مقدمة

ربيعٌ عربيٌّ؟

تملَّكني الفزع عندما ذاعت أنباء اندلاع انتفاضة شعبية في تونس. لم يكن السبب في ذلك أني أحمل أي تعاطف تجاه رئيس الدولة المستبد زين العابدين بن علي الذي كان يمسك بمقاليد الحكم منذ أكثر من عقدين من الزمان. وكذا لم يختلف حالي كثيرًا تجاه عائلته التي نهبت ثروات البلاد عن آخرها. تدفق آلاف التونسيين إلى الشوارع، وكنت أعرف السبب.

غير أنه في الوقت الذي اعتبر فيه أغلب صحفيي الغرب أن الاضطرابات التي يشهدها الشرق الأوسط خطوة نحو الديمقراطية، كان لي رأي مخالف؛ فالإسلاميون — الذين يتوقون إلى إقامة دول إسلامية وفرض الشريعة الإسلامية — هم من سيَخرجون منتصرين من الفوضى الحالية.

وما حدث في تونس — مركز الربيع العربي — تكرر في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

كانت تونس تخضع لأكثر أنظمة الحكم العربية علمانيةً، وكانت أكثر الدول الإسلامية تقدمية وتحررًا على الصعيد الاجتماعي في الشرق الأوسط. وفي ظل وضع كهذا، وقبل اندلاع الثورة التونسية؛ كانت تونس آخر حصن منيع في وجه الفكر الوهابي الإسلامي الذي تموِّله المملكة العربية السعودية، والذي انتشر في شتى أرجاء العالم الإسلامي منذ الطفرة النفطية في السبعينيات من القرن العشرين.

اتسمت الثورة التونسية بالعفوية، وافتقرت إلى الركائز الأيديولوجية من أي نوع. كان دور المتعصبين الملتحين هامشيًّا في الثورة؛ هذا إن كان لهم دور من الأساس. لا شك أنهم لم يكونوا القوة المحركة للثورة، وهذا حال كل الثورات العربية — باستثناء الثورة الليبية — في مراحلها الأولى على الأقل. في تونس، لم يكن الإسلاميون في طليعة من قاموا بالثورة، لأن النظام الحاكم كان قد زج بهم في السجون أو المنفى منذ عقود.

مع ذلك لم يكن اختطافهم للثورة أول مرة في التاريخ تتخذ فيها إحدى الثورات هذا المنعطف الكارثي. فعادةً يتسلل اليأس إلى نفوس الثوار الذين ضحوا بأنفسهم عندما يشهدون تحطم آمالهم أمام قيام نظام جديد على نفس القدر من سوء النظام الذي أطاحوا به؛ إن لم يكن أسوأ، ولنا في أكثر الثورات شعبية في العصر الحديث عِبرة؛ فالثورة الفرنسية أسفرت عن «عهد الإرهاب»، والثورة الروسية أسفرت عن كابوس ستالين، وتمخضت الثورة الإيرانية عن حكم الملالي الاستبدادي، والمثال الأخير وثيق الصلة إلى حد بعيد. والثورة الإيرانية ١٩٧٩ هي الثورة الفعلية الوحيدة (على عكس الانقلابات العسكرية) في تاريخ الشرق الأوسط الحديث. كان الإسلاميون في تونس أقلية بين السكان بوجه عام، وكانت حملتهم في مهدها عندما اندلعت الثورة في ديسمبر ٢٠١٠. لكن هذا كان حال الملالي الإيرانيين أيضًا في المراحل الأولى من الثورة الإيرانية في السبعينيات من القرن العشرين، غير أنهم استغلوا حالة الفوضى التي أعقبت الثورة ليصلوا إلى الحكم.

لو تكرر نفس السيناريو في تونس، فما الذي يخبئه القدَر لباقي دول المنطقة؟ إن فشل التحول الديمقراطي في أكثر دول العالم العربي انفتاحًا سيكون نذير سوء على إمكانية نجاحه في أي مكان آخر. فمن المغرب إلى اليمن، ومن السعودية إلى مصر، كانت العلمانية والليبرالية ملعونتين ومحرمتين بالفعل، فضلًا عن أن الفكر الوهابي الإسلامي قد وجد لنفسه بالفعل موطئ قدم راسخة. أما في سوريا — الدولة العربية الوحيدة التي تبدو في ظاهرها علمانية بخلاف تونس — فمقاليد الحكم في أيدي أقلية شيعية، وهناك أيضًا كان الإخوان المسلمون الأصوليون السنَّة مستعدين للانقضاض على الثورة.

