الفصل الرابع

الحقوق الطبيعية

تمهيد

كان من الطبيعي إزاء الأحداث الدامية التي عاشها «جون لوك» في إنكلترا، وما انتاب البلاد من فوضى ودمار نتيجةً للحرب الأهلية الطاحنة بين أنصار البرلمان وجيش الملك شارل، أن يحاول فيلسوفنا هدم المُبررات التي يقوم عليها «الحكم المطلق» الذي تسبب في هذه الحرب، وإرساء قواعد دولة ليبرالية حرة تتألف من مواطنين أحرار نالوا جميع حقوقهم الطبيعية: حق الحياة الآمنة، وحق الملكية الخاصة، والحرية … إلى آخر تلك الحقوق الأساسية التي سنعرض لها بعد قليل؛ بحيث لا تكون للمواطنين حقوق مفقودة اغتصبها الحاكم فينشب بينه وبين الناس صراعٌ جديد في محاولة لانتزاعها منه، على نحوِ ما حدث من قبل بين البرلمان والملك شارل الأول. وحتى يقوم نظام الحُكم على رضًا واتفاق بين الحاكم والمحكوم.

لكن على الرغم من شغف «جون لوك» الشديد بإرساء قواعد مجتمع جديد تسود العدالة والمساواة جميع أفراده،١ وينال المواطنون فيه جميع حقوقهم كاملة غير منقوصة؛ فإنه، مع ذلك، لم يخطر له على بالٍ، كما لم يخطر على بالِ غيره من فلاسفة السياسة أو المُنظرين السياسيين، بصفة عامة، إقامةُ مجتمع أو دولة تكفل المساواة بين الجنسين: الرجل والمرأة، وإنما بقيت فكرة أرسطو القديمة كما هي — وهي التي سبق أن عرضنا لها في المدخل — والتي تقول إن «المقصود بالإنسان Homme/Man» هو الرجل! والمواطن الحُر هو الرجل، وانتشار العدالة بين المواطنين لا يكون إلَّا بين الرجال، والحقوق الطبيعية كاملة للرجل، والمساواة إنما تكون بين رجل ورجل! دون أن يكون هناك أية إشارة إلى أن تعريف الإنسان، والحديث عن حقوقه، يشمل المرأة أيضًا. أو أن العدالة والمساواة ينبغي أن تكون بين الرجال والنساء كذلك. وإنما أُسقطت النساء من الحسبان، كما أُسقط العبيد تمامًا، فلم يحِن الوقتُ بعدُ ليمتدَّ مفهوم الإنسان ليشمل هؤلاء أيضًا!

نعم، كان «لوك» مفكرًا إنكليزيًّا أصيلًا أحزنته أحوال بلاده المُتردية، وهاله ما وجده من فساد في التنظيم السياسي الذي يقوم على قواعدَ ظالمة ينبغي أن تزول؛ لكن المظلوم هنا هو «الرجل»، وما يبغيه الفيلسوف هو إزالة هذا الظلم، وإقامة مجتمع ذكوري تسودُه العدالة، وتتحقق المساواة بين أفراده من الرجال …!

ومِن هنا فإننا لا نجد عند (لوك) نظريةً مستقلة عن المرأة، وكأن العادات والتقاليد المستقرة، وما فيها من حطٍّ من قدْر المرأة مسألة مُتفق على صِدقها، وليس ثمة ما يدعوه إلى مناقشتها، بل على العكس نجد أن آراءه المتناثرة في كتاباته السياسية تدعم هذه النظرةَ المُتدنِّية، إما بشكلٍ مباشر وصريح أو بشكلٍ ضِمني وغامض، عندما يعترف بوجود «لا مساواة طبيعية» بين الجنسين، ويعمل على المحافظة عليها. والواقع أن فلسفة «جون لوك» السياسية تكشف عن مثالٍ جيد للفكرة التي تقول إن المنظِّرين الكبار يُعبِّرون في نظرياتهم عن مواقف متعصبة للرجل، بل إن نظرياتهم كانت ستختلف اختلافًا كبيرًا لو لم يُصادقوا على آراء رجل الشارع وأفكار العادات والتقاليد، وما تزعمه من وجود «لا مساواة طبيعية» بين الجنسَين.٢

ويبقى أن نُبين كيف تناثرت آراء «جون لوك» عن المرأة في كتاباته السياسية، لا سيما كتابه «رسالتان عن الحُكم المدني»، وكيف استخدمها في نظريته السياسية، صراحةً أو ضمنًا، وكيف استفاد من المُقدمات السابقة من «اللامساواة الطبيعية»، وما هي المشكلات التي تُسببها هذه المزاعم في نظريته …؟!

(١) أولًا: الرسالة الأولى

كان هدف «جون لوك» الأول من كتاباته السياسية هدم الحجج التي يعتمد عليها أنصار الحكم المُطلق، تمهيدًا لإقامة المجتمع الليبرالي الحُر الذي يضم مجموعة من الرجال نالوا حقوقهم واستمتعوا بها، وأقاموا حكومة تعتمد على رضا الناس وموافقتهم لا على البطش والإرهاب. ومن هنا فقد اهتم فيلسوفنا في رسالته الأولى — من رسالتيه عن الحكم — بالرد على سير روبرت فلمر (١٥٨٨–١٦٥٣م) Sir Robert Filmer الذي ألَّف كتابًا عنوانه «الحكم الأبوي البطريركي: دفاع عن السلطة الطبيعية للملوك»، وهو كتاب كان في الأصل يستهدف دعم «حقوق الملك شارل الأول الإلهية»، منطلقًا من فكرة حق الملوك الإلهي Divine Right of Kings — كتبه فلمر في عهد الملك شارل عام ١٦٤٢م وقبل إعدام الملك بسبع سنوات، لكنه لم يُنشر إلَّا في فترة متأخرة، وعلى وجه التحديد عام ١٦٨٠م، في ذروة حكم الملك شارل الثاني المُطلَق، (وكان فلمر قد تُوفِّي عام ١٦٥٣م). ويكاد يكون هناك إجماع بين الباحثين على أنه كتابٌ كان سيطويه النسيان لولا تصدِّي «لوك» للرد عليه وتفنيده في الرسالة الأولى من كتابه الشهير «رسالتان عن الحُكم المدني» الذي صدر عام ١٦٩٠م.٣
وعلى الرغم من أنه لم يكن لحديث «فلمر» وردِّ «لوك» عليه علاقة مباشرة بالمرأة، فإننا نستشفُّ منه كثيرًا من الأفكار الأساسية التي كانت ذائعةً عن النساء في القرن التاسع عشر. ذلك أن «فلمر» كان يريد أن يجعل نظام الحُكم في الدولة صورةً مُكبَّرة من نظام الحكم في الأسرة. ولما كانت الأسرة الأولى هي أسرة آدم. ولما كانت السيادة قد أُعطيَت له من الله ليحكُم بها أبناءه، فإن ذلك يعني أننا نجد صورةً مصغرة لسلطة الملك على رعاياه التي هي امتداد لسلطة آدم، وبالتالي فهي ممنوحة من الله، ولا دخل فيها للبشر: «فالملك يضع القوانين التي تنبع فقط من إرادته. والملك، في رأي فلمر، مُتحرر تمامًا من كل رقابةٍ بشرية، ولا يمكن أن يتقيد بقرارات أسلافه، ولا حتى بقراراته هو نفسه …»٤

