأة تستطيع تجنُّب مشكلة أن يكون لها طفل آخر قبل أن يصبح قادرًا على طلب العيش بنفسه، وذلك بأن ترفض مشاركة الزوج فراش الزوجية، وإنما كانت فكرته ببساطة أن قدَر النساء أن يكُنَّ «رفيقات» للرجل وإلا كنَّ وحيدات. ومن الواضح أن وحدتهنَّ ستكون مشكلة، ولهذا قام بتغطية هذا العيب بتقوى وورَع، فتحدث عن الغرض الأعظم لله، ألا وهو المحافظة على بقاء الجنس البشري. كما تحدَّث عن الغرض الإلهي من قدرة الرجل الفطرية على العناية بنفسه. وتحقق أن النتيجة التي لا يمكن تجنُّبها لشهوة الرجال إلى النساء هي أكثر من أن تكون المرأة مجرد رفيقة أو صديقة للرجل، بل إن النساء لا بد أن يكون لهن أطفال. وكان له على الأقل فضل واحد، هو التشديد على واجب الأب البيولوجي في رعاية أبنائه.

وبعد أن قدم معتقداته القوية حول الرضا والقبول الصحيح الذي تقتضيه رابطة الالتزام، فإنني لم أعد أفهم كيف استنتج ذلك على أنه اتفاق إرادي يقول:

«بقى علينا أن نتأمَّل ما إذا كانت العهود المنتزعة بالقوة من دون الاستناد إلى أي حقٍّ يصبح اعتبارها رضًا وإلى أي حد تلزم صاحبها؟

وجوابي على ذلك هو أنها لا تُلزم صاحبها أبدًا، لأن كل ما ينتزعه منِّي شخص ما بالقوة فلي الحق فيه بعد ذلك. وهو مُرغَم على إعادته إليَّ حالًا.

فمن ينتزع حصاني منِّي عنوةً مُلزم بإعادته إليَّ حالًا. إذ إن لي الحق بعد ذلك في استرجاعه. وقياسًا على ذلك ينبغي على من ينتزع مني عهدًا بالقوة أن يتخلَّى عنه حالًا أي يحلَّني منه، وإلا فعلتُ ذلك بنفسي، أي اخترت: ما إذا كنتُ سأفي به أم لا …»٣٤

وأيضًا:

«… إذ أي عقدٍ يمكن توقيعه مع مَن لا يملك التصرف حتى بحياته؟ … وأي شرط من شروط العقد يمكنه أن يُنفَّذ؟ إذ ما إن يُتاح له أن يتصرف بحياته حتى تبطل سلطة سيدِه الاستبدادية التعسُّفية عليه. وكذلك فمن كان له سلطة على حياته، فله الحق في وسائل المحافظة عليها: وما إن يبتدئ التعاقد حتى تنتهي العبودية، فمن يرتبط بشروط مع أسير قبض عليه، يكون قد تخلَّى عن سلطته المُطلقة عليه، وأنهى الحرب معه».٣٥

