الحقوق الطبيعية
تمهيد
كان من الطبيعي إزاء الأحداث الدامية التي عاشها «جون لوك» في إنكلترا، وما انتاب البلاد من فوضى ودمار نتيجةً للحرب الأهلية الطاحنة بين أنصار البرلمان وجيش الملك شارل، أن يحاول فيلسوفنا هدم المُبررات التي يقوم عليها «الحكم المطلق» الذي تسبب في هذه الحرب، وإرساء قواعد دولة ليبرالية حرة تتألف من مواطنين أحرار نالوا جميع حقوقهم الطبيعية: حق الحياة الآمنة، وحق الملكية الخاصة، والحرية … إلى آخر تلك الحقوق الأساسية التي سنعرض لها بعد قليل؛ بحيث لا تكون للمواطنين حقوق مفقودة اغتصبها الحاكم فينشب بينه وبين الناس صراعٌ جديد في محاولة لانتزاعها منه، على نحوِ ما حدث من قبل بين البرلمان والملك شارل الأول. وحتى يقوم نظام الحُكم على رضًا واتفاق بين الحاكم والمحكوم.
نعم، كان «لوك» مفكرًا إنكليزيًّا أصيلًا أحزنته أحوال بلاده المُتردية، وهاله ما وجده من فساد في التنظيم السياسي الذي يقوم على قواعدَ ظالمة ينبغي أن تزول؛ لكن المظلوم هنا هو «الرجل»، وما يبغيه الفيلسوف هو إزالة هذا الظلم، وإقامة مجتمع ذكوري تسودُه العدالة، وتتحقق المساواة بين أفراده من الرجال …!
ويبقى أن نُبين كيف تناثرت آراء «جون لوك» عن المرأة في كتاباته السياسية، لا سيما كتابه «رسالتان عن الحُكم المدني»، وكيف استخدمها في نظريته السياسية، صراحةً أو ضمنًا، وكيف استفاد من المُقدمات السابقة من «اللامساواة الطبيعية»، وما هي المشكلات التي تُسببها هذه المزاعم في نظريته …؟!
(١) أولًا: الرسالة الأولى
والواقع أن آراء هذا المُنظِّر السياسي الإنكليزي — سير روبرت فلمر — كانت تُعَد في القرن السابع عشر بقايا من مُخلفات العصور الوُسطَى، بل هي آخر محاولات أنصار الحكم المطلق للدفاع عن حق الملوك الإلهي في الحكم. وهي تُهمنا في هذا البحث لأنها تركز على الأسرة وعلاقة الزوج بالزوجة «آدم بحواء» على اعتبار أن علاقة الملك برعاياه هي امتداد لهذه العلاقة الأسرية، فهي تُشبِّه الملك بالأب أو العائل، ومن هنا كانت كل حكومة هي أساسًا حكومة «أبوية بطريركية» (وهو اسم كتاب فلمر). فلما كان الله قد أودع السيادةَ في الأسرة البشرية الأولى، أسرة آدم وحواء، ولمَّا كان الله قد منح آدم السيادةَ المُطلقة على بنيه، فقد انحدرت منه هذه السيادة إلى الآباء من بعده، ومنهم إلى الحكام، وكل مَن يؤمن بأن الكتاب المقدس مُنزَّل من عند الله، فإن عليه أن يُسلِّم، فيما يقول فلمر، بالأسرة الأبوية، وسلطة الأب فيها، وأن ذلك فريضة إلهية على البشر. وأن هذه السيادة انتقلت من الآباء إلى الملوك، فكان الملوك الأوائل آباء. وكان سلطانهم شكلًا من أشكال الحُكم الأبوي ومشتقًّا منه. وإذن فالنظام الملكي يرجع إلى آدم، ومِن ثَم إلى الله، وسلطة الملوك مقدَّسة ومطلقة، والتمرد عليها خطيئة وجريمة في وقتٍ واحد.
ويبدأ برهان «فلمر» بالهجوم على الرأي الشائع القائل بأن الجنس البشري مولود بالطبيعة مزودًا بالحرية الخالصة من كل خضوع، وأنه حرٌّ في اختيار شكل الحكومة التي تروقه … إلخ، ويسير على النحو التالي:
-
(١)
إن الله نصَّبَ آدم سيدًا على المخلوقات، وأولاه السلطة على حوَّاء وعلى بَنيه جميعًا في مُحيط الأسرة الأُولى.
