تمهيد
يذهب «لوك» إلى «أن الإنسان وُلد حرًّا»، وهي العبارة التي يفتتح بها روسو كتابه
«العقد الاجتماعي»، ثم كانت شعار الثورة الفرنسية بعد ذلك.
لكن علينا أن نتذكر باستمرار المعنى الهامَّ والمحدود الذي تشير إليه كلمة «إنسان»،
فالخيط المُمتد من ثقافة اليونان لا يزال يعمل في الثقافة الإنكليزية في القرن السابع
عشر، وأعني به تصوُّر «الإنسان» على أنه الرجل دون المرأة، ولقد سبق أن أشرنا إلى أن
أحد الأساقفة في مجمع «ماكون
Macon» تساءل عما إذا
كان للمرأة «روح»، في الوقت الذي كان يعتقد فيه أن للحيوان روحًا كالإنسان تمامًا،
أعني مثل الرجل! كما تساءل أحد الأساقفة، بصراحةٍ ووضوح، عما إذا كانت كلمة إنسان
تنطبق على المرأة أيضًا.
١ وذلك كله من «مخلفات» المعلم الأول: أرسطو.
وقد بقي تراث العصر الوسيط، بما فيه من أفكار يونانية تنمُّ عن كراهية شديدة
للمرأة، قائمًا في عصر «لوك»، وكان المطلوب الإحاطة بها في العصر الحديث مع قيام
الثورات الثلاث الشهيرة التي تحدَّثنا عنها في الفصل الثاني من الباب الأول، لا سيما
الثورة السياسية والاجتماعية التي كانت تستهدف تغيير النظُم السياسية وبقايا
العادات والتقاليد البالية، ومع ذلك فإن شيئًا من ذلك لم يحدث، وبقي التصوُّر
اليوناني، المُغلف بقداسة العصر الوسيط قائمًا، بل إن
كلمة
Man الإنكليزية التي تعني الإنسان هي
نفسها الكلمة التي تعني الرجل! وقُل مثل ذلك في الكلمة الفرنسية
L’Homme التي تعني الاثنَين معًا (الإنسان
والرجل في وقتٍ واحد) كأن المقصود بالإنسان هو الرجل وحدَه، أما المرأة فهي لا تندرج
بين بني البشر! تمامًا كما كان الرجل هو الذي يضع القِيَم والفضائل الأخلاقية في
التراث اليوناني والروماني، ففي اللغة اللاتينية نجد أن كلمة «الرجولة» هي نفسها
كلمة «الفضيلة»
٢ ذلك كله يُعطيك فكرة واضحة عن سيطرة الرجل وجبروته، فهو «الإنسانية»، وهو
«الفضيلة»، وهو واهب القِيَم، ووليُّ النعم، هو كل شيء، في حين أن المرأة لا شيء على
الإطلاق!
وسوف نلاحظ أن «لوك» عندما يتحدث عن «حرية الإنسان»، على نحوِ ما ذكرنا في بداية
هذا التمهيد «يُولَد الإنسان حُرًّا …» أو عندما يتحدث عن الحقوق الطبيعية للإنسان: حق
الحياة، وحق الملكية، وحق المساواة فإنه — في الأعم الأغلب — يقصد أن يصِف الحقوق
الطبيعية للرجل، ويستهدف الدفاع عن حرية الرجل، وملكية الرجل … إلخ. فليبرالية «لوك»
الشهيرة التي جعلت برتراند رسل يقول عنه: «إن نفوذه في الفلسفة السياسية كان من
العِظَم والدوام بحيث ينبغي أن يُعامَل بوصفه مؤسس الليبرالية الفلسفية بقدْر ما هو
مؤسس المذهب التجريبي في نظرية المعرفة.»
٣ غير أن هذه الليبرالية كانت موجهةً أساسًا
للدفاع عن الرجل الفرد وحقوقه. وليس عن الإنسان بصفةٍ عامة بجناحَيه: الرجل والمرأة
معًا …! ولهذا فسوف نلاحظ دائمًا أن «لوك» عندما يتحدث عن حرية الإنسان أو عن الملكية
التي يهتم بها اهتمامًا كبيرًا أو عن المساواة … فإن ما يعنيه هو مساواة رجلٍ برجل،
وألا يطغى رجل على آخر فيسلُبه حريتَه أو ينتزع منه ملكيته … إلخ. دون أن تمتد هذه
المساواة أو الحقوق الفطرية لتشمل المرأة أيضًا! بل أكثر من ذلك «الرجل»، فإن الذي
يعنيه «لوك» ليس هو الرجل بإطلاق، بل الرجل الإنكليزي من طبقته، أعني الطبقة
البرجوازية الصاعدة، فهو يُسقِطُ من فئة الرجالِ «العبيدَ» ومَن أسماهم «بالرعاع»!
ومما تجدُر ملاحظته أن «لوك» وهو يناقش البدايات الأولى للمجتمعات السياسية يُسلِّم
بأن معظم المجتمعات المدنية بدأت تحت حكم رجلٍ واحد؛ فقد بدأت الحكومة، في الأعم
الأغلب بالأب، بتلك الأسرة الضخمة التي كانت تكفي نفسها بنفسها، فحافظت على وحدتها،
ولم تختلط بغيرها من الأُسَر، على نحوِ ما يحدث — في الغالب — عندما تكثر الأرض ويندر
البشر. لكن النُّقطة الهامة والمُثيرة حقًّا أنه يجعل من سيطرة الذَّكر وسيادته على
الأسرة مسألةً طبيعية، في حين أن سيطرة الحاكم، مثلًا، على رعاياه أو السيطرة
السياسية عمومًا، هي سيطرة صناعية ينبغي أن يكون الأساس فيها القبول والتراضي. وهو
يزعم أن الرجال في حالة الطبيعة سيطروا على النساء بما لديهم من قوةٍ بدنية جعلتهم
قادرين على العمل من ناحية، وحماية المرأة الضعيفة من ناحيةٍ أخرى. من الطبيعي أن
النساء كنَّ في حالة الطبيعة في ظروفٍ صعبة غير مواتية. ومن الطبيعي أيضًا أن يكون
الرجال أكثر تفوقًا، وأن تنشأ الأسرة كمؤسسةٍ طبيعية تقوم على اختلاف الجنسَين. ومن
ثَم فإن كلَّ ما يقوله عن حق الحرية أو المساواة، أو الملكية في حالة الطبيعة إنما
ينتمي إلى الرجال فحسب. فمن الطبيعي أن يكون الرجال، والرجال وحدَهم، هم الأحرار
الذين استطاعوا التخلُّص من سيطرة بعضهم على بعض، بحيث لم يعُد شخص يتحكَّم في شخصٍ
آخر.
وعلى الرغم من أنه يقول أحيانًا إن بعض النساء قادرات على السيطرة، إلى حدٍّ ما،
على حياتهن وممتلكاتهن، فإن الغالبية العُظمَى من النساء يقعنَ بالفعل تحت سيطرة
الرجال فُرادى، لأنهن كنَّ بالطبيعة الأضعف والأقل قدرة
٤ فهن يشاطرنَ النساء عمومًا في المرور بالظروف الصعبة والمضايقات
الطبيعية التي خضعت لها المرأة في تاريخها الطويل. وليس لديهن القدرات ولا الفضائل
التي تعوضهنَّ عن هذا الوضع السيئ، وبالتالي تضعهن في موضعٍ يكُنَّ فيه قادراتٍ على رفض
إرادة الرجال وسيطرتهم.
٥
وهكذا نجد أن الحالة الافتراضية التي افترضها «لوك»، وهي حالة الطبيعة، مليئة
بالمزاعم عن وجود اختلافاتٍ طبيعية ﺑين الجنسين. إن حالة الطبيعة هي ببساطة حالة
إنكلترا في القرن السابع عشر أعني في عصر لوك.