فالقبول أو الرضا ضروريان لخلق عقدٍ مُلزِم، ولا يقوم به سوى أولئك الذين يسيطرون على حياتهم ويكونون سادة لحياتهم؛ لكن ما الموقف بين المرأة والطفل؟ إنه يُعطينا اعتقادًا، قد يكون زائفًا، بأن النساء قد لا يمكن لهن تزويد أطفالهن ومساعدتهم على النمو، فكيف أمكن له أن يعتقد أن النساء في موقفٍ يجعلهن يُقدِمن على إبرام نوع من العقد يعتقد هو نفسه أنه ضروري لخلق ارتباطات مُلزِمة …؟ إن أمثال هذه العقود تنبُع من اتفاقٍ إرادي، ويمكن أن تُبرَم بين اثنين نظيرَين متساويَين يستطيع كل واحدٍ منهما أن يساوِم من نفس موقف القوة مثل زميله. لكن كيف يمكن لنساء، وفي مثل هذه الظروف أن يُساوِمنَ من موقف الضعف؟ وإذا وقَّعت الأم عهدًا تحت ضغط التهديد بأنها ما لم توقعه فإنها لن تنال الدعم لتربية أطفالها، بغض النظر عن واقعة أن ذلك ربما كان من حقِّها الطبيعي، فبأي معنًى يمكن أن يؤدي ذلك إلى ظهور وعدٍ ملزم؟! إنه نفس الموقف عندما يقوم شخص ما ليس لدَيه سوى معلوماتٍ أولية بدائية عن نظرية التعاقد، فيقع في التزاماتٍ خطرة تغلق، ما لم تكن داخله بالفعل، حدودَ تعاملٍ غير واعٍ. فإذا تركنا ذلك جانبًا وجدنا أن من أفضال لوك التي تُحمَد له أنه رأى إمكان الزواج التعاقدي الذي يفتح الباب على الأقل أمام إمكانية إيجاد علاقةٍ متساوية بين الرجل والمرأة أو الزوج والزوجة.

ويذهب «جون لوك» بعيدًا في الفقرة رقم ٨٣ من «الرسالة الثانية» إلى أن سلطة الزوج المُطلقة على زوجته ليست ضرورية لإتمام الغرض الرئيسي من الزواج وهي الإنجاب، ومِن ثم فإن الزواج يمكن أن يتنوَّع ويُنظمه ذلك العقد الذي يربط بين الرجل والمرأة أو الزوج والزوجة».٣٦

لاحظ أنه لم يقُل ينبغي أن ينظمه العقد الذي ينظم السلطة المتبادلة، بل ذهب إلى أنه يمكن فقط أن يُنظمه، ما دام ذلك لا يتعارض مع الإنجاب وتربية الأطفال.

غير أن «لوك» لسوء الطالع، فشل في أن يُشير إلى أن الإنجاب هو في أغلب الأحوال ليس الغرَض الوحيد من الزواج بل هو أحد أغراضه … وأنه على الرغم من أن المساواة بين الزوج والزوجة قد تنسجم مع هذه الوظيفة، فإنها قد تتعارَض مع ما يزعمه من أنه الوظيفة الكُبرَى أو الرئيسية للزواج، تزوِّدنا بآلية لتحويل الملكية وانتقالها عبر الأجيال: وربما حاول «لوك» أن يؤكد أن الزواج هو اتفاق تعاقُدي إرادي قد تنوَّع إلى حدِّ أنه قد ينزع السلطة بالقوة من يد الزوج. ومع ذلك لا يزال للزوج سيطرة على زوجته وليس لها سيطرة عليه. وفي التحليل النهائي نجد أنه هو الحاكم البسيط لأنه — وهو وحده — لديه قدرة، مقصورة عليه، للسيطرة والتخلص من الملكية بالقطع في زواج «التعاقد» المألوف عن «لوك» والذي يزعمه في بحثه من ألِفهِ إلى يائه. لقد كان أحد الأغراض «الرئيسية» عند «لوك» تزويدنا بالأساس النظري للحق المُطلق للذكَر لكي ينقل ملكيته الخاصة على ورثته الشرعيين.

ومن الواضح أن أي تغيير في عقود الزواج يتجه نحو أي مساواةٍ حقيقية بين الجنسين أو بين الزوج والزوجة لا بد أن يحمل معه حقًّا مساويًا في التصرُّف في ملكية الأسرة، ويتناقض ذلك بوضوح مع هدف «لوك» في السيطرة المشروعة المقصورة على الرجل في هذه الملكية الخاصة.