-
(٢)
يُولد البشر، إذن، في ظل سلطة أبوية، فهم ليسوا أحرارًا وليسوا مُتحرِّرين من الخضوع، ومِن ثَم فإن القول بأن الإنسان وُلد حرًّا، أو أن هناك ما يُسمى «بالحرية الطبيعية» ليس سوى خرافةٍ رومانسية! وهو يدعو سلطة الأب هذه بالسلطة «الملكية» أو «السلطة الأبوية» أو «حق الأبوة». وهي سلطة يقول عنها فلمر إنها «غير محدودة، وغير قابلة للحد». ومن الأهمية بمكانٍ أن نتذكر دائمًا أن هذه السلطة تشمل سلطة الزوج على زوجته وسيادته عليها، على نحوِ ما سنعرف بعد قليل.
-
(٣)
ويؤكد فلمر أن هذه «السلطة الأبوية» بدأت، على هذا النحو من آدم، واستمرت كأساسٍ للأمن والنظام في العالم طيلة زمن شيوخ إسرائيل حتى الطوفان. ثم خرجت بعدها من الفُلك مع نوح وأولاده وانتشرت في أرجاء الأرض وبين شعوب العالم وملوكه، فأيدت سلطة جميع الملوك على الأرض! كما أيَّدت سلطة الأزواج على زوجاتهم وسيادتهم عليهن!
نعود إلى «فلمر» ودراسته عن الأسرة الأولى «آدم وامرأته» التي أراد منها أن تكون أساسًا للحُكم المُطلق الذي يستمدُّ سلطته من الله، لنجده يُلخص فكرته في عبارة جامعة عندما يقول:
وهكذا نجد أن «فلمر» يتابع بدقة، من حيث علاقة الرجل بالمرأة، أو الزوج بالزوجة، التراث اليهودي الذي كان يعتمد أساسًا على النظام السائد لدى قبائل الرعي، وفي مقدمته النظام الأبوي. وإن كان «فلمر» اعتبر سيطرة آدم على حوَّاء مثلًا على القانون الإلهي.
والخلاصة أن السلطة السياسية في رأي «فلمر» لم تُستمَد من «عقد اجتماعي» (ولا سلطة الزوج من عقد الزواج)، كما يزعم البعض، ولا من الصالح العام كما يدَّعي البعض الآخر، وإنما جاءت من سلطة الأب على أبنائه، فمصدر السلطة الملكية هو سلطة الأب على أبنائه وخضوعهم له، والطاعة الواجبة عليهم نحوه. ومن هنا فقد كان الآباء في «سِفر التكوين» ملوكًا لأنهم ورثة آدم، أو هم على الأقل يُعتبرون كذلك، وأن الحقوق الطبيعية للملك هي نفس الحقوق الطبيعية للأب، ولا يمكن للأبناء بحُكم الطبيعة أن يتحرَّروا من السلطة الأبوية حتى حين ينضج الابن ويصبح راشدًا، وينخر المَشيب في الأب ويُصبح خرِفًا.
غير أن «جون لوك» في رده على «فلمر»، في «الرسالة الأولى» من الرسالتَين الشهيرتَين، يسوق مجموعة من الأفكار الهامة التي تعتبر ركنًا أساسيًّا في نظريته عن المرأة، منها ما يلي:
- أولًا: يلاحظ «لوك» أن هناك عدم مساواة طبيعية بين الجنسين، وتفوق طبيعي للذكَر على الأنثى.
- ثانيًا: ليس الإنجاب واقعة مركزية في الحياة السياسية، وليست له قيمة في خلق الحياة ذات مغزًى للرجل.
- ثالثًا: الأسرة ليست مؤسسة سياسية، بل مؤسسة طبيعية، تظل خارج الإطار السياسي في «حالة الطبيعة» التي تقع هي نفسها خارج التاريخ.
وبالإضافة إلى هذه الأفكار الأساسية هناك أفكار أقل منها شأنًا أو هي أفكار مشتقة تحتاج إلى فحص.