والواقع أن آراء هذا المُنظِّر السياسي الإنكليزي — سير روبرت فلمر — كانت تُعَد في القرن السابع عشر بقايا من مُخلفات العصور الوُسطَى، بل هي آخر محاولات أنصار الحكم المطلق للدفاع عن حق الملوك الإلهي في الحكم. وهي تُهمنا في هذا البحث لأنها تركز على الأسرة وعلاقة الزوج بالزوجة «آدم بحواء» على اعتبار أن علاقة الملك برعاياه هي امتداد لهذه العلاقة الأسرية، فهي تُشبِّه الملك بالأب أو العائل، ومن هنا كانت كل حكومة هي أساسًا حكومة «أبوية بطريركية» (وهو اسم كتاب فلمر). فلما كان الله قد أودع السيادةَ في الأسرة البشرية الأولى، أسرة آدم وحواء، ولمَّا كان الله قد منح آدم السيادةَ المُطلقة على بنيه، فقد انحدرت منه هذه السيادة إلى الآباء من بعده، ومنهم إلى الحكام، وكل مَن يؤمن بأن الكتاب المقدس مُنزَّل من عند الله، فإن عليه أن يُسلِّم، فيما يقول فلمر، بالأسرة الأبوية، وسلطة الأب فيها، وأن ذلك فريضة إلهية على البشر. وأن هذه السيادة انتقلت من الآباء إلى الملوك، فكان الملوك الأوائل آباء. وكان سلطانهم شكلًا من أشكال الحُكم الأبوي ومشتقًّا منه. وإذن فالنظام الملكي يرجع إلى آدم، ومِن ثَم إلى الله، وسلطة الملوك مقدَّسة ومطلقة، والتمرد عليها خطيئة وجريمة في وقتٍ واحد.

لكن كيف انتشرت هذه السيادة بين أرجاء العالم …؟ وكيف وصلت إلى ملوك الأرض جميعًا؟ يعتقد «فلمر» أنه ليس من المُستبعَد أن «نوحًا» — بعد آدم — عبَرَ البحر الأبيض المتوسط، وطاف بالقارات الثلاث: أفريقيا، وآسيا، وأوروبا، ووزَّعها على أولاده: «حام» و«سام» و«يافث» على التوالي.٥
كما كان «فلمر» يعتقد أيضًا أن اللوردات وحدَهم هم الذين يُسْدُون النصح للملك، أما أعضاء مجلس العموم فسلطاتهم أقل، والملك هو المشرِّع، وصانع القوانين بإرادته وحدها، فلا سلطان لأحدٍ عليه، بل إنه لا يمكن أن يتقيد بقرارات أسلافه، ولا حتى بقراراته هو نفسه: «إذ من المستحيل في الطبيعة أن يضع إنسانٌ قانونًا لنفسه!» وهكذا ينتمي «فلمر» — على ما يقول رسل — إلى أشد الأجنحة تطرفًا في حزب «الحق الإلهي».٦

ويبدأ برهان «فلمر» بالهجوم على الرأي الشائع القائل بأن الجنس البشري مولود بالطبيعة مزودًا بالحرية الخالصة من كل خضوع، وأنه حرٌّ في اختيار شكل الحكومة التي تروقه … إلخ، ويسير على النحو التالي:

  • (١)

    إن الله نصَّبَ آدم سيدًا على المخلوقات، وأولاه السلطة على حوَّاء وعلى بَنيه جميعًا في مُحيط الأسرة الأُولى.

  • (٢)

    يُولد البشر، إذن، في ظل سلطة أبوية، فهم ليسوا أحرارًا وليسوا مُتحرِّرين من الخضوع، ومِن ثَم فإن القول بأن الإنسان وُلد حرًّا، أو أن هناك ما يُسمى «بالحرية الطبيعية» ليس سوى خرافةٍ رومانسية! وهو يدعو سلطة الأب هذه بالسلطة «الملكية» أو «السلطة الأبوية» أو «حق الأبوة». وهي سلطة يقول عنها فلمر إنها «غير محدودة، وغير قابلة للحد». ومن الأهمية بمكانٍ أن نتذكر دائمًا أن هذه السلطة تشمل سلطة الزوج على زوجته وسيادته عليها، على نحوِ ما سنعرف بعد قليل.

  • (٣)

    ويؤكد فلمر أن هذه «السلطة الأبوية» بدأت، على هذا النحو من آدم، واستمرت كأساسٍ للأمن والنظام في العالم طيلة زمن شيوخ إسرائيل حتى الطوفان. ثم خرجت بعدها من الفُلك مع نوح وأولاده وانتشرت في أرجاء الأرض وبين شعوب العالم وملوكه، فأيدت سلطة جميع الملوك على الأرض! كما أيَّدت سلطة الأزواج على زوجاتهم وسيادتهم عليهن!

وإذا تساءلنا: ما هي حدود تلك السلطة؟ لكانت الإجابة: هي سلطة لا حدَّ لها يتمتع بها أي ملك (أو أب في أُسرته) منذ بداية الخليقة: «سلطة على أرواح الناس، وإعلان الحرب، وإقرار السلام … فسلطة الملك مُستمَدة من الشريعة الإلهية، وليس ثمة شريعة أخرى منها … ولهذا كان آدم سيدًا على الجميع، فلم يكن يتقيَّد «رب الأسرة الأُولى» بأية شريعة سوى إرادته الخاصة …»٧
والحق أن هذه الفكرة هي التي ظلت مُترسبةً في التراث اليهودي، فإذا تأمَّلنا «الأسرة الأولى»، ونظرنا في العلاقات بين أفرادها، وجدنا أن الرجل — الزوج — الأب — وهو آدم — كان أبًا وملكًا وسيدًا على أُسرته، وكان الابن، والمحكوم (أي فردٍ من أفراد العائلة في هذه الحالة) والخادم، والعبد، وكذلك الزوجة شيئًا واحدًا في البداية. فقد كان للأب حقُّ التصرف في أولاده وخدَمه وبيعهم. ولهذا السبب فإننا كثيرًا ما نجد الزوجة والخادم والعبد … إلخ، يندرجون ضمن مقتنيات الرجل وماله على نحو ما جاء في الوصايا العشر: «لا تَشتهِ بيتَ قريبك، ولا تشتهِ امرأة قريبك، ولا عبدَه، ولا أَمَتَهُ، ولا ثورَه، ولا حماره، ولا شيئًا مما لقريبك.»٨ فالزوجة جزء من ملكية الرجل كالحمار والثور والأمَة! كما أن الله قد وهب الأب الحق أو الحُرية في التنازُل عن سُلطته على أولاده لمن يشاء، وهكذا نجد أن بيع الأولاد وإهداءهم كانا شائعَين لدى رب البيت العبري منذ بدء الخليقة، حيث كان للرجل حق الملكية والإرث المُنبثقة ممَّن يتمتع بسلطة الأب الذي له أن يبيع ابنتَه أَمَةً لمن يرغب في شرائها على نحوِ ما جاء في سِفْر الخروج: «إذا باع رجل ابنتَه لمن يرغب في شرائها، فلا تخرج كما يخرج العبيد.»٩ بل إن الأب يملك على أولاده حق الحياة والموت. وإذا شاء أن يُقدمهم قربانًا لله فله أن يفعل — وهو موضوعٌ فصَّلنا فيه القول في مكان آخر.١٠