هناك باستمرار، عند «لوك»، إشارات طوال «الرسالة الثانية» عن ملكية الأسرة، فهو يصفها بأنها «أملاكه» (بالمُذكَّر) أي أملاك خاصة بالزوج، حتى ولو كان لأية أغراض أخرى. فهو بالكاد يصعب أن يُبين أن للزوجة نصيبًا مشروعًا في «أملاكه». إذ إن لها حقًّا في نصيب من أملاكه من قبل، وهو حق مقصور على الغرباء — أعني أولئك الذين ليسوا أطرافًا في عقد الزواج. والواقع أن لوك انشغل انشغالًا كبيرًا بهذا الموضوع، ولكن ليس من أجل ضمان مساواة النساء، سواء خارج الزواج أو داخله، بل، بالأحرى، سعيًا لضمان أن لا يكون هناك ملك مُطلق أو طاغية أو مُنتصر أو قاهر أو مُغتصب للعرش في استطاعته أن ينتزع ملكيته — الذكر — من الورثة الشرعيين. وفي استطاعة «لوك» أن يقول كلَّ شيء، ويتقدم بأية حججٍ تقع عليها يده ليدعم المبدأ الذي يقول إن ورثة الرجل الشرعيين لهم الحق في أن يرثوا أملاكه. بغضِّ النظر عن انتهاكات الأب أو تجاوزاته. وهكذا اهتم لوك بضمان تأكيد الميراث وشرعيته، حتى إنه سوف يضمن نصيبًا مشروعًا للزوجة من أملاك الزوج لكن فقط في مقابل الغرباء.٣٧
لم يكن «لوك» مهتمًّا «بضمان توريث الأطفال»؛ سواء أطفال الزوج أو أطفال الزوجة، أعني أن لهم حقًّا في الميراث يمكن أن يُرغم عليه الزوج — الأب. سواءً ورثوا أم لم يرثوا، فتلك مسألة تعتمد على إدارة الذكر التعسفية. والنقطة الهامة عن «لوك» هي ضمان أن لا توجَد حكومة يمكن أن يكون لها الحق في أن تطرح جانبًا الملكية المشروعة للرجل على نحوٍ أزلي، فهو لم يكن مُهتمًّا على الإطلاق بإرساء قواعد وأُسس لحقِّ الميراث عند الزوجة والورثة في مقابل «الزوج/الأب». بل أن يضع أساسًا راسخًا بقدر المستطاع لحق الزوج والورثة في استبعاد الآخرين جميعًا. وليس ذلك بسبب أن مَن يعول الأطفال سوف يعتني بهم، لا بل لإقامة شرعية حق الذكر وسيادته المُطلقة في استخدام الملكية الخاصة في المستقبل والتصرُّف فيها.٣٨
ومن الواضح أن «لوك» في فصلٍ خاصٍّ وعنوانه «السلطة الأبوية» يذهب إلى تأكيد حق الذكر وحدَه في التصرُّف في ممتلكات الأسرة. «وبمقدار ما يكون الأب مُتسقًا في تحقيق التزاماته بإمداد نسلِه بالدعم، فإنه من حقه التصرف في ممتلكات الأسرة، ويكون ذلك بغير حدود.» ومع أن الأب يستطيع أن يتصرف في ممتلكات الأسرة كما يشاء، عندما يصبح أولاده في معزلٍ عن خطر الموت جوعًا، إلَّا أن سلطته لا تمسُّ حياتهم أو أملاكهم التي اكتسبوها بكدِّهم، أو سخا عليهم بما سخا … إذ إن سلطة الأب تنتهي عند هذا الحد، فلا يحقُّ له أن يتصرف في شئون ابنه».٣٩

ويقول أيضًا:

