الفصل الثالث

الثورة الوهَّابية المضادة

في أوساط أولئك الذين أيَّدوا رواية الربيع العربي الحالمة على موقع «فيسبوك»، حظيتْ باهتمام بالغ لافتة رُفعت في المظاهرة الرئيسية بالعاصمة البحرانية المنامة مكتوب عليها: «لا سُنِّي، لا شيعي، فقط بحراني».1 عزَّزت تلك اللافتة الروايةَ الرائجة عن تلهف العرب إلى قيام دولة أساسها الديمقراطية والتعددية، المتداولة عبر الهواتف الذكية والأيقونات الضاحكة وأحاديث الساحات العامة. وحقيقة الأمر أن الاحتجاجات البحرانية كانت انتفاضة للشيعة ضد الأقلية السنية الممقوتة التي تحكمهم بدعم سعودي، وأصبحت عرْضًا جانبيًّا في مواجهة طائفية وسياسية جغرافية أكبر تؤلِّب إيران الشيعية — والأقليات الشيعية المتعددة في المنطقة والمنجذبة نحو إيران — ضد المملكة السعودية السنِّية وحليفها الأمريكي. يمثل الشيعة في العالم الإسلامي ما بين ١٠ إلى ١٥ بالمائة فقط، لكنهم متمركزون في مناطق تحظى بأهمية استراتيجية لدى إيران. يعتنق نحو ٨٥ بالمائة من الشعب الإيراني المذهب الشيعي، ومثلهم ٦٠ بالمائة من البحرين الواقعة تحت مظلة حُكم سنِّي. ويشكل السنَّة ٨٥ بالمائة من الشعب السعودي، لكن الشيعة السعوديين أغلبية في «المنطقة الشرقية» التي تحتوي على أغلب احتياطيات النفط في المملكة. دعم النظام الإيراني بصخب انتفاضة الشيعة في البحرين عام ٢٠١١، ومنذ اندلاع ثورته عام ١٩٧٩ وهو ينشر بذور الشقاق بين الأغلبية الشيعية في شرق السعودية.

ثمة جسر يربط جزيرة البحرين الصغيرة بالمنطقة الشرقية في المملكة السعودية؛ حيث تشكو الأغلبية الشيعية مظالم راسخة تتعرض لها من حكامها السنَّة. كثيرًا ما يقال إن هذا الجسر قد بُني سبيلًا يتيح للسعوديين المتعطشين للجنس أن يجدوا سلواهم في بيوت الدعارة البحرانية. ولا شك أنه يحقق تلك الغاية بكفاءة بالغة. لكن هناك سببًا وراء بناء الجسر؛ فهو يتيح دخول الدبابات السعودية إلى البحرين بسرعة ويسر. منذ سقوط صدام حسين والبحرين هي الدولة العربية الوحيدة ذات الأغلبية الشيعية التي تحكمها نخبة سنِّية، وهذا الأمر يبث في نفوس تلك النخبة شعورًا مبرَّرًا بالخطر، ويجعلها تتلهف إلى اتخاذ أصدقاء من الخارج، مثل الأسطول الخامس للبحرية الأمريكية، الذي يتخذ من البحرين قاعدة له. يضم الأسطول نحو ثلاثين سفينة حربية وآلاف العاملين، ويحتل أهمية محورية في إطار الجهود التي تبذلها واشنطن من أجل احتواء الخطر الإيراني. ونجاح انتفاضة شيعية في البحرين من شأنه إلحاق ضرر جمٍّ بممتلكات أمريكا في الخليج العربي.

أيضًا تملَّك القلق السعوديين لسبب وجيه؛ فعدوُّهم اللدود هو إيران صاحبة المطالبات التاريخية بحقها في الأراضي البحرانية. أقامت إيران علاقات مع مليوني شيعي في «المنطقة الشرقية» بالمملكة السعودية ممن لهم بدورهم علاقات مع أشقائهم البحرانيين على الجانب الآخر من الجسر. أثناء الاحتجاجات البحرانية، تظاهر شيعة السعودية اعتراضًا على آل سعود في «المنطقة الشرقية»، ودعمًا للشيعة في البحرين. تدخلت إيران محذرة الرياض من قمع التظاهرات ومحتجة على الوجود العسكري السعودي في البحرين.2 لم تُخفِ وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون وقتها ما يساورها من قلق بشأن إقامة طهران علاقات قوية مع التمرد الشيعي الوليد في كلٍّ من البحرين والسعودية.3

قد يكون تذمُّر واشنطن من تدخل الآخرين في الشئون الداخلية للبلاد العربية مدعاة للكثير من السخرية، لكن ذلك لا يعني خطأ تقييم كلينتون للوضع. فلطالما نظر ملالي طهران — في ظل تهديدهم المستمر بالتعرض لقصف إسرائيلي بسبب البرنامج النووي السرِّي المزعوم — إلى البحرين على أنها المطمع الشيعي الكبير. وعلى وجه التحديد، يذكر الملالي آخر مرة ثارت فيها جموع الشيعة في «المنطقة الشرقية» في السعودية ضد بيت آل سعود؛ عام ١٩٧٩ تأييدًا للثورة الإيرانية. بنى السعوديون الجسر الذي يصل إلى البحرين في ثمانينيات القرن العشرين وهم يحسبون حسابًا لكل تلك الاعتبارات. فبعد بناء الجسر، يمكن للحكومة الملكية السنِّية في الرياض الإسراع للدفاع عن حلفائها البحرانيين ضد أي انتفاضة شيعية أو تهديد بالاحتلال الإيراني، وهو ما فعله الجيش السعودي في فبراير ٢٠١١ عندما هددت الاحتجاجات البحرانية بكسب قدر من الزخم الحقيقي. فقد اتخذ آلاف الجنود السعوديين حينها مواقعهم لحراسة المنشآت البحرانية الحيوية بعد إعلان حالة الطوارئ في البحرين. وصرحت أسرة آل سعود الحاكمة أنها ستفعل «كلَّ ما يلزم» لمساندة السنَّة في البحرين، ولم تمض سوى بضعة أيام قبل أن تسحق الدبابات السعودية الانتفاضة الشيعية. وهكذا كانت الانتفاضة البحرانية — بعيدًا عن التشابه مع «الثورة المخملية» التي تشتهر بها تشيكوسلوفاكيا الآن عن جدارة — تكرارًا لفترة أليمة أخرى في تاريخ تلك الدولة الأوروبية الشرقية؛ عندما اجتاحت الدبابات السوفييتية عام ١٩٦٨ شوارع العاصمة براغ، وحبست البلاد وراء الستار الحديدي مدة عشرين عامًا أخرى.

وباستغلال الخوف السعودي من تعدِّي إيران التي يهيمن عليها الشيعة، واصل الغرب سياسة «فرِّق تسُد» المعروفة عبر تاريخه الاستعماري في المنطقة. ففي ستينيات القرن العشرين عقد الإنجليز اتفاقًا مع أسرة آل خليفة الحاكمة ونصبُّوهم حكامًا على البلاد، ولا يزالون يحكمون البحرين إلى اليوم. وقد ظلت البحرين محميَّة بريطانية يهيمن عليها السنَّة حتى استقلالها عام ١٩٧١.