٦
(١) أولا: سيادة الإنسان على العالم
كان الإنسان — أي الرجل — في حالة الطبيعة يمارس حقوقه على نحوٍ تلقائي: حق الحياة
وحق الحرية، وحق الملكية … إلخ. وهي حقوق لا تهَبُها أية سلطة زمنية، ولا تستطيع أن
تسلُبها أية حكومة، لأنها حقوق فطرية طبيعية، وإنما يمكن للسلطة السياسية أو الحكومة
أن تُنظمها فحسب، وفق قوانين مُحددة تستهدف أساسًا حمايتها من العدوان أو الاغتصاب أو
الضياع. ومن هنا فقد كان الناس، في ذلك الوقت، أحرارًا متساوِين فيما بينهم … غير أن
السؤال المنطقي الذي يظهر بإلحاحٍ هو: إذا كان الأمر كذلك، أعني إذا كانت حالة
الطبيعة ناعمة وهادئة تُمارَس فيها الحقوق بتلقائية: فلماذا تركها الناس؟ لماذا
فكَّروا في الخروج منها؟ ولماذا اتجهوا إلى تشكيل جماعاتٍ خاصة مع علمهم — الذي كاد
يبلغ حدَّ اليقين — أنَّ حُريتهم الطبيعية، فضلًا عن حقوقهم الأخرى، سوف تخضع لا محالة
لقيودٍ لا حصر لها …؟
يطرح «جون لوك» هذه التساؤلات ويعتبرها منطقية؛ إذ ليس هناك فرد عاقل يقبل
الانتقال من مرحلة حسنة هادئة وناعمة إلى مرحلة سيئة صاخبة وخشنة، فلماذا أقدم
الناس على الخروج من حالة الطبيعة إلى حالة المجتمع المدني ذي القوانين والقيود؟
ويجيب: وإذا كان الناس قد هجروا حالة الطبيعة الهادئة والناعمة إلى حالة الاجتماع
المضطربة، فالسبب أنهم كانوا ينشدون في هذه الحالة الأخيرة أوضاعًا أكثر طمأنينة،
وأشد هدوءًا من الحالة الأولى بالنسبة لأشخاصهم أنفسهم وأموالهم، وممتلكاتهم، فعلى
الرغم من المزايا المتعددة لحالة الطبيعة، فإنها تنطوي على مخاطر، وعوائق، وحواجز
دقيقة. صحيح أن السلام كان يرفرف عليهم لكن بسلامٍ مؤقت مشحون بالخطر، فلا بد من
الاعتراف بأن الأفراد في حالة الطبيعة يعتريهم الفساد، ومن هنا كانت المحافظة على
الأموال والممتلكات الخاصة سببًا رئيسيًّا لهجرهم هذه الحالة الطبيعية، فبعض الأفراد
لا يهتمون بالمحافظة على ممتلكات غيرهم، بل ربما لا يعترفون بهذه الملكية أصلًا،
ولا يحترمون حدود المساواة التي تفصل بين رجل ورجل. وقد تطغى مصالح فرد منهم على
مصالح غيره من الناس فيندفع جريًا وراء منافعه الذاتية إلى العدوان على غيره،
وانتهاك حقوقه لا سيما حق الملكية. وهكذا نجد أن الأفراد في حالة الطبيعة يفتقرون
إلى التنظيم، ومن هنا مَسَّت الحاجة إلى قوانين موضوعية يعترف بها الجميع، كما أنهم
بحاجة إلى قُضاةٍ يفصلون فيما ينشب بينهم من نزاع ويحكمون طِبقًا لهذه
القوانين.
وهكذا يفسر لوك العامل الأساسي الحاسم في انتقال الإنسان من حالة الطبيعة إلى
حالة المجتمع المدني على أنه عامل الملكية. ومن هنا تدخل الملكية كعنصرٍ فعَّال في
نشأة السلطة السياسية؛ إذ تصبح المهمة الرئيسية للحكومة هي ضمان الملكية، وحمايتها
لأصحابها، وضمان قدرة الإنسان على العمل وزيادة الإنتاج.
٧
والواقع أن «لوك» يهتم اهتمامًا كبيرًا بالملكية،
٨ لا سيما ملكية الأرض التي يعتبرها الأساس في جميع أنواع الملكية، وهي
التي كانت مصدرًا للنزاع والشقاق وفساد بعض الأفراد وعدوانهم على رفاقهم من بني
البشر، فما هو الأصل في هذه الملكية؟ ومن أين جاءت؟
يُجيب «لوك» أن الله وهب الأرض كلها للجنس البشري على المشاع «فقد أعطى الله الأرض
لبني آدم»، أعطاها للبشر جميعًا كما يقول النبي داود في مزاميره.
٩ فكانت الملكية مشاعًا سواء بالنسبة للأرض أو كل ما عليها من ثمار
وأشجار وحيوانات وثروات معدنية… إلخ. ثم وهبهم نور العقل الطبيعي لكي ينتفعوا بهذه
الأرض المَشاع، وما تُنتجه من خيراتٍ وثمار طبيعية. وكذلك الحيوانات المختلفة
الموجودة على ظهرها، وليس من حق أحدٍ الاستئثار بشيءٍ منها دون سائر البشر ما دامت لا
تزال على حالها.
١٠ ففي هذا الأصل المشترك الذي يتحدث عنه لوك، ليس لأحد الحق في أن يسيطر
سيطرة خاصة على شيء دون بقية الناس، فلكل إنسان حقٌّ مساوٍ لغيره في كل ما هو مَشاع.
١١ غير أن ذلك لا يمكن أن يعني أن لكلِّ شخصٍ نصيبًا في ملكية كل شيء، لكنه
يعني فحسب أنه لم يكن هناك في الأصل امتلاك ولا ملكية خاصة …
١٢ إذ لو كان لكل إنسانٍ
الحق في الملكية المشتركة أو المشاعة، وأن يستفيد من أي جزءٍ مما هو مَشاع دون
موافقة الآخرين، لكان معنى ذلك أن الآخرين لا يملكون شيئًا؛ فمن طبيعة الملكية أنه
لا يجوز لأحدٍ أن ينتزعها من صاحبها دون موافقته، ومن غير رضاه …
١٣ ومن ثَم فالقول بأن العالم قد أُعطِي للبشر على المَشاع، يعني ببساطة، أنه
في البدء لم يكن أحد يملك شيئًا، فحالة المشاع الأُولى هي حالة انعدام الملكية
العامة، وهذا هو السبب في أن «لوك» يطرح في الحال هذا السؤال الهام: كيف حدث أن
امتلك شخصٌ ما ملكيةً جزئية أو فردية؟ والإجابة عنه هامة بالنسبة لبحثنا الحالي لأنه
ينتهي من هذه الإجابة إلى أن المرأة لم تكن تملك شيئًا في الأصل، ويبدو أنها، في
الأعم الأغلب، ظلَّت كذلك!
(٢) ثانيًا: الملكية الخاصة
كان الحق الأول للفرد الذي لا يُنازعه فيه منازع أن يمتلك ذاته أو شخصه أو نفسه:
«فعلى الرغم من أن الأرض وجميع الحيوانات الدنيا كانت ملكيةً مشتركة بين البشر، فإن
لكل فردٍ الحق في امتلاك شخصِه ملكية خاصة. وهو حق لا يُنازعه فيه أحد. وليس لأحد الحق
فيه سوى هذا الشخص فحسب …»
١٤
وفضلًا عن ذلك، فإن كل شخصٍ يملك ذاته إنما يملك ما تقوم به هذه الذات من نشاط،
أعنى أنه يملك عمله الذي هو امتداد لذاته: «علينا أن نقول إن نشاط جسده، وعمل يدِه
هي أمور يملكها هو وحدَه، ولا شريك له فيها …»
ومعنى ذلك أنه لا يمكن لأحد أن ينازع في امتلاك الشخص المعين لنتاج كدِّه وتعبه
ومحصلة عمله، فكل ما هو موجود في الطبيعة ويختلط بذاته أو يكون امتدادًا لها أو
يضاف إليه جهده وكده يُصبح في الحال ملكًا له.