«ومع ذلك فإن للأب، عادة، سلطة أخرى تُحتم على أولاده واجب الطاعة، إلَّا أنه ينفرد بها، بل يُشاركه فيها غيره من الرجال، وهي في الغالب لا تخرج عن نطاق الأسرة الخاصة، ولا نعثر على شواهد عليها خارجها، فقلَّما يفطن إليها الآباء من جرَّاء ذلك. لذلك باتت تُعتبر جزءًا من «الحكم الأبوي». هذه السلطة هي حق المالك بخلع أملاكه على مَن يحظى برضاه أفضل من سواه. ومع أن قوانين الأب بحسب قوانين كل بلدٍ من البلدان، والعرف السائد فيه هي إلى حدٍّ ما إرث الأولاد المرتقب، فللأب الحق، عادة في توزيعها على أولاده، بسخاء أو إمساك، بمقدار ما يعتبر أن سلوك هذا الولد أو ذاك يتفق مع إرادته وهواه».٤٠
وفي الفقرة رقم ٤٧ من الرسالة الأولى التي سبق أن اقتبسناها يُعطي فيها سلطة مُطلقة للزوج على زوجته، لأنه هو الأقدر والأقوى. وهو يقول إن ذلك لا يعطيه الحق للسيطرة على ما هو «بحكم العقد حقُّها الخاص». ولكن ما هو أكثر أهمية أن ذلك لا يتناول سوى شئونهما وأملاكهما المشتركة، فهو يدَع للمرأة حق التملُّك الكامل الأصيل لكل ما يخصُّها حسب العقد من حقوقٍ خاصة، فلا يكون للرجل عليها سلطة إلَّا كمِثل سلطتها على حياته».٤١

وهو يرى أن من المعقول أن يكون ذلك حدًّا لامتياز الذكر عندما يكون العكس هو الصحيح تمامًا. فما هي المبادئ الأرضية، أو حتى السماوية، مبادئ الإنصاف والعدالة التي تُخول لها، عند انحلال عقد الزواج، أن لا تحصل إلَّا على ما جاءت به أثناء الزواج؟ وحتى هذا لا تناله إلَّا لو أنها كانت من الذكاء والحصافة بحيث وضعت هذه المُمتلكات ضمن العقد، وقبِل الزوج هذا العقد بهذه الشروط.

وفضلًا عن ذلك، كما عرف لوك جيدًا، فإن العادات والتقاليد في بلاده لم تكن يقينًا، تسمح للنساء بأية سيطرة أو تصرف في ممتلكاتهن سواء أكنَّ يملكنها قبل الزواج بوصفهن «أنثى وحيدة» Feme Sole (أي إمراة بدون زواج) أو اكتسبن هذه الممتلكات بعد الزواج.٤٢

رابعًا: خاتمة:

في استطاعتنا أن نقول في النهاية إن نظرة لوك إلى الزواج والأسرة وعلاقة الأبناء بوالديهم، يمكن أن تتلخص في النقاط الأساسية التالية:

  • (١)

    يُساير «لوك» التراث الغربي الذي كان يقول، منذ أرسطو، إن الزواج مسألة طبيعية فرضتها الطبيعة بهدف استمرار النوع البشري وعدم انقراضه.

  • (٢)

    دور المرأة في هذا الزواج يتمثل في إنجاب الأطفال ومساعدة الزوج في تربيتهم: هي في داخل المنزل، وهو بما يجلبه من وسائل العيش.

  • (٣)

    لا دور للمرأة خارج الأسرة: لا في النشاط الثقافي، ولا السياسي أو الاجتماعي، وإنما لا بد لها أن تتزوج، فذلك هو المصير الطبيعي لكل امرأة.

  • (٤)

    أهمل لوك تمامًا الحديث عن المرأة الأيم التي لا زوج لها بِكرًا أو ثيبًا.

    ربما لأن بقاءها بلا زوج يعني انحرافها عن أغراض الطبيعة التي لا تفعل شيئًا باطلًا، كما قال أرسطو، وبالتالي امتناعها عن المساعدة في بقاء النوع.

  • (٥)

    سبب دوام الزواج البشري واستمراره هو عدم قدرة «المولود» البشري على الاعتماد على نفسه إلَّا بعد فترة زمنية طويلة ليس لها مثيل عند الحيوانات الأخرى التي يولد فيها الصغير مُكتمل النمو، ويستطيع البحث عن قُوتِه بنفسه بعد فترةٍ وجيزة من مولده.