من أكثر الأوصاف المستخدمة عن المملكة السعودية أنها «مهد الإسلام»، إلا أنها ليست إلا بناءً سياسيًّا جغرافيًّا صنعته بريطانيا في ثلاثينيات القرن العشرين، سمِّي باسم الأسرة المالكة وفق حدود رسمتها بريطانيا المُلحِدة. فتحت الأسرة الحاكمة السعودية مناطق كثيرة من شبه الجزيرة العربية في العشرينيات بدعم مادي ودبلوماسي بريطاني محموم. كان أول ملوك السعودية — المعروف في الغرب باسم ابن سعود — معينًا من جانب البريطانيين ويتقاضى منهم راتبًا منتظمًا، وكان العديد من كبار مستشاريه من الإنجليز. أسس ابن سعود المملكة الوهابية المتطرفة عام ١٩٣٢ بمباركة إنجليزية كاملة. فمن وجهة نظر البريطانيين، كان الوهابيون — بالرغم من بربريتهم الواضحة وولعهم بقتل كل من ليس وهابيًّا متعصبًا ويرفض اعتناق الوهابية (سواء من أهل السنَّة المعتدلين أو الشيعة) — يخضعون لحكم مَلك موالٍ لبريطانيا. كان جنود المشاة التابعون له هم القوات الوحيدة التي يمكنها تذليل الأراضي القبلية الشاسعة، التي لولا ذلك لفرضت تهديدًا على المصالح الاستراتيجية الإنجليزية. والحياة سلفٌ ودينٌ في الشرق الأوسط، على نحو مألوف إلى حد كئيب.

في الوقت نفسه فإن جذور العداوة بين السنَّة والشيعة المستغَلَّة من جانب الغرب لا ترجع إلى اختلافات دينية جوهرية، وإنما لدسائس قَبَلية وقعت في العالم الإسلامي في القرن السابع الميلادي. فبعد وفاة النبي محمَّد عام ٦٣٢ ميلادية، غلبت الصراعات والنزاعات الأسرية على مسألة خلافته. كان هناك أربعة مرشحين لتولي منصب «الخليفة». انحازت جماعة بعينها — عُرفوا لاحقًا بالشيعة — انحيازًا شديدًا لتولي عليٍّ ابن عم النبي محمَّد وصهره الخلافة. لكن منصب الخليفة تجاوز عليًّا ثلاث مرات، إذ اختير المرشحون الثلاثة الآخرون قبله. أججت معارضة تولي عليٍّ الخلافة شعور الغضب بين مؤيديه. وأخيرًا — وسط هذا المناخ من التحزُّب القَبلي — أصبح عليٌّ الخليفة الرابع غير أن مقتله في حادث وحشي لاحقًا استثار سخط مؤيديه أكثر.

بلغ العداء القَبَلي بعد وفاة محمَّد ذروته في موقعة كربلاء عام ٦٨٠ ميلادية. وكانت تلك هي اللحظة الفارقة في تأسيس المذهب الشيعي، والنقطة التي ترسَّخ عندها الشقاق إلى الأبد. قُتل الحسين بن عليٍّ في هذه الموقعة، واعتبره الشيعة شهيدًا. وقع الشقاق بين الشيعة والطائفة المعارضة — التي اتخذت اسم السنَّة — منذ تلك الموقعة. وسرعان ما اكتسب النزاع صبغة لاهوتية؛ فأهل السنة الأصوليون يعتبرون الشيعة كفارًا؛ لأن تقديس الشيعة لكل من عليٍّ والحسين يتنافى مع ما يؤمن به المسلمون من أن محمَّدًا خاتم النبيين، وأنه حرَّم تأليه أحد من البشر. ويقول الشيعة إنهم يوقِّرون عليًّا والحسين، لكن لا يعتبرونهما نبيَّين مثلما يعتبرون محمَّدًا. على الرغم من ذلك فإن اعتقاد السنة في هرطقة الشيعة وخيانتهم يسفر عن تحامل مقيت، في السعودية تحديدًا؛ حيث البغض الشديد للشيعة. عندما كنت أعيش في السعودية، كثيرًا ما كان يخبرني أهل السنَّة أنه لا ينبغي لي قبول طعام من شيعي، لأنه يبصق فيه قبل أن يعطيه لي. يشير هذا النوع من التعليقات المتكررة إلى أنه بالرغم من أن الطائفتين تعيشان جنبًا إلى جنب، فإنه ليس تعايشًا سهلًا. يتعرض الشيعة في السعودية لتمييز مطلق. ومنشأ بعض هذا العداء حقيقة أن السنة في السعودية وهَّابيين في الأغلب، وهم طائفة تطبق أقصى صور الإسلام حرْفية وتشددًا. فقتل ملحد شيعي في الفكر الوهَّابي يعزز فرصة متعصب سنِّي في دخول الجنة.

لا ينظر الشيعة إلى السنة على أنهم كفار أو زنادقة، ولا يعتقدون أنهم يجنون نفعًا روحيًّا بقتلهم، وهو أحد الأسباب في أن جميع الهجمات الانتحارية تقريبًا ضد المسلمين قد نفِّذَت على أيدي سنَّة، وأن معظم الهجمات الانتحارية في العراق (ضد الشيعة غالبًا) لم تنفَّذ على أيدي عراقيين، وإنما على أيدي مواطنين سعوديين يعتنقون الفكر الوهابي.