نعود إلى «فلمر» ودراسته عن الأسرة الأولى «آدم وامرأته» التي أراد منها أن تكون أساسًا للحُكم المُطلق الذي يستمدُّ سلطته من الله، لنجده يُلخص فكرته في عبارة جامعة عندما يقول:

«إن الله خلق آدم وحدَه، ثم صنع المرأة من أحد أضلاعه، كما أن الله قد خلع على آدم سُلطانًا على المرأة، وعلى أولاده المُنحدِرين من صلبه، وعلى الأرض أيضًا، كي يُسخرها لإرادته. وعلى المخلوقات التي تدبُّ عليها حتى لا يُتاح لأي امرئٍ أن يُطالب بشيءٍ ما، أو يتمتَّع بشيءٍ ما، ما دام حيًّا يُرزَق، اللهم إلَّا على سبيل الهِبة أو التخصيص المُسَبَّق، أو الإذن المُسَبَّق. تلك هي مُجمل الحجج على سلطة آدم، ودحض الحرية الطبيعية …»١١
وإذا كان لآدم سلطة مطلقة على أسرته — وهو هنا يمثل الرجل – فإن هذه السلطة لا تشمل أولاده وخدَمه … إلخ، فحسب، وإنما هي تمتد أساسًا إلى حوَّاء، فهو يسودها، ويسيطر عليها، وتظل دومًا تشتاقُ إليه على نحوِ ما جاء في عقاب الله لها على عصيانها أوامره:١٢ «بالوجع تلدين أولادًا، وإلى رجُلك يكون اشتياقُك، وهو يسود عليك …»١٣

وهكذا نجد أن «فلمر» يتابع بدقة، من حيث علاقة الرجل بالمرأة، أو الزوج بالزوجة، التراث اليهودي الذي كان يعتمد أساسًا على النظام السائد لدى قبائل الرعي، وفي مقدمته النظام الأبوي. وإن كان «فلمر» اعتبر سيطرة آدم على حوَّاء مثلًا على القانون الإلهي.

والخلاصة أن السلطة السياسية في رأي «فلمر» لم تُستمَد من «عقد اجتماعي» (ولا سلطة الزوج من عقد الزواج)، كما يزعم البعض، ولا من الصالح العام كما يدَّعي البعض الآخر، وإنما جاءت من سلطة الأب على أبنائه، فمصدر السلطة الملكية هو سلطة الأب على أبنائه وخضوعهم له، والطاعة الواجبة عليهم نحوه. ومن هنا فقد كان الآباء في «سِفر التكوين» ملوكًا لأنهم ورثة آدم، أو هم على الأقل يُعتبرون كذلك، وأن الحقوق الطبيعية للملك هي نفس الحقوق الطبيعية للأب، ولا يمكن للأبناء بحُكم الطبيعة أن يتحرَّروا من السلطة الأبوية حتى حين ينضج الابن ويصبح راشدًا، وينخر المَشيب في الأب ويُصبح خرِفًا.

غير أن «جون لوك» في رده على «فلمر»، في «الرسالة الأولى» من الرسالتَين الشهيرتَين، يسوق مجموعة من الأفكار الهامة التي تعتبر ركنًا أساسيًّا في نظريته عن المرأة، منها ما يلي:

  • أولًا: يلاحظ «لوك» أن هناك عدم مساواة طبيعية بين الجنسين، وتفوق طبيعي للذكَر على الأنثى.
  • ثانيًا: ليس الإنجاب واقعة مركزية في الحياة السياسية، وليست له قيمة في خلق الحياة ذات مغزًى للرجل.
  • ثالثًا: الأسرة ليست مؤسسة سياسية، بل مؤسسة طبيعية، تظل خارج الإطار السياسي في «حالة الطبيعة» التي تقع هي نفسها خارج التاريخ.

وبالإضافة إلى هذه الأفكار الأساسية هناك أفكار أقل منها شأنًا أو هي أفكار مشتقة تحتاج إلى فحص.

  • أما الفكرة الأولى: فهي تذهب إلى انعدام المساواة بين الجنسين وتفوق الذكر، واعتبار «اللامساواة» مسألة «طبيعية» فرضتها «الطبيعة التي لا تفعل شيئًا باطلًا.» كما يقول أرسطو. وهذه الفكرة نجدها متناثرة في كتابات «لوك» أحيانًا على نحوٍ صريح واضح، وأحيانًا على نحو ضمني غامض. فهو في هذه الرسالة الأولى التي يحاول فيها تفنيد آراء «فلمر» ومزاعمه في أن آدم سيطر على حواء بفضل القانون الإلهي، نراه يبذل جهدًا لكي يُبين لنا أن مصدر الوضع المتدنِّي الذي خضعت فيه النساء للرجال لا يوجَد في القانون، وإنما يكمن في الطبيعة. يقول جون لوك في هذا المعنى:
    «وفضلًا عن ذلك فينبغي علينا أن نلاحظ أن هذه الكلمات الواردة في سِفر التكوين وهي: «وقال للمرأة: تكثيرًا أُكثِّر أتعاب حبلك، بالوجع تلِدِين أولادًا. وإلى رجُلك يكون اشتياقك، وهو يسود عليك …»١٤ والتي يدعوها «فلمر» «هبة الحكم الأصلية» لم يكن يقصد بها آدم، ولا هي هبةٌ خلَعها الله عليه، وإنما هي ذلك القصاص الذي فُرض على حواء. فإذا أوَّلنا هذه الكلمات مثل هذا التأويل، واعتبرناها موجهةً إليها وإلى النساء جميعًا — من خلال حواء — اقتصرت دلالتها على أبعد تقديرٍ على جنس الأنثى فحسب. وتضمنت سلطة أزواجهن المألوفة عليهن فقط، فليس فيها قانون يُكره المرأة على الاستكانة لمثل هذه السلطة إن هي استطاعت أن تتخلص منها. ولا أحسب أن أحدًا سواه (سوى فلمر) يزعم أن هذه الكلمات تفيد أنه ينبغي على المرأة أن تستكين للعبودية. وعندي أنَّ الله في هذه الآيات لا يمنح آدم السلطة على حواء، أو يهب الرجال بصفةٍ عامةٍ السلطة على نسائهم، وإنما هو يتنبَّأ بمصير المرأة، وأنه سوف يقضي بعنايته الإلهية أن تكون خاضعة لزوجها. ونحن نجد أن قوانين الشعوب بصفةٍ عامة وتقاليدها، قد قضت بذلك، ولا أُنكر أن ثمة أساسًا طبيعيًّا لذلك …»١٥

    وهكذا نجد أن خضوع النساء للرجال أو الاستعباد الذي تجد فيه معظم النساء أنفسهن، والذي يوجَد في العادة في علاقتهن الواضحة بالرجال، ليس نتيجةً صريحة للقانون أو أية مواصفات أو أعرافٍ تعسفية، ولا حتى العرف الإلهي الذي يقوم على السلطة والإرادة الإلهية. وإنما هو يوجد في القصاص الذي فُرض على المرأة، وعليها وحدَها، والتي جعلها — فيما يقول لوك بعد ذلك في الفكرة نفسها — «الجنس الضعيف»، وأرغمها على أن تُنجب الأولاد بالتعب والألم.

