الزواج والأسرة عند جون لوك
(١) أولًا: الزواج
لا شك أن نظرة لوك إلى الزواج كانت مسايرة للفكرة التي سيطرت على التراث الغربي منذ أرسطو حتى عصره. والتي تقول إن الغاية من الزواج، واقتران الذكر بالأنثى، هي الإنجاب أساسًا، وذلك بهدف استمرار الجنس البشري؛ فطبيعة «النوع» تجعله يميل إلى تخليد نفسه بأن ينسل أفرادًا على صورته. ومن هنا كان الزواج ضرورة تفرضها الطبيعة أحيانًا، أو تُمليها إرادة السماء أحيانًا أخرى حتى لا ينقرض النوع الإنساني.
وهكذا يقدم «جون لوك» تصنيف أنواع الحيوانات المختلفة، والفترة اللازمة لدوام الاقتران، ومرافقة الزوج للزوجة لرعاية صغارهما:
-
(أ)
فالحيوانات من أكَلة العُشب، وكذلك الحيوانات التي تلِد أطفالها مكتملة النمو، لا يدوم الاقتران بين الذكر والأنثى سوى بمقدار دوام فِعل الجماع بينهما. لأن إرضاع الأم كافٍ لتغذية صغيرها حتى يصبح قادرًا على أن يقتات العُشب بالنسبة للمجموعة الأولى من الحيوانات. فالذكر هنا يُنجب لكنه لا يأبه للأنثى أو لصغارها، لأنه عاجز عن إمدادها بأي عون.
-
(ب)
أما عند الحيوانات المفترسة، فإن الاقتران يدوم زمنًا أطول، لأن الأنثى لا تقوى على البقاء، وتغذية صغارها الكثيرة ممَّا تفترسه بمفردها؛ وتلك سبيل من سُبل العيش أشق وأخطر من الاقتيات على العُشب. لذلك كانت مساعدة الذكر ضرورية لبقاء النوع والأسرة المُشتركة التي لا يتسنى لأفرادها البقاء حتى يصبحوا قادرين على الافتراس إلَّا بتعهُّد الذكر والأنثى ورعايتهما.
-
(جـ)
ويمكن أن نلاحظ هذه الملاحظة نفسها عند جميع الطيور — باستثناء بعض الدواجن التي تُوفر كثرة الغذاء على الذكر مئونة تغذيةِ الفراخ أو العناية بها — أما إذا كانت فراخها تحتاج إلى الغذاء وهي في العش، فإن الذكر والأنثى يَبقيان قريبَين، حتى تُصبح صغارها قادرةً على الطيران، وعلى جمع القوت بمفردها، والعناية بنفسها.٢
وعندما يناقش «جون لوك» دور النساء فإنه يُقرر بوضوح أنهنَّ خُلِقن ليكُنَّ مرافقات للرجال تابعات لهم، وكما أنهن عاجزات عن إنجاب الأطفال بدون الرجال، فإنهن كذلك عاجزات عن تربيتهم بدون مساعدة الرجال أيضًا، أو على الأقل حتى يصبح الأطفال قادرين على الاعتماد على أنفسهم. ولهذا كان المصير الطبيعي للمرأة، في رأيه، أن تتزوج أولًا: لقدرتها على الإنجاب، فهي الأداة التي تُحقق بها الطبيعة استمرار النوع، وثانيًا: لخضوعها لسيطرة الرجل أو الزوج، وذلك بسبب اعتمادها عليه في تربية النَّشء. وهكذا افترض «لوك» أن الأسرة وبِنيتها الخاصة بما فيها من سيطرة الرجل على المرأة أو تسلُّط الزوج على الزوجة، هما تداعيات طبيعية، أو ارتباط طبيعي تم خلقُه في حالة الطبيعة.
(٢) ثانيًا: الأسرة
لم يكن من أهداف «لوك» مناقشة الأسرة كموضوعٍ مستقل قائم بذاته، ذلك لأن المشكلة التي شغلته هي أساسًا موضوع السلطة السياسية (أو السلطة في الدولة) ومدى ارتباطها بالسلطة الطبيعية، التي هي سلطة الزوج في الأسرة. ومن هنا راح يُفرق، بوضوح، بين نوعَين من السلطة:
-
(أ)
السلطة السياسية، وهي السلطة في الدولة بين الملك ورعاياه، أو بين الحكومة والمواطنين، وهي سلطة يشترط فيها فيلسوفنا أن ترتكِز على رضا الناس وموافقتهم.