هذا العمل هو ملك لصاحبه، ملك للعامل الذي بذل الجهد والعرق، لا ينازعه فيه
منازع، ولا يحق لأحد سواه أن يطالب بملكيته: فمن يقطف ثمار التفاح من الشجر في
الغابة، أو من يجمع التفاح الذي سقط على الأرض أسفل الشجرة، ليقتات به، ﺑذل فيه
جهدًا، ومِن ثَم تصبح هذه التُّفاحات ملكًا خاصًّا له، وليس من حق أحدٍ أن يُنكر أن هذا
الغذاء
يخصه هو وحدَه.
١٥
وهكذا نجد أن ملكية المرء لذاته، وملكيته لعمله هما الأصل في الملكية الطبيعية
وهما أساس كل ملكية خاصة في حالة الطبيعة، فكل ملكية أخرى مُشتقة من هذا
الأصل.
وليسمح لنا القارئ أن نقِف قليلًا عند هذا الموضوع الهام لنسوق كلمةً سريعة عن
الملكية عند هيجل؛ إذ من الواضح أنه تأثر بفكرة «جون لوك» عن الملكية ودور العمل في
تحويلها إلى ملكية خاصة.
يمكن أن نقول منذ البداية إن أساس الحقوق كلها عند هيجل هو الشخصية الإنسانية
صاحبة الوعي الذاتي الذي يتميز به الإنسان عن الحيوان،
١٦ وعن موجودات الطبيعة كلها، ذلك الوعي الذي يرتد إلى نفسه فيجعل الذات
البشرية لا متناهية في حين أن جميع الأشياء متناهية. ومن هنا فلا يجوز معاملة الشخص
على أنه وسيلة (أي على أنه شيء مُتناهٍ) بل لا بد من النظر إليه باستمرار على أنه
غاية في ذاته، أي على أنه لا مُتناهٍ. يقول هيجل «الشخصية هي أساس الحق المجرد.
ولهذا فإن الأمر المطلق هنا هو: كنْ شخصًا واحترم الآخرين بوصفهم أشخاصًا.
١٧ وأول هذه الحقوق هو حق الملكية، أي أن يضع يدَه على الأشياء، فالشخص بما
هو كذلك له حقٌّ مُطلق على جميع الأشياء الموجودة أمامه في العالم. فالموضوع الذي يوجَد
أمامه هو موضوع خارجي: أنه شيءٌ ما، فهو ليس غاية لكنه وسيلة. فإن من حق الإنسان أن
يضع يده (أو إرادته بلُغة هيجل) على هذا الشيء، وتلك هي الملكية. «فكل شيء يمكن أن
يكون ملكًا خاصًّا للإنسان، لأن للإنسان إرادة حرة، وبالتالي فهو مُطلق في حين أن
الأشياء التي تواجهه تفتقر إلى هذه الخاصية».
١٨ والملكية بصفة عامة تعني إظهار إرادتي على الشيء، ولمَّا كان الأنا يسلب
أو ينفي الوجود المُستقل للأشياء، فهو بذلك يُعيد تشكيله إلى شيءٍ خاصٍّ به، أعني إلى
ملكية خاصة، ويتم ذلك عن طريق النشاط أو العمل الذي يُغير شكله ويُعيد تكوينه بطريقته
الخاصة، ولهذا فإن هيجل يُعطي للعمل قيمة كبيرة في فعل الحيازة مثلما فعل «لوك» من
قبل. والملكية عنده تتضمن ثلاث لحظاتٍ هي:
-
(أ)
فعل الحيازة أو وضع إرادة الشخص على شيءٍ ما، وتلك لحظة
الإيجاب.
-
(ب)
استخدام الشيء أو إعادة تشكيله، وتلك لحظة السلب. وهي تعني العمل أو
النشاط البشري الذي يُغير من حالة الشيء الأولى.
-
(جـ)
الاغتراب أو نقل الملكية إلى الغير. وهي مُركَّب اللحظتَين السابقتَين لأن
بيعَ ما أملك يَعني من ناحيةٍ أنني أملك هذا الشيء الذي أبيعه، كما يعني من
ناحيةٍ أخرى أنني بذلتُ جهدًا في تغيير حالته الأولى أو إعادة تشكيله، ومِن
ثَم فإنني أستطيع أن أنقل ملكيته إلى غيري.
وهكذا نجد أن فكرة هيجل مأخوذة، إلى حدٍّ كبير، عن «لوك» مع فارق هام أن الفيلسوف
الألماني يُدلل عقليًّا على حق الملكية: فما دمتُ ذاتًا لا متناهية تملك هذا الوعي
الذاتي الذي لا يملكه كائن آخر في العالم، فأنا مُتميز عن الموجودات الأخرى، ومن حقي
أن أضع يدي عليها لأنها «متناهية»، ومن ثم فهي وسائل وليست الأشياء في ذاتها. أما
الفيلسوف الإنكليزي فهو يعتبرها من الحقوق الطبيعية للإنسان.
وإذا عُدنا إلى «لوك» وتساءلنا: متى بدأت الملكية الخاصة؟ كانت الإجابة: عندما راح
الفرد يتدخل في الطبيعة فيُعيد تشكيلها عن طريق ما يبذل من نشاطٍ وجهد؛ فقطف الثمار
من شجرة التفاح؛ ذلك الفعل نفسه هو الذي يميز ملكيتي لهذه الثمرة عن باقي الثمار،
لأنه أضاف إلى الشجرة شيئًا لم تكن الطبيعة «الأم» قد أضافته إليها. وعندئذٍ تصبح
الثمار المُقتطَفة حقًّا وملكًا خاصًّا بي. وربما اعترض مُعترِض قائلًا: ألا يحق لنا
أن
نقول إنه كان عليه أن يحصل على موافقة بقية البشر الذين يملكون على المشاع هذه
الثمار، وإلَّا كان استئثاره بما هو مِلك شائع بين الجميع ضربًا من السرقة. غير أن ذلك
اعتراض باطل، إذ لو كانت تلك الموافقة ضرورية لقضى المرء نَحْبَهُ جوعًا، رغم وفرة
الرزق الذي أغدقه الله عليه. وقُل مثل ذلك في الأرض بصفةٍ عامة. فهي ككلِّ مشاع بين
الأفراد لكن عندما يقوم فردٌ عن طريق جهده وعمله بتغيير الأوضاع التي خلقتها
الطبيعة، فإنه في هذه اللحظة ذاتها تبدأ الملكية الخاصة أو الملكية الفردية التي
تظل الأرض المَشاع بدونها بغير قيمة.
١٩
ولا يتوقف اقتطاع هذه الشريحة أو تلك من الأرض المشاع على الموافقة الصريحة
للجمهور بصفة عامة: «فالعُشب الذي يقضمه حصاني، والنباتات التي يقتطعها خادمي،
والتِّبرُ الذي أعثر عليه نتيجة عملية التنقيب، هذه الأشياء كلها تُصبح ملكًا خاصًّا
لي دون موافقة أحد، طالما أن لي فيها حقًّا مشتركًا مع الجميع، ثم إنني عبرت بجهدي
الخاص الوضع العام التي كانت عليه تلك الأشياء، لذلك أصبحَت ملكي الخاص بحُكم ذلك الجهد
…»
٢٠
ويذهب «جون لوك» ردًّا على الاعتراض السابق إلى أننا إذا ما جعلنا موافقة كل فرد
من أفراد الجماعة شرطًا ضروريًّا للملكية الخاصة لاستحال على الأطفال والخدم أن
يقتسموا اللحم الذي يُعطيه لهم ربُّ الأسرة ليكون شركةً بينهم، ما لم يُعيِّن لكلٍّ منهم
قطعته الخاصة!
إن الماء الذي يجري في الجدول، أو تزخر به الينابيع، هو ملك للبشر جميعًا، ولكن
من ذا الذي يشكُّ لحظةً واحدة في أن الماء الذي تمتلئ به الجرَّة هو ملك خاص لمن
ملأها …؟ لقد انتزعه بجهده الخاص من بين يدَي الطبيعة؛ حيث كان مشاعًا أو ملكًا لكل
إنسان، لكنه أصبح الآن، عند هذا الفرد على وجه التحديد، ملكًا خاصًّا له.
