الفصل الثاني

مستقبل مصر الإسلامي

وصلتُ الأقصر — أهم المدن السياحية المصرية في جنوب البلاد — في مايو عام ٢٠١١. قبل هذا الوقت بثلاثة أشهر، كانت إحدى أكثر الثورات شعبية في التاريخ قد انتهت بتنحية طاغية البلاد اللعين حسني مبارك بعد ثلاثة عقود من حكمه الذي كان يزداد قمعًا وفوضوية. منذ زيارتي الأولى إلى الأقصر في مطلع التسعينيات من القرن العشرين، وأنا أتهيب رحلات العودة إليها، التي اعتدت القيام بها بالرغم من ذلك مرة أو مرتين كل عام؛ من أجل زيارة أسرة لطيفة المعشر تجمعني بأفرادها علاقة صداقة.

تتميز المدينة بمواقعها الأثرية الفرعونية التي يمكن زيارتها في يوم أو يومين، وهي المدة التي يقضيها معظم الأجانب، قبل أن ينطلقوا إلى القاهرة في الجولة التالية من رحلاتهم الجماعية المنسَّقة سلفًا. ينظر المسافرون الذين يعرفون الواقع المأساوي الكامن وراء ظلال هذه الآثار إلى زيارة المدينة على أنها تجربة تقبض النفوس. فإلى جانب المضايقات الدائمة التي لا بد أن يتعرض لها السياح من الجموع المتخصصة في مطاردتهم، تَسبب الإهمال الحكومي والفقر المستوطن في لجوء معظم شباب المدينة إلى الدعارة بوصفها الأمل الوحيد لكسب لقمة العيش. في التسعينيات من القرن العشرين، أصبحت الأقصر مركزًا للدعارة في الشرق الأوسط. ففحول الرجال باعوا أنفسهم إلى كبار السن الأجانب (لا فرق بين ذكر وأنثى) الذين يتوافدون على المدينة طوال العام من أجل السياحة الجنسية المفتضَحة، وإن كان أهل البلاد لا يعترفون في الأغلب بوجودها.1 قُبض على محافظ الأقصر سمير فرج بعد الإطاحة بمبارك؛ بسبب تورطه في تهم فساد كبرى، شأنه في ذلك شأن العديد من المحافظين الآخرين من أقصى البلاد إلى أقصاها، لكنه قبل بضع سنوات كان قد أدلى بتصريح لإحدى الصحف الناطقة باللغة العربية عن أن ٣٠ بالمائة من شباب الأقصر قد تزوجوا عجائز أجنبيات، وأن هذا الزواج في معظم الحالات لم يكن سوى دعارة مقنَّعة؛2 إذ الدعارة محظورة قانونًا، والاعتراف بها علانية مدعاة للخزي لدى أهل البلاد المحافظين. كنت أنفر من العودة إلى الأقصر، لأنك حتى وإن كنت غربيًّا أعزب لا تبحث عن الداعرين في الشوارع، فأنت لا تزال هدفًا لتحرش فتيان المدينة ممن يودون ممارسة الجنس وأيضًا لمضايقات محترفي الاحتيال على السياح من أجل الحصول على المال. وبالطبع لا يعني ذلك أنك لن تتعرض لكلتا المجموعتين معًا.

والآن — وللمرة الأولى خلال ما يقرب من عقدين من الزمان — أصبحت أتطلع إلى زيارة الأقصر. قلت لنفسي من المؤكد أن المدينة لن تكون أسوأ حالًا من العاصمة القاهرة؛ موطني أغلب العقد السابق وأكبر مدينة في أفريقيا؛ حيث يكافح نحو ٢٠ مليون نسمة من الفقراء غالبًا؛ من أجل الحصول على لقمة العيش. أثناء حكم مبارك، بدا من قبيل المعجزات أن سكان القاهرة تمكنوا من مواصلة الحياة يومًا بعد يوم. فالزحام المروري — مقرونًا برفض السائقين السافر اتباعَ أبسط قواعد المرور — جعل الانتقال من حي إلى آخر يستغرق أغلب اليوم. أما التلوث فكان يجعل أي شخص يرتدي ثيابًا بيضاء يندم على قراره لحظة خروجه إلى الشارع. المدينة مأهولة بالسكان حتى إنني — على مدار السنوات — كثيرًا ما كنت أتجول فيها في منتصف الليل؛ الوقت الوحيد الذي يمكنك أن تنعم فيه بالهدوء برهة. مع ذلك كانت المدينة آمنة إلى حدٍّ يستطيع معه أي شخص فعل ذلك. الحقيقة أنه كان بوسع المرء أن يسير أينما شاء ووقتما شاء دون الخوف من الوقوع ضحية ولو لجريمة انتهازية صغيرة.

لكن بعد قيام الثورة، انسحبت الشرطة من الشوارع. وكالمتوقع تفاقمت معدلات الجريمة، فضلًا عن سلوك السائقين الذي ازداد جنونًا، والسبب في ذلك حالات الهروب الجماعي من السجون أثناء الثورة من جانب، فضلًا عن كونها سياسة متعمَّدة من جانب النظام الحاكم في آخر أيامه؛ لإثارة الفوضى كوسيلة للتحذير من فراغ السلطة الذي سيصاحب سقوطه. كان للشرطة نفسها أجندتها التخريبية؛ فقد هاجمهم الثوار بسبب ما كانوا يشتهرون به من ضرب المشتبه بهم وتعذيبهم. والآن هم يرفضون ترك مراكز الشرطة، حتى عند الإبلاغ عن وقوع جرائم خطيرة، كي يلقنوا الشعب المصري درسًا قاسيًا عن حكمة الخضوع للسلطة الحاكمة.3
ولأنني عشت حينًا في شبرا — وهو حي كبير يضم أبناء الطبقة العاملة في شمال القاهرة — كنت أتحرق شوقًا لزيارة جيراني القدامى هناك؛ لأسأل عن تجربتهم مع الثورة. وصلت في وقت متأخر بعد الظهيرة، وسرعان ما اتخذ الحوار منحًى، أدركت معه أنه من الأفضل لي مغادرة المكان قبل حلول الظلام. قالوا إن أحدًا لا يجرؤ على الخروج بعد غروب الشمس. في الماضي، كانت أسرة واحدة على الأقل ستعرض عليَّ قضاء الليل لديها. منعتهم دماثة خلقهم من الإقرار بالأمر، لكني أظن أن رهاب الأجانب المطلق — الذي حرَّض عليه النظام العسكري المؤقت الجديد، وأجَّجه الإسلاميون كوسيلة لتشتيت الانتباه عن المشكلات الاقتصادية والاجتماعية الملحَّة والمتعذر حلها — جعلهم ينأون عن الارتباط بأي أجنبي بعد الآن، حتى وإن كان معروفًا جيدًا في الحي بتأليف كتاب ينتقد فيه نظام مبارك. اعتادت لجان الحماية الشعبية «القبض» على أي أجنبي يلتقونه وتسليمه إلى الجيش من أجل التحقيق معه بوصفه جاسوسًا محتملًا.4 لم تسلم المدن الأخرى في مصر من الجريمة أيضًا؛ فالوضع الأمني في الإسكندرية — ثاني أكبر مدن البلاد والواقعة على ساحل البحر المتوسط — بعد الثورة كان أكثر تردِّيًا منه في القاهرة. شاعت حوادث الاختطاف بغرض ابتزاز المال من الأسر الثرية؛ حتى إن الأهالي كانوا يصطحبون أطفالهم إلى المدارس في مجموعات يحرسها الآباء المسلحون، وكان الرجال يحملون السلاح جهارًا لحماية أنفسهم من قطاع الطرق.5 وفي السويس — كبرى مدن قناة السويس — انتشرت حوادث السرقة بالإكراه، والاغتصاب، والقتل حتى إن الخروج لشراء مستلزمات المعيشة أصبح عملًا محفوفًا بالمخاطر، خصوصًا إذا كان يعني ترك أسرة من الإناث وحدهن في المنزل.6

وكما طمأنتني سلفًا الأسرة التي كنت أزورها في الأقصر، فإن الثورة تركت المدينة السياحية في حال أفضل كثيرًا. ذاك أمر لا يخلو من المفارقة؛ إذ إن نحو ٩٠ بالمائة من السكان يعتمدون على السياحة التي توقفت فجأة. غالبًا كنت الأجنبي الوحيد الذي يجوب الشوارع المتربة الحارة، لكن الأهالي عُوِّضوا خيرًا عن انخفاض أعداد الزبائن؛ إذ انخفض معه عدد رجال الشرطة كثيرًا. هنا اتسم رجال الشرطة بالوحشية والتعسف لأقصى درجة في تعاملهم مع المواطنين، من أجل ضمان تحقيق الأمن لملايين السياح الذين يمرون بالمدينة. أثناء الثورة هاجم رجال القبائل المحليون المسلحون جميع مراكز الشرطة وأضرموا النيران في عدد كبير منها.