دقَّت اللحظة التي عبرت فيها الدبابات السعودية الجسر الذي يربط بين السعودية والبحرين ناقوس موت الربيع العربي. كانت هناك ثلاثة أهداف وراء هذا الاجتياح، إلى جانب دعم الحكومة الملكية السنية الشقيقة للمملكة الوهابية في المنامة، وتأمين القاعدة البحرية الأمريكية ذات الأهمية البالغة؛ الهدف الأول: هو قمع الاحتجاجات خاصة بين الأقلية الشيعية السعودية المتمردة حديثًا في «المنطقة الشرقية» الغنية بالنفط. والهدف الثاني: هو منع إيران — عدو الرياض اللدود — من كسب نفوذ أكبر على العملية السياسية في البحرين، وبالتبعية بين الشيعة السعوديين في الجوار. والهدف الثالث: هو إقامة الدليل على أن الرياض لن تألو جهدًا — بدءًا من الدبلوماسية الناعمة وحتى التدخل العسكري — في سبيل عزمها على قيادة ثورة مضادة في أنحاء المنطقة. فمنذ البداية، كانت للرياض درجة من التحكم في مسار الربيع العربي، عندما عرضت ملاذًا للرئيس التونسي المخلوع بن علي. وبسبب حرصها، المفهومة أسبابه، ألا تؤسس لسابقة في تحقيق العدالة الشعبية ضد ديكتاتور عربي، واصلت السعودية رفضها تسليم بن علي للمحاكمة. دأبت تصريحات بن علي العلماني — على لسان محاميه — لاحقًا على دعوة التونسيين إلى المضي قدمًا في طريق الحداثة، لكنه لم يستطع التعبير عن ذعره المؤكد من الظهور المفاجئ لحركة «النهضة» خشية إثارة غضب مضيفيه السعوديين، ويُعتقد أن بزوغ نجم الحركة السريع للغاية بعد تركه تونس ناتج في جزء منه عن تمويلها من السعودية ودول خليجية أخرى (على أنه لم يظهر دليل مادي يؤكد ذلك إلى الآن).4
ولكي تعزز السعودية قبضتها على المنطقة، فقد وعدت بتقديم حدود ائتمانية وقروض ميسرة بقيمة ٤ مليارات دولار لدعم النظام العسكري الجديد في مصر. أيضًا ظهرت مزاعم أن تمويلًا سعوديًّا يقدَّم خلسة لمساعدة الجماعات السلفية المتشددة في مصر.5 مارس السعوديون ضغوطًا كثيرة على الحكومة المصرية المؤقتة في صورة تهديدات غير مباشرة شملت تغيير قوانين العمل، بما يمكن أن يؤدي إلى تسريح ملايين العاملين المصريين من المملكة فيما يعد ضربة قاصمة للاقتصاد المصري المتداعي بالفعل جراء الفوضى المصاحبة للثورة.6 وكما سنرى لاحقًا، اختطفت الرياض ثورة اليمن عبر وكلائها الإسلاميين والقبليين.
وفي الداخل فعلت الأسرة المالكة السعودية ما تفعله دائمًا عند مواجهة أي من الأزمات، فوعدت بتوزيع هبات بقيمة ١٣٠ مليار دولار على المواطنين بهدف كبح جماحهم.7 وسرعان ما تفرَّق آلاف المتظاهرين — معظمهم من الشيعة في «المنطقة الشرقية» — في «يوم الغضب» السعودي أو قُبض عليهم. بعدها أعلنت المؤسسة الدينية الوهابية أن كل المظاهرات ضد نظام يمثل بالفعل مملكة الله على الأرض حرام شرعًا.8 وتلك كانت نهاية ربيع المملكة. في السنوات التي سبقت اندلاع المظاهرات، زادت شيئًا فشيئًا رغبة الملك عبد الله «الإصلاحي» وحاشيته السفاحون الدواهي معسولو اللسان أصحاب التعليم الغربي؛ في فرض نفوذهم السياسي. وما يثير الدهشة أن السعودية عضو في لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة. أيضًا تشكِّل مبادرة السلام السعودية عام ٢٠٠٢ بين الإسرائيليين والفلسطينيين — حيث قيام الدولتين ضمن حدود ١٩٦٧ في مقابل الضمانات الأمنية من الأنظمة العربية — العمود الفقري لسياسة واشنطن في المنطقة. أما في باكستان فالسعودية تموِّل التعليم الديني، حيث الإنفاق على المدارس الإسلامية في جميع أنحاء البلاد، بدءًا من مناطق «بشتون» الحدودية مع أفغانستان، وفي كل مكان في «بنجاب».9 وفي تلك الأثناء، قضت السعودية على المكاسب الضئيلة التي حققها ذلك البلد المتزعزع نحو الوصول إلى مجتمع أكثر مدنية. فمقابل التبرعات الهائلة بأموال النفط، قيل إن آلاف المرتزقة وجنود المشاة الباكستانيين قد عُيِّنوا في المملكة العربية السعودية لمساعدة العائلة المالكة المستبدة في قمع مواطنيها.10
في الوقت نفسه أطلق السعوديون حملة في الغرب ليقيموا الدليل على أنه بالرغم من أن الأنظمة المدنية العلمانية أو العسكرية قد تكون في طريقها للتداعي، فإن الحكومات الملكية الخليجية الورِعة ليست مسرحًا لمثل تلك الأحداث. ونشروا رسالة مفادها أن جورج بوش كان ساذجًا عندما ظن أن الديمقراطية علاج كل العِلل في العالم العربي. فمثال الصين واقتصاديات النمور الآسيوية يبرهن على أن تولي حكومة استبدادية فترة من الزمن هو ضمانة مُثلى لتحقيق نمو ثابت.11 وخير دليل على زعمهم أنه في أعقاب اندلاع الثورات، تدفقت أموال طائلة من الاقتصاديات المترنحة في مصر وتونس إلى داخل المملكة، التي لديها فائض من المال بالفعل لا تدري أين تنفقه. في المقابل يمكن للسعودية عقد المزيد من صفقات الأسلحة، التي تقدَّر بعشرات الملايين من الدولارات مع الولايات المتحدة وبريطانيا؛ لتستأجر مزيدًا من المدربين البريطانيين والأمريكيين للعمل لدى جيش الملك عبد الله الخاص المشغول بإراقة دماء المتظاهرين العزَّل في البحرين.12 إنها الديمقراطية!
آل سعود ثلَّة من النفعيين. لا يمكن اتهامهم بأنهم لا يعرفون ما فيه مصالحهم. فقد تلقوا بصدر رحب الضمانات الأمنية الأمريكية، ودفعوا مقابلًا لها. في الحروب الأمريكية ارتضى آل سعود تسويات تتعلق بمذهبهم الوهابي المتشدد مرارًا وتكرارًا. ومثلما يتراءى لي، فإنهم يواصلون كبت شعبهم وتعذيبه آمنين العقاب، في الوقت الذي ينشرون فيه الكراهية والجهل وأفكار العنف المناهضة للغرب في شتى أنحاء العالم الإسلامي والغربي. من الواضح أن أصدقاء واشنطن النفعيين ليسوا على نفس الدرجة من الحماقة التي يتصف بها خبراء الأمن الدولي المزعومين، الذين يؤثرون في السياسة الخارجية الأمريكية. فالسعوديون يتلاعبون بهؤلاء الخبراء. في أعقاب الربيع العربي أثبت أوباما أنه التلميذ النجيب لهنري كيسنجر — مستشاره في إحدى الفترات — الذي لم تتعاف بعد معظم الدول البائسة التي اكتوت بلظى سياسته الواقعية. فتداعيات قصف أوباما لليبيا وخيمة وغير متوقعة، على نحو ما كان عليه قصف كمبوديا. لكن ثمة تشابهًا كبيرًا بين كلٍّ من أوباما وكيسنجر الحاصلَين على جائزة نوبل؛ فكيسنجر لديه موهبة فريدة — سمَّاها البعض ولعًا — في اختيار أسوأ زعماء العالم لعقد الاتفاقات معهم، بدءًا من سوهارتو الإندونيسي وحتى بينوشيه التشيلي. أيُّ شريك أسوأ من السعودية في الوقت الحاضر؟ أرى أن نظام كيم يونج إل لديه سجلٌّ مقيت من القمع والتعذيب، لكن نفوذه لم يتعد حدود كوريا الشمالية. أما أفراد العائلة المالكة في السعودية فلا يزالون واقعين في شَرَك احتواء داخلي مهلك للمؤسسة الدينية الوهَّابية التي تشاركهم الحكم على نحو لا يأبه بعواقب الأمور. ومثلما فعل الإنجليز في عشرينيات القرن العشرين، يتعين على الأمريكيين اليوم غض الطرف، وسليلو المتطرفين المؤسِّسين للمملكة يلقِّنون فكرهم للنشء في كليات ومدارس ومساجد جاكرتا وكابول، التي تقوم على التمويل الوهابي. اندفع المجاهدون حشودًا من بلاد الحرمين الشريفين لينشروا الخراب أينما سنحت الفرصة. ولا تزال المملكة السعودية مصدر التمويل الرئيسي للإرهاب الإسلامي حول العالم.13
عندما أعلن الملك عبد الله — وسط همهمات الشيخوخة المتلعثمة التي تجعله يروق كثيرًا لفئة معينة من المعلِّقين الغرب — عن حزمة هِبات اجتماعية في أعقاب الربيع العربي من أجل شراء سكوت الشعب السعودي، أصدر في الوقت نفسه مرسومًا ملكيًّا؛ يقضي هذا المرسوم بمنع وسائل الإعلام من نشر أي شيء من شأنه أن «ينتهك الشريعة»، أو ينال من «المقام الرفيع والسمعة الطيبة» لكبار رجال الدين الوهابيين أو مسئولي الحكومة، أو «يضر بمصالح البلاد، أو يخدم المصالح الأجنبية، أو يروِّج لنشاط إجرامي، أو يهدد النظام العام، أو يضر بالأمن القومي».14 إذا وضعنا في الاعتبار مضي واشنطن قدمًا في اعتبار آل سعود ضمانة حيوية لما يروق لخبراء السياسة أن يسمُّوه «استقرارًا» — وهو اختصار لحماية المصالح الاستراتيجية لكلٍّ من أمريكا وإسرائيل — بالرغم من تشدقها بمساندة حقوق الإنسان وحريته في العالم، فستظل الأسرة المالكة السعودية في الحكم أمدًا بعيدًا. لن يقصف حلف شمال الأطلسي (الناتو) السعودية يومًا، أيًّا كانت درجة العنف التي يصل إليها القمع. وفي خطاب أوباما الحماسي الذي دعا فيه إلى ضرورة الإصلاح الاقتصادي في الشرق الأوسط في أعقاب الربيع العربي، أسدى إلى أصدقائه السعوديين معروفًا بعدم الإشارة إليهم، وأسدى إلينا معروفًا بإماطة اللثام عن الرياء المطلق الذي يشوب خطابه الرفيع عن الديمقراطية.15