-
(ب)
السلطة في الأسرة، وهي سلطة الرجل أو الزوج، وهي سلطة طبيعية، تعتمد أساسًا على تفوُّق الذكر على الأنثى، وهو تفوُّق يضرب بجذوره في الاختلاف الطبيعي بينهما بسبب دور الأنثى في عملية الإنجاب. وهكذا تكون السلطة الأولى صناعية بقدْر ما تكون السلطة الثانية طبيعية.١١
ذلك كله مقبول، ومُسلَّم به، في نظر «لوك» لأنه كان يهاجم الحكومة الأبوية البطريركية. لكن لا بد له أن يعترف، رغم ذلك، بأمرَين؛ الأول: الواقعة التاريخية التي تقول إن معظم الحكومات كانت قد بدأت على صورة القوة، أو السلطة الأبوية، وأنها من ثَم كانت حكومات بطريركية أبوية. والثاني أن العلاقة الزوجية، أو سلطة الزوج، إذا كانت في الماضي قد قامت على القوة، مثل السلطة السياسية، فلا بد أن تقوم العلاقة على التراضي أيضًا وعلى المساواة التامة، مثلها مثل السلطة السابقة. لكنه اهتم أساسًا أن لا تقوم الحكومة الشرعية على السيطرة الطبيعية التي كانت للرجل في الأسرة؛ بمعنى أن سيادة الزوج وسيطرته على زوجة، ليست هي الأساس في قيام الحكومة.
فمن الطبيعي أن يكون الرجال، والرجال وحدهم، أحرارًا، فقد تخلصوا من سيطرة شخص على شخصٍ آخر. وعلى الرغم من أن ذلك يتسق مع إيمانه، بأن بعض النساء قادرات، إلى حدٍّ ما، على السيطرة على حياتهن وممتلكاتهن، فإنه كان يعتقد أن الغالبية العُظمَى من النساء هن، بالفعل، تحت سيطرة الرجال فُرادَى، لأنهن كن «بالطبيعة» الأضعف والأقل قدرة، فهنَّ يشتركن في الظروف الصعبة العامة التي تخضع لها جميع النساء، وليس لديهن القدرات التي تعوِّضهن عن وضعهن السيئ. وبالتالي تضعهن في وضعٍ يكنَّ فيه قادرات على رفض إدارة الرجال وسيطرتهم. ومن هنا كانت الحالة الافتراضية التي افترضها «جون لوك» وهي حالة الطبيعة، مليئة بالمزاعم والافتراضات المُسَبَّقة عن الطبائع المختلفة للإنجاب والعلاقات بين الجنسين، مثلما هي مليئة بالمزاعم والافتراضات المُسَبَّقة عن العلاقات المختلفة بين الرجال.
(٣) ثالثًا: تربية النَّشء
ومع ذلك كله فإن «جون لوك» يبرز دور «الأم» في تحمل مسئولية تربية النشء، وحجته الرئيسية، إنما توجَد في الفصل السادس من الرسالة الثانية وعنوانه «في السلطة الأبوية» حيث يذهب إلى أننا لا نستطيع أن ندعم الحكومة الأبوية بدعامات مُستمَدة من وجود السلطة الأبوية في الأسرة، لأن السلطة في الأسرة وتربية النشء تتمثل في سلطة الوالدَين على الأبناء، ولا يقوم بها الأب بمفرده (وإن كان له القرار الأخير بالطبع) بل تشاركه الأم على قدم المساواة، ولهذا فإننا نراه يذهب إلى تسميتها «بالسلطة الأبوية» تسمية مضللة، إذ تبدو هذه التسمية وكأنها تضع السلطة كلها في يد الأب، كما لو لم يكن للأم نصيب فيها، على حين أننا لو استشرنا العقل أو الوحي لوجدْنا أن لها قسطًا مساويًا للأب. يقول «جون لوك» في هذا المعنى:
والواقع أن «جون لوك» عندما يتحدث عن الحكومة الأبوية وينقدها، فإنه نادرًا ما يذكر سيطرة الزوج على زوجته داخل الأسرة. وذلك لأنه لا يجد ذلك مناسبًا. ولهذا يكتفي بأن يقول إنه لا يوجَد الحق لرجلٍ واحد أيًّا ما كان، أن يسيطر على غيره دون موافقة أو رضا هذا الغير. غير أن «لوك» افترض أن ذلك لا يعني أيضًا أنه لا يوجَد الحق لرجلٍ واحد أيًّا ما كان أن يسيطر على امرأةٍ أو يتحكم فيها. بل على العكس فقد افترض إمكان ذلك. لأنه كان يفترض أن الرجال سوف يواصلون السيطرة على النساء في الميدان السياسي كما هي الحال في ميدان الأسرة. فليس ثمة حاجة إلى السؤال عن سلطة الزوج على زوجته.