تونس ليست معروفة كثيرًا في الغرب. فمع انحصارها بين جارتيها الثريتين الجزائر وليبيا، كانت تحت حكم بن علي انعزالية إلى حدٍّ بعيد، وظلت في الأغلب بعيدة عن المشهد السياسي المضطرب داخل المنطقة. فُرضت قيود صارمة على وسائل الإعلام الأجنبية ومنظمات حقوق الإنسان الدولية، وهو سبب آخر جعلها لا تحظى بالمزيد من التغطية. لكن حتى الأشقاء العرب قلَّما كانوا يعيرونها انتباههم، باستثناء الذكور الجزائريين والليبيين المتعطشين للعلاقات الجنسية، الذين كانوا يفرون من مجتمعاتهم الخانقة باللجوء إلى حياة اللهو الصاخبة التي تشهدها العاصمة التونسية ليلًا. لم تكن تونس موضع اهتمام الأمريكيين؛ أما البريطانيون فاقتصرت معرفتهم بها على أنها مكان قريب وميسور التكلفة لقضاء العطلات. وهكذا فإنه بعد اندلاع الثورة، لم يكن قد سبق لمعظم صحفيي الغرب أن يحظوا بفرصة أو سبب لزيارة تونس، لكن قبل أن يتعرف هؤلاء الصحفيون عن قرب على مظاهر تفرُّدها، اضطروا إلى الإسراع إلى مصر لتغطية أحداث الثورة التي اندلعت هناك في أعقاب الثورة التونسية.

القدر الأكبر من تغطية عزل بن عليٍّ المفعمة بالإثارة شوَّه عمدًا تاريخ تونس الحديث؛ وذلك عندما صوَّرت النظام الحاكم ندًّا للأنظمة الديكتاتورية العربية القمعية الأخرى، وهو تصوير أبعد ما يكون عن الحقيقة. أسفرت الجهالة أيضًا عن التأييد الفوري للانتفاضة التونسية باعتبارها تعطشًا للديمقراطية، سواء داخل الدولة أو في مختلف أرجاء المنطقة. عُقدت المقارنات المستمرة بين الثورة وسقوط «سور برلين» وانتهاء الشيوعية. قيل لنا إن التعددية وقبول الآخر وحرية التعبير سوف تزدهر أخيرًا في هذا البلد الذي يبدو في ظاهره قمعيًّا وحشيًّا، وأنه سيحمل رياح التغيير إلى الشرق الأوسط كله.

عندما تتبلور فكرة كهذه لدى وسائل الإعلام الغربية، فإنها لا تألو جهدًا من أجل فرضها، ثم تحوِّلها إلى نبوءة متحققة. عندها نجد قلة من المحللين هم من يجازفون باستعداء قرائهم ومشاهديهم عندما يتبنون رأيًّا مخالفًا للرأي السائد. وقد شاهدت بنفسي عواقب ذلك بعد تنحي الطاغية المصري حسني مبارك في فبراير ٢٠١١، عندما ظهرت في محطة إخبارية أمريكية، لأني كنت قد ألفت كتابًا بعنوان «في قلب مصر: أرض الفراعنة على شفا الثورة» (٢٠٠٨) وتنبأت فيه باندلاع الثورة المصرية. أدهشَنا ذلك الحشد المليوني الذي تجمع للاحتفال في ميدان التحرير بالعاصمة. لكني عندما حذرت من وصول الإسلاميين إلى السلطة في المستقبل القريب، أُنهيَ اللقاء فجأة، وقال لي مقدِّم الحلقة إن هذه ليلة احتفال. لم يكن أحد يود سماع آرائي التشاؤمية، وهكذا وُجه لي الشكر، وصُرفت في عجالة.

لن يستفيد أحد من هذه النزعة العاطفية.

في حين واصل المحللون المعنيون بشئون الشرق الأوسط حكايتهم المبهجة عن الربيع العربي، تمكنتُ من نشر عدد من المقالات، حذرت فيها من أن هذه الموجة العاتية من الحراك التونسي ستخلِّف في أعقابها واقعًا كارثيًّا جديدًا.1 تونس نفسها ستقع في قبضة الإسلاميين؛ ليس عن طريق الانتخابات وإنما بالترويع المشوب بالعنف على الأرض. وهذا يعني في رأيي نهاية عقود من السياسات الاجتماعية الحديثة والتقدمية لدى الشعب التونسي، فضلًا عن أنه سيكون إيذانًا بانتهاء المقاومة التي يلقاها الإسلام الوهابي المتطرف في الشرق الأوسط.