وككل الأماكن الأخرى في صعيد مصر، وعلى عكس المدن الكبرى، أسفر المفهوم القَبَلي في الثقافة المحلية عن عودة الحياة سريعًا إلى طبيعتها في الأقصر، أو ربما — مثلما قيل لي مرارًا وتكرارًا — أفضل مما كان يبدو طبيعيًّا في السابق. في المجتمعات القبلية التقليدية الهادئة، تحتل السمعة أهمية تفوق أي شيء آخر. وأهمية الحفاظ على شرف الفرد والعائلة أسفر عن قلة عدد من حاولوا استغلال حالة الفوضى من أجل تحقيق مكاسب شخصية في صعيد مصر، فضلًا عن أنه لم تكن هناك صراعات قبلية متأصلة أو نزاعات على الأراضي تهدد باندلاع حرب أهلية.

الشعب المصري واحد من أكثر الشعوب وطنية وانتماءً في العالم؛ فهم مصريون أولًا وقبل كل شيء، وإحساسهم الراسخ بالاعتزاز القومي يتفوق في النهاية على ولاءاتهم القبلية الراسخة. لقد التفُّوا حول هدف مشترك واحد هو الإطاحة بمبارك. وفوق كل شيء ساد الأقصر شعور كبير بالارتياح؛ لأن الوجود في المكان غير المناسب في التوقيت غير المناسب لن يجر على صاحبه بعد الآن سيلًا من الركلات والصفعات من ضابط ضجِر يتلقى راتبًا زهيدًا ويتمتع بالحصانة.

خوف المواطنين الرئيسي في صعيد مصر كان من سرقة الماشية على أيدي السجناء الهاربين. ففي الليل يتبادل الرجال المسلحون ببنادق الصيد نوبات الحراسة ليطلقوا النيران في الهواء، كلما سمعوا نباح كلب يحذر من وجود غرباء. وفي الأقصر اختفى صغار المحتالين بدرجة كبيرة، وهو ما أرجعتُه إلى أن ترك المنزل أصبح غير جدير بالعناء في نظر هؤلاء بسبب اختفاء السياح الذين يطاردونهم، لكن أحد الأصدقاء القدامى عرض تفسيرًا آخر بدا لي على نفس الدرجة من الصحة. فقد قال إن محترفي مطاردة السياح دائمًا كانوا يلومون نظام مبارك على مصائبهم وسلوكهم المستهجن؛ فإذا كانت الحكومة صفيقة الوجه هكذا في نهب خيرات البلاد، فمن يلومنا على التناحر فيما بيننا من أجل فتات المائدة؟ والآن وبعد الإطاحة بالنظام، باتوا أكثر ميلًا إلى التحلي بالمسئولية في أفعالهم. قال إن السلوك المشين إهانة للمُثُل التي قامت عليها الثورة. كان مركز المدينة السياحي صغيرًا بما يكفي لأن يعرف الجميع بعضهم بعضًا؛ لذا كان يمكن لشعور بالرضا الجمعي أن يجد لنفسه موطئ قدم، على نحو لم يكن ممكنًا في المدن الكبرى مثل القاهرة والإسكندرية.

كان ثمة سبب ثانٍ وراء قيامي بتلك الرحلة، فضلًا عن زيارة الأسرة الأقصرية. فقديمًا في وسط القاهرة التقيت صديقًا من الأقلية المسيحية التي تشكل ما بين ١٠ و١٥ بالمائة من تعداد السكان المصريين. هؤلاء تخوفوا في الأغلب من قيام الثورة؛ لأنهم كانوا يخشون وصول جماعة الإخوان المسلمين إلى سدة الحكم على إثرها، لتسعى الجماعة بعدها إلى تحويل مصر إلى دولة إسلامية. المصريون بالِغو السخاء في الترحيب بالآخرين؛ حتى وإن كان أحدهم قد رآك بالأمس فقط، لسألك على الأرجح عن صحتك وأسرتك وعملك، وكأنكما صديقان لم تتحدثا معًا منذ زمن. أما صديقي المسيحي فقد تخلى عن هذه الشكليات، مع أننا لم نلتق منذ بضع سنوات. وما إن رآني في أحد شوارع وسط المدينة، حتى انطلق يتغنى ساخرًا بالشعارات الثورية التي ملأت ميدان التحرير، منادية بتحرير البلاد من الطغيان والقمع:
حريَّة! حريَّة!
سلفيَّة! سلفيَّة!

السلفية مصطلح شامل يستخدم لوصف الإسلاميين المتشددين، الذين يجتنبون الحداثة ويؤمنون بالعودة إلى بساطة الحياة، كما كانت عليه في أيام الإسلام الأولى، أو كما يُعتقد أنها كانت عليه. هناك اختلاف عملي طفيف بين معتقدات السلفيين ومعتقدات وهابيي المملكة السعودية، ومن السهل التعرف على أتباعهم، فهم ينزعون إلى ارتداء جلابيب بيضاء فضفاضة ويطيلون اللحى. مع أن الوهابية اجتاحت مصر (كغيرها من دول المنطقة) منذ سبعينيات القرن العشرين، فقد ظلت فكرة وجود مذهب سلفي طائفي غريبة على معظم المصريين. سعى الإخوان المسلمون — أكثر الفصائل الإسلامية شعبية في مصر — سعيًا حثيثًا من أجل الترويج لأجندة أكثر اعتدالًا نسبيًّا تعتنق — في ظاهرها على الأقل — كلًّا من الحداثة والديمقراطية. ولم يألُ نظام مبارك جهدًا في مجابهة المجموعات الإسلامية الأكثر تشددًا التي شنت تمردًا على الدولة في سبعينيات القرن العشرين، انتهت بالمذبحة التي وقعت عام ١٩٩٧، وراح ضحيتها عشرات السياح في الأقصر.

بعد سقوط مبارك، أخذت الجماعات الإسلامية تنتشر سريعًا في جميع أنحاء مصر. لم يدر أحد من أين جاءوا، لكن أُنحيَ عليهم باللائمة في سلسلة من الهجمات الشرسة على الأقباط وكنائسهم، وكذلك على أضرحة المسلمين الصوفيين، الذين يقدَّر عددهم بالملايين، والذين يعتبرهم السلفيون ملحدين؛ لأنهم يقدسون الأولياء.7 استحوذ السلفيون على تظاهرات حاشدة ضد محافظ مسيحي عُيِّن حديثًا في محافظة قنا، وسرعان ما ارتفعت الأعداد من بضعة آلاف إلى عشرات الآلاف. لوَّح الكثيرون بالعلم السعودي.8 وفي يوليو من عام ٢٠١١ نزلوا إلى ميدان التحرير بأعداد وصلت إلى مئات الآلاف في أكبر تظاهرة منذ اندلاع الثورة، وطالبوا بإعلان مصر دولة إسلامية تطبَّق فيها الشريعة الدينية على المنوال السعودي الصارم.9 وهكذا نقض السلفيون اتفاقًا كانوا قد عقدوه بعد الثورة مع القوى الليبرالية واليسارية والعلمانية التي تزعمت قيام الثورة.
بحلول ذلك الوقت، كانت جذوة الحماس الثوري بين عامة الشعب قد خبت. غالبًا كانت دعوات النشطاء المطالبين بالديمقراطية لاستمرار التظاهرات الحاشدة — اعتراضًا على ما وُصف بأنه انقلاب عسكري أدير بحنكة ليسفر عن سيطرة الجيش على إدارة شئون البلاد — لا تجتذب سوى بضعة آلاف من المتظاهرين. وكما هو الحال في تونس، لم يكن على هؤلاء المتظاهرين، الذين لا يزالون يسدون الشوارع اعتراضًا على رفض النظام القديم؛ تسليم السلطة الآن، مواجهة قوات مكافحة الشغب فحسب، بل أيضًا مواجهة الأهالي الغاضبين الذين كانوا يهاجمونهم بالقدر نفسه من الغضب.10 اعتبر معظم المصريين أن الثورة قد حققت هدفها بالإطاحة بمبارك، وأرادوا عودة الحياة إلى طبيعتها تحت إشراف المجلس العسكري، الذي يحظى بشعبية طاغية، والذي فضَّل أعضاؤه إرغام مبارك على التنحي عن إطلاق النار على الشعب المصري من أجل إبقائه على كرسي الحكم. كانت ذكرى الثورة لا تزال حاضرة للغاية في عقول أبناء الشعب المصري — الذي يشتهر بالصبر — حتى إنهم لا يزالون يأملون في أنها ستسفر عن مستقبل أكثر إشراقًا وازدهارًا وحرية. ففي أكتوبر ٢٠١١ وبعد ثمانية أشهر من الإطاحة بمبارك، كشف استطلاع رأي عن أن ٩٠ بالمائة من المصريين لا يزالون يثقون في القادة العسكريين الجدد، مع أنهم نكثوا عهدًا كانوا قد قطعوه على أنفسهم بتسليم السلطة إلى حاكم مدني في غضون ستة أشهر من توليهم الحكم.11