٢١
إن قانون العقل يقول: إن الغزال الذي اصطاده الرجل الهندي هو ملك له، إذ إن هذا
القانون يقضي بأن يصبح الشيء ملكًا لمن يُضفي عليه جهدًا، مع أنه كان قبل ذلك مشاعًا
للجميع. ولا يزال هذا القانون قائمًا ﺑين تلك الشعوب التي تُعَدُّ متمدِّنة، والتي شرَّعت
قوانين لحماية الملكية الخاصة: فالسمك الذي اصطاده شخصٌ ما من المحيط الهائل
المُضطرب، والعنبر
Ambergris الذي يستخرجه من أمعاء
الحيتان أو يجمعه وهو يطفو فوق البحار الاستوائية. ويقوم باستخدامه في صناعة
العطور، فيُغير بذلك من الوضع العام الذي كانت عليه الطبيعة قبل ذلك، تصبح ملكًا لمن
بذل الجهد وكابد وعانى في سبيل الحصول عليها. وتلك هي الحال عندنا: فالأرنب
البري
Hare٢٢ يُعتبر ملكًا لمن طاردَه واصطاده، لأن هذا الأرنب ليس أليفًا بل من
الحيوانات البرية، فهو ليس من الممتلكات الخاصة لشخصٍ ما، فمن تكبَّد قدرًا من الجهد
للحصول عليه أو على غيره من الحيوانات التي تُعَد ملكًا للطبيعة، إنما يكون قد غير
حالها، وبذلك استحق أن تكون هذه الحيوانات ملكًا لها.
٢٣
قد يعود المعترض السابق إلى مواصلة الاعتراض من جديد فيقول: لو صح وكان لكلِّ من
جمع الثمار، أو اقتطف الفاكهة من أشجارها، الحق في أن تُصبح هذه الأشياء ملكًا خاصًّا
له، لكان معنى ذلك أنه يجوز لأي شخصٍ يقوم بمِثل هذه الأعمال أن تنمو ملكيته، ويزداد
حجمها إلى أي حدٍّ يشاء. ويجيب «لوك» على هذا التساؤل بالنفي، لأن قانون الطبيعة الذي
يهَبُنا حق الملكية يُحدد هذا الحق أيضًا. فاللَّه أعطى الأرض للأفراد على المشاع،
ورزقنا من كل شيءٍ يوفره، لكنه في الوقت نفسه منحنا العقل لنستخدِمه أفضل استخدام
لصالح الحياة، ومن أجل المنفعة والراحة دون إفسادٍ أو تدميرٍ لما نملك.
وقد يعود المُعترض اللحوح إلى الاعتراض من جديدٍ فيقول: إن اقتطف التفاحات من
الشجرة، وغيَّر بذلك من حالة الطبيعة الأولى، وهي حالة المشاع، قد حرَمني من فرصة
الحصول عليها لنفسي، وعلى الرغم من أن هذا الاعتراض قد يبدو سليمًا في حالاتٍ أخرى
كحالة الندرة مثلًا، فإنه لا معنى له في حالة الوفرة. أعني أنه إذا كانت هناك وفرة
في الموارد الطبيعية، ومنها أشجار التفاح، فإنني عندما أقطف التفاح من شجرةٍ لا أضرُّ
أحدًا، ولن ينال أي شخصٍ أذًى ما، لأن على الشجرة تفاحات أخرى يستطيع أن يحصل منها من
يريد إذا مدَّ يده وقطفها. ومعنى ذلك أن نشاطي في الحصول عليها لم يمس شيئًا مما
يملكه غيري، فالتفاحات كانت معلقةً على الشجرة أو مطروحة على الأرض. ولا يزال غيرها
موجودًا لمن يشاء أن يجمعه ليقتات به. ومن هنا فإن «الوفرة» تجعل هذا الاعتراض بغير
معنى. إذ مهما غيرتَ وبدلتَ في حالة الطبيعة. ومهما أضفتَ إلى الأشياء من عملك
ونشاطك … «فلا يزال هناك مقدار كافٍ لا يقلُّ جودةً عن الأشياء التي أخذتها، هناك بقية
من الوفرة تُرِكت للآخرين على المشاع ويمكنهم الانتفاع بها …»
٢٤ والواقع أن اعتراض المعترض في هذه الحالة على ملكيتي للتفاحات التي
اقتطفتُها، ينطوي على إنكار أن التفاحات كانت ملكيةً على المشاع، وأن العمل هو الذي
جعلها ملكيةً خاصة.
٢٥ «لأن هذا العمل هو ملك خاص للعامل لا يُنازعه فيه منازع، فلا يحق لأحد
سواه أن يطالب بما قد امتزج به، لا سيما إذا ما كان هناك قدْر كافٍ لا يقلُّ جودةً عن
الأشياء المقتطفة قد تُرك للآخرين على المَشاع …»
٢٦
(٣) ثالثا: أهمية العمل وقيمته
ملكية الأرض عند «لوك» هي أساس ﺑاقي أنواع الملكية وهي تُكتسب بالطريقة نفسها،
التي أحصل بواسطتها على التفاحات من الشجرة لأسُدَّ بها رمقي؛ أعني التدخل عن طريق
نشاطي الخاص فأقطفها لتُصبح ملكي بعد أن كانت على المشاع. يقول: «عندي أن ملكية
الأرض تُكتَسب بالطريقة نفسها، لكل ما أستطيع أن أتدخَّل فيه بنفسي، وكل ما استطاع
المرء أن يفلحه، ويزرعه ويُصلحه (من الأرض البُور) ويحصده، ويجني ثماره، وينتفع بها
فهو ملك خاص له …»
٢٧ فإذا ما ظهر مُعترض ليقول إن مَن استحوذ على الأرض على هذا النحو فإنه
يَحرم منها غيره، فإن ردَّنا سوف يقول، على نفس الاعتبار الذي أجبْنا به المُعترض على
جني
التفاحات فيما سبق:
ليس في هذا الامتلاك لقطعةٍ من الأرض وإصلاحها إساءة إلى أي شخص، طالما أن هناك
مقدارًا كافيًا من الأرض لا يقلُّ جودةً عما أخذته، متروك للآخرين، وهو نفسه أكثر مما
أخذَ المالك، ويمكن الانتفاع به. إذ الواقع أن نصيب الآخرين من الأرض لم يتضاءل
نتيجةً لامتلاكه قطعة منها. فمن يترك مقدارًا يستطيع زملاؤه الانتفاع به، فإنه يكون
بمثابة مَن لم يأخُذ شيئًا: إذ كيف يزعم شخصٌ ما، أن مَن يشرب جرعة ماء، بالغًا ما بلغ
قدرها، قد ناله أذًى من الشارب، طالما بقي النهر بكامله على حاله يروي منه غُلَّته …؟
وأمر الأرض وأمر الماء سيَّان؛ حيث يوجد مقدار وافٍ منهما …»
٢٨
وإذا كانت الملكية الخاصة هي مُركَّب يجمع بين ما هو خاص (العمل)، وما هو شائع
مشترك (الأرض، والثمار … إلخ) فلماذا، إذن يؤدي الجمع بين الخاص والمشترك (أو العام)
إلى نتيجةٍ هي خاصة تمامًا؟ «لا ينبغي لأحدٍ أن يعجب عندما نقول إن الملكية القائمة
على العمل ينبغي أن تتفوق على الملكية الجماعية للأرض، لأن العمل هو ما يضفي قيمًا
مختلفة على كل شيء…»
٢٩
وعندما يكون هناك وفرة من الأرض وعدد قليل من البشر فمهما يستولي الفرد على
الأرض، فسوف يبقى أكثر مما يكفي الآخرين، فكأنه في الواقع لم يأخذ شيئًا، فما تم
الاستيلاء عليه هو قدرٌ بالغ الضآلة، أو هو في الواقع لا شيء إذا قُورن بما هو موجود.