وهكذا فالكل يشيد بنجاح «ارتباط» أمريكا بنظام سعودي يحكم بلدًا ما زال يحظر — عام ٢٠١٢ — قيادة المرأة للسيارة أو تركها المنزل دون أن يرافقها أحد أقاربها الذكور، وحتى عندما يحدث ذلك فلا بد أن تتشح بالسواد من رأسها حتى أخمص قدميها.

•••

ضللت طريقي ذات مرة في «عسير»؛ منطقة جبلية يسكنها عدد قليل من السكان على الحدود الجنوبية للسعودية مع اليمن. كانت «عسير» موطنًا للعديد من إرهابيي الحادي عشر من سبتمبر من قبيلة «غامد»، التي يبلغ عدد أفرادها المليون.16 فُتحت «عسير» على أيدي القوات السعودية في العشرينيات من القرن العشرين، ولذا ضُمَّت إلى السعودية عند تأسيسها عام ١٩٣٢. لكن طوال قرون سابقة على هذا التاريخ، كانت المنطقة مستقلة بشكل عنيد. ولا تزال المنطقة محتفظة بلهجتها العربية المميزة، ولباسها المحلي التقليدي، وفن المعمار يمنيِّ الطراز. غالبًا ما يحمل اليمنيون والسعوديون الذين يعيشون بالقرب من الحدود جنسيةً مزدوجة، فضلًا عن الروابط الأسرية أو القبلية التي تربط بينهم. وليس معنى ذلك أنهم يحتاجون جواز سفر للانتقال من إحدى الدولتين إلى الأخرى ليلتقي بعضهم ببعض؛ فمعظم المنطقة الحدودية الوعرة بلا حماية أو تمييز للحدود، فضلًا عن طرق تهريب البضائع المشقوقة ببراعة. وعندما ضللت الطريق، كان أكثر ما يلفت انتباه غربي اعتاد الحدود المرسومة والمؤمَّنة بعناية أنه بدا لي أني الشخص الوحيد الذي يهتم بأن يعرف في أيٍّ من الدولتين يكون. مؤكد أن هذا الأمر كان يمثل أهمية قصوى لي؛ فقد كان لدي تصريح إقامة سعودي، لكنه كان مختلفًا عن التأشيرة المطلوبة لدخول اليمن. ومن ثم كنت أخاطر لأني سيُقبض عليَّ بوصفي متسلِّلًا غير شرعي إذا حِدْت عن الطريق ودخلت الأراضي اليمنية. وبعد بضع ساعات، التقيت رجلًا مسنًّا يضع على رأسه إكليلًا من الزهور والأعشاب كعادة الذكور في قبيلة محلية معروفة باسم «رجال الزهور». سألته: هل نحن في السعودية أم اليمن؟ فأجابني غير مكترث: «الأمران سيان لدينا هنا.» وقدَّم لي شرابًا. في أغلب أنحاء الشرق الأوسط، تصبح فكرة شرطة الحدود — أو الحكومة المركزية في هذا السياق — أكثر ضبابية كلما ابتعدتَ عن العاصمة. بدلًا من ذلك فإننا نجد أن القبائل — التي يغلب أن تكون مدججة بالسلاح لا مؤيدةً لثقافة قوة الزهور — تحكم أراضيها شبه المستقلة مثل الإقطاعيات. وهكذا فعلى الرغم من أنه من الطبيعي للغرب أن يفكر في كيان متكامل اسمه «ليبيا» أو «العراق» أو «اليمن»، فإن عوامل مختلفة تمامًا تهيمن على الأطراف الفاعلة المحلية، عندما يحدث اضطراب سياسي، أو تدور رحى الحرب في الشرق الأوسط. وباختصار فإن جزءًا كبيرًا من العالم العربي يعيِّن هويته وفق مفهوم القبيلة. وإذا كانت الطائفية حجر عثرة في طريق بناء وحدة وطنية وسياسات تقدمية في أعقاب الربيع العربي، فالقبلية أشد منها خطرًا.
من أكثر الأمور المحزنة في الروايات المؤسفة العديدة التي ظهرت في أعقاب ثورة تونس — أكثر الدول العربية عصرية حيث قُوِّضت النَزعات الإقليمية والقبلية للغاية — أن الحساسيات الإقليمية والتحيزات القبلية سرعان ما عاودت الظهور مرة أخرى؛ ففي مدينة «المتلوي» الجنوبية الشهيرة بالتعدين، اندلعت أعمال الشغب بعد شهر من قيام الثورة؛ بسبب انتشار شائعات عن أن إحدى شركات التعدين قررت — لسبب ما — أن تعيِّن عمالًا من قبيلة بعينها. ترتب على ذلك انتشار حالة من الفوضى والدمار؛ إذ لقي خمسة أشخاص مصرعهم وأصيب العشرات، عندما فتحت المجموعات القبلية المتنازعة النار بعضها على منازل بعض، وهاجم بعضها بعضًا بالأسلحة البيضاء والعصي. وامتدت النزاعات القبلية حتى وصلت مدينتي «المظيلة» و«السند» المجاورتين. في السوق التاريخي للعاصمة التونسية، كان تجار العاصمة يتشاجرون مع الباعة القادمين لتوهم من الأقاليم.17 ومع اتخاذ تلك التحيزات القبلية والإقليمية طابعًا أكثر عنفًا عن أي وقت مضى، كتبت مجلة «كابيتاليس» التونسية الإلكترونية:
في ظل غياب أطر العمل الاجتماعية السياسية (حكومة قوية، وأحزاب سياسية يعوَّل عليها، ومؤسسات تمثيلية)، يلجأ الأفراد إلى ما يعتبرونه الهياكل الاجتماعية الأساسية؛ كالأسرة والعشيرة والقبيلة. لقد حلَّ التحالف القبلي والعشائري محل الشعور بالانتماء القومي والولاء المدني؛ إن وُجد هذا الشعور من الأساس في تلك المناطق المعرَّضة جورًا للتهميش والإهمال من الدولة.18