  • (٦)

    قدرات الرجل والمرأة — أو الزوج والزوجة — مختلفة ومُتباينة رغم همومهما المشتركة في الأسرة، وذلك لأن الرجل هو الأقدر والأقوى. ومن هنا كان له حق السيطرة، وكان من واجب المرأة أن تخضع له: فهو يسود عليها — كما جاء في العقاب الإلهي الذي ذكره الكتاب المقدس.

  • (٧)

    الرجل والمرأة — أو الزوج والزوجة — مختلفان أيضًا من حيث «الفهم والإدراك»؛ فهم الرجل وإدراكه أكثر دقةً وشمولًا من فهم المرأة وإدراكها. ولهذا كان من الطبيعي أن تكون نظرتهما إلى الأمور مختلفة ومتباينة، وأن تنشأ لهما، نتيجة لذلك، إرادتان مختلفتان، وأن يكون لهما رأيان متباينان، فإذا تساءلنا: أيُّ الإرادتَين هي التي ينبغي أن تسود، وأي الرأيَين ينبغي أن يؤخَذ به؟ ولمن القرار الأخير؟ لكانت الإجابة السريعة الواضحة: للرجل طبعًا! ما دام هو الأعلى في الفهم والإدراك، والأكثر دقةً وصوابًا في الحُكم على الأمور!

  • (٨)

    لم يكن من أهداف «جون لوك» مناقشة موضوع الأسرة على نحوٍ مستقل، بل جاء حديثه عرضًا داخل نظريته السياسية التي استهدفت التمييز بين السلطة السياسية والسلطة في الأسرة، الأولى صناعية (باتفاق الناس) والثانية طبيعية فرضتها الطبيعة لبقاء النوع.

  • (٩)

    ما دام الأمر على هذا النحو فلا يجوز أن تقوم الأولى (السياسية) على الثانية (سلطة الأب في الأسرة).

  • (١٠)

    في تربية الأبناء يُبرِز «لوك» دور الأم، ومن هنا كان من الضلال أن نتحدث عن علاقة الأب فقط بأبنائه أو نُسميها بالسلطة الأبوية، والأكثر دقةً أن نقول إنها «سلطة الوالدين» الموزَّعة بين الأب والأم.

  • (١١)

    على الرغم من أن لوك استنتج من ذلك أنه لا حق لرجلٍ واحد أن يسيطر على غيره، فإنه يُبقي على إمكان أن يُسيطر الرجل على المرأة وأن يتحكم فيها!

  • (١٢)
    إن سلطة الأب على أبنائه ليست مُطلقة وإنما هي مرهونة بأمرَين:
    • الأول: إنفاقه عليهم ورعايته لهم.
    • الثاني: بلوغهم سِنَّ الرشد.

    فإذا أخل الأب بأحد هذين الشرطين انتفت سلطته عليهم، فليس مجرد الإنجاب هو الذي يُعطيه السلطة عليهم، ولا سلطان بعد نضجهم سوى الواجب الأخلاقي الذي يفرضه عليهم احترامه وإكرامه.

  • (١٣)

    خضوع الأطفال القُصَّر لسيطرة الأب ينتهي، إذن، بانتهاء فترة القصور، أما الواجب نحو الوالدَين فهو يستمرُّ مدى الحياة.

  • (١٤)

    إذا كان الغرض الأساسي من الزواج هو الإنجاب، فإنه ليس الغرض الوحيد، فهناك بعد ذلك تربية النشء، وإلَّا لما كان هناك استمرار للنوع، وانتقال التراث من جيل إلى جيل.

  • (١٥)

    ينتهي «جون لوك» إلى تزويدنا بالأساس النظري للحق المُطلق للذكَر في نقل ملكيته الخاصة على ورثته الشرعيين.