بل إن ما هو موجود لن يكون له أدنى قيمةٍ بدون هذا التدخُّل البشري الذي يُغير حالته:
«ذلك لأن الأرض بدون العمل لا قيمة لها، لأن العمل هو الذي يُكسِب الأرض قيمتها …»
٣٠
ويقف لوك طويلًا عند تفسير السبب الذي جعل الجمع ﺑين «الخاص» و«العمل» يؤدي في
النهاية إلى الملكية الخاصة:
لكي نوضح ذلك دعنا نتتبَّع متطلبات الحياة اليومية من مواردَ ومؤنٍ مختلفة قبل أن
تصل
إلى يد المستهلك، لنرى مقدار ما تستمدُّ من قيمةٍ نتيجةَ ما بُذل فيها من جهدٍ
بشري:
إننا نستهلك يوميًّا الكثير من الخبز والخمر والثياب، وهي أشياء متوفرة وتوجَد
دائمًا بكمياتٍ كبيرة. ومع ذلك فما لم يوفر لنا العمل هذه الأشياء النافعة لكانت
ثمار البلوط، والماء في الجدول، وأوراق الشجر، وجلود الحيوانات هي البدائل التي
تُشكِّل مأكلنا، ومشربنا، وملبسنا. ومهما كانت أفضلية الخبز على ثمار البلوط، والخمر
على الماء، والقماش أو الحرير على أوراق الشجر أو جلود الحيوانات أو العشب، فإن هذه
الأفضلية كلها تعود في النهاية إلى العمل والجهد البشري، والقسم الأول من هذه
الأشياء هو ما تُزوِّدنا به الطبيعة بلا عَون ولا مساعدة ولا تدخُّل من الإنسان. أما
المؤن الأخرى فنحن نوفِّرها بالجهد والعمل والنشاط الدائب. فإذا تبين أن قيمتها أعلى
من الأُولى، فإنما يعود ذلك إلى العمل الذي يؤلِّف الجزء الأكبر من قيمة الأشياء التي
نستهلكها في هذا العالم.
٣١
وهكذا نجد أن العنصر الخاص، أي العمل، هو الذي يشكل قيمة الشيء تمامًا، أما المواد
أو العنصر العام أو المشترك، فهي «تكاد لا تدخل في الحسبان»؛ «إن الأرض وما بها من
موارد ليس لها حساب ولا قيمة، لأن القيمة كلها تتركَّز في العمل الذي يُمكِّنني من أن
أستغل موارد الطبيعة.
ومن هنا يحوِّل العمل الموجودات الطبيعية المشاعة ﺑين الناس إلى ملكيةٍ خاصةٍ لمن
أضاف إليها مجهوده …»
٣٢
فالفرق بين قيمة «عيدان القمح» و«التبن» و«الطحين» و«الخبز» التي يُنتجها فدان
القمح، وبين فدانٍ من الأرض البُور يُماثله في الجودة، إنما يعود إلى العمل. إذ علينا
أن نُضيف أتعاب من يحرث، ويبذر البذور، ويروي الزرع ويتعهده بالنماء، ثم من يحصد
عيدان القمح ويطحنه حتى ينتهي أخيرًا إلى الخباز … إلخ. علينا أن نضيف تكاليف ذلك
كله إلى ثمن الخبز الذي نأكله. وليس ذلك فحسب بل علينا، أن نُضيف أتعاب مُربي
الماشية، ومن يُعِدُّ الحديد ويسبكه، وقاطعي الأخشاب، وغير ذلك من العناصر التي تدخل
في صناعة المحراث أو تركيب الطاحونة. وغير ذلك من الأدوات الضرورية اللازمة
لاستخراج القمح: من لحظة بَذر البذور حتى حصاده وطحنه وتحويله إلى رغيفٍ من الخبز؛ وهي
عناصر وأدوات كثيرة للغاية. فذلك كله ينبغي إضافته إلى حساب العمل لأنه نتيجة
للمجهود البشري.
٣٣
وعلينا — فيما يقول «روبرت جولدوين» — أن نضع في ذهننا سببَين يجعلان الموارد
الطبيعية ذات قيمة:
الأول: أن التفاحة تظل بغير نفع للإنسان، ومن ثم بغير قيمة، ما لم يقطفها أو
يلتقطها أو يجمعها شخص ما، عندئذٍ تصبح بطريقةٍ أو بأخرى في «حوزته». وقلْ مثل ذلك في
الغزال حتى نُطارده ونصطاده … إلخ. فالثمار والحيوانات على نحوٍ ما هي موجودة في
الطبيعة، وقبل إضافة الجهد البشري هي بلا نفع للإنسان، ومن ثم بلا قيمة.
وكما أن التفاحة الموجودة في قارةٍ أخرى، أو في مكانٍ بعيد عنِّي غاية البُعد، لا
قيمة
لها بالنسبة لي، فكذلك التفاحة الموجودة على بُعد عشرة أقدامٍ لا قيمة لها ما لم تمتدَّ
إليها اليد لتقطفها، أعني ما لم يُضَف إليها العمل.
الثاني: الوفرة الهائلة في الموارد والمؤن الطبيعية عندما يكون عدد الناس قليلًا
نسبيًّا. وعندما يتحدث «لوك» عن المؤن ويصِفها بأنها لا قيمة لها، فإنه لا يعني بذلك
أنها لا أهمية لها من أجل البقاء: فالهواء الذي نتنفسه، والماء الذي نشربه أمران
حيويَّان وهامَّان جدًّا، لكن حينما يكون الماء والهواء متوفرَّين بكثرة، وعلى نحوٍ يزيد
عن
حاجة الناس، فإننا لا ندفع من أجلهما شيئًا. ويدل ذلك على أن «لوك» كان يضع في ذهنه
صورةً من صور قانون العرض والطلب.
٣٤
وهكذا خلع العمل في البداية حق الملكية على كلِّ من اختار أن يبذل الجهد في استثمار
ما كان شائعًا من الأرض. مما كان يسدُّ حاجة البشر، فلما زاد عدد السكان، عمدت
الجماعات البشرية المختلفة إلى إقامة حدودٍ لأراضيها المختلفة، ووضعت الشرائع لتعيين
أملاك الأفراد المُنتمين إليها. وهكذا وطَّدت دعائم الملكية. ويسوق برتراند رسل ملاحظةً
هامة، هي أنه إذا كانت الملكية الخاصة هي ثمرة عمل كل إنسان، وإذا أمكن أن يطبق ذلك
فيما يختصُّ بالإنتاج الزراعي الذي تذهب المدرسة التي ينتمي إليها «لوك» إلى أن ملكية
الفلاح هي أفضل نظام، فإنه يصعب جدًّا، إن لم يكن من المستحيل، تطبيقه في المجتمع
الصناعي، «فافرض مثلًا أنك تعمل في مصانع سيارات «فورد» فكيف يمكن لأي إنسان أن
يُقدِّر النسبة العائدة إلى عملك من مجموع الإنتاج؟ وقل مثل ذلك لو أنك تعمل في شركة
سكك حديد استخدمتك في نقل البضائع، فمَن ذا الذي يستطيع أن يُحدد نصيبك الذي تستحقه
في نقل السلع أو البضائع؟»
٣٥ وإن كان «رسل» يعتقد، رغم ذلك، أن نظرية قيمة العمل التي ينسبها البعض
إلى ماركس والبعض الآخر إلى ريكاردو، نجدها في الواقع عند «لوك».
٣٦
(٤) رابعًا: المرأة … والملكية
لا شك أن من يدرس النظرية السياسية عند لوك سوف يلاحظ بوضوحٍ مدى اهتمامه الشديد
بموضوع الملكية، فهو من الحقوق الطبيعية الأساسية عند الإنسان التي لا يمكن أن
ينتزعها منه أحد «فهو لا يُستمد، ولا يُسلَب من قِبل أي حكومة أو سلطة زمنية …»
٣٧ بل إن قيام الحكومات يستهدف أساسًا ضمان ملكية الفرد والمحافظة عليها،
ولهذا يتحتم وجود حكومة تأخذ على عاتقها حماية الأفراد وملكيتهم من اعتداء الآخرين.
ومِن هنا تصبح المهمة الرئيسية للحكومة هي ضمان الملكية وحمايتها لأهلها، وضمان قدرة
الإنسان على العمل وزيادة الإنتاج. كما يذهب «لوك» إلى أن العامل الأساسي في انتقال
الإنسان من حالة الطبيعة إلى حالة المجتمع المدني هو عامل الملكية، وفضلًا على ذلك
فإن الملكية تدخل كعنصرٍ فعَّال في نشأة السلطة.