ويقول «لوك» أيضًا:
ففي رأي «لوك» أن مجرد الإنجاب لا يعطي الأب أية سلطة، ذلك لأن السلطة الأبوية لا تنبُع من مجرد الأبوة، بل من قبوله تحمُّل المسئولية (فسلطة الأب سلطة أخلاقية تأتي أساسًا من قبوله تحمُّل مسئولية الأبناء). ولا شك أن «لوك» كان يقول ذلك وفي ذهنه سلطة الحكومة. وعلينا أن نلاحظ هنا أيضًا أنه يريد أن يستمد دور الأب من «الحراسة» فهو حارس على أبنائه، وهي مسألة تنطبق أيضًا على الحكومة المدنية أكثر مما تنطبق على العلاقات الطبيعية. وفي غمرة حماسه لنزع الصفة الطبيعية من السياسة فإنه يصل إلى حافة تسييس الأسرة.
غير أن ما هو أكثر أهميةً بالنسبة لموضوعنا هنا، هو أن السلطة على الأطفال تضع أمامنا العلاقة المناسبة للطبيعة وحدود السلطة السياسية. فالعلاقة بين الزوج والزوجة التي يكون فيها الزوج في وضع أعلى مُميز دون أن يكون لذلك تبرير مثل تبرير «سلطة الأب على أبنائه»: مثل هذا الشكل من السلطة يظهر، ببساطة، نتيجةً طبيعيةً للتفاوت وعدم المساواة التي هي على خلاف سلطة الوالدَين على أطفالهما — لا تختفي بمرور الزمن أو انقضاء الوصايا، وتلك هي السيطرة الطبيعية لجنسٍ على جنسٍ آخر.
وهكذا نجد أن العلاقة بين الوالدين والأطفال تُشبه أكثرَ العلاقة بين الحاكم الشرعي ورعاياه، فهي سلطة محدودة تكون فيها فترة السيادة والسيطرة قائمةً على تفاوتٍ طبيعي بمرور الزمن، وهي بالطبع تختلف عن السيادة المشروعة، من حيث إن هذه الأخيرة لا تُجيز أبدًا سلطةً مُطلقة طالما أنه لا يوجد تفاوت طبيعي، ولا حتى من النوع المؤقت بين الأشخاص الذين تُنظمهم مثل هذه العلاقة.
يقول لوك:
ويقول في الفقرة نفسها:
ويقول أيضًا:
وعلى أية حال فإن السلطتين: السلطة السياسية من ناحية، وسلطة الأب على أبنائه من ناحية أخرى، ينبغي أن نقابل بينهما معًا وبين سلطة الزوج على زوجته، وهي السلطة التي يتضح أنها لا تتغير مع مرور الزمن. ومن الطبيعي أن لا تكون هذه حجة يسوقها «لوك» وإنما هي فكرة كامنة، بوضوح، في خلفية تفكيره، وما لم تكن كذلك ما واصل هجومَه ضد الحكومة الأبوية، عن طريق تحليل دور الأب في سلطة الوالدين على الأطفال. وفضلًا عن ذلك ما كان قد استنتج سلطةً كسلطة الأب على وجه الخصوص، ولكان قد استدعى بالمثل علاقة الزوج بزوجته.
وفي غمرة حماسه للعثور على حججٍ ضد الحكومة الأبوية البطريركية، فإن أنثروبولوجيته البدائية قد ذهبت بعيدًا جدًّا إذ تراه يقول:
وهو هنا لا يدرس، من جديد، الموضوع برُمَّته، ويبحث الزواج الواحدي وسيطرة الذكر، بل الموضوع واضح، وهو أنه يؤمِن أن هناك بعض «الحالات الطبيعية» لم تكن توجَد فيها سيطرة الزوج على زوجته. لكن ينبغي علينا أن نقول إنه يبدو، في بعض الأحيان، أنه كان على وعيٍ بأن سيطرة الزوج على زوجته، قد وضعت بعض العراقيل أمام حجَّته ضد الحكومة الأبوية. فهو يذهب، مثلًا، إلى أن الزواج «علاقة تعاقدية».