لم تكن مبادرة الإسلاميين بالتحرك في ظل الفوضى التي سادت مصر بعد تنحي مبارك مفاجأة لصديقي المسيحي. فمنذ سنوات — وبسبب فزعه من احتمال وصول الإسلاميين إلى سدة الحكم في مصر — وهو يتقدم سنويًّا للحصول على تأشيرة للهجرة إلى أمريكا. فمنذ وقت طويل وهو على يقين مثلي أن ثورة كبرى تلوح في الأفق، وأن العواقب ستكون وخيمة على ليبراليي البلاد وأقلياتها الدينية. وبينما كنا نتجاذب أطراف الحديث، ذكر أن «الجماعة الإسلامية» — الجماعة الإرهابية الإسلامية المسئولة عن ذبح عشرات السياح في الأقصر عام ١٩٩٧ — تخطط لتنظيم تجمُّع حاشد في المدينة ذاتها حيث وقعت المذبحة. وقد أوضح له هذا الأمر كيف أن جميع مخاوفه أصبحت تستحيل واقعًا بوتيرة تبعث على الفزع.

عندما وصلت إلى الأقصر بعد أسبوع أو نحو ذلك، كان هذا حديث الساعة. أعلن أعضاء الجماعة — الذين كانت تتعقبهم قوات الأمن التابعة لمبارك في السابق — عن التجمع الوشيك، وهم يجوبون الشوارع بمكبرات الصوت الضخمة المثبَّتة فوق سياراتهم، ويلقون بالمنشورات التي تعلن عن هذا التجمع من النوافذ. كنت في أحد المقاهي ذات ظهيرة عندما مرت مجموعة منهم. التقط نادل شابٌّ أحد المنشورات وأمسكه فوق رأسه معلنًا بصوت عال أن أحدًا يقول الحقيقة أخيرًا. همس الرجل الجالس إلى جواري في أذني متهكمًا: «هذا الحمار لا يستطيع حتى أن يقرأ ويكتب.»

أشرت إلى أن هذا يصب في مصلحة الإسلاميين؛ ففي بلد محافظ؛ حيث نصف السكان أميُّون، وحيث اللامبالاة التاريخية المتأصلة عندما يتعلق الأمر بأدق تفاصيل النقاش السياسي — تكون الغلبة للشعارات الدينية الزائفة والمصحوبة بتطمينات جسورة بأن الحقيقة ستحررك. قلت لرفيقي إنه إذا كان المتشددون يجدون قاعدة من المؤيدين في هذه المدينة — التي ربما تكون الأكثر تحررًا وترحيبًا بالأجانب في البلاد، والتي تعتمد اعتمادًا كاملًا على كونها كذلك من أجل الحفاظ على اقتصادها — فلا غرو إذن أنهم يحققون هذا التقدم الدرامي في أماكن أخرى.

في اليوم المقرر فيه انعقاد الحشد ذهبت إلى الميدان الرئيسي في الأقصر. احتشد آلاف الإسلاميين الملتحين ذوي الجلابيب البيضاء للاستماع إلى سلسلة محاضرات تلقيها قيادة «الجماعة الإسلامية». وقف بضعة جنود عند سور قريب يدخِّنون في شراهة. وفيما عدا هؤلاء، خلا المكان من أي وجود أمني؛ هذا في تجمع علني تنظمه جماعة لا تزال الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يصنفانها على أنها جماعة إرهابية. لكن اتضح أن هذا الحشد ما هو إلا خدعة دعائية؛ إذ عُقد أمام معبد الأقصر لدحض فكرة أن أفراد الجماعة متعصبون كارهون للأوثان. مع ذلك ففي سبتمبر ٢٠١١ قوبل طلب الجماعة بالتسجيل كحزب سياسي من أجل المنافسة في الانتخابات المقبلة برفض المجلس العسكري المؤقت، مع أنه منح في وقت سابق تصريحات كهذه لجماعة لإخوان المسلمين (تحت مسمًّى جديد هو: حزب الحرية والعدالة) ولجماعة من السلفيين الأقل تشددًا الذين أطلقوا على حزبهم اسم «حزب النور».12 كان لدى المجلس العسكري — الذي برر استمرار الحظر على أساس أن الدستور يحظر تأسيس أحزاب ذات مرجعية دينية واضحة — سبب للريبة؛ ففي المساء الذي تلا المحاضرة الرسمية في الأقصر، تجمع في المكان نفسه حشد أكبر ليشهدوا تحول أحد الأهالي المسيحيين إلى الإسلام. تناقلت الألسنة وقتها أن الرجل مخبول، وأنه تلقى وعدًا من السلفيين بالحصول على منزل وزوجة ووظيفة مقابل اعتناق الدين الحق. أماط الحدث البغيض اللثام عن كذب ما قيل في الأمسية السابقة التي هلَّل فيها السلفيون كلما أُشيدَ بالأقباط في حديث تلو الآخر عن أنهم رفاق مصريون، لهم نفس الحقوق، وأقلية لا بد من احترام دينها. وفي أكتوبر ٢٠١١ فازت «الجماعة الإسلامية» — التي لم يُرَ أحد من قادتها بالطبع مساء تحول المسيحي عن دينه — باستئناف في المحكمة العليا في مصر ضد تقدمها للتسجيل كحزب سياسي.13

حضور بضعة آلاف فحسب من الإسلاميين لكلا التجمعين، من بين إجمالي سكان الأقصر، الذين يبلغ تعدادهم نحو نصف مليون — قد يعطينا سببًا للأمل في أن قوتهم الجاذبة محدودة؛ مع أن النظر إلى ما حدث من منظور آخر — وهو احتشاد الكثيرين من أجل الاستماع إلى قادة جماعة نفذت هجومًا إرهابيًّا بغيضًا كهذا في وقت ليس ببعيد وعلى بعد بضعة أميال فحسب — يدق ناقوس الفزع.

ربما يكون الاحتفال بعطلة «شم النسيم» القومية في مصر سببًا آخر نستقي منه الأمل، حيث يحتفل المسلمون والمسيحيون على السواء بقدوم الربيع بأن يطلقوا العنان للسباحة في النيل يعقبها التنزُّه. كالمعتاد — وبعد فترة من احتشاد السلفيين في الأقصر — شارك الجميع في الاحتفالات عدا المتعصبين المتشددين. هذا النوع من تلاقي المناسبات هو ما يتيح لليبراليين القول إن الإسلاميين أقلية، وإن موروث مصر الطويل من التعددية وقبول الآخر والتنوع — ناهيك عن مزجها المثير بين موروثات الإسلام والمسيحية وما قبلهما — سيتغلب في النهاية على التهديد الذي يفرضه فكر إسلامي عقائدي غريب في الأساس.