لا يمكن رمي النظام التونسي السابق بتهمة «إهمال» المدينة التاريخية في العاصمة. مع ذلك تظل الحقيقة أن القبَلية تحتل نفس درجة الأهمية التي يحتلها الإسلام السياسي في المنطقة؛ فالقوتان اللتان تناهضان الديمقراطية بشراسة تغذي كل منهما الأخرى. رأيي أن الإسلام السياسي أشبه بإدمان المخدرات، من حيث إنه لا يؤدي إلا إلى التلهف للمزيد منه. وأفضل الأراضي مرتعًا للمدمنين الجدد تلك التي تسودها النزعات القبلية والإقليمية؛ حيث ضيق الأفق وتأجيج الكراهية. ومن ثم فإن مؤيدي الإسلاميين الأساسيين في كل من تونس ومصر ينحدرون من الريف، أو ينتمون لعائلات هجرت الريف إلى المدن الكبرى، ووجدوا أنفسهم منجرفين في بحر من الفقر واليأس. إذا كانت تونس — البلد الذي يسكنه أفضل الشعوب العربية ثقافة — قد ارتدَّت سريعًا هكذا إلى جذورها القبلية والإسلامية (إذ لم يكلِّف نصف السكان الذين بلغوا سن التصويت أنفسهم عناء تسجيل أسمائهم في قوائم الناخبين)، فأي أمل يُرجى في ظهور حكومات تمثيلية في دول مثل ليبيا واليمن؛ حيث كانت القبلية والإسلام السياسي — وسيبقيان — من الجوانب الأساسية في الحياة اليومية للأفراد وفي منظوماتهم العقائدية؟! فشعبا هذين البلدين يناصبان أمريكا العداء في الأغلب، وبعد عقود من نيل الاستقلال، بالكاد يمتد نفوذ الحكومات المركزية خارج العواصم. وعلى حد ما ورد في مجلة «كابيتاليس» التونسية، فقد عُرف هذان البلدان بالغياب التام «لحكومة قوية، وأحزاب سياسية يعوَّل عليها، ومؤسسات تمثيلية» قبل حلول الربيع العربي.

الدروس المستخلصة من الماضي القريب في الشرق الأوسط تنذر بالسوء لمستقبل ليبيا واليمن، وهما الدولتان العربيتان اللتان انزلقتا في دوامة الحروب الأهلية الأكثر دموية. ولا تزال أفغانستان والعراق — بعد أكثر من عقد مضى على الغزو الأمريكي لهما، وبالرغم من أنهما تشهدان إجراء الانتخابات بصفة مستمرة — بعيدتان كل البعد على الصعيد الاجتماعي عن مفاهيم الغرب بشأن الليبرالية والتعددية. فسكان كلتا الدولتين مشغولون بنهش بعضهم بعضًا، ويعاني الليبراليون حدًّا من التهديد والتهميش، لا ينالون معه فرصة الإدلاء بآرائهم. في أفغانستان، لا يزال نفوذ الرئيس الدمية الفاسد حامد كرزاي قاصرًا على حدود العاصمة كابول. ويومًا بعد يوم تبدو حركة «طالبان» — ألدُّ أعداء أمريكا في السابق وأحد أسباب الغزو — شريك تفاوض مقبولًا إذا كانت هناك رغبة في تهدئة الأوضاع على الأقل، إن لم يكن إحلال السلام.19 أما في العراق، فالانتخابات الديمقراطية أتت بالأحزاب الدينية المتطرفة إلى السلطة. والحرب التي قادتها الولايات المتحدة أفسحت المجال أمام «القاعدة»، لتجد لنفسها موطئ قدم في البلاد للمرة الأولى. لم تستطع قوات التحالف محاربة الجهاديين إلا عن طريق شراء زعماء القبائل السنَّة. وهؤلاء ليسوا بأي حال من الأحوال الليبراليين الأكثر انفتاحًا للعقل، الذين يرجَّح أن تلتقي بهم في المنطقة. (لا يوجد عدد وافر من هؤلاء حتى في المراكز الحضرية الحديثة.) ومما يدلل على المستقبل القاتم لهذه الاستراتيجية أن تنظيم القاعدة تمكَّن مؤخرًا في أغسطس ٢٠١١ من تنفيذ عشرات التفجيرات المتزامنة في العديد من المدن العراقية؛ مما أسفر عن مقتل نحو ثمانين شخصًا وإصابة المئات.20 وقد سجَّل الشهر نفسه أعلى المعدلات في مقتل الجنود الأمريكيين منذ اندلاع الحرب قبل نحو عقد مضى.21 تسلك اليمن وليبيا حاليًّا نفس الطريق الذي سلكته العراق وأفغانستان من قبل.
قضى اليمن — أكثر البلدان قبلية في الشرق الأوسط — عقدين من الزمان فحسب دولةً صورية بعد إعلان الوحدة اليمنية بين الشمال والجنوب عام ١٩٩٠. مزَّقت الحروب القبلية اليمن باسم الربيع العربي. وقد تحدَّد مصير الرئيس اليمني على عبد الله صالح عندما انقلب ضده تحالف قبلي كبير يسمى «حاشد» ينحدر منه صالح نفسه.22 وعندما تعرض صالح لإصابات بالغة جراء قصف قصره الرئاسي، نُقل سريعًا لتلقي العلاج في السعودية. أنحى تحقيق أجري لاحقًا حول الهجوم باللائمة في تنفيذ الهجوم كاملةً على قادة عشيرته الذين كانوا يدينون له بالولاء يومًا.23 وإذا وضعنا في الاعتبار أن البلاد كانت تشهد حالة من الفوضى الكاملة أثناء إجراء التحقيق، وأن من قاموا على إجراء التحقيقات تحركوا وفق أجنداتهم الخاصة، فلا أحد يستطيع الجزم بمدى موضوعية التقرير. لكن من دون ميزة احتياطيات النفط الهائلة، وفي ظل مناخ قاس وأراض قاحلة وعرة، دائمًا كان اليمن الفقير بلدًا جدبًا رجعيًّا خارج نطاق السيطرة، تمزقه الضغائن القبلية الموجودة منذ أمد بعيد. وبطبيعة الحال لم تستطع التجربة الحمقاء المستجلَبة في القرن العشرين والمعروفة باسم «الشيوعية»؛ التخفيف من وطأة هذا الوضع في جنوب البلاد الذي كان مستقلًّا آنذاك. كان القمع هو السبيل الوحيد الذي استطاع صالح من خلاله أن يحكم البلاد مدة ثلاثة عقود. ولكي يسلك هذا السبيل، كان عليه أولًا أن يضم بعض القبائل الصديقة ذات النفوذ إلى صفِّه؛ لقمع القبائل الأخرى التي كانت تتمتع باستقلال أكبر، ومن ثمَّ تشكِّل تهديدًا محتملًا. وبالطبع لم تتأقلم القبائل المستبعَدة مع هذا الواقع بصدر رحب. وعندما وصل الربيع العربي إلى اليمن، كان بالفعل بلدًا مقطَّع الأوصال.
ستفوق تداعيات الحرب الأهلية اليمنية على المنطقة — وتحديدًا على المصالح الاستراتيجية للغرب — في جسامتها تداعيات الحرب في ليبيا؛ فاليمن يحظى بأهمية سياسية جغرافية محورية، إذ يحدُّ واحدًا من أهم الخطوط البحرية في العالم — وهو مضيق باب المندب — حيث نقطة التقاء البحر الأحمر بخليج عدن. وبذلك يكون اليمن مكانًا حيويًّا للنقل الآمن لجزء كبير من إمدادات النفط العالمية. ولأكثر من عقد من الزمان أثبتت أراضي اليمن الحصينة في الأغلب أنه لا سبيل إلى السيطرة عليها، ومن ثمَّ فقد وفرَّت مأوًى آمنًا — وقاعدة تدريب مركزية — لواحدة من أكثر الجماعات الإرهابية الإسلامية تطرفًا على الإطلاق؛ «القاعدة في شبه الجزيرة العربية». لدى السعودية على وجه التحديد — أهم منتجي النفط في العالم — سبب للقلق من التداعيات الإرهابية المحتملة من وراء الاضطراب الذي يشهده اليمن. أعلنت السعودية منذ زمن أن المهربين من جارتها الجنوبية يقدمون المتفجرات والأسلحة التي يستخدمها الإسلاميون المتطرفون الذين ينفذون هجماتهم في المملكة الوهابية. ضمت هذه الهجمات تفجيرين انتحاريين كبيرين لأهداف مدنية غربية عام ٢٠٠٣، أودت بحياة أكثر من خمسين شخصًا وأصابت المئات. كشف محمد حمدي الأهدل — القيادي السابق في تنظيم «القاعدة» باليمن الذي وُلد في السعودية وتلقى تعليمه بها — عند استجوابه أن سعوديين ويمنيين شاركوا في تمويل هجومين إرهابيين كبيرين في اليمن؛ أحدهما ضد المدمرة الأمريكية «يو إس إس كول» في أكتوبر عام ٢٠٠٠، أسفر عن مقتل ١٧ بحارًا أمريكيًّا، والآخر ضد ناقلة النفط الفرنسية «ليمبيرج» في أكتوبر عام ٢٠٠٢.24
قررت السعودية — أكثر المتشدقين بمعارضة الجدار الأمني الإسرائيلي — أن تحاكي النموذج الإسرائيلي بتشييد حاجز مثير للنزاع على طول حدودها التي يسهل التسلل إليها، وهو جزء من خطة أكبر لبناء نظام مراقبة إلكتروني على طول حدود المملكة برًّا وبحرًا.25 لم يُتوقع نجاح تلك الاستراتيجية من قبل قط، ونجاحها في أعقاب الربيع العربي صار أقل احتمالًا. فالمهربون اليمنيون الذين ينقلون الأسلحة والمتفجرات مشهورون بتطوير سبل مبتكرة لتفادي نظم المراقبة السعودية. وأي حملة لفرض النظام لن تؤتي ثمارها في وضع حدٍّ لتجارة الأسلحة، ما لم تعتمد الرياض على التعاون مع حكومة يمنية قوية. حتى عندما كان صالح ممسكًا بمقاليد الأمور بحزم، لم يكن لديه قط أي نفوذ مباشر على أقاليم البلاد وقبائلها. شاهدت ذلك بنفسي منذ بضع سنوات في إحدى رحلاتي إلى «صعدة»، وهي مدينة على الحدود اليمنية الشمالية مع السعودية. هناك وجدت سوق أسلحة في العراء يعرض المدافع الرشاشة، والقنابل اليدوية، بل يعرض صواريخ أرض-جو مثلما تُعرض الفاكهة والخضراوات في أسواق الغرب. وأغلق رجال القبائل المدججون بالسلاح الطرقَ إلى داخل وخارج المدينة بالكتل الخرسانية. كان المرور الآمن يستلزم دفع الرِّشا.26 وعلى بعد خمسة وعشرين ميلًا فحسب من الحدود السعودية، عُرِض عليَّ صاروخ أرض-أرض عيار ٨٥ ملليمترًا كفيل بتفجير مبنى كامل مقابل ٢٥٠٠ دولار فقط. لم تكن الصواريخ المضادة للطائرات — التي أُطلقت على طائرة نفاثة إسرائيلية في كينيا عام ٢٠٠٣ — معروضة مع الأسلحة الأخرى، لكني عندما سألت بعض التجار، أخبروني أن هذه الأسلحة الثقيلة لا تزال متوافرة، ولكن في مقابل السعر المناسب. قال أحد مواطني «صعدة» متفاخرًا: «نتمتع بالحرية المطلقة هنا. يمكن لأي شخص شراء أي شيء يريد ما دام يملك المال الكافي.»