بالرغم من تاريخ تونس الطويل من الانعزالية، فإنها أصبحت فجأة دولة عربية ذات أهمية محورية، لكن لأسباب لا يرغب في الحديث عنها سوى قليلين. في رواية «١٩٨٤» لجورج أورويل، يلازم القمع السياسي حرية اجتماعية؛ فمسموح لأفراد الطبقة العاملة أن يحيوا حياة السكْر والجنس ما داموا لا يهددون الحزب الحاكم. وعلى منوال مشابه، سمح النظام التونسي العلماني بحريات لم يُسمع بمثلها في البلدان العربية الأخرى. كان النظام ينظر إلى هذا الأمر باعتباره مسألة مبدأ لا وسيلة نفعية. خضعت تونس لمنظومة بيروقراطية ناطقة بالفرنسية وعلى درجة من الكفاءة؛ حكمها نظام اعتنق العلمانية بشغف وكرِه الإسلام السياسي. كانت تونس دولة مسلمة متسلِّطة، الإجهاض فيها مباح قانونًا، والثقافة الجنسية تدرَّس في المدارس، والحجاب محظور في المؤسسات الحكومية (ويلاقي عنتًا شديدًا في الأماكن الأخرى).

منذ أن حصلت تونس على الاستقلال عام ١٩٥٦ وهي راعية حقوق المرأة بلا منازع في العالم الإسلامي؛ إذ منعت تعدد الزوجات طوال عقود. والجيش التونسي هو الوحيد في الشرق الأوسط الذي لم يكن له دور في الحياة السياسية، أما المنظومة التعليمية فكانت تحظى بميزانية تفوق ميزانية الدفاع. وعندما اندلعت الثورة كان النظام التعليمي التونسي في مصاف الأنظمة التعليمية العالمية محتلًّا المرتبة السابعة عشرة دوليًّا من حيث الجودة بوجه عام، والمرتبة السابعة في الرياضيات والعلوم.2

لم يكن النظام التونسي الحاكم مدفوعًا بالرغبة في إخضاع الشعب أخلاقيًّا، وهو ما يحرك الإسلاميين، بل لم يكن يحركه شيء سوى رغبة البقاء في السلطة. وقد حقق ذلك؛ ليس عن طريق القمع الوحشي مثلما يظن العالم، وإنما عن طريق رفع مستويات المعيشة بين أفراد الطبقة المتوسطة بدرجة هائلة. فمقابل التعهد بالإنفاق الكبير على مستقبلهم، طالبهم النظام التونسي الحاكم بالرضوخ السياسي. نالت الحريات والتنمية الشخصية قدرهما من التشجيع أيضًا، وفصلت خطوط حمراء واضحة بين التعبير السياسي والديني. الحجة التاريخية التي تبناها النظام الحاكم هي أنه في ظل الفوضى والتذبذب التي تشهدها المجتمعات المستقلة حديثًا، يكون الاستقرار لازمًا من أجل تحقيق التقدم. انهار هذا العَقْد الاجتماعي — القائم بوجه عام على نموذج الحوكمة السنغافوري — مثلما سيتضح في الفصل الأول من الكتاب، بسبب حالة الركود الاقتصادي الشديد، وثبوت تفشي الفساد بين عائلة بن عليٍّ، وليس بسبب غياب الديمقراطية.

وبسبب ليبرالية تونس المتغلغلة والمدعومة من الدولة، فإنها طالما نالت نصيبها من ازدراء الإسلاميين بوصفها مستنقعًا من التبعية للغرب. ولهذا السبب — وعلى مدار عقدين من زياراتي الممتدة المتكررة — ازداد تعلقي بهذا البلد، ولم أحمل سوى مشاعر الكراهية للتطرف الإسلامي تحت أي مذهب كان. كانت أولى رحلاتي إلى تونس أثناء عطلة جامعية في أوائل التسعينيات من القرن العشرين، عندما كان النظام الحاكم يشرع في حبس أو نفي الأقلية من الإسلاميين. وُجِّهَت إليهم تهم التخطيط لشن هجمات عنف على المؤسسات الحكومية والأجانب، أو التآمر لقلب نظام الدولة العلماني وفرض الشريعة الإسلامية المتشددة. والواقع أن تونس قد شهدت عددًا من الهجمات الإرهابية في الفترة التي سبقت القبض عليهم، مع أنه لا توجد معلومات قاطعة بشأن ما إذا كانت السلطات قد قبضت على المتهمين الحقيقيين أم لا. لكن لاحِظ أنهم تعرضوا إما للنفي أو السجن، وأنهم لم «يختفوا». وعلى عكس جميع دول المنطقة الأخرى، فإنه لا يوجد دليل قاطع على أن النظام التونسي الحاكم قد اغتال أيًّا من خصومه السياسيين. الواقع أن تولي بن علي مقاليد الحكم عام ١٩٨٧ يرجع في المقام الأول إلى مقته لقرار اتخذه الرئيس الحبيب بورقيبة بإعدام مجموعة من الإرهابيين الإسلاميين المزعومين على الرغم من كراهية بن عليٍّ لكل ما ينادي به الإسلاميون. وفي النهاية لم يُنَفَّذ حكم الإعدام بحق هؤلاء الإرهابيين المزعومين.