صحيح تمامًا أن الإسلاميين هم الأقلية، لكننا نؤكد ثانية أن أتباع آية الله الخميني أثناء الثورة الإيرانية عام ١٩٧٩ كانوا كذلك أيضًا. وإلى يومنا الحاضر، لا تزال الأغلبية الإيرانية تحتفل هي الأخرى بعيد «نوروز» المنسوب لعصر ما قبل الإسلام، بالرغم من الجهود الحثيثة التي يبذلها الملالي لوضع حد لهذا الاحتفال. وفرت إيران الحماية للأقليات اليهودية والمسيحية وغيرها من الأقليات التي كانت موضع ترحيب علني من الخميني عندما عاد إلى البلاد. مع ذلك فالإيرانيون يحيون تحت مظلة نظام إسلامي متطرف منذ ثلاثة عقود، ولا يزال العدُّ مستمرًّا.

لا تناقض على الإطلاق إذن بين وجود أكثرية من السكان لا تعتنق الإسلام السياسي وبين خضوع تلك الأكثرية لحكم أقلية إسلامية متشددة. لا يحتاج الإسلاميون شيئًا سوى تنظيم أفضل لصفوفهم. وفي هذا الصدد، يمكن القول إن مصر عند اندلاع ثورتها كانت جاهزة لسيطرة الإسلاميين أكثر بكثير مما كانت عليه إيران في سبعينيات القرن الماضي.

•••

كادت ثورة مصر — على عكس ما حدث في تونس — تحظى بتأييد كافة طوائف الشعب. ولأني قضيت عقدًا من الزمان في مصر، وتحدثت مع المصريين الذين لن تراهم أبدًا في الكتيبات السياحية الفاخرة، فقد أدركت جيدًا المآسي التي تعانيها قطاعات عريضة من الشعب. فهذا زوج يعمل في وظيفتين ومع ذلك يجني أقل من ٦٠ دولارًا شهريًّا. وتلك زوجة تكافح من أجل إطعام أسرتها اللحمَ أكثر من مرة في الشهر الواحد، أما أبناؤها فيجتازون جميع اختباراتهم بتفوق ومع هذا يظلون أميين! فالاجتهاد لم يكن مفتاح النجاح في مصر أثناء عهد مبارك. كم كان الفساد مستشريًا وكان العجز في تمويل المنظومة التعليمية كبيرًا! حتى إن درجة النجاح كانت تُشترى بعلبة سجائر وحفنة من الجنيهات، يضعها تحت الطاولة ربُّ أسرة وصل به الإنهاك — أو الخوف — حدًّا يمنعه من الوقوف في وجه المنظومة الفاسدة.

كاد الشعور بالخوف والحنق المكبوت يصبح وضعًا افتراضيًّا بين عموم المصريين. اشتهرت قوات الأمن التابعة لمبارك بحملات القبض الجماعي والعشوائي، والضرب المبرح لا فرق بين بريء ومذنب. وكل ظلم بيِّنٍ يُرتكب كان يضيف فردًا جديدًا إلى جبهة المعارضة، وبعد ثلاثين عامًا من نظام مبارك القمعي كانت جبهة المعارضة هذه قد بلغت مداها. في إحدى القرى، قُبض على فتى في الثالثة عشرة من عمره للاشتباه في سرقته عبوة من الشاي. تعرض الفتى للضرب والاغتصاب، وتُرك بين الحياة والموت في مكان مهجور ليعثر عليه أبواه.14 أراد سكان القرية بالكامل الثأر. وقد تكررت حوادث مشابهة في كل أنحاء البلاد.

ثمة فارق جوهري آخر بين الثورتين التونسية والمصرية. ففي تونس لم يكن للجيش أي دور في الحياة السياسية، أما في مصر فالمؤسسة العسكرية كانت الحاكم الفعلي وراء ستار الرئاسة منذ انقلاب عام ١٩٥٢ الذي أطاح بالملكية التي تدعمها بريطانيا، وأتى بجمال عبد الناصر ومن يُطلَق عليهم «الضباط الأحرار» إلى سدة الحكم. كان جميع الرؤساء المصريين — محمد نجيب، وعبد الناصر، وأنور السادات، ومبارك — من أبناء المؤسسة العسكرية، وكثيرًا ما قيل إن الرئيس يتقلد السلطة والجيش يحكم.

في تونس، عندما فر بن علي ملأ الحرس المدني القديم الفراغ في السلطة، لكنهم افتقروا إلى السلطة والشعبية إلى حد بعيد، حتى إن مساحة كافية تُركت للأصوات والأحزاب السياسية المتنافسة. أما في مصر فالجيش هو الذي أجبر مبارك على التنحي، وبعدها عيَّن عددٌ من الجنرالات أنفسَهم حكامًا مؤقتين للبلاد. بعبارة أخرى، شهدت مصر انقلابًا عسكريًّا، فتحولت من ديكتاتورية عسكرية يرأسها رجل عسكري إلى ديكتاتورية عسكرية.

في البداية لاقت هذه النتيجة قبولًا لدى الجموع التي تدفقت إلى الشوارع، والعدد الضئيل من النشطاء السياسيين المطالبين بالديمقراطية، الذين ألهمت تحركاتهم الأولى المصبوغة بطابع التحدي الجسور تلك الجموع. كان هدف الثورة الوحيد الإطاحة بمبارك. لكن النخبة العسكرية — التي اعتادت السلطة والثراء والنفوذ — لم تر داعيًا لتغيير الوضع عما كان عليه. اشترك في هذا الرأي لا شك أولئك المتظاهرون الذين طالبوا بإجراء إصلاحات ديمقراطية لمدة تقترب من ثلاثة أسابيع، هي المدة التي مضت منذ بداية الثورة حتى سقوط مبارك، وهي حقيقة قد تصيب بالذهول أهلَ الغرب الذين لا يعتبرون الانقلاب العسكري أفضل كثيرًا من الديكتاتورية التي كانت مدعومة بالجيش من قبل. لكن الحقيقة أن الجيش يحظى بشعبية في مصر؛ فجنود الجيش لم يهاجموا المتظاهرين، وحيث إن أداء الخدمة العسكرية إجباري على الذكور البالغين، فإن المصريين لا ينظرون إلى جنود الجيش على أنهم فصيل آخر من غير النسيج الذي ينتمون إليه. وعلى كل حال هذا هو نفس الجيش الذي تدخَّل ورفع إنتاج الخبز بكميات هائلة عام ٢٠٠٨ عندما تعرضت مدن كبرى للعجز وامتدت الطوابير أمام جميع المخابز. الحقيقة أن الجنود ليسوا سوى مصريين عاديين للغاية، ومن ثم حظي النظام الجديد بشيء من المرونة فيما يتعلق بكيفية — ووقت — تحقيق الإصلاحات التي طال انتظارها.

لكن سرعان ما اتضح أن الجنرالات أكثر اهتمامًا بتعزيز سلطتهم من اهتمامهم بدعم أهداف الثورة. في الشهور التي أعقبت تنحي مبارك، حوكم عدد من المواطنين محاكمات عاجلة أمام محاكم عسكرية بموجب قانون الطوارئ يفوق عدد من حوكموا أثناء حكم مبارك على مدار ثلاثة عقود.15 استدعى الجنرالات صحفيين للتحقيق كلما كتبوا شيئًا يرى فيه الجنرالات تجرؤًا كبيرًا على النظام الجديد، فضلًا عن اتهام جماعات حقوق الإنسان لهم بتعذيب المعتقلين بصفة دائمة.16 وبحلول سبتمبر ٢٠١١، أدين رجل شرطة واحد بالقتل! مع أن أكثر من ألف متظاهر لقوا حتفهم أثناء الثورة. ومعظم الوزراء الذين عُيِّنوا في الحكومة الانتقالية كانوا يحتلون سابقًا مواقع وزارية في عهد مبارك. وقُدِّم مبارك ونجلاه الممقوتان — جمال وعلاء — إلى المحاكمة لكن بعد أشهر من التأجيل، واتضح أن المحاكمة نفسها هزلية، حيث يتبادل عشرات المحامين اللكمات والركلات، فضلًا عن تغيير الشهود شهادات رئيسية كانوا قد أدلوا بها من قبل.17 وفي سبتمبر ٢٠١١ أعلنت إحدى منظمات حقوق الإنسان المصرية البارزة أن انتهاكات حقوق الإنسان في البلاد أسوأ كثيرًا الآن مما كانت عليه في عهد مبارك.18

ما من شيء يدعو للعجب فيما ذُكر. فقد كان بوسع الجيش أن يكبح جماح مبارك وحاشيته على مدار ثلاثة عقود، لكنه لم يفعل شيئًا. الواقع أن اختطافهم للثورة لم يكن سوى تكرار للأحداث التي أوصلتهم إلى السلطة عام ١٩٥٢. ففي يناير من ذلك العام، خلَّفت مظاهرات حاشدة ضد الإنجليز نصف القاهرة أنقاضًا يتصاعد منها الدخان؛ كانت انتفاضة حاشدة تلقت وعدًا بتحقيق إصلاح جذري حقيقي في البلاد مع انتهاء الحكم الاستعماري. لكن في يوليو من العام نفسه استغل عبد الناصر حالة الاضطراب ليشن انقلابه، ثم شرع في القضاء على الحريات التي سادت نصف القرن السابق؛ فحظَرَ الأحزاب المعارضة، وألغى الانتخابات البرلمانية، وأمَّم الصحف وفرض الرقابة عليها، وحظر الإضرابات العمالية.