-
أما الفكرة الأولى: فهي تذهب إلى انعدام المساواة بين الجنسين وتفوق الذكر، واعتبار
«اللامساواة» مسألة «طبيعية» فرضتها «الطبيعة التي لا تفعل شيئًا
باطلًا.» كما يقول أرسطو. وهذه الفكرة نجدها متناثرة في كتابات
«لوك» أحيانًا على نحوٍ صريح واضح، وأحيانًا على نحو ضمني غامض. فهو
في هذه الرسالة الأولى التي يحاول فيها تفنيد آراء «فلمر» ومزاعمه
في أن آدم سيطر على حواء بفضل القانون الإلهي، نراه يبذل جهدًا لكي
يُبين لنا أن مصدر الوضع المتدنِّي الذي خضعت فيه النساء للرجال لا
يوجَد في القانون، وإنما يكمن في الطبيعة. يقول جون لوك في هذا
المعنى:
«وفضلًا عن ذلك فينبغي علينا أن نلاحظ أن هذه الكلمات الواردة في سِفر التكوين وهي: «وقال للمرأة: تكثيرًا أُكثِّر أتعاب حبلك، بالوجع تلِدِين أولادًا. وإلى رجُلك يكون اشتياقك، وهو يسود عليك …»١٤ والتي يدعوها «فلمر» «هبة الحكم الأصلية» لم يكن يقصد بها آدم، ولا هي هبةٌ خلَعها الله عليه، وإنما هي ذلك القصاص الذي فُرض على حواء. فإذا أوَّلنا هذه الكلمات مثل هذا التأويل، واعتبرناها موجهةً إليها وإلى النساء جميعًا — من خلال حواء — اقتصرت دلالتها على أبعد تقديرٍ على جنس الأنثى فحسب. وتضمنت سلطة أزواجهن المألوفة عليهن فقط، فليس فيها قانون يُكره المرأة على الاستكانة لمثل هذه السلطة إن هي استطاعت أن تتخلص منها. ولا أحسب أن أحدًا سواه (سوى فلمر) يزعم أن هذه الكلمات تفيد أنه ينبغي على المرأة أن تستكين للعبودية. وعندي أنَّ الله في هذه الآيات لا يمنح آدم السلطة على حواء، أو يهب الرجال بصفةٍ عامةٍ السلطة على نسائهم، وإنما هو يتنبَّأ بمصير المرأة، وأنه سوف يقضي بعنايته الإلهية أن تكون خاضعة لزوجها. ونحن نجد أن قوانين الشعوب بصفةٍ عامة وتقاليدها، قد قضت بذلك، ولا أُنكر أن ثمة أساسًا طبيعيًّا لذلك …»١٥
وهكذا نجد أن خضوع النساء للرجال أو الاستعباد الذي تجد فيه معظم النساء أنفسهن، والذي يوجَد في العادة في علاقتهن الواضحة بالرجال، ليس نتيجةً صريحة للقانون أو أية مواصفات أو أعرافٍ تعسفية، ولا حتى العرف الإلهي الذي يقوم على السلطة والإرادة الإلهية. وإنما هو يوجد في القصاص الذي فُرض على المرأة، وعليها وحدَها، والتي جعلها — فيما يقول لوك بعد ذلك في الفكرة نفسها — «الجنس الضعيف»، وأرغمها على أن تُنجب الأولاد بالتعب والألم.
-
والفكرة الثانية: نجدها عندما يستمر «لوك» ليقول عن عبودية المرأة للرجل إنها
تقتصر على عبودية الزوجة لزوجها. فها هنا حديث عن السلطة الزوجية
لا السياسية التي يهتم بها فيلسوفنا أساسًا، ويريد أن ينفي أن يكون
آدم هو مصدرها، يقول: «ولكن إذا لم يكن ثمة مَفر من القول بأن هذه
الكلمات (أي كلمات اللعنة الإلهية) الموجهة إلى حواء تنطوي على
قانونٍ يقضي بعبوديتها وعبودية سائر النساء، فتلك عبودية كل امرأة
لزوجها فحسب … وحتى لو افترضنا أن هذه الكلمات تخلع السلطة على
آدم، فتلك هي السلطة الزوجية لا السياسية: إنها سلطة الرجل في
التصرف في شئون أسرته بصفته مالكًا للمتاع والأرض التي تملكها،
وحقه في أن تكون إرادته نافذة دون إرادة المرأة في جميع الشئون
المشتركة بينهما».١٦
لقد كان هدف «لوك» في هذه الرسالة الأولى التي نُناقشها الآن — لا سيما «الفصل الخامس» منها — أن يُبين أنَّ الله خلق الأساس الطبيعي لانعدام المساواة بين الجنسين، لكنه لم يضع أي أساسٍ طبيعي أو غير طبيعي، للسيادة المُطلَقة أو واجب الطاعة المُطلق الذي زعم «فلمر» وجوده بين الرعايا والملك. فالعلاقة بين الحاكم والمحكومين تختلف تمامًا عن العلاقة بين الزوج والزوجة، أو بين آدم وحواء.