منذ عقود وأسواق الأسلحة المنتشرة في البلاد تجذب آلاف المشترين يوميًّا. ويقدَّر عدد الأسلحة في اليمن بنحو ٦٠ مليون سلاح؛ أي بمعدل ثلاثة أسلحة لكل فرد. تعرض هذه الأسواق أسلحة من الصين، وروسيا، وبلجيكا، وإسبانيا، بل من إسرائيل التي ترفض اليمن الاعتراف بها. أثناء الحرب الأهلية القصيرة التي اندلعت بين الشمال والجنوب عام ١٩٩٤، اشترى صالح زعماء القبائل ليضمن دعمهم، وهو ما حقق له انتصارًا سريعًا. لكن زعماء القبائل في المناطق الريفية — الذين احتاج صالح دعمهم أيضًا لينجو من الانتفاضة التي اندلعت ضده عام ٢٠١١ — انتابتهم مخاوف من أن يؤدي تخليهم عن أسلحتهم إلى تهميشهم من الحياة السياسية، لذا رفضوا إغلاق أسواق الأسلحة. رضخ صالح مخافة التعرض لانتفاضة شعبية، وقد كان على حقٍّ في ذلك؛ فالرئيس اليمني السابق إبراهيم الحمدي تعرَّض للاغتيال عام ١٩٧٧ فيما ظنه كثيرون مؤامرة نفذها زعماء القبائل الذين ثارت ثائرتهم بسبب تدخل الحكومة في شئونهم. وأخيرًا عندما اندلعت الثورة التي كان يخشاها صالح، كان خصومه القبليون مسلَّحين تمامًا مثل جيشه.