وقبل أن يستقل بن علي الطائرة المتجهة به إلى منفاه الدائم — والمفارقة أن الطائرة هبطت به في المملكة العربية السعودية معقل الإسلام الوهابي — كان الدهماء الإسلاميون في تونس يخططون للصعود بلا هوادة.

وتحت شعار الديمقراطية، أطلقت الحكومة المؤقتة التي شُكلت عقب قيام الثورة سراح الكثيرين منهم ودعت الآخرين إلى العودة من منفاهم. ولما نالوا حريتهم، شرعوا يفرضون أعرافًا اجتماعية دينية أكثر تشددًا. ففي ظل حالة الفوضى التي شهدتها تونس بعد الثورة، كانت شرطة الأخلاق الإسلامية تجوب الشوارع خلسة بحثًا عن مرتدِّين، وتقرِّع النساء السافرات لعدم التزامهن الحشمة. لم تعلن أي مؤسسة رسمية مسئوليتها عن تلك الأحداث؛ كل ما في الأمر أن مجموعة من الشباب قد أخذوا على عاتقهم مهمة تحويل المجتمع من قاعدته إلى مجتمع راديكالي، وبحماسة شديدة جعلتهم يبدون وكأنهم كانوا ينتظرون هذه الفرصة طوال حياتهم. طالب هؤلاء جميع النساء بارتداء الحجاب، وفجَّروا البيوت ذات السمعة السيئة. وفي وضح النهار ضربوا فنانًا ليبراليًّا بآلة حادة على رأسه، ثم هتفوا أن تونس صارت الآن دولة إسلامية.

كان الإسلاميون يتصدرون المشهد بوتيرة أسرع مما توقعت، وكان هذا محزنًا.

•••

أُشيدَ بالثورتين التونسية والمصرية كنموذجين تحتذي بهما باقي دول العالم العربي. مع ذلك لا ينبغي الحكم على كلتا الثورتين بالنوايا التي أدت إلى قيامهما، وإنما بالنتائج التي أسفرت عنهما. وسوف نعرف الكثير من المعلومات عن التجربتين التونسية والمصرية بعد الثورة في الفصول الأولى من الكتاب.

سرعان ما تحول اهتمام العالم إلى المسرح التالي للأحداث التي كانت تتحرك بوتيرة سريعة غير عادية. انحسرت الأضواء عن تونس. كذلك، لم ينل صعود الإسلام السياسي المتطرف في مصر قدره من الانتباه في ظل التغطية التي كانت تتلقاها تلك الدولة، والتي كانت تتضاءل يومًا بعد يوم. غير أنه كان هناك ثابت واحد هو الثناء على عبارة «الربيع العربي»، وكأننا نشهد قفزة مؤكَّدة للأمام في الدول العربية. قيل لنا إن ثقافاتهم قد توحدت أخيرًا، وإنها تتحرك إلى الأمام تحت مسمى تحقيق الديمقراطية.

لم يكن ذلك إلا تضليلًا للنفس تمامًا كتأييد النخبة في الغرب لنظرية فرانسيس فوكوياما في أوائل التسعينيات من القرن العشرين التي تحدث فيها عن نهاية التاريخ عقب سقوط «سور برلين».

والآن يزعم كبار المعلقين والسياسيين الغربيين بالمثل أن الشعوب العربية المضطهدة تنتفض ضد الطغيان؛ لأنها تتوق إلى القيم الليبرالية الغربية؛ حيث قبولُ الآخر والحكومات الممثلة للشعب. وهم يصرون على أن طابعًا إنسانيًّا مشتركًا يتضح في تأييدهم الجمعي لحقوق الإنسان وحرية التعبير المعروفة في الغرب. ما من عاقل يود أن يُقبض عليه ويتعرض للتعذيب لأنه عبَّر عن رأيه، سواء في الرياض أو في أوستن بتكساس. مع هذا فإن الشعوب المختلفة ذات الثقافات والديانات واللغات المختلفة لا تترجم بالضرورة رغبتها في الحياة الكريمة إلى حبٍّ للنظام البرلماني البريطاني أو المذهب الفردي الأمريكي. والقول بغير ذلك — مثلما يفعل الكثير من المعلقين البعيدين عن أرض الواقع — هو محض بساطة وسطحية.