في ٢٠١١ أعلن النشطاء المطالبون بالديمقراطية في حماقة منذ البداية أن ثورتهم «بلا قائد»؛ فهم لم يتعلموا من التاريخ كيف أن التحركات الثورية التي تفتقر إلى قيادة تُسحَق على يد القوى الأكثر ثباتًا والأفضل تنظيمًا في أعقاب حراك اجتماعي وسياسي شامل. لكن هؤلاء النشطاء لم يكن لديهم أتباع يتحدثون باسمهم على أي حال. ذكرت في مقدمة الكتاب أن استطلاع رأي أُجري بين متظاهري ميدان التحرير أوضح أن ١٩ بالمائة منهم هم من تحركوا بسبب توقهم إلى الحرية وإلى إجراء انتخابات حرة.

بعد بضعة أسابيع من تنحي مبارك، نظمت جماعة صغيرة من جماعات حقوق المرأة مظاهرة في ميدان التحرير في اليوم العالمي للمرأة. دعت الجهة المنظمة إلى مليونية نسائية لتطمئن إلى أن القوى الثورية تضع تحرير المرأة على رأس أجندتها الإصلاحية. لم ينضم إلى المظاهرة سوى بضع عشرات من النساء. وحتى هؤلاء لم يسْلَمن من دهماء ميدان التحرير، الذين كالوا لهن الإهانات، وتحرشوا بهن جنسيًّا، وأخبروهن أن مكانهن المناسب في البيت، حيث غسل الأطباق وتربية الأطفال.19 ذُكر أن متظاهرات أخريات تعرضن للاعتداء الجنسي والتعذيب بعد قبض الجيش عليهن، بل إن بعضهن خضعن لكشوف العذرية لإثبات أنهن داعرات؛ ومن ثم يستحققن نفور معظم المصريين منهن.20 ربما ما يبعث على الذهول أكثر من تلك الأحداث هو أنه في حين كانت المظاهرات تجوب كل مكان من أجل قضايا عدة، لم يهب رجل واحد لمساعدة النساء عندما تعرضن للاعتداء في ميدان التحرير، أو يعترض على المعاملة المثيرة للاشمئزاز التي تعرضن لها على أيدي جنود الجيش. اعتادت الناشطات المشدوهات — اللائي ينتمين عادة للنخبة التي تتحدث الإنجليزية — التصريح لوسائل الإعلام الدولية بتنهيدة حارة أن ثورة تخفق في تقديم حقوق نصف السكان واحتياجاتهن ليست ثورة على الإطلاق. وقد كن على حق في ذلك. ولا يمكن مهما شطح بنا الخيال أن نصفها بأنها ليبرالية تسعى إلى تحقيق الحرية.

•••

إذا كان الإخفاق في التنظيم على المستوى السياسي هو القصور الرئيسي لدى النشطاء المطالبين بالديمقراطية، فإن ثقتهم في الإسلاميين بعد رحيل مبارك كان القصور الأكبر. وهذا يوضح للمرة الثانية أنهم لا يعرفون شيئًا عن التاريخ، وبالأخص عن الثورة الإيرانية التي شكل فيها الليبراليون بالمثل تحالفًا مع الإسلاميين ليُقتلوا بعدها. رفضت جماعة الإخوان المسلمين دعم الثورة، لأنها طالما كانت جماعة متحفظة ضد التغيير الجذري والمفاجئ من جانب، ولأن قادتها خافوا لا شك من التعرض لاضطهاد شامل في صورة سجن وتعذيب لو انضموا إلى المظاهرات من جانب آخر. غير أن الخراب الاجتماعي أثناء الثلاثين عامًا التي قضاها مبارك في حكم مصر قد عزَّز كثيرًا من قَبول الإسلاميين، وهو ما بالغ فيه مبارك بدوره ليضع حدًّا لمطالبات واشنطن بالإصلاح. تأسست جماعة الإخوان المسلمين بوصفها جماعة أصولية عام ١٩٢٨، وكان هدفها أسلمة المجتمع المصري من قاعدته، ومن ثم تطهير البلاد من عادات الغرب الفاسدة وتأثيره. في السنوات التي تولي فيها عبد الناصر الحكم تعرضت الجماعة للاضطهاد، وفرَّ معظم أعضائها إلى المملكة السعودية؛ حيث انخرطوا في العقيدة الوهابية الأكثر تطرفًا. وفي سبعينيات القرن العشرين دعاهم أنور السادات للعودة إلى البلاد، واستخدمهم في مجابهة اليساريين الذين ظهروا كقوة معارضة قوية في البلاد. في ذلك الوقت — في ذروة الطفرة النفطية — سافر ملايين المصريين إلى السعودية ودول خليجية محافظة أخرى سعيًا وراء العمل. هؤلاء أيضًا اعتادوا التقاليد الوهابية التي جلبوها معهم لدى عودتهم، مكوِّنين قاعدة تأييد تلقائية لجماعة الإخوان المسلمين التي كانت تكتسب القوة والسلطة حديثًا.

يُحسَب لمبارك على الأقل استغلاله البارع لمخاوف واشنطن من الإخوان المسلمين بعد وصوله إلى الحكم عام ١٩٨١، عقب اغتيال السادات على أيدي متطرفين إسلاميين ثارت ثائرتهم بسبب توقيعه اتفاقية السلام مع إسرائيل. دائمًا ما كان مبارك يردد: إما أنا أو الإسلاميين. فلا دليل على أن جماعة الإخوان المسلمين اعتمدت في أي وقت على تأييد أكبر من تأييد الأقلية. ولهذا السبب استغلت الجماعة اضطهاد مبارك لعامة أعضائها بذكاء مماثل؛ من أجل تعزيز موقفها داخل مصر، وربما — وهو الأهم — بين أنصار ما يُطلق عليه الإسلام المعتدل في الغرب. قبل الثورة، حققت الجماعة بعض النجاحات المدوية في أسلمة المجتمع المصري من قاعدته. فقبل سقوط مبارك بشهر واحد، كشف استطلاع رأي أجراه «مركز بيو للأبحاث» عن أن غالبية المصريين يؤيدون الرجم عقابًا على الزنى، وقطع اليد عقابًا على السرقة، والموت عقابًا للمرتدين عن الإسلام.21
عندما استشعر الإخوان المسلمون — الذين يضمرون منذ زمن هدف إقامة دولة إسلامية — دنُوَّ اللحظة، زادوا نفوذهم كثيرًا في أرض الفراعنة بعد الثورة. فعندما زار يوسف القرضاوي — المرشد الروحي للجماعة الأصولية الذي اشتهر من خلال حديثه الأسبوعي التلفزيوني على قناة الجزيرة — القاهرة، ألقى خطابًا سياسيًّا على مسامع ٥ ملايين مؤمن مصري في ميدان التحرير.22 وهؤلاء في الغرب الذين فسروا غياب الإسلاميين عن الشوارع أثناء الثورة على أنه ميلاد لمصر التعددية كانوا بعيدين كل البعد عن الصواب. فالحراك الثوري من شأنه أن يصب في مصلحة الإسلاميين دائمًا. ومع أن المتحدثين باسم الإسلاميين ممن لهم باع في استغلال وسائل الإعلام يتشدقون بتأييد الديمقراطية والتعددية، فإن ما يوجههم هو الاعتقاد بأن العودة إلى أصول الإسلام هو الحل لكل شيء. فهم يريدون أسلمة مجتمعاتهم؛ إما من القاعدة صعودًا لأعلى، أو — إذا أتيحت لهم الفرصة وفي وقت يكونون فيه على يقين تام من الحصول على السلطة — من القمة نزولًا لأسفل.
مصر الآن بلد محافظ للغاية انصاعت أجزاء واسعة منه — على مدار العقدين الماضيين — للعادات الوهابية التي تلقى دعمًا من الإخوان المسلمين، حتى إن بعض المدن المصرية أصبحت لا تختلف عن المملكة السعودية. دون سابق إنذار كشف أحد استطلاعات الرأي في مصر بعد الثورة أن ٧٥ بالمائة من المواطنين يؤيدون جماعة الإخوان المسلمين.23 تبدو هذه النسبة تحولًا بعيد الاحتمال من نسبة التأييد التي بلغت ٣٠ بالمائة فقط قبل الثورة. لكن أيكون الصواب قد جانب الخبراء منذ البداية؟ الحق أن استطلاعات الرأي نادرًا ما تعكس القناعات الحقيقية لدى الأفراد، خاصة في البلدان الاستبدادية؛ حيث يعتاد الشعب طيلة عقود من الزمان أن يقول في العلن عكس ما يضمر. مع ذلك، فإن لهذه الاستطلاعات أهمية بالغة في التعرف على ما يظن الأفراد أنه يتعين عليهم التفكير فيه. إنها تميط اللثام عن المناخ الأخلاقي الذي يتعين على الأفراد محاولة العيش فيه. ومن هذا المنطلق، ربما نستقي من استطلاع الرأي المشار إليه معلومات مهمة.