أسفر التدخل السعودي السافر في الشئون الداخلية لليمن بعد قصف القصر الرئاسي للرئيس عبد الله صالح؛ عن تنامي مشاعر الغضب ضد السعودية بين قطاعات عريضة من السكان. وكثيرًا ما كانت مناهضة السعودية (والولايات المتحدة) الطابعَ المميز للمظاهرات. سوف تزيد تلك العداوة بين السعودية واليمن من صعوبة وضع حد لتجارة الأسلحة. وللسعودية تاريخ في دعم اليمنيين الساخطين في محاولة لاستغلال السياسة الداخلية، في بلد تعتبره تهديدًا أمنيًّا بسبب كثرة سكانه وموقعه الاستراتيجي. وعندما انقسم اليمن إلى دولتين أثناء الحرب الباردة، أصبحت مقاومة توحد الدولتين هدفًا من الأهداف المعلنة للسياسية الخارجية السعودية. لكن عندما توحدت اليمن عام ١٩٩٠، اعتاد اليمنيون اتهام السعودية بزيادة التمويل السري للعديد من الجماعات اليمنية المتمردة. وقد ظل العديد من زعماء القبائل اليمنيين المعارضين للحكومة المركزية في صنعاء يتلقون الأموال من السعودية. أيضًا لاقت محاولات عزل القبائل اليمنية الممتدة على الحدود مقاومة شرسة من جانب تلك القبائل؛ إذ هاجموا العمال القائمين على بناء الحواجز الفاصلة، وبحسب ما ذكره أحد كبار زعماء قبيلة «وايلة»، فلديهم ٣٠٠٠ رجل مسلَّح «جاهزون للحرب في أي وقت إذا لم ترفع السعودية ما بنته في بلادنا».27
يفرض الإرهابيون الإسلاميون تهديدًا لمفاهيم الغرب عن الديمقراطية أكثر مما تفرضه الطائفية والقبلية في اليمن. تنتشر جماعات تنظيم «القاعدة» في العديد من الدول في الشرق الأوسط الكبير بدءًا من باكستان وحتى الجزائر. وهذه الجماعات تستفيد من الاقتصاديات المتداعية، وأيضًا من تطرف الشباب الذي يعزى في الأغلب إلى سياسة التدخل التي تقودها الولايات المتحدة. يعتبِر تنظيم «القاعدة» اليمنَ الموطن الأصلي له؛ فهو وطن أسلاف مؤسس التنظيم أسامة بن لادن، الذي لم يسفر مقتله عام ٢٠١١ — في واحدة من تلك الغارات الأمريكية الغريبة التي شاركت وسائل الإعلام في تنسيقها — عن شيء سوى تحريض أتباعه على شن المزيد من الهجمات الصفيقة. في عهد صالح كان لليمن قائد، ليس حليفًا مخلصًا للسعودية فحسب، وإنما للحرب التي تشنها واشنطن على الإرهاب. وبعد إصابته، كان تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية أول المستفيدين. في مايو ٢٠١١، نزل مئات من أفراد التنظيم تحت جنح الليل من الجبال إلى مدينة «زنجبار» عاصمة محافظة «أبين» الجنوبية اليمنية، وبعد غارة سريعة على قاعدة لقوات الأمن، استولوا على المدينة بأكملها. لم يكن الجنود في القاعدة أندادًا لهم، وأحد أسباب ذلك أن الجيش اليمني يعاني عجزًا حادًّا في التمويل، وقصورًا في التدريب، وضعفًا شديدًا في التسليح. والسبب الثاني أن معظم الجنود كانوا قد نُقلوا إلى العاصمة لحماية الرئيس. وبعد أسبوع استولت القاعدة في شبه الجزيرة العربية على مدينة «عزان» — في محافظة «شبوة» جنوب شرقي اليمن — وأعلنت أنها ستنضم هي الأخرى للخلافة الإسلامية الناشئة.28 وبعد بضعة أشهر، حذَّر مسئولون يمنيون من أن الإسلاميين لا يزالون يسيطرون على جزء كبير من جنوب البلاد، وأنهم يخططون لتفعيل الحكم على المنوال الذي تتبعه حركة «طالبان».29
اعتبر الثوار اليمنيون أن الهدف من وراء هذا التحذير هو نشر الذعر، لكنها أرض «القاعدة» التي سرعان ما بدأت تقطع الأيدي على جرائم السرقة الصغيرة، بما في ذلك قطع يد فتى يبلغ من العمر خمسة عشر عامًا لسرقته بعض الأسلاك الكهربائية.30
في البداية اشتكى صالح من أنه لا يملك خيارًا سوى مجاراة أمريكا في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر، لكنه زاد من تعاونه مع واشنطن وحقق نجاحات بمساعدة أمريكية. وفي نوفمبر ٢٠٠٢، غض اليمن الطرف عندما أطلقت الاستخبارات المركزية الأمريكية صاروخًا من طائرة بدون طيار من طراز «بريديتور» استهدف أحد كبار زعماء تنظيم القاعدة.31 اعتقلت الحكومة اليمنية أيضًا المئات من الميليشيات الإسلامية. وزادت وتيرة هذا التعاون حديثًا، حيث كان الجيش الأمريكي يدرِّب وحدة يمنية جديدة لمكافحة الإرهاب في الصحراء، في الوقت الذي يقود فيه الأمريكيون حملة ناجحة لتعقب المشتبه بهم من تنظيم «القاعدة» داخل البلاد.32 مع ذلك ظلت مشاعر الغضب تجاه أمريكا راسخة ومنتشرة في اليمن، وهو ما رأيته رأي العين في صنعاء، عندما قبضت القوات الأمريكية على صدام في ديسمبر عام ٢٠٠٣. على الفور شق أحد المواطنين الغاضبين في العاصمة طريقه إلى المدينة الأثرية، وطعن أول ثلاثة غربيين قابلهم. زادت الحوادث المرورية عشرة أضعاف؛ إذ كان السائقون المحبطون ينفِّسُون عن شعورهم بالخزي، بعضهم في وجه بعض. واضطرت المدرِّسة اليمنية التي تدرِّس لي اللغة العربية — والتي كثيرًا ما كانت تندِّد بالدور الأمريكي في المنطقة وعلى وجه التحديد غزوها للعراق — أن تلغي الدرس لأنها كانت تبكي بكاءً مرًّا. وامتلأت الصحف المحلية بدعوات للجهاديين كي يشقوا طريقهم إلى العراق.
كما لو أن الشقاق القبلي المتزايد وتمكُّن «القاعدة» لم يكونا كافيين. تكثر الانقسامات الإقليمية والطائفية أيضًا في اليمن. في السنوات التي سبقت الربيع العربي، أسفر تمردٌ قادَه حسين بدر الدين الحوثي — وهو شيعي متطرف يختبئ وسط ٣٠٠٠ تابع مسلح في منطقة الشمال الوعرة قريبًا من الحدود السعودية — عن مقتل الآلاف وتشريد عشرات الآلاف، وهي أرقام كبيرة إلى حدٍّ صادم، حتى في منطقة يحمل كل ذكورها الذين تخطوا سن البلوغ الأسلحة جهارًا، وفيها الصراعات القبلية العنيفة شأن معتاد. ظهرت جماعة معارضة جديدة تسعى إلى انفصال الجنوب، ومعظم أعضائها لا يزالون يكنون استياءً بالغًا للمكاسب الكبرى التي حققتها الوحدة اليمنية عام ١٩٩٠ لشيوخ قبائل الشمال وهم الحلفاء القدامى للرئيس صالح. ذكر البيان الرسمي الصادر عن الجماعة التي أطلقت على نفسها اسم «التجمُّع الديمقراطي الجنوبي» أنها ترفض سياسيات الوحدة القسرية والطمس المتعمَّد للهوية الجنوبية.33 في صنعاء عندما بدأت المحاكمة الشهيرة عام ٢٠٠٤ لستة من عناصر «القاعدة» المشتبه بهم في تفجير المدمرة الأمريكية «يو إس إس كول» في أكتوبر عام ٢٠٠٠، اتسعت الهوة بين النظام الموالي