٣٨
واضح أن الأهمية الشديدة التي يوليها «جون لوك» لحق الملكية هي التي جعلتنا نقف
طويلًا لمناقشة هذا الموضوع الأساسي في نظرية فيلسوفنا السياسية.
ومن الواضح أيضًا أن هناك مبدأين رئيسيين يحكمان نظرية «لوك» عن الملكية والمرأة
هما:
-
الأول: ضعف بِنية المرأة، فالرجل بما له من قوة بدنية «هو الأرقى
والأقدر».
-
الثاني: أن المرأة أقل من الرجل، من حيث «الفهم والإدراك».٣٩
فإذا كان أساس الملكية الخاص هو الجهد والكد التعب … إلخ. الأمر الذي لا تُطيقه
المرأة ولا تقدِر عليه، وإذا كانت ملكية الأرض وفلاحتها هي الأساس في باقي أنواع
الملكية، وهو ما يحتاج إلى جهدٍ وتعب وقوة عضلية لا تملكها المرأة. لهذه الأسباب
كلها كانت الملكية أساسًا هي ملكية الرجل، ومن هناك فقد تركَّز اهتمام «فيلسوفنا» على
ضمان حق الرجل في الملكية والمحافظة عليه. وحتى عندما كانت الملكية مشاعًا في
البداية، فإنها كانت كذلك بين الرجال، ثم استطاع الرجل بكدِّه وعمله أن يقتطع شريحة
من هذه الملكية العامة ليطبعها بطابعه، ويمزجها بعرَقه فتكون ملكًا خاصًّا له. لكن
إذا كان العمل الذي يعني الكد والتعب وبذل الجهد، هو الذي يجعل ملكية الرجل للأرض أمرًا
ميسورًا، فهو نفسه الذي يجعل ملكية المرأة لها بالغة الصعوبة. فالرجل أقوى ﺑدنيًّا،
وأقدر على مواجهة العقبات، وتذليل الصعوبات لأنه وحدَه دون المرأة قادر على استصلاح
الأرض البُور، وفلاحتها، وزراعتها وتعهدها بالرعاية حتى تنمو البذور وتُنتج زرعها،
ثم هو الذي يحصد ويجمع إلى مخازن، وهو الذي يصنع الأدوات لذلك المسار كله.
٤٠ ومن هنا كان عمل الرجل هو أساس انعدام المساواة في الملكية بين الرجل
والمرأة، وفضلًا عن ذلك فهو أساس التفاوت في الملكية بين رجلٍ وآخر، فبعض الرجال أكثر
قدرةً من غيرهم، وأشد نشاطًا وكدًّا، ولهذا كانت زيادة اجتهاد الرجل ومضاعفة جهده هي
العامل الأساسي الذي أدى إلى زيادة الفروق بين الناس.
كان من نتيجة انعدام المساواة في القدرات البدنية ﺑين الرجال والنساء أن ظهرت
اللامساواة في الملكية، وليست هذه الاختلافات جديدة، وإنما هي متغلغلة في التراث
الغربي منذ أرسطو الذي جعل المرأة هي «الهيولى»، أي المادة، والرجل هو الصورة أو
الماهية أو الأساس. ومن هنا كانت المرأة الأضعف بدنيًّا وعقليًّا؛ بدنيًّا: هذا واضح
بسبب الحمل والولادة، والبنية الضعيفة. وعقليًّا لأن الرجل أذكى وأكثر رؤية، فالرجل
وإدراكه أكثر دقةً وشمولًا وإحاطة من عقل المرأة وفهمها وإدراكها، ومِن ثم كان القرار
الأخير للرجل،
٤١ لأنه الأعلى في الفهم والإدراك، والأكثر دقةً وصوابًا في الحُكم على
الأمور، والتصرف في المواقف الصعبة، وتذليل العقبات عن طريق الحياة. وذلك كله كان
قائمًا في حالة الطبيعة ومتأصلًا فيها. غير أن «لوك» يجعل هذا الوضع مستمرًّا في
المجتمع المدني، فهو الأساس في التفاوت في الملكية بين الرجال والنساء، تمامًا مثلما
أنه مصدر التفاوت في الملكية بين رجل ورجل، فلما كان بعض الرجال أقدر وأذكى وأقوى
من بعضهم الآخر، كان لا بد من وجود تفاوت في توزيع الثروة، وهو أمر لا بد أن يحميه
المجتمع المدني ولو بالقوة!
لكن حتى إذا افترضنا انعدام المساواة بين الرجل والمرأة في حالة الطبيعة، فما هو
المبرر الذي يسوِّغ اللامساواة بين الزوج والزوجة في السيطرة على ثروة الأسرة
وتوزيعها …؟ أليس النساء قادرات على نوعٍ ما من العمل في المجتمع المدني يُبرر لهن
الامتلاك مثل الرجال، حتى ولو كان حجم الملكية ونوعها أقل مما يملكه الرجال؟ فلماذا لا
يكون لهن الحق في الانتفاع بنتاج عملهن، وامتلاك ما يمتزج بهذا العمل بناءً على مبدأ
لوك نفسه في الملكية؟ هل في استطاعة المرأة أن تمتلك كل ما تكتسبه عن طريق عملها
أثناء الزواج بناءً على هذا المبدأ …؟ وإذا كان للزوجة حقٌّ مُطلق في أن تملك من خلال
العمل: فما هو المبدأ الذي يستند إليه الزوج في سيطرته على ممتلكاتها سواء أكان
هناك عقد أم لم يكن؟
لم يجب «جون لوك» عن سؤال واحد من هذه الأسئلة، وترك للعادات والتقاليد القائمة
في المجتمع الإنكليزي آنذاك أن تتولى الرد، فهو في الواقع ينظر ما كان قائمًا في
مجتمعه، ويكتفي بالتصديق على الوضع المتردي للنساء فيما يتعلق بحقوق الملكية، حتى
بالنسبة للنساء المتزوجات، لأنه أقرَّ وضع التبعية الذي خلقه الزوج، تبعية المرأة
للرجل أو الزوجة لزوجها وعدم قدرتها على الاستقلال أو بناء الشخصية التي تقوم
بذاتها دون اعتمادٍ على غيرها. لكن المرأة عند «لوك» كما كانت في المجتمع الأثيني،
ومجتمع العصر الوسيط، لا بد أن تكون في كنف رجلٍ؛ والدها قبل الزواج وزوجها بعده، أو
شقيقها إن لم يكن لها والد ولا زوج. والأخطر من ذلك كله أن يُقال إن الحُكم عليها
بالتبعية هو «حكم الطبيعة» فهي بطبيعتها على هذا النحو، وليس ذلك من خلق المجتمع
والعادات والتقاليد وإنما هي مسألة طبيعية. وإذا تساءلنا: ما هي «المبادئ الطبيعية»
التي يمكن أن تقدم تبريرًا لهذا الوضع المتردي؟ فإننا لا نجد سوى تبريرات أرسطو
البيولوجية والميتافيزيقية،
٤٢ التي ثبت خطؤها فيما بعد، وكذلك تبريرات «لوك» التي ترى أن مثل هذا
الوضع قد نشأ في حالة الطبيعة، ولا بدَّ له أن يستمر في المجتمع المدني دون تغيير:
فهو يكتفي بالقول بأن المرأة أقل قدرةً من الرجل وأشد ضعفًا منه، فليس لها مِن ثَم أن
تقتني شيئًا، وإذا اقتنت شيئًا ليس لها الحق في ادعاء ملكيته؛ فهي الأدنى بالطبيعة
لأنها الأضعف. ومن هنا كان الوضع الطبيعي أن تخضع للرجل! وذلك هو التراث الغربي
الذي شاهدناه من أفلاطون وأرسطو إلى العصور الوُسطَى حتى وصلنا الآن إلى «جون
لوك»!