  • والفكرة الثانية: نجدها عندما يستمر «لوك» ليقول عن عبودية المرأة للرجل إنها تقتصر على عبودية الزوجة لزوجها. فها هنا حديث عن السلطة الزوجية لا السياسية التي يهتم بها فيلسوفنا أساسًا، ويريد أن ينفي أن يكون آدم هو مصدرها، يقول: «ولكن إذا لم يكن ثمة مَفر من القول بأن هذه الكلمات (أي كلمات اللعنة الإلهية) الموجهة إلى حواء تنطوي على قانونٍ يقضي بعبوديتها وعبودية سائر النساء، فتلك عبودية كل امرأة لزوجها فحسب … وحتى لو افترضنا أن هذه الكلمات تخلع السلطة على آدم، فتلك هي السلطة الزوجية لا السياسية: إنها سلطة الرجل في التصرف في شئون أسرته بصفته مالكًا للمتاع والأرض التي تملكها، وحقه في أن تكون إرادته نافذة دون إرادة المرأة في جميع الشئون المشتركة بينهما».١٦

    لقد كان هدف «لوك» في هذه الرسالة الأولى التي نُناقشها الآن — لا سيما «الفصل الخامس» منها — أن يُبين أنَّ الله خلق الأساس الطبيعي لانعدام المساواة بين الجنسين، لكنه لم يضع أي أساسٍ طبيعي أو غير طبيعي، للسيادة المُطلَقة أو واجب الطاعة المُطلق الذي زعم «فلمر» وجوده بين الرعايا والملك. فالعلاقة بين الحاكم والمحكومين تختلف تمامًا عن العلاقة بين الزوج والزوجة، أو بين آدم وحواء.

  • والفكرة الثالثة: مفادها أننا نستطيع أن نقول إن الله رتب الموجودات ترتيبًا تصاعديًّا أو هيراركيًّا كما قال أرسطو؛ كان من نتيجته ظهور ثلاثة أنواع من الخضوع.
    • أولًا: خضوع المخلوقات الدنيا للجنس البشري، وهو أمر فرضه الله على الكائنات الأخرى جميعًا عندما قال للبشر «أثمِروا، وأكثروا، واملئوا الأرض وأخضِعُوها، وتسلطوا على سمك البحر، وعلى طَير السماء، وعلى كل حيوان يدبُّ على الأرض …»١٧ وذلك هو خضوع الموجودات بعضها لبعض.
    • ثانيًا: خضوع الرعايا لحاكمٍ بموجب اتفاقٍ يتم بينهم، وذلك لحماية أنفسهم وممتلكاتهم، وإقامة العدل بينهم. وذلك هو الخضوع السياسي. وهو خضوع مشروط بتنفيذ بنود الاتفاق التي أهمها رضا الناس، وتقييد سلطة الحاكم، فليس للحاكم سلطة مطلقة، ولا ينبغي أن يكون خضوع المحكومين بغير حد.
    • ثالثًا: خضوع الزوجة لزوجها، وقد جاء مضمونه في العقاب الذي أنزله الله على حواء نتيجة عصيانها الأمر الالهي، إذ قال للمرأة «تكثيرًا أُكثِّر أتعاب حبلك. بالوجع تلِدِين أولادًا، وإلى رجُلك يكون اشتياقك وهو يسود عليك …»١٨ لكن ذلك ليس هبةً من الله خلعها على آدم، وإنما هي القصاص الذي فُرض على حواء بسبب وقوعِها في الخطيئة، وهو قصاص ينطوي على سلطة الزوج المألوفة على زوجته.

وعلينا أن نتوقف هنا قليلًا لكي نضع في أذهاننا مجموعةً من النتائج الهامة والأساسية:

  • (١)

    إن كلمات اللعنة أو العقاب قد تنطوي على قانون يقضي بعبودية المرأة، وعبودية سائر النساء، لكنها عبودية كل امرأة لزوجها فحسب؛ فالآية تقول: «وإلى رجلك يكون اشتياقك، وهو يسود عليك …» أي إلى زوجك يكون اشتياقك وخضوعك.

  • (٢)

    ها هنا نجد إقرارًا بوجود سلطة للرجل في التصرُّف في شئون بيته بصفته مالكًا للمتاع، وللدخل، وللأرض التي تملكها الأسرة.

  • (٣)
    السلطة الزوجية تعني أيضًا حق الزوج في أن تكون إرادته نافذةً دون إرادة المرأة في جميع الشئون المشتركة بينهما.١٩
  • (٤)

    كان من نتيجة العقاب أن أصبح الحمل والميلاد — أي إنجاب الأطفال — يتم بالتعَب، والألم، والوجع، والمعاناة. ولقد أصبحت المرأة على هذا النحو أضعف من الرجل، وتلك نتيجة مباشرة للخصائص الفريدة الموجودة عند المرأة بسبب قُدرتها على الحمل والإنجاب.

  • (٥)

    لقد جلبت اللعنة ضررًا على المرأة هو التعب والألم والمعاناة، وهذا الضرر أو الأذى طبيعي للنساء وحدهن، لأنهن يحبلنَ ويلدنَ أطفالًا — وليس الرجال — وذلك يؤدي في الحال إلى إبراز الاختلاف بين الجنسَين، وهو اختلاف طبيعي يدلُّ على اللامساواة الطبيعية بينهما.

  • (٦)

    غير أن علينا أن ننتبِه جيدًا إلى أن هذه اللامساواة الطبيعية جاءت بالمصادفة، فقد تصادف أن وُجد اختلاف بين الجنسَين بسبب إنجاب الأطفال. وكان هذا هو الدور الذي تقوم به المرأة.

  • (٧)

    ومع ذلك فإن «جون لوك» يُقيم، على أساس هذا الاختلاف العارض، سموَّ الرجل وتفوُّقَه على المرأة، ويُبرر ذلك بقوله إنه ربما كان ذلك ليزداد عقابها، والنتيجة أن أصبح لآدم حق السيادة على حواء.

  • (٨)

    ويرى لوك أيضًا أن الله، في هذه الآية، لم يمنح آدم السلطة على حواء، أو الرجال بصفةٍ عامة على النساء عمومًا، وإنما تنبَّأ بمصير المرأة. وأنه سوف يقضي بعدله الإلهي أن تكون خاضعةً لزوجها.