١  جون لوك: الرسالة الثانية، فقرة رقم ٧٩.
٢  المرجع السابق، في الفقرة السابقة.
٣  هيمن Hymen: إله الزواج في الأساطير اليونانية ابن ديونسيوس وأفروديت. أصبح حاميا للنساء الشابَّات، يظهر في احتفالات الزواج مُمسكًا شعلة الزواج. راجع د. إمام عبد الفتاح إمام، «معجم ديانات وأساطير العالم»، المجلد الثاني، ص١٦٥-١٦٦، مكتبة مدبولي بالقاهرة، عام ١٩٩٨م.
٤  جون لوك: الرسالة الثانية، فقرة رقم ٨٠.
٥  المرجع نفسه.
٦  المقصود: في «حالة الطبيعة» التي تسبق ظهور المجتمع المدني بما فيه من قوانين وضعية.
٧  قارن كتابنا: «أرسطو … والمرأة»، ص٨١.
٨  جان لوك، الرسالة الثانية، فقرة رقم ٨١.
٩  «أرسطو … والمرأة» ص٨١.
١٠  C. B. Macpherson, “The Political Theory of Possessive Individualism: Hobbes to Locke” Oxford, Paperback Press, p. 195.
١١  قارن: جون لوك، «الرسالة الثانية»، فقرة رقم ١٠٥.
١٢  إمام عبد الفتاح إمام، «أرسطو … والمرأة»، ص٧١ وما بعدها، أصدرته مكتبة مدبولي بالقاهرة، عام ١٩٩٦م، العدد الثاني من سلسلة «الفيلسوف … والمرأة».
١٣  جون لوك، الرسالة الثانية، فقرة رقم ١٠٥.
١٤  Lorenne M. G. Clark, The Sexism of Social and Political Theory, p. 21.
١٥  Ibid., p. 22.
١٦  لا شك أن النظرية السياسية التقليدية تعجز عن تقديم نظريةٍ تكفل المساواة بين الجنسين، والزعم بأن قدرات النساء الفريدة المتعلقة بالإنجاب هي قدرات طبيعية أكثر منها قدرات اجتماعية أو متعلقة بالعادات والتقاليد أو مرتبطة بالظروف غير المواتية، هو السبب الرئيسي في هذا العجز. وهكذا يُنظر إلى الإنجاب باتِّساقٍ على أنه مسئولية طبيعية. وهو زعم مركزي وضروري في قلب نظرية لوك.
١٧  سفر الخروج: الإصحاح العشرون، ١٢.
١٨  سفر اللاويين: الإصحاح العشرون، ٩.
١٩  سفر اللاويين: الإصحاح التاسع عشر، ٣.
٢٠  رسالة القديس بولس إلى أهل أفسس، الإصحاح السادس، ١.
٢١  جون لوك، «الرسالة الثانية»، فقرة رقم ٥٢.
٢٢  المرجع السابق.
٢٣  المرجع السابق، فقرة رقم ٦٥.
٢٤  المرجع السابق، في نفس الفقرة.
٢٥  المرجع نفسه، فقرة رقم ٢.
٢٦  المرجع نفسه، فقرة رقم ٣.
٢٧  المرجع السابق، فقرة رقم ٦٧.
٢٨  المرجع السابق، فقرة ٦٧.
٢٩  المرجع نفسه، فقرة ٧١.
٣٠  المرجع نفسه، فقرة ٦٥.
٣١  الرسالة الثانية: الفصل السابع، فقرة ٧٨.
٣٢  الرسالة الثانية، فقرة رقم ٦٦.
٣٣  الرسالة الثانية، فقرة رقم ٨٠.
٣٤  الرسالة الثانية، فقرة رقم ١٨٦.
٣٥  الرسالة الثانية، فقرة رقم ١٧٢.
٣٦  الرسالة الثانية، فقرة رقم ٨٣.
٣٧  Lorenne Clark, The Sexism, p. 27.
٣٨  Ibid., p. 28.
٣٩  جون لوك: الرسالة الثانية، فقرة رقم ٦٥.
٤٠  جون لوك: الرسالة الثانية، فقرة رقم ٧٢.
٤١  جون لوك: الرسالة الثانية فقرة رقم ٨٢.
٤٢  المقصود «بالأنثى الوحيدة» المرأة الأيم، والأيم هي من لا زوج، لها بكرًا كانت أو ثيبًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