بثَّت الشعارات التي كُتبت بالإنجليزية على اللافتات التي رفعها المتظاهرون الأمل في نفوس أهل الغرب، وكذا فعل بعض الثوار القريبين من الثقافة الغربية الذين نشروا تغريداتهم بالإنجليزية على «تويتر». تهافتت البرامج التليفزيونية الغربية على المتظاهرين الذين يتحدثون الإنجليزية؛ إذ تفتقر معظم هذه البرامج إلى المترجمين، فضلًا عن إدراك أطقم العمل بها نفور المنتجين من الاستعانة بالترجمة المكتوبة. لكن اللافتات والتغريدات والتعليقات الصوتية التي أدلت بها النخبة لم تكن تعبر عن صوت الشعب. فالجموع العربية لم يكن همها الرئيسي انعدام الحرية السياسية، وإنما انعدام الوظائف. لم يكن للتوق إلى الديمقراطية إلا وقع ضئيل حتى في تونس ومصر، وهما الدولتان الوحيدتان اللتان نجحتا — حتى كتابة هذه السطور — في الإطاحة بحاكميها الديكتاتوريين دون الحاجة إلى تدخل عسكري غربي.

حَظِيَ الحبيب بورقيبة — الذي حكم تونس بقبضة حديدية في الفترة ما بين عامي ١٩٥٦ و١٩٨٧ — ولا يزال يحظى بحب الشعب التونسي على الرغم من استبداده. ففي الوقت الذي تعرضت فيه معظم الأماكن التي يملكها بن عليٍّ للسلب والنهب أثناء الثورة، فإن نصبًا تذكاريًّا لبورقيبة في مسقط رأسه — مدينة «المُنستير» — الذي شهد أعمال سلب وتخريب واسعة النطاق لم يُمسَّ بسوء. وبعد بضعة أشهر كان التونسيون يحتفلون متفاخرين بالعطلة الرسمية المحتفى بها على شرف بورقيبة، سعداء أن صار بإمكانهم الإشادة به بعدما لم يعد الحدث خاضعًا للرقابة المشددة، مثلما كان في عهد بن عليٍّ (الذي لم يعد يملك سوى نجم وحيد في السماء حسبما ذكرت لجنة تقصي الحقائق المكلفة بحصر أمواله غير المشروعة، وذلك بعد عثورها على وثيقة تثبت أنه اشترى هذا النجم من المعهد الروسي للفضاء.) وعندما نظم الإسلاميون — الذين اضطهدهم بورقيبة — تجمعًا حاشدًا في مسقط رأس بورقيبة ودبت فيه الفوضى، حتى هم أنفسهم لم يجدوا سبيلًا لتهدئة الحشود العدوانية سوى الإفراط في الثناء على أول زعيم للبلاد بعد الاستقلال.3 بعد هروب بن عليٍّ، وفي محاولة لاحتواء غضب الشباب الثائر الذي كان يتظاهر في الشوارع احتجاجًا على استمرار بقايا النظام القديم في السلطة، استُدعي الباجي قائد السبسي الذي جاوز الثمانين من العمر من تقاعده وعُيِّن رئيس وزراء مؤقت. ويحق للمرء أن يظن أن الثوار سيعارضون فردًا من النظام القديم. لكن كلا؛ فقد ترك معظمهم الشوارع. كان للسبسي باع طويل من العمل في حكومة بورقيبة. فاز السبسي بثقة الجميع تقريبًا مثلما قد يفعل أي شخص في ظروف مشابهة.
قمع الرئيس المصري جمال عبد الناصر — الذي اعتلى السلطة إثر انقلاب أطاح بالملكية المدعومة من جانب بريطانيا عام ١٩٥٢ — هو الآخر حرية التعبير، وحظر المعارضة السياسية، ولم يسمح قط بإجراء انتخابات حرة طوال العقدين اللذين حكم فيهما. لكن الجماهير كانت ترفع صورته عاليًا أثناء الثورة المصرية عام ٢٠١١، ويصعب أن تجد مصريًّا عاديًّا يقول كلمة سيئة في حقه. كشف استطلاع رأي مهم بعد الثورة المصرية أن ١٩ بالمائة فقط ممن شاركوا في استطلاع الرأي — حتى بين الثوار أنفسهم — قالوا إن الرغبة في تحقيق الديمقراطية كانت سببًا رئيسيًّا في الإطاحة بمبارك. في المقابل أشار نحو ٦٥ بالمائة إلى تردي الأوضاع الاقتصادية.4

ما السبب في أن هذين الحاكمين المستبدين لا يزالان يحظيان بهذا التقدير؟

طرحتُ هذا السؤال على مر العقود عددًا لا يحصى من المرات في كلتا الدولتين. ودائمًا ما كان التونسيون والمصريون يقدمون التفسير نفسه. فكلا الزعيمين لم يكن فاسدًا شخصيًّا، بل إنهما احترما كرامة شعبيهما. وفي عهديهما لم يكن صعبًا على الشعب أن يجد قوت يومه. أما نزعاتهما الاستبدادية، فلم تكن ذات صلة. وبالمثل بدا أن سياساتهما الخارجية التي كانت على طرفي نقيض احتلت أهمية ضئيلة؛ فلطالما كان عبد الناصر مناهضًا رابط الجأش للاستعمار، ورفض بورقيبة الوحدة العربية التي دعا إليها عبد الناصر، وأقام علاقات وطيدة مع الغرب.