  • (٩)
    ونحن نجد أن قوانين الشعوب بصفةٍ عامة، وكذلك ما لها من عادات وتقاليد وعُرف … إلخ، قد قضت بذلك أيضًا؛ أعني أنها كلها تُقِرُّ بمبدأ سيطرة الرجل على المرأة أو الزوج على زوجته (دون تفرقةٍ للحالتَين!) ثم يقول لوك «وإن كنتُ لا أنكر أن ثمَّةَ أساسًا طبيعيًّا لذلك …»٢٠

    وعلينا أن نلاحظ أن الأساس هنا إنما يوجَد في النهاية في الطبيعة، وهكذا يلتقي «لوك» مع عمالقة الفكر اليوناني: سقراط، وأفلاطون، وأرسطو، الذين أخذوا الفكرة التي تقول إن الطبيعة في النهاية هي التي صنعت الاختلاف بين الرجل والمرأة، وجعلت الأول سيدًا ومتفوقًا عليها، وليس للعُرف أو العادات أو التقاليد نصيب في ذلك، كما ذهب السوفسطائيون، أو قُل إن هذا النصيب بالغ الضآلة بحيث لا يُشكل كل هذه الفروق بينهما!

  • (١٠)

    لم يتشكك «لوك» لحظة واحدة في هذا الأساس الطبيعي المزعوم، ولم ينقُده، بل صادَق عليه ثم وافق على زعمٍ آخر يدعمه هو أن الاختلاف الطبيعي بين الجنسَين يترتَّب عليه واجب أخلاقي هو خضوع الزوجة لإرادة زوجها وسيطرته، وهكذا سار «لوك» من الاختلاف الطبيعي الفطري إلى البرهنة على ما تقرُّه العادات والتقاليد القائمة، أعني من الانتقال الأخلاقي إلى الانتقال التعسُّفي الجائر الذي لا تقبله الأخلاق: مما هو كائن بالفعل إلى ما ينبغي أن يكون!

  • (١١)

    لا وجه للمقارنة بين السلطتَين السياسية والزوجية فالهوَّة واسعة بينهما: السلطة السياسية صناعية، نتيجة للاتفاق والتراضي، محدودة، ومقيدة، مشروطة … إلخ، لأنها سلطة سموٍّ وتفوُّقٍ من جانب الرجل، وخضوعٍ وضعف ودونية من جانب المرأة؛ وهذا ما لم يُدركه «فلمر» الذي يريد أن يُقيم السلطة الأولى — السياسية — على أساس السلطة الثانية الأسرية (سلطة الأب على أبنائه، والزوج على زوجته)، مع أن الأولى لا تكون إلَّا برِضا المحكومين وموافقتهم، في حين أن الثانية لا يُشترط فيها هذا الشرط، ومن ثَم فلا يمكن استخدام الأخيرة لتبرير الأولى.

لقد اعتقد «فلمر» كما رأينا أن جميع الرعايا مدينون بالطاعة لحاكمهم، لأن الله قد فرض عليهم طاعة الحاكم في نفس الوقت الذي أعطاهم فيه الأرض التي يعيشون عليها، فعلاقتهم بالحاكم هي نفسها علاقة المالك بما يملك.٢١ ولقد هاجم «لوك» هذه الأفكار المتخلفة (وإن كان قد قبل فكرة الكنيسة في تحريم الانتحار، على اعتبار أن الناس لا يملكون أنفسهم في النهاية، بل هم مملوكون لله الذي خلقهم)، ومن أخطرها فكرة أن يملك إنسانٌ آخَرَ، دع عنك أن يملك ملايين البشر عن طريق الميراث، فسبب أنه «ملك» فقد ورث عن أبيه الأرض ومَن عليها! لقد أحالت حجج «فلمر» جميع البشر إلى عبيد. والعبودية هي حالة يسقط فيها المرء بسبب حالةٍ قصوَى من الشر عند الآخرين، فهي الضد المباشر للحياة البشرية السليمة، لكنها لا يمكن أن تظهر على أي نحوٍ يُمكن تبريره!٢٢
وهذا دفاع مجيد عن الحرية البشرية، وعن الإنسان الحُر «نحمده لجون لوك» بغير شك. لكن المُحيِّر حقًّا أن نجده يجعل هذا الإنسان مرادفًا للرجل الإنكليزي «الجنتلمان» بحيث يحذف (كما فعل أرسطو قديمًا) فئتَين من البشر: العبيد والنساء. أما الفئة الأولى: فإن المُدهش حقًّا أن يكون فيلسوفنا هو نفسه أحد الذين يملكون أسهمًا في الشركة الإفريقية الملكية لتجارة الرقيق؛ صحيح أنه رفض أن يكون وضع العبد محددًا سلفًا ومشروعًا عن طريق الميراث بحيث ينتقل من جيلٍ إلى جيل، ما دام عبدًا لسيدٍ ما، إلى أبنائه وأحفاده، لأن كل ألوان العبودية إنما تكون نتيجة لعقابٍ ذاتي، ولخطأ ارتكبه فرد ما ضد المجتمع الذي يعيش فيه، ويحق لمجتمعه أن يقتُله أو يسجنه. ولما كان من الأفضل له أن يُستعبد أو يُسجن من أن يُقتل، لذلك فإن إبقاءه على قيد الحياة أو خارج السجن، حتى كعبد هو إسداء معروف له كما أنه ينطوي أيضًا على نفع للمجتمع.٢٣
يتبدَّى تعصبه ضد العبيد — لا سيما زنوج إفريقيا — واستبعاده هذه الفئة من البشر من تعريف «الإنسان الحُر» في تلك الواقعة الشهيرة في حياته، حيث ساعده صديقه «اللورد آشلي» بأن عيَّنه (ولمدة عامين ١٦٧٣–١٦٧٥م) في وظيفة سكرتير مجلس التجارة والزراعة (المستعمرات) الذي كان يرأسه شافتسبري. وقد ساعده «لوك» من جانبه على وضع دستورٍ لمستعمرة كارولينا Carolina في أمريكا الشمالية التي أسَّسها شافتسبري، وكان أكبر مالك للأرض فيها.٢٤
وهكذا نكتشف أنه على الرغم من مناداة لوك بالحرية والمساواة لجميع الناس، فإنه لم يقصد بكلمة الناس جميع البشر، كما يُفهم عادة من عباراته، بل إن الناس عنده تعني طبقته البرجوازية ومساواتها بالطبقة الأرستقراطية في الحقوق السياسية، وفي مشاركتها في النفوذ، فهو في كثيرٍ من كتبه يُشير إلى العامة من الشعب بكلمة «الرعاع» Scum أو حثالة المجتمع.٢٥
كما كتب «جون لوك» عن زنوج إفريقيا وسكان أمريكا الأصليين في دستور كارولينا يقول: «لكل رجلٍ حُر Freeman في المستعمرة (يقصد مستعمرة كارولينا Carolina) الحق المطلق، والسلطة التامة على عبيده من الزنوج، بل إن له حتى الحق في أن يتسلَّط على أفكارهم ودينهم …»٢٦
أما الفئة الثانية التي استبعَدها من ذهنه أثناء حديثه عن «الإنسان الحر» فهي النساء. فسوف نرى طوال هذا البحث أن جون لوك حصر النساء في طائفة الزوجات، ثم جعلهن يخضعن لأزواجهن، فلا هو تحدث عن المرأة خارج نطاق الأسرة، ولا هو أعطى الزوجة حقوقًا كحقوق زوجها. وسوف نرى أمثالًا على ذلك في الفصل التالي أثناء حديثنا عن حالة الطبيعة.٢٧