-
والفكرة الثالثة: مفادها أننا نستطيع أن نقول إن الله رتب الموجودات ترتيبًا
تصاعديًّا أو هيراركيًّا كما قال أرسطو؛ كان من نتيجته ظهور ثلاثة
أنواع من الخضوع.
- أولًا: خضوع المخلوقات الدنيا للجنس البشري، وهو أمر فرضه الله على الكائنات الأخرى جميعًا عندما قال للبشر «أثمِروا، وأكثروا، واملئوا الأرض وأخضِعُوها، وتسلطوا على سمك البحر، وعلى طَير السماء، وعلى كل حيوان يدبُّ على الأرض …»١٧ وذلك هو خضوع الموجودات بعضها لبعض.
- ثانيًا: خضوع الرعايا لحاكمٍ بموجب اتفاقٍ يتم بينهم، وذلك لحماية أنفسهم وممتلكاتهم، وإقامة العدل بينهم. وذلك هو الخضوع السياسي. وهو خضوع مشروط بتنفيذ بنود الاتفاق التي أهمها رضا الناس، وتقييد سلطة الحاكم، فليس للحاكم سلطة مطلقة، ولا ينبغي أن يكون خضوع المحكومين بغير حد.
- ثالثًا: خضوع الزوجة لزوجها، وقد جاء مضمونه في العقاب الذي أنزله الله على حواء نتيجة عصيانها الأمر الالهي، إذ قال للمرأة «تكثيرًا أُكثِّر أتعاب حبلك. بالوجع تلِدِين أولادًا، وإلى رجُلك يكون اشتياقك وهو يسود عليك …»١٨ لكن ذلك ليس هبةً من الله خلعها على آدم، وإنما هي القصاص الذي فُرض على حواء بسبب وقوعِها في الخطيئة، وهو قصاص ينطوي على سلطة الزوج المألوفة على زوجته.
وعلينا أن نتوقف هنا قليلًا لكي نضع في أذهاننا مجموعةً من النتائج الهامة والأساسية:
-
(١)
إن كلمات اللعنة أو العقاب قد تنطوي على قانون يقضي بعبودية المرأة، وعبودية سائر النساء، لكنها عبودية كل امرأة لزوجها فحسب؛ فالآية تقول: «وإلى رجلك يكون اشتياقك، وهو يسود عليك …» أي إلى زوجك يكون اشتياقك وخضوعك.
-
(٢)
ها هنا نجد إقرارًا بوجود سلطة للرجل في التصرُّف في شئون بيته بصفته مالكًا للمتاع، وللدخل، وللأرض التي تملكها الأسرة.
-
(٣)
السلطة الزوجية تعني أيضًا حق الزوج في أن تكون إرادته نافذةً دون إرادة المرأة في جميع الشئون المشتركة بينهما.١٩
-
(٤)
كان من نتيجة العقاب أن أصبح الحمل والميلاد — أي إنجاب الأطفال — يتم بالتعَب، والألم، والوجع، والمعاناة. ولقد أصبحت المرأة على هذا النحو أضعف من الرجل، وتلك نتيجة مباشرة للخصائص الفريدة الموجودة عند المرأة بسبب قُدرتها على الحمل والإنجاب.
-
(٥)
لقد جلبت اللعنة ضررًا على المرأة هو التعب والألم والمعاناة، وهذا الضرر أو الأذى طبيعي للنساء وحدهن، لأنهن يحبلنَ ويلدنَ أطفالًا — وليس الرجال — وذلك يؤدي في الحال إلى إبراز الاختلاف بين الجنسَين، وهو اختلاف طبيعي يدلُّ على اللامساواة الطبيعية بينهما.
-
(٦)
غير أن علينا أن ننتبِه جيدًا إلى أن هذه اللامساواة الطبيعية جاءت بالمصادفة، فقد تصادف أن وُجد اختلاف بين الجنسَين بسبب إنجاب الأطفال. وكان هذا هو الدور الذي تقوم به المرأة.