إنها لمفارقة إذن أن تكون تونس هي المحفز لاندلاع الثورة المصرية وغيرها من الثورات في العالم العربي. لا يكِنُّ التونسيون الكثير من الحب للمصريين تحديدًا. فلطالما قابلوا لهجتي المصرية المميزة بالفتور. فضلًا عن ذلك فالتونسيون الذين تحدثتُ معهم يعتبرون المصريين في الأغلب مخادعين ومرائين؛ بسبب إظهارهم المتفاخر للورع، وإن كان زائفًا في كثير من الأحيان. وفي المقابل، اعتبر المصريون منع الحجاب في تونس وأحياء الدعارة المرخصة؛ ضربًا من الجنون التام. وسرعان ما قوَّضت هذه الحقيقة كل الأحاديث عن مشاعر الحب بين الأشقاء العرب في كلتا الدولتين في أعقاب الربيع العربي. فبعد اندلاع الثورتين التونسية والمصرية ببضعة أشهر، تقابل فريقان من البلدين في مباراة كرة قدم في القاهرة، وعقب قرار خلافي أصدره حكم المباراة، ثارت ثائرة الجمهور المصري، واقتحم أرض الملعب، واعتدى على اللاعبين التونسيين.5 تصادف أني كنت في تونس في تلك الليلة، ولم يكن من اليسير أن أطلب فنجانًا من القهوة بلهجتي المصرية.

لذا فإن فكرة أن الثورات العربية تمثل إحياءً لحلم الوحدة العربية الذي كان يراود جمال عبد الناصر — كحال الكثير من النظريات التي يروج لها خبراء الشرق الأوسط — هو محض تمنٍّ لا أكثر.

الواقع أني صُعقت — أثناء رحلاتي ما بين تونس ومصر بعد قيام الثورتين — من ازدراء رجل الشارع في كلتا الدولتين للشعب الليبي وقت أن كانت ليبيا تنزلق إلى حرب أهلية. لدى المصريين انطباع خاطئ بأن جميع الليبيين — مثلما يعتقدون بشأن جميع السعوديين — يتمتعون بالثراء الفاحش، ولذا فإنهم لم يفهموا على الإطلاق سبب ثورتهم. أما التونسيون فدائمًا ما كانوا يزدرون الليبيين لدرجة بدا معها جفاؤهم تجاه المصريين وكأنه شغف مكبوت. فالتونسيون يعتبرون الليبيين بدوًا حمقى، وسرعان ما شنُّوا هجومًا عنيفًا على مخيمات اللاجئين التي أقيمت لهم جنوب تونس.6

•••

إنه لخطأ فادح أن ننظر إلى ثورات الشرق الأوسط من الجانب المشرق للوحدة العربية أو المُثُل الغربية. والخطأ الأكبر أن نظن أن الديمقراطية — حتى في الحالات التي تنتصر فيها في النهاية — ستكون عدوًّا للإسلام السياسي. فعندما تظهر الديمقراطية في العالم العربي، يكون الإسلاميون أول من يخرجون من مكمنهم.

يُكنُّ غالبية المسلمين ازدراءً للإسلاميين المتطرفين، وهو ما أشار إليه مراقبو المنطقة كثيرًا. لكن هؤلاء المراقبين لم يلتفتوا إلى نقطة مهمة؛ أن ما بين ٢٠ و٤٠ بالمائة فقط من إجمالي السكان في الدول العربية يدلون بأصواتهم في الانتخابات المحلية والقومية، وهو ما يبدو نمطًا مستمرًّا. في أول اقتراع حرٍّ في مصر في مارس ٢٠١١ — من أجل الاستفتاء على دستور جديد — لم يذهب سوى ٤١ بالمائة فقط ممن لهم حق التصويت إلى صناديق الاقتراع. وفي تونس عندما أوشك الموعد الأولي لتسجيل الناخبين في القوائم الانتخابية على الانتهاء في أواخر يوليو ٢٠١١، كان ١٦ بالمائة فقط ممن لهم حق التصويت هم من كلفوا أنفسهم عناء تسجيل أسمائهم.7
إذا وضعنا ذلك في الاعتبار، فسنجد أنه ليس مستحيلًا على الإسلاميين مطلقًا أن يضمنوا تأييد أغلبية من الأقلية. والسبب بسيط؛ فمؤيدوهم هم الأكثر تعصبًا، ومن ثم فإنهم يخرجون بأعداد كبيرة من أجل التصويت. ولطالما كان الإسلاميون أكثر نجاحًا في دفع مؤيديهم إلى الذهاب للتصويت. في تونس مُدِّد الموعد الأولي الذي كان قد حُدد للانتهاء من تسجيل الناخبين نحو أسبوعين. عندها شن الإسلاميون حملة استقطاب تركزت على التجمع للصلاة ليلًا في المساجد في شهر رمضان. وبفضل حججهم المقنِعة بين قاعدتهم الانتخابية وفي المناطق التي يسكنونها، زادت النسبة النهائية لتسجيل الناخبين إلى نحو ٥٠ بالمائة ممن لهم حق التصويت8 ولا شك أن نسبة الإقبال على الانتخابات المستقبلية في تونس لن تكون ١٠٠ بالمائة. وفي أكتوبر ٢٠١١ في أول انتخابات حرة نزيهة تشهدها البلاد لانتخاب المجلس التأسيسي المنوط بوضع دستور جديد، أدلى نصف من لهم الحق في التصويت فقط بأصواتهم، وفاز الإسلاميون.