على كل حال، إذا أردت لمحة عما يخبئه القدر لمصر، ففكِّر في مدينة الإسكندرية التي ظلت معقلًا للإخوان المسلمين على مدار عقود. في السابق كانت المدينة منتجعًا صيفيًّا يفد إليه الناس من كل حدب وصوب؛ حيث اشتهرت بمناخها المدني الرغد. أما الآن فإنها تكاد تكون أقل الأماكن إثارة للبهجة في شمال أفريقيا كله. جميع النساء المسلمات في المدينة محجَّبات، وارتداء الحجاب بين الشابات عادةً ما يكون بسبب خوفهن من تصنيف العاطلين من الأوصياء على الأخلاق العامة لهن على أنهن عاهرات؛ فضلًا عن انتشار حوادث العنف بين الأهالي المسلمين والمسيحيين. توقفت معظم الحانات عن بيع المواد الكحولية. والوحيدات اللائي قد يُشاهَدن على الشواطئ — حتى في ذروة فصل الصيف — هن النساء اللاتي يعتنين بأطفالهن، ودائمًا يكن متشحات بالسواد من أعلى رءوسهن إلى أخمص أقدامهن. مع الأسف، أصبحت مصر الآن بلدًا محافظًا ورجعيًّا للغاية، وعلت النخبة المتحررة في أبراجها العاجية كثيرًا، حتى إن شعار الإخوان المسلمين — الإسلام هو الحل — أخذ يطغى على دعوات الوسطية الأكثر خفوتًا.

•••

لم يبدأ الإسلاميون اختراق المظاهرات إلا بعد تنحية ديكتاتور البلاد، وبعدها صدرت إليهم أوامر مشددة حسبما ذُكر بعدم لفت الانتباه إلى انضمامهم أو استعداء محللي الغرب المبتهجين عن طريق الحديث عن الخلافة أو حرق العلمين الأمريكي والإسرائيلي.24 وبدلًا من الظهور على حقيقتهم، فإنهم عبَّئوا شبابهم — شباب الثورة — للقفز على الثورات التي كانت لا تزال موضع ثناء في صحافة الغرب بوصفها ثورات «تويتر» و«فيسبوك». للوهلة الأولى قد يبدو هذا الأمر محيرًا. لكن الإسلاميين متفردون بين الأحزاب السياسية في العالم بأنهم لا يهدفون للحصول على السلطة من أجل الحصول على السلطة في حد ذاته. الواقع أن أنهم يفضِّلون العمل مع حكومة تحمل على كاهلها مسئولية إدارة البلاد، لكنها تكون طيِّعة بما يكفي لأن تسمح لهم بفرض استبدادهم الثقافي. ولكي ينجحوا في ذلك فإنهم لا يحتاجون دعم الأغلبية. كل ما يحتاجونه هو أن يكونوا أعلى صوتًا، وأشد قوة، وأكثر تنظيمًا من خصومهم. وهذا سبب آخر يفسِّر تفضيل جماعة الإخوان المسلمين الوقوف إلى جانب النظام القائم أول الأمر بدلًا من دعم الثورة؛ فهكذا سيكون بإمكانهم أن يواصلوا لعبة المواربة مع مبارك إلى جانب تنفيذ مهمتهم الأساسية التي أخذوها على عاتقهم من فرض فاشيتهم الثقافية على المجتمع. ولهذا السبب فإنهم على الفور أعلنوا نيتهم عدم الترشح للرئاسة، وأعلنوا أيضًا أنهم لن ينافسوا على أكثر من ٥٠ بالمائة من مقاعد البرلمان. فالسلطة الحقيقية تستتبع المسئولية، وبالضرورة المساءلة، والإسلاميون لا يتقبلون المساءلة إلا أمام الله فحسب.
اتفاقًا مع رغبة الإخوان المسلمين في العمل ضمن صفوف المعارضة والابتعاد عن السلطة الفعلية، سرعان ما انتشرت الشائعات عن أن الجماعة قد عقدت اتفاقًا مع المؤسسة العسكرية. ففي مقابل منح الجماعة الوضع والتصريح القانونيين من أجل خوض الانتخابات، سوف تسحب أعضاءها من الشوارع وتضغط من أجل بقاء الدولة العسكرية.25 لا يكترث الإسلاميون كثيرًا بوضع السياسات الخاصة بالضرائب أو الطاقة التي سكت عنها القرآن. ولأنهم لا يملكون حلولًا معقولة — ناهيك عن كونها حلولًا عملية — للمشكلات الفعلية التي تنخر مجتمعهم، نجدهم يسعون للهيمنة الثقافية. كان البرلمان المصري الهشُّ ساحة الإخوان المسلمين المفضلة طوال عقود؛ حيث سلاحهم الرئيسي العمل الخيري بين الفقراء. وأعمالهم الخيرية مطلوبة الآن أكثر من أي وقت مضى، بسبب ما شهده الاقتصاد المصري من تدهور بعد الثورة. وبالرغم من كل التشبيهات التفاؤلية التي يوردها الغرب بين الثورة المصرية وسقوط الشيوعية، تبدو مصر الآن تكرارًا للمشهد الإيراني عام ١٩٧٩. الإيرانيون — شأنهم شأن المصريين — لم تكن لديهم رغبة العيش تحت مظلة دولة إسلامية. وكثيرًا — وعلى نحو يفتقر إلى الدقة — ما توصف الثورة الإيرانية ١٩٧٩ بأنها ثورة إسلامية، لكنها في مراحلها الأولى كانت شبيهة إلى حد بعيد بالثورة المصرية في يناير ٢٠١١. كانت الحشود التي ملأت الشوارع تضم جميع قطاعات المجتمع الإيراني؛ الطبقتين العاملة والمتوسطة، والماركسيين، ومناهضي الاستعمار، والمدافعين عن حقوق المرأة، وإصلاحيي الجناح الأيمن من داخل النظام، وأيضًا الإسلاميين. وفي ظل حالة الفوضى التي أعقبت الثورة، ظهرت القوى الإسلامية بقيادة الخميني على أنها جبهة المعارضة الأقوى والأكثر نظامًا والأفضل تنظيمًا، وكان الخميني يتمتع بالتوقير البالغ وبسمات القائد الكاريزمي. ولهذا يرجع الفضل في انتصار أتباعه الإسلاميين في إيران آخر الأمر، ليبدءوا عندها في تصفية الخصوم الذين وثقوا فيهم قبل شهور فحسب، معتبرين إياهم رفاق ثورة. وبصرف النظر عن دعم الأقلية الذي يحظى به الإسلاميون في مصر، فإنهم مستعدون بالمثل لسد الفراغ. عندها سيفرضون أجندتهم على الأغلبية، وإن كان لا يزال لدينا الكثير من الأسباب التي تبعث فينا الأمل أن ذلك لن يحدث بنفس مستوى الوحشية والعنف الاستبدادي اللذين شهدتهما إيران.
تتوافر الأدلة على أن المنهج الذي يتبعه الإخوان المسلمون من التحرك رويدًا رويدًا سوف يجلب لهم النصر. ففي غمرة التدهور الاجتماعي الذي شهده المجتمع المصري بعد مبارك على سبيل المثال، صوَّت المصريون على إعلان دستوري أعيدت صياغته بعد الثورة. ٤١ بالمائة فقط ممن لهم حق التصويت كلَّفوا أنفسهم عناء الذهاب إلى صناديق الاقتراع، وهي نسبة مشاركة ضئيلة للغاية في أول تصويت حر نزيه يمر على معظم المصريين. قبيل الاستفتاء، كان حزبان سياسيان وحيدان هما اللذان يدعوان إلى التصويت بالموافقة: الحزب الوطني الديمقراطي التابع للديكتاتور مبارك، وجماعة الإخوان المسلمين. ومع ذلك لبى نداءهما أكثر من ثلثي المشاركين في الاستفتاء. أما الأحزاب التي تمثل النخبة المصرية التقدمية العلمانية — التي عارضت بشدة الدستور المعدَّل — فقد خرجت مدحورة من مضمار المنافسة. فضلًا عن ذلك، فاز الإخوان المسلمون في الاستفتاء؛ لأنهم زعموا أن أي تعديلات أخرى على الدستور سوف تيسر بطريقة ما تحقيق مخطط أمريكي إسرائيلي، بحذف المادة الثانية التي تنص على أن الإسلام هو الدين الرسمي للبلاد.26