-
(٧)
ومع ذلك فإن «جون لوك» يُقيم، على أساس هذا الاختلاف العارض، سموَّ الرجل وتفوُّقَه على المرأة، ويُبرر ذلك بقوله إنه ربما كان ذلك ليزداد عقابها، والنتيجة أن أصبح لآدم حق السيادة على حواء.
-
(٨)
ويرى لوك أيضًا أن الله، في هذه الآية، لم يمنح آدم السلطة على حواء، أو الرجال بصفةٍ عامة على النساء عمومًا، وإنما تنبَّأ بمصير المرأة. وأنه سوف يقضي بعدله الإلهي أن تكون خاضعةً لزوجها.
-
(٩)
ونحن نجد أن قوانين الشعوب بصفةٍ عامة، وكذلك ما لها من عادات وتقاليد وعُرف … إلخ، قد قضت بذلك أيضًا؛ أعني أنها كلها تُقِرُّ بمبدأ سيطرة الرجل على المرأة أو الزوج على زوجته (دون تفرقةٍ للحالتَين!) ثم يقول لوك «وإن كنتُ لا أنكر أن ثمَّةَ أساسًا طبيعيًّا لذلك …»٢٠
وعلينا أن نلاحظ أن الأساس هنا إنما يوجَد في النهاية في الطبيعة، وهكذا يلتقي «لوك» مع عمالقة الفكر اليوناني: سقراط، وأفلاطون، وأرسطو، الذين أخذوا الفكرة التي تقول إن الطبيعة في النهاية هي التي صنعت الاختلاف بين الرجل والمرأة، وجعلت الأول سيدًا ومتفوقًا عليها، وليس للعُرف أو العادات أو التقاليد نصيب في ذلك، كما ذهب السوفسطائيون، أو قُل إن هذا النصيب بالغ الضآلة بحيث لا يُشكل كل هذه الفروق بينهما!
-
(١٠)
لم يتشكك «لوك» لحظة واحدة في هذا الأساس الطبيعي المزعوم، ولم ينقُده، بل صادَق عليه ثم وافق على زعمٍ آخر يدعمه هو أن الاختلاف الطبيعي بين الجنسَين يترتَّب عليه واجب أخلاقي هو خضوع الزوجة لإرادة زوجها وسيطرته، وهكذا سار «لوك» من الاختلاف الطبيعي الفطري إلى البرهنة على ما تقرُّه العادات والتقاليد القائمة، أعني من الانتقال الأخلاقي إلى الانتقال التعسُّفي الجائر الذي لا تقبله الأخلاق: مما هو كائن بالفعل إلى ما ينبغي أن يكون!
-
(١١)
لا وجه للمقارنة بين السلطتَين السياسية والزوجية فالهوَّة واسعة بينهما: السلطة السياسية صناعية، نتيجة للاتفاق والتراضي، محدودة، ومقيدة، مشروطة … إلخ، لأنها سلطة سموٍّ وتفوُّقٍ من جانب الرجل، وخضوعٍ وضعف ودونية من جانب المرأة؛ وهذا ما لم يُدركه «فلمر» الذي يريد أن يُقيم السلطة الأولى — السياسية — على أساس السلطة الثانية الأسرية (سلطة الأب على أبنائه، والزوج على زوجته)، مع أن الأولى لا تكون إلَّا برِضا المحكومين وموافقتهم، في حين أن الثانية لا يُشترط فيها هذا الشرط، ومن ثَم فلا يمكن استخدام الأخيرة لتبرير الأولى.
(٢) ثانيًا: المرأة … وحالة الطبيعة
ولقد افترض جون لوك، مثلما فعل سلفه «توماس هوبز»، وجود «حالة الطبيعة» التي تسبق نشأة الدولة، لكنه، على خلاف «هوبز»، تصور أن الأفراد كانوا في هذه الحالة ينعمون بالحرية والمساواة، أي كانوا أحرارًا مُتساوين، فلكل واحد منهم، بالطبيعة، الحقوق الأساسية التي أشرنا إليها من قبل، وليس لأحدٍ «بالفطرة» حقوق أكثر مما يناله سواه.