يقول:
يقول:
«إن سلطة الزوج على زوجته هي أبعد ما تكون عن سلطة الملك المُطلق، إذ مِن حق الزوجة، بطرُق شتَّى، أن تنفصل عن الزوج، حيث يسمح لها بذلك الحق الطبيعي أو تعاقدهما بأنفسهما سواء قاما بأنفسهما، بعمل ذلك التعاقد في حالة الطبيعة، أو فرضته العادات والتقاليد أو قوانين البلاد التي يعيشان فيها؛ وعندها يئول الأطفال — عند الانفصال — إلى الأم أو الأب وفق ما ينصُّ عليه العقد».
ويُشدد «جون لوك» على ضرورة التزام الوالدين بتربية ورعاية نسلِهما.
يقول:
وهكذا يظهر أنه واجب طبيعي أن يساعد الأب أولئك الذين أعانهم على الظهور إلى الوجود، وربما قيل إنه من المعقول أيضًا أن تؤكد أن من حق المرأة الطبيعي أن يساعدها أحد في تنشئة ما تحمِل من صغار، لكن ما دام الرجل يعتقد أيضًا أن النساء، مثل أنثى الحيوانات الأخرى التي تهَب الحياة لصغارها، عاجزة عن تنشئة النسل، فمِن الواضح أنه ليس أمامهن أي خيار سوى الزواج لو أردن أن يكون لهنَّ أبناء، أو لو شعرن بالحمل سواء رغبنَ في الطفل أم لا.
ولم يحظر على بال «لوك» أن المرأة تستطيع تجنُّب مشكلة أن يكون لها طفل آخر قبل أن يصبح قادرًا على طلب العيش بنفسه، وذلك بأن ترفض مشاركة الزوج فراش الزوجية، وإنما كانت فكرته ببساطة أن قدَر النساء أن يكُنَّ «رفيقات» للرجل وإلا كنَّ وحيدات. ومن الواضح أن وحدتهنَّ ستكون مشكلة، ولهذا قام بتغطية هذا العيب بتقوى وورَع، فتحدث عن الغرض الأعظم لله، ألا وهو المحافظة على بقاء الجنس البشري. كما تحدَّث عن الغرض الإلهي من قدرة الرجل الفطرية على العناية بنفسه. وتحقق أن النتيجة التي لا يمكن تجنُّبها لشهوة الرجال إلى النساء هي أكثر من أن تكون المرأة مجرد رفيقة أو صديقة للرجل، بل إن النساء لا بد أن يكون لهن أطفال. وكان له على الأقل فضل واحد، هو التشديد على واجب الأب البيولوجي في رعاية أبنائه.
وبعد أن قدم معتقداته القوية حول الرضا والقبول الصحيح الذي تقتضيه رابطة الالتزام، فإنني لم أعد أفهم كيف استنتج ذلك على أنه اتفاق إرادي يقول:
«بقى علينا أن نتأمَّل ما إذا كانت العهود المنتزعة بالقوة من دون الاستناد إلى أي حقٍّ يصبح اعتبارها رضًا وإلى أي حد تلزم صاحبها؟
وجوابي على ذلك هو أنها لا تُلزم صاحبها أبدًا، لأن كل ما ينتزعه منِّي شخص ما بالقوة فلي الحق فيه بعد ذلك. وهو مُرغَم على إعادته إليَّ حالًا.
وأيضًا:
فالقبول أو الرضا ضروريان لخلق عقدٍ مُلزِم، ولا يقوم به سوى أولئك الذين يسيطرون على حياتهم ويكونون سادة لحياتهم؛ لكن ما الموقف بين المرأة والطفل؟ إنه يُعطينا اعتقادًا، قد يكون زائفًا، بأن النساء قد لا يمكن لهن تزويد أطفالهن ومساعدتهم على النمو، فكيف أمكن له أن يعتقد أن النساء في موقفٍ يجعلهن يُقدِمن على إبرام نوع من العقد يعتقد هو نفسه أنه ضروري لخلق ارتباطات مُلزِمة …؟ إن أمثال هذه العقود تنبُع من اتفاقٍ إرادي، ويمكن أن تُبرَم بين اثنين نظيرَين متساويَين يستطيع كل واحدٍ منهما أن يساوِم من نفس موقف القوة مثل زميله. لكن كيف يمكن لنساء، وفي مثل هذه الظروف أن يُساوِمنَ من موقف الضعف؟ وإذا وقَّعت الأم عهدًا تحت ضغط التهديد بأنها ما لم توقعه فإنها لن تنال الدعم لتربية أطفالها، بغض النظر عن واقعة أن ذلك ربما كان من حقِّها الطبيعي، فبأي معنًى يمكن أن يؤدي ذلك إلى ظهور وعدٍ ملزم؟! إنه نفس الموقف عندما يقوم شخص ما ليس لدَيه سوى معلوماتٍ أولية بدائية عن نظرية التعاقد، فيقع في التزاماتٍ خطرة تغلق، ما لم تكن داخله بالفعل، حدودَ تعاملٍ غير واعٍ. فإذا تركنا ذلك جانبًا وجدنا أن من أفضال لوك التي تُحمَد له أنه رأى إمكان الزواج التعاقدي الذي يفتح الباب على الأقل أمام إمكانية إيجاد علاقةٍ متساوية بين الرجل والمرأة أو الزوج والزوجة.