عندما يدور الحديث عن مصر — أكثر الدول العربية سكانًا وصاحبة الريادة في المنطقة على مر التاريخ — يكون السؤال الملِح عن شكل المجتمع الذي يريد الإخوان المسلمون تشكيله. يمكننا الجزم ببعض الأمور؛ أن يكون مجتمعًا أكثر مناهضة للغرب، أكثر إسلامية، ومناهضًا شرسًا للصهيونية. يتمثل الهدف الرئيسي لسياسة الإخوان المسلمين الخارجية (بعيدًا عن إنهاء اتفاقية السلام مع إسرائيل وفتح الحدود ما بين رفح وغزة) في إعادة النظر في اعتماد مصر ماليًّا وعسكريًّا على الولايات المتحدة. ولأن الجيش هو المتحكم في السياسة الخارجية للبلاد، والمتلقي للمساعدات الأمريكية، فستكون هذه مهمة صعبة. لكنهم يتخيلون إعادة تأسيس خلافة إسلامية في المستقبل البعيد. تشير الوثائق التي نشرتها الجماعة أثناء السنوات القليلة الأخيرة إلى أنهم يؤمنون بالديمقراطية الإسلامية، وليست الديمقراطية القائمة في الغرب. باختصار؛ سوف يجعل الإخوان المسلمون المشاركة السياسية للأفراد في المجتمع خاضعة لمبادئ الشريعة الإسلامية. في الغرب تراقب الجهات التشريعية والقضائية في الحكومة أفعال الدولة للتأكد من اتساقها مع قواعد الديمقراطية. وكل جهة من جهات الحكومة الثلاث تراقب الجهتين الأخريين. أما في النظام الإسلامي الذي يسعى الإخوان المسلمون (وجماعات إسلامية أخرى في كل مكان في المنطقة) إلى تأسيسه، فتخضع أفعال الدولة لرقابة الإخوان المسلمين، الذين سيضمنون اتساقها مع الشريعة الإسلامية. بعبارة أخرى، سوف يراقب الإسلاميون أنفسَهم.

وماذا عن القول إن جماعة الإخوان المسلمين قد لانت شوكتها أخيرًا؟ ربما يرجع ذلك إلى اختيارها متحدثين رسميين يسترسلون في الحديث مع «خبراء» الغرب السُّذَّج عن مناقب برنامجهم المطالب بتحقيق الديمقراطية. وصلت دعاية الإخوان المسلمين حدًّا من الكفاءة جعل مسئولًا أمريكيًّا يصف الجماعة بأنها «شبكة مترامية الأطراف من مجموعات علمانية».27 مثل هذا الجهل المستشري عن مصر في الغرب يقدم للإخوان المسلمين فرصة رائعة للتلاعب بوسائل الإعلام. مع ذلك، يكفيك أن تلامس قشور المسألة لتجد برنامجًا سياسيًّا مفصلًّا نشر عام ٢٠٠٦. لا يمكن أن يكون الرئيس امرأة لأن الواجبات الدينية والعسكرية للمنصب «تتعارض مع طبيعتها، والأدوار الاجتماعية والإنسانية الأخرى المنوطة بها». تخضع الحكومة لرقابة هيئة من علماء الدين المسلمين. أيضًا حرية الانتماء للمنظمات المدنية المكفولة في الغرب تكون في مصر الإسلامية مشروطة باتساقها مع حدود الشريعة الإسلامية. سيكون في مصر مجلس يتألف من هيئة من المسنِّين المستكينين يقرون بالسمع والطاعة لكل ما يراه الحاكم — الذي يُكفَل له «التبجيل» — ملائمًا، ويتولى «مرشدٌ أعلى» الإشراف على مبادئ الأخلاق لدى الشعب.28 وهذا النظام معمول به الآن في السعودية وإيران.
تنصَّل الإخوان المسلمون من الهجمات التي شُنَّت على الأقباط والصوفيين، لكنهم اتحدوا مع الجماعات السلفية المتشددة في خوض الانتخابات. إن الحديث عن أوجه الاختلاف بين الجماعتين — بعيدًا عن نبذ الإخوان المسلمين الواضح لاستخدام العنف — هو في غاية الصعوبة. ففي سبتمبر ٢٠١١ دعا السلفيون إلى حجب آثار مصر الفرعونية بدعوى إساءتها إلى الهوية الإسلامية. أدان الإخوان المسلمون الاقتراح، لكنهم في اليوم نفسه شنُّوا حملة لحظر ارتداء البكيني على شواطئ البلاد بدعوى مخالفة ذلك لأجندتهم الإسلامية.29 والحقيقة أن جماعة الإخوان المسلمين وجماعات سلفية عدة قد تشاركوا في تنظيم مظاهرات حاشدة، وأعلنوا عن خطط لتنظيم الانتخابات فيما بينهم بما يضمن إنجاح حزب أو مرشح بعينه. أصابت إحدى الوثائق الصادرة عن معهد هادسون كبد الحقيقة عندما قالت: «الفوارق بين السلفيين والإخوان المسلمين ليست كبيرة مثلما يرى بعض خبراء الإسلام في الغرب. ففي النهاية يريد كلا الحزبين أن يشهد قيام نظام إسلامي في مصر؛ نظام لا مكان فيه للديمقراطية والوسطية والبرجماتية.»30
في مايو ٢٠١١، وضعتْ مقالة افتتاحية مدوية نشرتها صحيفة «ذي واشنطن تايمز» يدها على اللغط المثار حول الأهداف الحقيقية لجماعة الإخوان المسلمين. نبَّهت المقالة إلى مقال نُشر على موقعها الإلكتروني بقلم الداعية المصري صلاح الدين سلطان. ذكرت المقالة أن المقال أثنى على رفع بن لادن «راية الجهاد في سبيل الله» على أنه «انتصار للإسلام، ومقاومة للمحتلين بطريقة جاوز في بعضها الوسطية والاعتدال». واستطرد كاتب المقال قائلًا إن إرهاب أمريكا على الجانب الآخر كان «انتصارًا للهيمنة والظلم والطغيان، وتركيع شعوب وأنظمة العالم للقطب الأمريكي». واختتم مقاله قائلًا: «إرهاب بن لادن مظنون لأن مصدر الاتهام فيه جهاز الإعلام وليس القضاء، وإرهاب أمريكا مقطوع.» تساءلت افتتاحية «ذي واشنطن تايمز» لو أن تلك آراء المعتدلين «فما بالنا بآراء المتطرفين»، ثم أشارت إلى أن «الجهل المطبق لدى إدارة أوباما في التعامل مع شئون الشرق الأوسط يخفق في رصد التهديد الذي تفرضه كافة صور التطرف الإسلامي» ما انتهج العنف منها وما لم ينتهجه:
يستنكر البيت الأبيض آراء تنظيم القاعدة «المنحرفة» عن الإسلام، لكن جماعات مثل جماعة الإخوان المسلمين تؤيد نفس تلك الآراء. من الواضح أن السيد أوباما لا يرى مشكلة في تطبيق الشريعة عبر صناديق الاقتراع لا عبر استخدام الرصاص. إن فوز جماعة الإخوان المسلمين في الانتخابات لهو إيذان بانتهاء الحرية في مصر.31