(٢) ثانيًا: المرأة … وحالة الطبيعة

يرى بعض الباحثين أن «لوك» — و«هوبز» من قبله — كان من مؤسسي «نظرية الحقوق الطبيعية للإنسان»؛ وهي نظرية تذهب إلى أن الفرد قد خُلق «بالفطرة» وهو يملك حقوقًا طبيعية خُلقت معه، ولا يجوز لأحدٍ أن يمسَّها أو يغتصبها.٢٨
وهذه الحقوق الطبيعية الجوهرية التي تعبر عن ماهية الفرد تتضمن كثرةً من الحقوق: منها حق الحياة، وحق الملكية، وحق الحرية، والسعادة، وحرية الفكر والكلام، والنشر، وحرية العقيدة … إلخ. فالعقل عند «لوك» هو الذي ينظم حالة الطبيعة، والأفراد يحكمهم القانون الطبيعي الذي يحمي حقوقهم الطبيعية، ويحميهم مِن تجاوُز أي سلطةٍ عليها، حتى في الحالة الاجتماعية بعد ذلك. ومِن المُهم أن ننتبِهَ جيدًا إلى أن «القانون الطبيعي» ليس هو قانون الغاب أو استبداد الأقوياء بالضعفاء، بل هو الذي يُحدد حقوق الفرد وواجباته بالقياس إلى نفسه وإلى الآخرين أيضًا، وذلك تبعًا للعقل الطبيعي الذي يُرشِد الأفراد جميعًا، إذا ما رجعوا إليه، فما دام هؤلاء الأفراد مُستقلِّين ومتساوين، فليس لأحدٍ منهم أن يعتدي على حياة الآخرين أو أموالهم.٢٩

ولقد افترض جون لوك، مثلما فعل سلفه «توماس هوبز»، وجود «حالة الطبيعة» التي تسبق نشأة الدولة، لكنه، على خلاف «هوبز»، تصور أن الأفراد كانوا في هذه الحالة ينعمون بالحرية والمساواة، أي كانوا أحرارًا مُتساوين، فلكل واحد منهم، بالطبيعة، الحقوق الأساسية التي أشرنا إليها من قبل، وليس لأحدٍ «بالفطرة» حقوق أكثر مما يناله سواه.

وتتجلى هذه الحقوق الطبيعية على نحوٍ ظاهر للغاية، في حالة الطبيعة، بل إننا نستطيع أن نقول إنها تُمثل الخصائص العامة التي تتميز بها هذه الحالة مِن التجمع البشري. وما يُهمنا من حالة الطبيعة هذه هو تلك الخصائص العامة التي كان يتَّسِم بها البشر في هذه المرحلة التي لا توجد بها قوانين وضعية، ولا عادات أو تقاليد، ولا عُرف … فليس ثمة سوى قانون الطبيعة هو الذي يحكم وحده وهو أيضًا قانون العقل.

ويمكن أن نوجز هذه الخصائص على النحو التالي:

  • أولًا: الخاصية الأولى للبشر في هذه الحالة هي أنهم كانوا يتمتعون بحرية كاملة، فالإنسان وُلد حرًّا مُتمتعًا بما يسمى بالحرية الطبيعية التي ليست هبةً أو منحة من أحد،٣٠ وهي التي يُسميها «فلمر» بالخرافة الرومانسية!
    إننا إذا ما أثبتنا خطأ فكرة «العبودية» التي يُنادي بها «فلمر» سواء عبودية البشر لآدم، أو للأب بعد ذلك داخل الأسرة، كان ذلك دليلًا إيجابيًّا على أن الإنسان قد وُلد حرًّا. يقول جون لوك: «حالة الطبيعة هي حالة الحرية التامة للبشر في توجيه أعمالهم والتصرف في مُقتنياتهم وفي أشخاصهم على نحوِ ما يرَونه مناسبًا، داخل حدود قانون الطبيعة، ودون أن يحتاجوا على إذنٍ من أحد أو يعتدوا على إرادة أي إنسانٍ آخر».٣١ ويقول في الفصل السابع من الرسالة نفسها مُفسرًا تلك الحرية:
    «تعني حرية الإنسان الطبيعية استقلاله عن أي سلطة عُليا على الأرض، وعدم خضوعه لإرادة بشرية قط أو لسلطته التشريعية، ورضوخه للقانون الطبيعي وحده، أما حرية الإنسان في المجتمع فتعني أنه ليس مُسخَّرًا لسلطةٍ تشريعية سوى السلطة التي أُقيمت بالاتفاق في الدولة. وأنه ليس خاضعًا لأي إرادة أو مقيدًا بأي قانونٍ سوى ما تسنُّه تلك السلطة التشريعية، وفقًا للأمانة التي عهد بها إليها …»٣٢ لكن إذا كانت حالة الطبيعة هي حالة من الحرية التامة، فهي حرية عاقلة لا تسمح بأي تجاوز، بل قد تقمع كلَّ ما قد يقع من تجاوزٍ، لأن حالة الحرية لا تعني الفوضى والإباحية أو مسايرة الغرائز البشرية على نحوِ ما سنعرف بعد قليل.
  • ثانيًا: الخاصية الثانية التي كان يتميز بها البشر في حالة الطبيعة هي أنهم كانوا يتمتعون بالمساواة التامة، فلا سيد ولا مسُود، بل كل الناس سواسية. يقول جون لوك:
    «حالة الطبيعة أيضًا هي حالة من المساواة، حيث تكون السلطة والسيادة متكافئتَين تمامًا. فليس أوضح من أن تنعم الكائنات من النوع والرتبة بكلِّ مزايا الطبيعة ذاتها، وتستخدم نفس الملَكات والقدرات على نحوٍ تتساوى فيه كلَّ التساوي، دون أن يخضع شخص لآخر أو ينقادَ له، ما لم يُنَصَّب واحدٌ منهم رئيسًا عليهم …»٣٣
    ويعتقد لوك أن المساواة في حالة الطبيعة هي أهم صفةٍ يمكن أن يتصف بها الإنسان، بل إنه يتابع المفكر الإنكليزي ريتشارد هوكر (١٥٥٣–١٦٠٠م) R. Hooker الذي كان في نظره «حكيمًا»، لأنه اعتبر المساواة مسألةً واضحة بذاتها، أو أنها بديهية لا تحتاج إلى مناقشة، بحيث جعلها أساسًا لقيامهم بواجباتهم مما يحقق العدل والإحسان. يقول «جون لوك»:
    «هذه المساواة بين البشر بالطبيعة ينظر إليها «هوكر» الحكيم على أنها بديهية واضحة كل الوضوح، ولا يتطرق إليها الشكُّ، حتى إنه يجعل منها أساس الالتزام بالحب المتبادل بين البشر، ويُقيم عليها واجبات الواحد منهم نحوَ الآخر، ويستنبط منها القواعد العظيمة والعدالة والمحبة …»٣٤
    ويقتبس «لوك» من «هوكر» قوله: «مثل هذا الحافز الطبيعي (المساواة) جعل البشَر يُدركون أن الواجب الذي يفرض عليهم حُب الآخر، لا يقلُّ عن الواجب الذي يقضي بأن يُحبُّوا أنفسهم بأنفسهم — إذا رأوا أن الأشياء المتساوية لا بدَّ لها من مقياسٍ واحد. فإذا آذيتُ أحدًا فينبغي أن أتوقع أذًى مثله؛ لأنه ليس ثمة ما يدعو الآخرين لإبداء قدْرٍ من المحبة نحوي أعظم مما أُبديه نحوهم … إن الواجب الطبيعي هو الذي يفرض عليَّ أن أُضمر لهم مثل تلك العاطفة نفسها. ولا يجعل أحد القواعد في القوانين التي يستنبطها العقل الطبيعي من هذا التساوي بيننا وبين من هم بمثابة ذواتنا، من أجل تنظيم الحياة».٣٥
  • ثالثًا: يعتقد جون لوك أنه على الرغم من أن حالة الطبيعة هي مرحلة من الحرية التامَّة كما سبق أن ذكرنا، فهي ليست ضربًا من الإباحية، فالإنسان في هذه المرحلة التي يتمتع فيها بحُرية التصرُّف في شخصه، وفي ماله، وفي ممتلكاته، فإنه لا يتمتع بحرية القضاء على حياته، بل حتى على حياة المخلوقات التي يملكها، ما لم يستدعِ ذلك غرضًا أشرفَ من مجرد المحافظة عليها. إن حالة الطبيعة يسودها القانون الطبيعي الذي يخضع له الجميع وهو العقل. ذلك القانون العظيم الذي يعلم الناس جميعًا، ولو أنهم استشاروا لعرفوا أنهم جميعًا أحرار مُتساوون، ومِن هنا فينبغي أن لا يُوقِع أحد منهم ضررًا بحياة صاحبه أو صحَّته أو حُريته أو ممتلكاته، لأن خالق البشر كافةً صانع واحد قدير على كل شيءٍ لا تُحَدُّ حكمته، وهم عبيد لربٍّ واحد عظيم بثَّهم في الأرض بإرادته.٣٦
    ولما كان الله القادر على كل شيء قد وهبنا قُوًى متماثلة وطبيعية واحدة مشتركة، فقد استحال أن يكون أحدُنا مُسخرًا للآخر تسخيرًا يقضي عليه، كما لو كان قد خُلق من أجل أغراضِه ومآربه، شأنه شأن الحيوانات الدُّنيا التي خُلقت من أجلنا. فكل امرئٍ مُجبَر على المحافظة على ذاته، وعلى الْتزامه مقامَه الخاص، وبناء على الحجة نفسها: هو مُلزَم بالمحافظة على سائر البشر.٣٧
  • رابعًا: يعتقد «جون لوك» أيضًا أن من خصائص مرحلة الطبيعة أن الأرض فيها كانت مشاعًا للكل، جرداء قاحلة لا قيمة لها، ثم راح بعض الأفراد يعملون فيها: يُصلحون التربة، ويزرعون الأرض، ويحرثون، ويفلحون، ويسهرون على رعايتها ثم يحصدون حصادها … إلخ، وهكذا تغيَّر شكل الأرض عندما امتزج بها العمل والجهد وأصبحت ذات قيمة. وهذه القيمة هي في الواقع قيمة العمل وعرَق الجبين. ولهذا صارت لمن فلحَها وزرعها وحصد ثمارها — لمن غيَّر شكلها كما سيقول هيجل فيما بعد — وسلَبَها وضعها الأول وشكلها المباشر الذي كانت عليه من قبل. ومن هنا أصبح هو مالكها، ولا يجوز لأحدٍ غيره أن يمسَّها أو يتصرف فيما بعد ذلك، بل حتى الصياد، فيما يقول لوك، يُصبح صيده حقًّا له فقد صار ملكه لأنه جاء نتيجة كدِّه وجهده. ومن هنا نظر «جون لوك» إلى الملكية الخاصة على أنها حق مقدَّس.
والواقع أن حق الملكية عند لوك يبدأ أساسًا من الذات. فالفرد يملك ذاته أو شخصه، ثم هو يملك عمله الذي هو امتداد مباشر لهذه الذات أو تلك الشخصية: «فقانون العقل يقضي بأن يكون الغزال مِلكًا لذلك الهندي الذي قتله، إذ من المُتفق عليه أن المال يكون لمن أضفى عليه مجهوده، وإن كان قبل ذلك حقًّا مشاعًا للجميع …»٣٨