لاحظ أنه لم يقُل ينبغي أن ينظمه العقد الذي ينظم السلطة المتبادلة، بل ذهب إلى أنه يمكن فقط أن يُنظمه، ما دام ذلك لا يتعارض مع الإنجاب وتربية الأطفال.
غير أن «لوك» لسوء الطالع، فشل في أن يُشير إلى أن الإنجاب هو في أغلب الأحوال ليس الغرَض الوحيد من الزواج بل هو أحد أغراضه … وأنه على الرغم من أن المساواة بين الزوج والزوجة قد تنسجم مع هذه الوظيفة، فإنها قد تتعارَض مع ما يزعمه من أنه الوظيفة الكُبرَى أو الرئيسية للزواج، تزوِّدنا بآلية لتحويل الملكية وانتقالها عبر الأجيال: وربما حاول «لوك» أن يؤكد أن الزواج هو اتفاق تعاقُدي إرادي قد تنوَّع إلى حدِّ أنه قد ينزع السلطة بالقوة من يد الزوج. ومع ذلك لا يزال للزوج سيطرة على زوجته وليس لها سيطرة عليه. وفي التحليل النهائي نجد أنه هو الحاكم البسيط لأنه — وهو وحده — لديه قدرة، مقصورة عليه، للسيطرة والتخلص من الملكية بالقطع في زواج «التعاقد» المألوف عن «لوك» والذي يزعمه في بحثه من ألِفهِ إلى يائه. لقد كان أحد الأغراض «الرئيسية» عند «لوك» تزويدنا بالأساس النظري للحق المُطلق للذكَر لكي ينقل ملكيته الخاصة على ورثته الشرعيين.
ومن الواضح أن أي تغيير في عقود الزواج يتجه نحو أي مساواةٍ حقيقية بين الجنسين أو بين الزوج والزوجة لا بد أن يحمل معه حقًّا مساويًا في التصرُّف في ملكية الأسرة، ويتناقض ذلك بوضوح مع هدف «لوك» في السيطرة المشروعة المقصورة على الرجل في هذه الملكية الخاصة.
ويقول أيضًا:
وهو يرى أن من المعقول أن يكون ذلك حدًّا لامتياز الذكر عندما يكون العكس هو الصحيح تمامًا. فما هي المبادئ الأرضية، أو حتى السماوية، مبادئ الإنصاف والعدالة التي تُخول لها، عند انحلال عقد الزواج، أن لا تحصل إلَّا على ما جاءت به أثناء الزواج؟ وحتى هذا لا تناله إلَّا لو أنها كانت من الذكاء والحصافة بحيث وضعت هذه المُمتلكات ضمن العقد، وقبِل الزوج هذا العقد بهذه الشروط.
رابعًا: خاتمة:
في استطاعتنا أن نقول في النهاية إن نظرة لوك إلى الزواج والأسرة وعلاقة الأبناء بوالديهم، يمكن أن تتلخص في النقاط الأساسية التالية:
-
(١)
يُساير «لوك» التراث الغربي الذي كان يقول، منذ أرسطو، إن الزواج مسألة طبيعية فرضتها الطبيعة بهدف استمرار النوع البشري وعدم انقراضه.
-
(٢)
دور المرأة في هذا الزواج يتمثل في إنجاب الأطفال ومساعدة الزوج في تربيتهم: هي في داخل المنزل، وهو بما يجلبه من وسائل العيش.
-
(٣)
لا دور للمرأة خارج الأسرة: لا في النشاط الثقافي، ولا السياسي أو الاجتماعي، وإنما لا بد لها أن تتزوج، فذلك هو المصير الطبيعي لكل امرأة.