ليس هناك في الواقع مبررات، ولا مبادئ، بل افتراضات ومزاعم مُستمَدة من التراث،
ومن العادات والتقاليد القائمة والتصديق عليها وإقرارها دون إخضاعها للفحص العقلي
الدقيق. فالقول ﺑأن حقوق النساء تعتمد على حقوق الرجال، وأنه ليس لهن حقوق مستقلة،
وأن ذلك يرجع إلى أنه لا يمكن النظر إليهن كشخصياتٍ مُستقلة لها حق الملكية الكامل،
وغيره من الحقوق الطبيعية الأخرى … إلخ، هذه كلها مزاعم ليس لها أساس سليم من العقل
والمنطق، وإنما هي تستمدُّ جذورها من التراث والعادات والتقاليد في المجتمع الإنكليزي.
ولهذا فإن «جون لوك» ينتهي منها إلى أن ما ينبغي دعمه وتأكيده هو حقوق الذكر وحده
في الملكية وفي التصرف في شئونها حسب إرادته التعسفية، وذلك تعبير واضح عن المجتمع
الذكوري. أما النساء فهنَّ لسنَ رجالًا، ومن ثم فلا يخضعن لقانون الحقوق الطبيعية الذي
هو قانون العقل، ولا يكتسب هذه الحقوق التي يُقرها العقل للرجل وحده: الملكية، وحق
الحرية، وحق المساواة، أعني أن يكنَّ حرائرَ مُتساوياتٍ فلا يخضعن لسيطرة شخصٍ آخر،
فالرجل وحده هو الذي يمتلك هذه الحقوق، وهو وحده الذي لا يجوز أن يخضع لسيطرة رجل
آخر، وهو وحده الذي يَحكم سياسيًّا حكمًا يقبله ويرضاه: ذلك هو الافتراض المُسَبَّق
الذي يعتقد «لوك» أنه كان قائمًا في البداية ولم يتغير قط.
٤٣
لقد كان «لوك» الفيلسوف الليبرالي داعية الحرية، ونصير الفرد، وأحد أقطاب الثورة
المجيدة — كما سبق أن ذكرنا — على استعدادٍ تامٍّ لتحدي الأوضاع القائمة في مجتمعه بخصوص
الاقتناء والملكية المُتعلقة بالرجل، لا سيما الرجل من طبقته الخاصة: البرجوازية
الصاعدة. بل الواقع أنه تحدَّى بالفعل مبادئ القانون الإنكليزي لملكية الأرض، فقد كان
القانون الإنكليزي الخاص بالأراضي الزراعية منذ الفتح النورماندي
Norman Conquest٤٤ لإنكلترا (أي منذ عام ١٠٦٦م فصاعدًا)
يذهب إلى أن جميع أراضي إنكلترا هي ملك للتاج البريطاني، وهي ممنوحة للأفراد على
سبيل الكرم والجودة فحسب، ولقد أخذ هذا المبدأ يتداعى في القرن السابع عشر. فهاجم
لوك هذا التصور لقانون الأراضي في إنكلترا في الصميم، محاولًا أن يقتلعه من جذوره،
عندما ذهب إلى أن الأراضي أعطاها الله لجميع البشر على سبيل الملكية المشتركة أو
التملك على المشاع. وحاول بذلك أن يضع أساسًا ﺑديلًا لحقوق الأفراد في الملكية
فيجعل حقوق الملكية ترتدُّ إلى الله لا إلى الملك.
٤٥
هكذا كان «جون لوك» الفيلسوف الليبرالي على استعدادٍ للتحدي ولمواجهة العادات
والتقاليد السيئة دفاعًا عن الرجل وحدَه، فالإنسان «الحر» المساوي لغيره، وصاحب
الملكية التي لا يمكن انتزاعها منه هو الرجل، أما عندما يصل الأمر إلى حقوق النساء
فإنه يلزم الصمت ولا ينبس ببنت شفة، فلا يقول كلمة واحدة عن المرأة الحُرة المساوية
للرجل صاحبة الحق في الملكية والتصرف في شئونها، وصاحبة الشخصية المستقلة، وكأن
المرأة ليست فردًا في النوع الإنساني الذي يدافع عنه، وإنما هي من جنسٍ آخر، على حد
تعبير سيمون دي بوفوار
Simone de Beauvoir (١٩٠٨-١٩٨٦م) في كتابها الشهير،
٤٦ لا يجوز أن ينطبق عليها ما ينطبق على الرجل، وليس لها ما للرجل من حقوق
وواجبات، ولهذا السبب فإنه يسارع بالتصديق على التفاوت أو انعدام المساواة بين
الجنسين، بل ويعتبر هذا التفاوت مسألة طبيعية، فالذكر كما قال أرسطو قديمًا هو
الصورة والماهية، وهو أكثر قدرةً وتفوقًا.
٤٧
(٦) سادسًا: خاتمة في المساواة
كان «جون لوك» بغير جدالٍ أحد مؤسسي المذهب الليبرالي، ومن أعظم الفلاسفة الذين
دافعوا عن حقوق الفرد، ولقد أثرت أفكاره السياسية بقوة في الثورة الأمريكية التي
نشبت بعد وفاته بما يقرُب من سبعين عامًا. ولهذا قيل إن «جون لوك» هو مصدر التفكير
السياسي الذي ساد الولايات المتحدة إبَّان ثورتها، وليس هو بالمصدر الذي نستنتِجه
استنتاجًا مما كان يدور عندئذٍ على ألسنة الناس وأقلامهم، بل هو المصدر الذي كان
يتردَّد ذِكره صراحةً على أنه المَعين الذي استقى منه القادة مبادئهم بطريق مباشر «فمن
كتابات جون لوك — قبل أي شيء آخر — استمدَّ الأمريكيون سلاح الحُجج التي هاجموا بها
الملك والبرلمان في حُكمهما المتعسف، ولو كان هناك رجل واحد يجوز أن يُقال إنه ساد
الفلسفة السياسية في عهد الثورة الأمريكية، فذلك هو جون لوك، إذ لم يكن الفكر
السياسي الأمريكي إلا تأويلًا لما كتبه لوك».
٥٦
وبتأثير «لوك» ونظريته السياسية جاء في إعلان وثيقة الاستقلال الأمريكية التي
أعلنت في الرابع من شهر يوليو عام ١٧٧٦م:
«إننا نؤمن بأن هذه الحقائق واضحة بذاتها. وهي أن الناس قد خُلقوا سواسية، وأن
خالقهم قد حباهم بحقوقٍ مُعينة هي جزء من طبائعهم لا تتجزأ، منها حق الحياة، والحرية،
والتماس السعادة …»
٥٧
هذه الأفكار النبيلة التي جعلت من «جون لوك» أحد عظماء الليبرالية، كانت تستهدف
تحرير الرجل من سيطرة رفاقه المتمثلين في سلطة الحكام وغيرهم، لكن لم يخطر على بال
فيلسوفنا أن المرأة هي من جنس البشر، ومن ثَم فلَها الحقوق نفسها. صحيح أنه يقول
بوضوح: «إن جميع البشر بالطبيعة متساوون …» لكنه يسارع ويضيف «لا ينبغي أن يظن ظانٌّ
أن المساواة هنا تعني جميع أنواع المساواة …»! ويقول «المساواة في حالة الفطرة هي
أهم صفة يتصف بها الإنسان، ومن ثم كانت المساواة بين البشر بديهية كما يقول «هوكر
Hooker»،
٥٨ فذلك أمر واضح بذاته لا يحتاج إلى مناقشة …»
٥٩
لكن إذا كانت المساواة بين البشر بديهية على هذا النحو فكيف حُرمت منها المرأة؟
ولماذا لم تمتدَّ الفكرة لتَعني المساواة بين الرجل والمرأة أيضًا وليس المساواة بين
رجل ورجل فحسب؟
الواقع أننا نستطيع أن نلاحظ الكثير من المفارقات في نظرية جون لوك عن المرأة على
النحو التالي:
-
(١)
من الملاحظ أنه يتحدث عن المساواة كحقٍّ طبيعي بين البشر، لكنه من
ناحيةٍ أخرى يتحدَّث بصراحة عن انعدام المساواة بين الرجل والمرأة
ويعتبرها مسألةً طبيعية أيضًا!