وتتجلى هذه الحقوق الطبيعية على نحوٍ ظاهر للغاية، في حالة الطبيعة، بل إننا نستطيع أن نقول إنها تُمثل الخصائص العامة التي تتميز بها هذه الحالة مِن التجمع البشري. وما يُهمنا من حالة الطبيعة هذه هو تلك الخصائص العامة التي كان يتَّسِم بها البشر في هذه المرحلة التي لا توجد بها قوانين وضعية، ولا عادات أو تقاليد، ولا عُرف … فليس ثمة سوى قانون الطبيعة هو الذي يحكم وحده وهو أيضًا قانون العقل.
ويمكن أن نوجز هذه الخصائص على النحو التالي:
-
أولًا: الخاصية الأولى للبشر في هذه الحالة هي أنهم كانوا يتمتعون بحرية
كاملة، فالإنسان وُلد حرًّا مُتمتعًا بما يسمى بالحرية الطبيعية التي
ليست هبةً أو منحة من أحد،٣٠ وهي التي يُسميها «فلمر» بالخرافة الرومانسية!
إننا إذا ما أثبتنا خطأ فكرة «العبودية» التي يُنادي بها «فلمر» سواء عبودية البشر لآدم، أو للأب بعد ذلك داخل الأسرة، كان ذلك دليلًا إيجابيًّا على أن الإنسان قد وُلد حرًّا. يقول جون لوك: «حالة الطبيعة هي حالة الحرية التامة للبشر في توجيه أعمالهم والتصرف في مُقتنياتهم وفي أشخاصهم على نحوِ ما يرَونه مناسبًا، داخل حدود قانون الطبيعة، ودون أن يحتاجوا على إذنٍ من أحد أو يعتدوا على إرادة أي إنسانٍ آخر».٣١ ويقول في الفصل السابع من الرسالة نفسها مُفسرًا تلك الحرية:«تعني حرية الإنسان الطبيعية استقلاله عن أي سلطة عُليا على الأرض، وعدم خضوعه لإرادة بشرية قط أو لسلطته التشريعية، ورضوخه للقانون الطبيعي وحده، أما حرية الإنسان في المجتمع فتعني أنه ليس مُسخَّرًا لسلطةٍ تشريعية سوى السلطة التي أُقيمت بالاتفاق في الدولة. وأنه ليس خاضعًا لأي إرادة أو مقيدًا بأي قانونٍ سوى ما تسنُّه تلك السلطة التشريعية، وفقًا للأمانة التي عهد بها إليها …»٣٢ لكن إذا كانت حالة الطبيعة هي حالة من الحرية التامة، فهي حرية عاقلة لا تسمح بأي تجاوز، بل قد تقمع كلَّ ما قد يقع من تجاوزٍ، لأن حالة الحرية لا تعني الفوضى والإباحية أو مسايرة الغرائز البشرية على نحوِ ما سنعرف بعد قليل.
-
ثانيًا: الخاصية الثانية التي كان يتميز بها البشر في حالة الطبيعة هي
أنهم كانوا يتمتعون بالمساواة التامة، فلا سيد ولا مسُود، بل كل
الناس سواسية. يقول جون لوك:
«حالة الطبيعة أيضًا هي حالة من المساواة، حيث تكون السلطة والسيادة متكافئتَين تمامًا. فليس أوضح من أن تنعم الكائنات من النوع والرتبة بكلِّ مزايا الطبيعة ذاتها، وتستخدم نفس الملَكات والقدرات على نحوٍ تتساوى فيه كلَّ التساوي، دون أن يخضع شخص لآخر أو ينقادَ له، ما لم يُنَصَّب واحدٌ منهم رئيسًا عليهم …»٣٣ويعتقد لوك أن المساواة في حالة الطبيعة هي أهم صفةٍ يمكن أن يتصف بها الإنسان، بل إنه يتابع المفكر الإنكليزي ريتشارد هوكر (١٥٥٣–١٦٠٠م) R. Hooker الذي كان في نظره «حكيمًا»، لأنه اعتبر المساواة مسألةً واضحة بذاتها، أو أنها بديهية لا تحتاج إلى مناقشة، بحيث جعلها أساسًا لقيامهم بواجباتهم مما يحقق العدل والإحسان. يقول «جون لوك»:«هذه المساواة بين البشر بالطبيعة ينظر إليها «هوكر» الحكيم على أنها بديهية واضحة كل