دائمًا ما كان يذكر منظمو استطلاعات الرأي أن نحو ٣٠ بالمائة من الشعب يؤيدون الإسلاميين في تونس ومصر قبل اندلاع الثورتين، وهي نسبة بدت لي أقل من الواقع. لكن بالنظر إلى الأرقام الخاصة بالانتخابات، فإنها لا تزال نسبة صادمة. إذا كانت نسبة الإقبال على صناديق الاقتراع ٥٠ أو حتى ٦٠ بالمائة، وأدلى معظم الإسلاميين بأصواتهم، فمعنى ذلك أنهم سيحصلون على نصف المقاعد على الأقل في البرلمان. وفي كلتا الدولتين ووفقًا للنظم المعمول بها حتى كتابة هذه السطور، فهذا سيكون كافيًا لنيل حق نقض القوانين واستحداث قوانين أخرى.

وببساطة فإن الإسلاميين لا يحتاجون تأييد أغلبية الشعب للفوز في الانتخابات. فكل ما يحتاجون إليه أغلبية من بين الأقلية التي تدلي بأصواتها. مع ذلك فإنهم في تونس ومصر يمارسون لعبة حذقة بالترشح لنصف المقاعد المتاحة فقط من أجل تهدئة المخاوف من استيلائهم الفوري على السلطة. فما يعنيهم هو المدى الطويل. الانتخابات شر لا بد منه، لكنها مفيدة في الوقت نفسه إذ توفر غطاءً لإحداث تغيير جذري أعمق وبخطى أسرع على أرض الواقع. يمكن الاعتماد على وسائل الإعلام الغربية في الحديث عن المواقف «المعتدلة» التي يتبناها قادة الجماعات الإسلامية، وفي التأكيد على أن افتقارهم للأغلبية الواضحة هو دليل على إخفاقهم في اختطاف الثورات، لكن الحقيقة أن الإسلاميين تعمدوا الحصول على أقلية من المقاعد، وأن خطبهم المؤيدة للديمقراطية تخفي وراءها واقعًا أكثر قتامة. وبمرور الوقت عندما يتخذون قرارًا بالترشح على جميع المقاعد المتاحة، ستكون غايتهم الحصول على أغلبية من الأقلية، شأنهم في ذلك شأن كل الأحزاب في الأنظمة الديمقراطية التي تتبع نظام الفوز بأعلى نسبة أصوات، سواء تدخَّل التطرف الإسلامي في ذلك أم لا.

ولنضرب مثلًا ببريطانيا؛ أقدم نظام ديمقراطي غربي:

انتُخب ديفيد كاميرون — رئيس وزراء بريطانيا أثناء الربيع العربي — في عام ٢٠١٠ بنسبة ٣٦ بالمائة من إجمالي الأصوات. حتى هذه النسبة لم تكن تعبر عمن يؤيدونه من إجمالي الشعب؛ لأن ٦٥ بالمائة فقط ممن لهم حق التصويت في بريطانيا هم من أدلوا بأصواتهم. وهناك ملايين من البريطانيين غير مسجلين في القوائم الانتخابية، وكثيرون أيضًا ليس لهم الحق في الإدلاء بأصواتهم (كالسجناء على سبيل المثال). وهكذا فإن كاميرون الذي انشغل بالترويج للديمقراطية في الشرق الأوسط، بوصفها الحل الشامل لمشكلاته وصراعاته التي لا حصر لها؛ هو نفسه لم يحظَ إلا بدعم ١٥ بالمائة من البريطانيين الذين تخوِّل لهم أعمارهم حق التصويت.

•••

لكن أيًّا كانت النظرية التي تدور حول نتائج إرساء الديمقراطية في العالم العربي الجديد، فإن التاريخ قبل اندلاع الثورات واضح وضوح النهار. فأينما طبِّقت الديمقراطية — ولو منقوصة — كان الإسلاميون هم المستفيدون.