-
(٢)
إذا كان الإنسان يُولد حرًّا، وأنه استمتع بهذه الحرية في مرحلة
الطبيعة، فلماذا لا نقول إن المرأة كانت حرةً أيضًا في هذه المرحلة؟ ولو
صح ذلك فكيف حدث أن فقدت حُريتها بعد ذلك؟ كيف خضعت لزوجها تمامًا بعد
الزواج؟
-
(٣)
إذا كانت بداية الملكية هي أن تضع الشخصية يدَها على جزءٍ من الملكية
المشاعة فيُصبح هذا الجزء لملكية خاصة بها، فلِمَ لا تنطبق الفكرة نفسها
على المرأة؟ ألم يكن في استطاعة المرأة أن تقطف التفاحات من الشجرة
لتُصبح ملكها؟ ألم يكن في استطاعتها أن تجمع الثمار المطروحة على الأرض
شأنها شأن الرجل؟
-
(٤)
إذا كان العمل هو العنصر الحاسم في الملكية، فلِمَ نقول إن المرأة
غير قادرة على العمل لأنها أضعف من الرجل؟ وحتى إذا قُلنا إنها أضعف
بالطبيعة (وهي فكرة خاطئة بالقطع)، ألا توجَد أعمال تُناسب هذا الضعف
بحيث تستطيع أن تعمل وأن تكسب، وأن تمتلك نتاج هذا العمل …؟
-
(٥)
ما الذي يُبرر لجون لوك أن يقول إن دور النساء هو أن يحملنَ أطفال
الرجال، على أن يكون ثمن حمل هؤلاء الأطفال فادحًا، هو فقدان الاستقلال
الذاتي
Autonomy …؟
٦٠ ومن هنا احتجَّت بعض النساء على هذا الإجحاف، وهكذا نجد أن
المرأة التي تحمل طفل الرجل لا بد أن تكون تابعةً له، وذلك من أجل
بقائها وبقاء نسلها … ولكن ليس ثمة مُبرر على الإطلاق، لماذا يسلب الإنجاب
حقوق المرأة في الملكية، بل لماذا لا يخلُق هذا الإنجاب مثل هذه الحقوق …؟
٦١
إن ما هو واضح أمامنا تمامًا هو أنه لا بدَّ من سلب هذه الحقوق إذا ما
أُريد تدعيم النظام السياسي الذي يستطيع الرجل وحده، في ظلِّه، تجميع
أشكال الملكية الخاصة، بحيث تتراكم ألوان هذه الثروة، بدلًا من النساء
والأطفال. فإذا افترضنا أن آدم لم يمتلك حواء، فكيف كان يمكن له أن
يكون على يقينٍ من نسلِه وسلالته؟ وإلى مَن تنحدِر تفاحاته على نحوٍ مشروع؟
أما إذا امتلكت حواء تفاحاتها، فلماذا كان ينبغي عليها أن تطيع آدم.
٦٢
-
(٦)
يذهب لوك إلى أنه نتيجة للعوائق الطبيعية كُتبت السيادة للرجل على
المرأة، وهذا أمر واقع. لكنه في النهاية ينتهي إلى أنَّ من واجب الزوجات
الطاعة، فكيف انقلب الأمر الواقع في ظروف مُعيَّنة على واجبٍ مفروض على
النساء؟
إن «لوك» يستنتج نتائج مثيرة للدهشة من واقعة وجود فروق بين الجنسين،
وإلا فإن هذه الفروق موجودة بين الرجال أيضًا، فلِمَ لا يترتب عليها مثل
هذه النتائج …؟
-
(٧)
وهذه الفكرة تؤدي بنا إلى مفارقة أخرى ترتبط بها وهي الاختلاف
الطبيعي بين الجنسين أو الفروق الطبيعية بينهما تخلق، فيما يقول لوك،
سيادةً مشروعة: سيادة شخص على شخص آخر. لكن هناك فروق طبيعية وغير
طبيعية واضحة بين امرأةٍ وأخرى، ووجود هذه الفروق يمكن أن يُبطل
الافتراض المُسَبَّق الذي يقول بدونية الأنثى والذي جعل «لوك» يُبرر
خضوع النساء للرجال بصفة عامة. وهكذا نتبيَّن أن الفروق الطبيعية بين
الرجل والمرأة ليست هي العامل الحاسم في اللامساواة بين الجنسَين، وإنما
هناك افتراضات سابقة تفرضها عادات وتقاليد المجتمع هي التي تُحتِّم هذه
اللامساواة.
-
(٨)
إن الفروق الطبيعية الموجودة في جنس الرجال بين رجلٍ ورجل، لم تُبطل
المساواة بينهم، بل كانت هذه المساواة، رغم ذلك، بديهية وواضحة بذاتها
لا تحتاج إلى نقاش: فلماذا كانت هذه الفروق الطبيعية بين الرجل والمرأة
مبررًا لانعدام المساواة؟ ولماذا كانت سببًا في إلغاء استقلال المرأة
عن الرجل؟ وهل أدَّت الفروق بين أفراد الرجال إلى تبعية رجلٍ لرجل آخر؟ إن
هذا هو ما يرفضه «لوك» بقوة، ويكافح لاستبعاده في عالم الرجال، فلِمَ
قبِلَهُ في عالم المرأة؟!
-
(٩)
الغريب أن يؤمن «لوك» بتفاوت طبيعي أو انعدام للمساواة طبيعية ﺑين
الجنسين، فالرجل أكثر امتيازًا وتفوقًا … لماذا؟ هذا السمو أو الامتياز
الذي يعطي للرجل الحق في السيطرة ويوجب على الزوجة الطاعة، هذا المصدر
لدونية المرأة يكمن في قُدرتها على الإنجاب! وهو ينظر إلى هذه الدونية
على أنها مسألة خلقتها ظروف البيئة! وليس واضحًا تمامًا علاقة دونية
المرأة بقدرتها على الإنجاب، إلَّا إذا أخذنا بنظرية المعلم الأول
الفاسدة في اعتبار المرأة هي الهيولى والرجل هو الصورة!!
-
(١٠)
في النهاية لا بد لنا أن نقول إنه يستحيل أن نرى «لوك» المبشر
بالليبرالية حاضرًا في موضوعاتٍ تتعلق بالمرأة، فليس هو الفيلسوف
الليبرالي تجاه الزواج والعلاقات ﺑين الجنسين، لأنه صادَق بالفعل على
وجهة النظر الأبوية تجاه علاقة الزوج بزوجته وملكية الأسرة … إلخ، ورأى
أنه ينبغي أن يستمر في المجتمع المدني، ثم جعل مسئولية الإنجاب في
الزواج هي التي تُشكل نظام الملكية الخاصة للأفراد تحت سيطرة الذكر الذي
هو رب الأسرة.
والواقع أنه كان هناك هدفان يتحكمان في نظرية «لوك»:
-
الهدف الأول: تشريع اللامساواة (أعني إضفاء الشرعية على انعدام اللامساواة) في
توزيع الثروة والملكية بين الرجل والمرأة من ناحية، وبين رجل ورجل
من ناحية أخرى، وبين ثروة أسرة وأسرة أخرى من ناحية ثالثة. وهو
يجعل العمل أساس هذا التفاوت.
-
الهدف الثاني: إضفاء الشرعية على حق الذكر وحده في السيطرة على الأسرة وإخضاع
الزوجة لأوامره حتى يضمن حق التصرُّف في ممتلكات الاسرة وثروتها،
ونقلها إلى الأجيال القادمة المُتمثلة في نسلٍ من صلبه.
وهكذا نجد أنه ليس للزوج أو الأبوة قيمٌ في ذاتهما. وإنما هما وسائل أو أدوات
ضرورية لضمان ملكية الذكر وانتقالها عبر الأجيال في الزمان.
وهكذا بقي التراث الأرسطي قائمًا حتى القرن السابع عشر، وظلَّت العادات والتقاليد
في المجتمعات الغربية تواصل النظر إلى المرأة نظرةً دونية، ولم يكن للفيلسوف من عملٍ
سوى تقنين هذه النظرة والبحث عن المُبررات التي تدعمها.