-
(٤)
أهمل لوك تمامًا الحديث عن المرأة الأيم التي لا زوج لها بِكرًا أو ثيبًا.
ربما لأن بقاءها بلا زوج يعني انحرافها عن أغراض الطبيعة التي لا تفعل شيئًا باطلًا، كما قال أرسطو، وبالتالي امتناعها عن المساعدة في بقاء النوع.
-
(٥)
سبب دوام الزواج البشري واستمراره هو عدم قدرة «المولود» البشري على الاعتماد على نفسه إلَّا بعد فترة زمنية طويلة ليس لها مثيل عند الحيوانات الأخرى التي يولد فيها الصغير مُكتمل النمو، ويستطيع البحث عن قُوتِه بنفسه بعد فترةٍ وجيزة من مولده.
-
(٦)
قدرات الرجل والمرأة — أو الزوج والزوجة — مختلفة ومُتباينة رغم همومهما المشتركة في الأسرة، وذلك لأن الرجل هو الأقدر والأقوى. ومن هنا كان له حق السيطرة، وكان من واجب المرأة أن تخضع له: فهو يسود عليها — كما جاء في العقاب الإلهي الذي ذكره الكتاب المقدس.
-
(٧)
الرجل والمرأة — أو الزوج والزوجة — مختلفان أيضًا من حيث «الفهم والإدراك»؛ فهم الرجل وإدراكه أكثر دقةً وشمولًا من فهم المرأة وإدراكها. ولهذا كان من الطبيعي أن تكون نظرتهما إلى الأمور مختلفة ومتباينة، وأن تنشأ لهما، نتيجة لذلك، إرادتان مختلفتان، وأن يكون لهما رأيان متباينان، فإذا تساءلنا: أيُّ الإرادتَين هي التي ينبغي أن تسود، وأي الرأيَين ينبغي أن يؤخَذ به؟ ولمن القرار الأخير؟ لكانت الإجابة السريعة الواضحة: للرجل طبعًا! ما دام هو الأعلى في الفهم والإدراك، والأكثر دقةً وصوابًا في الحُكم على الأمور!
-
(٨)
لم يكن من أهداف «جون لوك» مناقشة موضوع الأسرة على نحوٍ مستقل، بل جاء حديثه عرضًا داخل نظريته السياسية التي استهدفت التمييز بين السلطة السياسية والسلطة في الأسرة، الأولى صناعية (باتفاق الناس) والثانية طبيعية فرضتها الطبيعة لبقاء النوع.
-
(٩)
ما دام الأمر على هذا النحو فلا يجوز أن تقوم الأولى (السياسية) على الثانية (سلطة الأب في الأسرة).
-
(١٠)
في تربية الأبناء يُبرِز «لوك» دور الأم، ومن هنا كان من الضلال أن نتحدث عن علاقة الأب فقط بأبنائه أو نُسميها بالسلطة الأبوية، والأكثر دقةً أن نقول إنها «سلطة الوالدين» الموزَّعة بين الأب والأم.
-
(١١)
على الرغم من أن لوك استنتج من ذلك أنه لا حق لرجلٍ واحد أن يسيطر على غيره، فإنه يُبقي على إمكان أن يُسيطر الرجل على المرأة وأن يتحكم فيها!
-
(١٢)
إن سلطة الأب على أبنائه ليست مُطلقة وإنما هي مرهونة بأمرَين:
- الأول: إنفاقه عليهم ورعايته لهم.
- الثاني: بلوغهم سِنَّ الرشد.
فإذا أخل الأب بأحد هذين الشرطين انتفت سلطته عليهم، فليس مجرد الإنجاب هو الذي يُعطيه السلطة عليهم، ولا سلطان بعد نضجهم سوى الواجب الأخلاقي الذي يفرضه عليهم احترامه وإكرامه.
-
(١٣)
خضوع الأطفال القُصَّر لسيطرة الأب ينتهي، إذن، بانتهاء فترة القصور، أما الواجب نحو الوالدَين فهو يستمرُّ مدى الحياة.
-
(١٤)
إذا كان الغرض الأساسي من الزواج هو الإنجاب، فإنه ليس الغرض الوحيد، فهناك بعد ذلك تربية النشء، وإلَّا لما كان هناك استمرار للنوع، وانتقال التراث من جيل إلى جيل.
-
(١٥)
ينتهي «جون لوك» إلى تزويدنا بالأساس النظري للحق المُطلق للذكَر في نقل ملكيته الخاصة على ورثته الشرعيين.