•••

الواقع أن الخطر الذي تفرضه الاتجاهات الدينية في مصر ليس مفهومًا جيدًا لدى واشنطن التي ساندت مبارك ونظامه، مثلما فعلت مع شاه إيران من قبل دون أن تختلف النتيجة في كلتا الحالتين. المفارقة أن الجهود المبذولة من أجل عرقلة قيام ثورة إسلامية في مصر هي التي عجَّلت بتحقق أسوأ السيناريوهات المرسومة لدى واشنطن، وأنها أسفرت عن تداعيات وخيمة على ثقافة التعددية وقبول الآخر التي تميزت مصر بها على مر التاريخ، وأيضًا على النفوذ الأمريكي في المنطقة على المدى الطويل. سرعان ما أُعيد توجيه موجة الغضب ضد مبارك التي اجتاحت شوارع القاهرة أثناء الثورة إلى واشنطن التي كانت تمول نظام مبارك، وإلى تل أبيب بسبب الاعتقاد السائد — الذي يبدو لي صحيحًا تمامًا — بأن إدارتي أمريكا وإسرائيل لم تألوَا جهدًا حتى النهاية من أجل الإبقاء على دُميتهما في السلطة.

لم يتأثر بأداء أوباما أثناء الثورة من المصريين سوى قليلين. فالخطابات التي توجه بها أوباما إلى الشعب المصري فاحت بالرياء والنفعية، شأنها في ذلك شأن خطابات مبارك. كانت الخطابات قليلة ومتأخرة للغاية، وبعد ستة أشهر من اندلاع الثورة كان موقف أوباما الأسوأ على الإطلاق في الشرق الأوسط.32 لم تحرك أمريكا — أكثر حلفاء مصر في الغرب نفوذًا وسخاءً — ساكنًا في وجه انتهاكات حقوق الإنسان العديدة التي ارتُكبت باسم نظام مبارك، وبالمثل سكتت واشنطن عن انتهاكات أكثر سوءًا في بعض الأحيان ارتُكبت باسم المجلس العسكري منذ الإطاحة بمبارك. وتقديرًا من واشنطن للاستقرار في الشرق الأوسط فوق كل ما عداه، وإقرارًا منها بالفضل لمصر لتوقعيها اتفاقية السلام بينها وبين إسرائيل عام ١٩٧٩، فإنها اعتادت ضخ المال في الاقتصاد المصري منذ ذلك الحين، حتى وصل أخيرًا إلى نحو ملياري دولار سنويًّا يذهب معظمها إلى الجيش.

اعتاد الإسرائيليون التعامل مع الجيش المصري في أمور تتعلق بالشئون الخارجية، ولذا فإن الانقلاب العسكري أكَّد في نظرهم عودة الأوضاع إلى طبيعتها. والحقيقة أن الإسرائيليين لم يكونوا مضطرين حتى للتفاوض عن طريق رئيس صوري، بل إنهم شرعوا في التفاوض مباشرة مع الجيش الذي حمى بكفاءة فائقة معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل على مدار ثلاثين عامًا. من الواضح أن واشنطن هي الأخرى قد استراحت لما أسفرت عنه الأمور وسُرَّت لأن المليارات التي كانت تنفقها سنويًّا للحفاظ على الأمن في المنطقة لم تذهب سدى. فقد أوضح الجيش أن معاهدة السلام مع إسرائيل قائمة. والواقع أن أمريكا تحتاج الجيش المصري مثلما يحتاج الجيش المصري المساعدات الأمريكية. وهكذا فلا عجب في أن معظم المفاوضات التي تمت أثناء الثورة لم تكن بين البيت الأبيض وقصر مبارك الرئاسي، وإنما بين البيت الأبيض ووزير الدفاع المصري. لكن ثمة مشكلات تلوح في الأفق؛ فإن تدخُّل الحكام العسكريين الأقوياء مثل مبارك كان يحُول دون تأجج الغضب العربي من السياسة الأمريكية المساندة لإسرائيل. أمَا وقد اختفى ذلك القدر من النفوذ الآن، فإن الغضب والاحتجاجات المناهضة لأمريكا وإسرائيل يجتاحان البلاد. ففي سبتمبر ٢٠١١، أشعل حشد النيران في السفارة الإسرائيلية في القاهرة، مما حدا بالدبلوماسيين إلى الفرار في حماية فرقة مسلحة من الجنود المصريين.

دار الكثير من الكلام كيف أن تركيا قد توفر نموذجًا يمكن لمصر ما بعد الثورة أن تحذو حذوه؛ فلديها نخبة عسكرية علمانية مؤيدة للغرب تفرض نفوذها على جماعة الإخوان المسلمين الصاعدة بقوة والمناهضة للغرب بشراسة. لكن تشبيهًا كهذا لا يلبث أن يتهاوى عند تدقيق النظر في الأمور. فأتاتورك — الأب المؤسس لتركيا الحديثة — كان رجلًا عسكريًّا من أشد المؤيدين للعلمانية، والدستور الذي وضعه يعطي الجيش من الصلاحيات ما يخول له الدفاع عن دولته العلمانية ضد الجهود المبذولة لفرض الإسلام السياسي. ولهذا السبب فالإسلاميون في تركيا — على مدار العقد الأخير — هم من يؤخذون كثيرًا إلى المحاكم بتهم انتهاك المبادئ العلمانية للدولة. أما في مصر ومنذ الثمانينات والليبراليون هم من يؤخذون إلى المحاكم بزعم ازدراء الإسلام. شكَّل عبد الناصر من البداية تحالفًا مع جماعة الإخوان المسلمين من أجل مساعدته في الوصول إلى السلطة، وتنص المادة الثانية من الدستور المصري بوضوح على أن الشريعة هي أساس المنظومة القانونية للبلاد. والحقيقة أن النخبة العسكرية المصرية ليست لديها مبادئ حاكمة سياسية كانت أو دينية. فهم يقبلون بأي صفقة تمكِّنهم من البقاء في الحكم. ولأنهم يعيشون في عالم موازٍ، حيث نوادي الضباط والمجتمعات المسيَّجة، فلا فرق عندهم أن ترتدي النساء في الأحياء الفقيرة الحجاب أم لا، أو أن يحظَر ارتداء البكيني على الشواطئ أم لا، أو أن يسمَح لليبراليين بالتعبير عن آرائهم بعيدًا عن القيود الوحشية التي يتوق الإسلاميون إلى فرضها أم لا.

لا شك أن ورقة أمريكا الرابحة ستستمر باستمرار تدفق مساعداتها التي تحتاجها مصر الآن أكثر من أي وقت مضى. وبالرغم من وعود بعض دول الخليج بتقديم المزيد من المساعدات، فإنها لا تستطيع تقديم التدريب والمعدات العسكرية التي تقدمها واشنطن، والتي من دونها لن يستمر بقاء الجيش المصري كقوة قتالية يُحسب لها حساب. على المدى القصير إذن سيكون التخبط سمة العلاقات المصرية مع كل من أمريكا وإسرائيل كما كانت عليه على مدار العقود الثلاثة الماضية. ويكمن الخطر فيما ستصل إليه طبيعة العلاقات على المدى الطويل. لقد استشرى الفساد والفقر والأمية في مصر، حتى إن أكفأ الحكومات في العالم تحتاج جيلًا كاملًا إلى أن يبدأ القضاء عليها. ومع أن المظاهرات قد اختفت تقريبًا، فالاضطرابات العمالية في البلاد مستمرة. وكما رأينا، يكترث المصريون للوضع الاقتصادي أكثر مما يكترثون للانتخابات الحرة والنزيهة، وقد أثبتوا أنهم أبعد ما يكونون عن الخنوع والصبر اللانهائي، مثلما كان يتردد عنهم سابقًا. باختصار، لا يمكن استبعاد قيام ثورة جديدة في مصر. وعندما تندلع تلك الثورة، فإنها ستسعى إلى الإطاحة بالمؤسسة العسكرية. وحينها لن يتحاشى الإسلاميون الانضمام إليها مثلما حدث في عام ٢٠١١، بل هم من سيقودونها.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