وهكذا نرى بوضوح كيف طالب «لوك» بالمساواة لكل الناس، وهو مطلب جعله من مؤسسي الليبرالية السياسية، ولا شكَّ أننا نُقدِّر هذه المواقف النبيلة والرائعة في سبيل تحرير الإنسان من استغلال أخيه الإنسان، ومحاولاته الجادة والمُثمرة من أجل إقامة مجتمع عادل تسوده الحرية والمساواة. لكن السؤال الذي ينبغي علينا أن نطرحه لأهميته القصوى وهو: هل طالب «لوك» بالمساواة لكل الناس حقًّا …؟ لقد ذهب بعض الباحثين إلى أن كلمة الناس هنا كانت تعني عنده طبقته البرجوازية فحسب. فهو هنا يطالب بمساواتها بالطبقة الأرستقراطية في الحقوق السياسية، وفي مشاركتها في النفوذ، فهو كثيرًا ما يشير إلى عامة الشعب بكلمة «الرعاع Scum» أو حثالة المجتمع»،٣٩ كما سبق أن ذكرنا.
ونحن نعرف من تاريخ حياته، كما قدمنا، أنه عمل لمدة عامين (١٦٧٣-١٦٧٥م) سكرتيرًا لمجلس التجارة والزراعة (المستعمرات) الذي كان يرأسه صديقه «شافتسبري» وساعده على وضع دستور مستعمرة «كارولينا Carolina» في أمريكا الشمالية التي أسسها شافتسبري، وكان أكبر مُلَّاك الأرض فيها. وكتب عن «النُّظُم الأساسية» في المستعمرة، غير أن هذه النظم لم تُطبَّق في المستعمرة بصفةٍ عامة، ولكن «حرية الضمير» التي تضمَّنتها هذه النظم وجدت قبولًا حسنًا إلى حدٍّ كبير لدى المستوطنين الجدد.٤٠
كما أصبح «جون لوك» أيضًا، بمساعدة صديقه شافتسبري، في مجلس إدارة مستعمرة كارولينا Carolina في أمريكا الشمالية، وساهم الفيلسوف بكتابة دستور تلك المُستعمرة، ووضع قوانينها الأساسية، والغريب أن «لوك» لم يهتم قط بالزنوج من أهل إفريقيا، أو السكان الأصليين لأمريكا، الذين كانوا يُباعون كعبيدٍ في هذه المستعمرة وغيرها من الولايات الأمريكية، لم ينظر إليهم على أنهم بشر أو من بين الناس الذين يُطالب لهم بالمساواة، ومن أعجب العجب أن نجده يكتب عنهم في دستور مستعمرة كارولينا قائلًا:
«كل رجل حُر Freeman في المستعمرة له الحق المُطلق والسلطة التامة على عبيده الزنوج، وله حتى حق السلطة على أفكارهم ودينهم …»٤١
١  حاول توماس هوبز — من قبل لوك — أن يضع نظريةً سياسية تقوم على أسس وقواعد راسخة بحيث تقضي على البلبلة والاضطراب الفكري الذي ساد الحياة الإنكليزية، وتلك ظاهرة تدل أولًا على مدى تأثُّر الفلاسفة الإنكليز بأحداثِ بلادهم السياسية، كمل تدل ثانيًا على انطلاق الفلسفة من أرض الواقع — وهو هنا ميدان القتال — تمامًا كما حدث في تاريخ الفكر الإسلامي وظهور علم «الكلام» حتى قيل إن المسلمين بعد أن اقتتلوا بالسيوف اقتتلوا بالأفكار، فالواقع الحي هو المصدر الأول للتفلسُف (قارن كتابنا «توماس هوبز: فيلسوف العقلانية»، الطبعة الأولى، دار الثقافة بالقاهرة، والطبعة الثانية، دار التنوير بيروت).
٢  «“The Sexism of Social and Political Theory” Ed. by Lorenne M. Clark, University of Toronto, 1979, p. 16.
٣  The Cambridge Dictionary of Philosophy, Ed. by Robert Audi, 1995.
٤  Bertrand Russell, “A History of Western Philosophy”, Unwin Paperbacks, 1979, p. 595.
٥  وكان بنو نوحٍ الذين خرجوا من الفلك: سامَ، وحامَ، ويافثَ … ومن هؤلاء الثلاثة تشعَّبت كل الأرض (سفر التكوين، الإصحاح التاسع، ١٨).
٦  B. Russell, op. cit., p. 596.
٧  جون لوك، رسالتان عن الحكم المدني، الرسالة الأولى، فقرة رقم ٨.
٨  سِفر الخروج، الإصحاح السابع عشر؛ وسفر التثنية، الإصحاح الخامس، ٢١. وقارن كتابنا «الفيلسوف المسيحي والمرأة»، العدد الثالث من سلسلة «الفيلسوف والمرأة».
٩  سِفر الخروج، الإصحاح الحادي والعشرون، ٧.
١٠  قارن: د. إمام عبد الفتاح إمام، «الفيلسوف المسيحي … والمرأة»، العدد الثالث من سلسلة «الفيلسوف والمرأة»، أصدرته مكتبة مدبولي بالقاهرة، عام ١٩٩٦م، ص٣٣ وما بعدها.
١١  جون لوك، «رسالتان عن الحُكم المدني»، الرسالة الأولى، فقرة رقم ١٤.
١٢  ليس ثمة ما يدعو إلى تذكرة القارئ أن العقاب جاء نتيجةً لأكل حواء من الثمرة المُحرَّمة «فرأت المرأة أن الشجرة جيدة للأكل … فأخذت من ثمرها وأكلت وأعطت رجُلها أيضًا معها فأكل …» سفر التكوين، الإصحاح الثالث، ٦.
١٣  سفر التكوين، الإصحاح الثالث، ١٦.
١٤  سفر التكوين: الإصحاح الثالث، ١٦.
١٥  جون لوك: «رسالتان عن الحُكم المدني»، الرسالة الأولى، فقرة رقم ٤٧.
١٦  جون لوك، «رسالتان عن الحكم المدني»، الرسالة الأولى، فقرة رقم ٤٨ (والتشديد على الكلمات من عندنا).
١٧  سفر التكوين، الإصحاح الأول، ٢٨.
١٨  سفر التكوين، الإصحاح الثالث، ١٦.
١٩  جون لوك، «رسالتان عن الحكم المدني»، الرسالة الأولى، فقرة رقم ٤٨.
٢٠  جون لوك، «رسالتان عن الحكم المدني»، الرسالة الأولى، فقرة رقم ٤٧.
٢١  John Dunn, Locke, Oxford University Press, 1984, p. 44.
٢٢  Ibid., p. 45.
٢٣  قارن د. فايز صالح أبو جابر، «الفكر السياسي»، دار الجيل، بيروت، عام ١٩٨٥م، ص٩٤.
٢٤  ول ديورانت، قصة الحضارة، ترجمة «فؤاد أندراوس» ومراجعة علي أدهم، المجلد ٣٤، ص٤٤.
٢٥  قارن، «فايز صالح أبو جابر»، «الفكر السياسي الحديث»، ص٩٤.
٢٦  المرجع نفسه، ص٩٥.
٢٧  ذلك كله هو تراث أرسطو. قارن كتابنا «أرسطو والمرأة»، ص٧٥ وما بعدها.
٢٨  قارن مثلًا، فايز صالح أبو جابر، «الفكر السياسي الحديث»، دار الجيل، بيروت، عام ١٩٨٥م، ص٩١.
٢٩  «تاريخ الفكر السياسي»، د. إبراهيم دسوقي، ود. عبد العزيز الغنام، دار النجاح ببيروت، عام ١٩٧٣م، ص٢١٣.
٣٠  وهي العبارة التي يفتتح بها «روسو» كتابه العقد الاجتماعي، كما أنها المادة الأولى في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أصدرته الأمم المتحدة عام ١٩٤٨م.
٣١  جون لوك، «رسالتان عن الحكم المدني»، الرسالة الثانية، فقرة رقم ٤.
٣٢  المرجع نفسه، فقرة رقم ٢١.
٣٣  المرجع نفسه، فقرة رقم ٤.
٣٤  جون لوك، «رسالتان عن الحكم المدني»، الرسالة الثانية، فقرة رقم ٥.
٣٥  المرجع نفسه.
٣٦  المرجع نفسه، فقرة رقم ٦.
٣٧  المرجع نفسه.
٣٨  د. أميرة مطر، «الفلسفة السياسية، من أفلاطون إلى ماركس»، دار المعارف بالقاهرة، الطبعة الخامسة، عام ١٩٩٥م، ص١٠١.
٣٩  علينا أن نتذكر أن والده كان محاميًا من الطبقة البرجوازية الصاعدة، ولهذا السبب كان نصيرًا للبرلمان كما سبق أن رأينا. والمعروف أن جماعة البيورتان كان الكثير منهم من طبقة التجار الجديدة التي نشأت نشأة قوية في إنكلترا في القرن السابع عشر. وقد أصبح جون لوك فيلسوف تلك الطبقة ولسان حالها والمدافع عنها والمُعبِّر عنها والمعبر عن مطالبها السياسية والاقتصادية.
٤٠  ول ديورانت، «قصة الحضارة»، ترجمة فؤاد اندرواس، ومراجعة علي أدهم، الجزء الرابع من المجلد الثامن (٣٤)، ص٤٤. وقارن ما كتبناه في المدخل.
٤١  Fundamental Constitutions of Carolina, 1669.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٦