وصلت الديمقراطية إلى المغرب، فزاد حزب «العدالة والتنمية» الأصولي من مقاعده في كل انتخابات أجريت؛ إنها مسألة وقت فحسب قبل أن يشكل الحزب أغلبية في البرلمان. ووصلت الديمقراطية غزة، فوصلت معها الجماعة الإسلامية المتشددة «حماس» إلى السلطة. أما في البحرين وفي أعقاب الإصلاحات الديمقراطية التي شهدتها البلاد قبل عقد من ظهور الربيع العربي، فاستولت جماعة غالبيتها من السنة، كانت تستميت من أجل حظر الكحول، على غالبية مقاعد المجلس الوطني (مع أن ٦٠ بالمائة من سكان البحرين من الشيعة، ومع أن البحرين واحدة من أكثر الدول العربية ليبرالية على مر التاريخ). الأمر نفسه ينطبق على اليمن؛ فالمعارضة الرئيسية للحزب الحاكم في البرلمان تأتي من حركة «الإصلاح» الإسلامية. ويسيطر حزب المقاومة الشيعي «حزب الله» على غالبية المقاعد في البرلمان اللبناني. أما في مصر، فحُظرت جماعة الإخوان المسلمين رسميًّا في عهد الديكتاتور حسني مبارك الذي استمر ثلاثين عامًا، في حين أنها حصلت عام ٢٠٠٥ على ربع مقاعد البرلمان بمرشحيها بصفتهم مستقلين.

يوضح هذا الكتاب السبب في أن الربيع العربي قد زاد من وتيرة ذلك الاتجاه الإسلامي الرجعي، بدلًا من الوصول بالمنطقة إلى الليبرالية والتعددية.

العرب ليسوا بالطبع عاجزين وراثيًّا أو ثقافيًّا عن تطبيق الديمقراطية التمثيلية. وإنما سيكون السبب وراء فوز الإسلاميين هو ضربة حظ فرضتها الظروف. فباستثناء تونس وسوريا، احتضنت الأنظمة العلمانية في شتى أنحاء الشرق الأوسط — منذ الثمانينيات من القرن العشرين — الجماعات السياسية الإسلامية، كوسيلة لتشتيت الغضب الشعبي إزاء تحالف هذه الأنظمة الوطيد مع الغرب الذي حمَّلته الشعوب بدوره مسئولية استمرار تلك الأنظمة في الحكم عن طريق دعمها عسكريًّا وسياسيًّا. وقد أسفر احتضان الجماعات الإسلامية، التي لا تتبنى العنف على هذا النحو، عن تهميش الرموز الليبرالية التي كانت تتعرض للتهديد من المتشددين الإسلاميين، والاضطهاد من الأنظمة الحاكمة في آن واحد. استفاد الإسلاميون؛ لأن غايتهم تتلخص في أسلمة المجتمع من قاعدته، وليس الإطاحة بالنظام القائم. أما استفادة الأنظمة الحاكمة فكانت في استطاعتها — فضلًا عن تهميش القوى الليبرالية المنادية بالديمقراطية — استخدام صعود الإسلاميين فزَّاعة في وجه الغرب برفع شعار «إما نحن أو الإسلاميون»، وهو ما منع واشنطن من المجاهرة بمطالب الإسراع من وتيرة الإصلاحات.

ما لم يتوقعه أحد هو قيام موجة من الحراك الثوري في وقت كان فيه الليبراليون خائفين ومضطهَدين وبلا شعبية، حتى إنهم لم يحظوا بفرصة سد الفراغ الناتج. أما الإسلاميون فكانوا منظَّمي الصفوف، ومع أنه لم يُتوقع منهم قط التحريض على القيام بثورة، فلا شك أنهم كانوا يتوقون لاستغلال العواقب. فعندما أخفقت ثورتا تونس ومصر في الإطاحة بالنظام القديم — وحققتا بدلًا من ذلك انتصارات جزئية باهظة التكلفة تمثلت في الإطاحة برأسي الدولتين — ازداد هذا التحالف القديم بين الحرس القديم المناوئ للتغيير وبين الإسلاميين توطدًا، في الوقت الذي ازداد فيه تعرض الليبراليين لمزيد من التهميش. وقد ساد هذا النمط جميع ثورات الربيع العربي. فبعد انكشاف النقاب عن الصراعات القبلية والطائفية، وبعد اتخاذ أمريكا قرارًا بمساندة الثورة المضادة التي تقودها السعودية من أجل الإبقاء على الوضع الراهن، فإن أي موقف يدعم الحرية والتعددية كان يهتز تحت ضغط القوى الأكثر رجعية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