الوضوح، ولا يتطرق إليها الشكُّ، حتى إنه يجعل منها أساس الالتزام بالحب المتبادل بين البشر، ويُقيم عليها واجبات الواحد منهم نحوَ الآخر، ويستنبط منها القواعد العظيمة والعدالة والمحبة …»٣٤ويقتبس «لوك» من «هوكر» قوله: «مثل هذا الحافز الطبيعي (المساواة) جعل البشَر يُدركون أن الواجب الذي يفرض عليهم حُب الآخر، لا يقلُّ عن الواجب الذي يقضي بأن يُحبُّوا أنفسهم بأنفسهم — إذا رأوا أن الأشياء المتساوية لا بدَّ لها من مقياسٍ واحد. فإذا آذيتُ أحدًا فينبغي أن أتوقع أذًى مثله؛ لأنه ليس ثمة ما يدعو الآخرين لإبداء قدْرٍ من المحبة نحوي أعظم مما أُبديه نحوهم … إن الواجب الطبيعي هو الذي يفرض عليَّ أن أُضمر لهم مثل تلك العاطفة نفسها. ولا يجعل أحد القواعد في القوانين التي يستنبطها العقل الطبيعي من هذا التساوي بيننا وبين من هم بمثابة ذواتنا، من أجل تنظيم الحياة».٣٥
-
ثالثًا: يعتقد جون لوك أنه على الرغم من أن حالة الطبيعة هي مرحلة من
الحرية التامَّة كما سبق أن ذكرنا، فهي ليست ضربًا من الإباحية،
فالإنسان في هذه المرحلة التي يتمتع فيها بحُرية التصرُّف في شخصه،
وفي ماله، وفي ممتلكاته، فإنه لا يتمتع بحرية القضاء على حياته، بل
حتى على حياة المخلوقات التي يملكها، ما لم يستدعِ ذلك غرضًا أشرفَ
من مجرد المحافظة عليها. إن حالة الطبيعة يسودها القانون الطبيعي
الذي يخضع له الجميع وهو العقل. ذلك القانون العظيم الذي يعلم
الناس جميعًا، ولو أنهم استشاروا لعرفوا أنهم جميعًا أحرار
مُتساوون، ومِن هنا فينبغي أن لا يُوقِع أحد منهم ضررًا بحياة صاحبه أو
صحَّته أو حُريته أو ممتلكاته، لأن خالق البشر كافةً صانع واحد قدير
على كل شيءٍ لا تُحَدُّ حكمته، وهم عبيد لربٍّ واحد عظيم بثَّهم في الأرض بإرادته.٣٦ولما كان الله القادر على كل شيء قد وهبنا قُوًى متماثلة وطبيعية واحدة مشتركة، فقد استحال أن يكون أحدُنا مُسخرًا للآخر تسخيرًا يقضي عليه، كما لو كان قد خُلق من أجل أغراضِه ومآربه، شأنه شأن الحيوانات الدُّنيا التي خُلقت من أجلنا. فكل امرئٍ مُجبَر على المحافظة على ذاته، وعلى الْتزامه مقامَه الخاص، وبناء على الحجة نفسها: هو مُلزَم بالمحافظة على سائر البشر.٣٧
- رابعًا: يعتقد «جون لوك» أيضًا أن من خصائص مرحلة الطبيعة أن الأرض فيها كانت مشاعًا للكل، جرداء قاحلة لا قيمة لها، ثم راح بعض الأفراد يعملون فيها: يُصلحون التربة، ويزرعون الأرض، ويحرثون، ويفلحون، ويسهرون على رعايتها ثم يحصدون حصادها … إلخ، وهكذا تغيَّر شكل الأرض عندما امتزج بها العمل والجهد وأصبحت ذات قيمة. وهذه القيمة هي في الواقع قيمة العمل وعرَق الجبين. ولهذا صارت لمن فلحَها وزرعها وحصد ثمارها — لمن غيَّر شكلها كما سيقول هيجل فيما بعد — وسلَبَها وضعها الأول وشكلها المباشر الذي كانت عليه من قبل. ومن هنا أصبح هو مالكها، ولا يجوز لأحدٍ غيره أن يمسَّها أو يتصرف فيما بعد ذلك، بل حتى الصياد، فيما يقول لوك، يُصبح صيده حقًّا له فقد صار ملكه لأنه جاء نتيجة كدِّه وجهده. ومن هنا نظر «جون لوك» إلى الملكية الخاصة على أنها حق مقدَّس.