للولايات المتحدة وبين المواطنين المنقسمين الذين يشتعلون غضبًا ضد أمريكا بعد غزو أفغانستان والعراق. هدد بيان صادر على أحد المواقع الإلكترونية يحمل توقيعًا لإسلاميين متطرفين بتحويل اليمن إلى «مستنقع ثالث» للقوات الأمريكية التي كانت تحارب وقتها في العراق وأفغانستان. صدر البيان الذي تألَّف من عشر صفحات عن «كتائب أبو حفص المصري»، وهي جماعة غامضة أخرى تسمي نفسها باسم قائد الجناح العسكري لتنظيم «القاعدة» الذي لقي حتفه في غارة جوية أمريكية في أفغانستان عام ٢٠٠١، وأعلنت مسئوليتها في وقت سابق عن عدد من الهجمات على أهداف غربية في اليمن.34 جاء في البيان: «أهدافنا في المرحلة المقبلة هي: توسيع دائرة الصراع من خلال توسيع العمليات في كل أنحاء العالم، وجرُّ أمريكا إلى مستنقع ثالث، بعد العراق وأفغانستان، وليكن اليمن إن شاء الله.»35 ومع مطلع الربيع العربي استجاب الله دعاءهم.
تزامَن بدء محاكمة «يو إس إس كول» مع ظهور تقارير عن حملات اعتقالات واسعة النطاق في صنعاء لرجال دين مناهضين للولايات المتحدة، بل كبير قضاة مشتبه به في دعم التمرد الشيعي الذي قاده الحوثي في الشمال. وجهت الحكومة للحوثي — زعيم فرقة الزيدية الشيعية — تهمة تشكيل عصابة مسلحة إرهابية وإثارة النزاع الطائفي. والزيدية جماعة شيعية معروفة تاريخيًّا باعتدالها، وأفرادها يعيشون في الأساس في الشمال الغربي لليمن. لكن يبدو أن الحوثي — شأنه شأن نظيره في العراق مقتدى الصدر — استطاع أن يجمع في فترة وجيزة نسبيًّا جيشًا صغيرًا على مرأى من السلطات. طلب الرئيس اليمني صالح من الحوثي أن يسلم نفسه ووعده بمحاكمة عادلة، في الوقت الذي أدان فيه أتباعه — المعروفين باسم «الشباب المؤمن» — بزعم مهاجمة المساجد، وتحريض اليمنيين على تسليح أنفسهم ضد هجمات أمريكية محتملة، وادعاء أن الديمقراطية في اليمن ستصل برئيس يهودي إلى سدة الحكم.36 عندما زار صالح الشمال، كال له أتباع الحوثي الشتائم، واضطر أن يعود على أعقابه مسرعًا. ولأن الحوثي — الذي لقي مصرعه لاحقًا في معركة مع الجنود اليمنيين — كان شيعيًّا، فإنه لم يحظ قط بتأييد واسع النطاق في بقية أرجاء اليمن التي يعيش بها نحو ٦٠ بالمائة من السنَّة. مع ذلك كاد يكون لخطابه المناهض لكل من أمريكا وإسرائيل صدًى لدى الشعب اليمني كله. فالنتيجة الوحيدة التي شهدها رجل الشارع اليمني جراء تحالف حكومته مع واشنطن أزمة اقتصادية متفاقمة، وهوَّة متزايدة بين الأغنياء والفقراء، ومزيد من الاضطراب الاجتماعي في صورة إضرابات عمالية ومظاهرات إثر ارتفاع أسعار السلع الأساسية وتخفيض الدعم على الوقود. كانت الأوضاع التي يشهدها اليمن تحذيرًا من مهد العالم العربي. فيومًا بعد يوم كان رئيس اليمن الموالي المخلص لأمريكا يفقد الاتصال مع فئة الشباب مسلوبي الحقوق المناهضين لأمريكا. كان الإسلاميون المتطرفون من الفصائل المتعددة يتحركون لملء الفراغ. هكذا كان الوضع عندما حل الربيع العربي.
ظهرت جماعات دينية تطبق القانون من دون صفة قانونية؛ شكَّلوا علنًا عام ٢٠٠٨ هيئة لتنبيه رجال الشرطة إلى ما يحدث من انتهاكات للشريعة الإسلامية، وللمساعدة في تحديد الأماكن وتعقب الأشخاص الذين ينشرون الرذيلة. أطلقت هذه الجماعة الجديدة على نفسها اسم «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، وهو نفس اسم الشرطة الدينية السعودية الرسمية التي ظلت طوال ثمانية عقود تهاجم المواطنين ليحافظوا على أوقات الصلاة ويغضوا أبصارهم عن النساء. كان الشيخ عبد المجيد الزنداني هو الزعيم الذي عيَّن نفسه بنفسه في اليمن، وهو شيخ وهَّابي ورئيس جامعة «الإيمان» في صنعاء، وهي جامعة اشتهرت بكونها بيئة خصبة لتنشئة الطلاب المتطرفين؛ أمثال جون ووكر ليندا الأمريكي، الذي قاتل مع حركة «طالبان».37 كان الزنداني المتحدث الرسمي السابق باسم جماعة الإخوان المسلمين في اليمن، وهو مؤيد علني لحزب «الإصلاح» — الحزب السياسي الإسلامي الرئيسي في اليمن — الذي يشكل كتلة قوية في البرلمان. جذب الاجتماع الذي دعا إلى تأسيس «هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» في اليمن نحو ٦٠٠٠ من الحضور، أغلبهم زعماء دينيون وقبليون وأعضاء منتخبون من البرلمان أيضًا. ضم أعضاء البرلمان نحو ٦٠ إسلاميًّا من جماعة «الإصلاح» السياسية التي يدعمها الزنداني. في الوقت نفسه شنت الجماعة هجومًا على «انتشار الفساد الأخلاقي» في اليمن. شددت الجماعة التي تطبق القانون بأيديها على ضرورة اتخاذ الحكومة إجراءً ضد الرقص المختلط، واستهلاك الخمور أو بيعها، والأعمال التليفزيونية المشينة، وعروض الموضة، والتعليم المختلط، والحفلات الموسيقية، واشتغال النساء بالسياسة، والتماثيل المستخدمة في عرض الأزياء بالمتاجر، والنوادي الليلية. أوجزت رحمة حجيرة — رئيس منتدى الإعلاميات اليمنيات — التهديد الذي يفرضه الإسلاميون قبل الثورات التي شهدها عام ٢٠١١ بقولها:
حركة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الجديدة هذه بإمكانها تقويض الحكومة. تبذل الجماعات المجتمعية المدنية قصارى جهدها من أجل تحديث المجتمع وتأسيس عقد اجتماعي متأصل في دستورنا ومتفق مع قوانيننا. ووجود جماعة تستخدم الدين سلاحًا يهدد كل ما حققناه من تقدم.38

بعبارة أخرى هدَّدت هذه الهيئة بتحويل اليمن إلى مملكة سعودية، وهي دولة كانت أكثر اقتدارًا على تقويض الحكومة عندما تقاعست عن أداء دورها. إن تسمية هذه الحركة الجديدة التي تبدو في ظاهرها عفوية ضد «الفساد الأخلاقي» تيمنًا باسم الشرطة الدينية السعودية، وتَرَؤُّسَها رجل دين على صلات دينية ومالية وثيقة بالنظام السعودي — هو ملاك الأمر. فوجود دولة يمنية بالكاد فاعلة ولكن مع حكومة مركزية قوية نسبيًّا هو ما يروق للأسرة المالكة السعودية؛ لأنها هكذا لا تمثل تهديدًا، ويرأسها نظام منحاز لواشنطن (ومؤيد للحرب على الإرهاب)، ولكن يسهل التلاعب به أيضًا. مع ذلك تعتبر الرياض أن سقوط الدولة كابوس مروع. يبدو أن السعوديين — الذين يتمتعون بالدهاء السياسي لا شك — قد بادروا بالتحرك على جبهة المعروف والمنكر في السنوات التي سبقت الربيع العربي؛ ليس لأنهم توقعوا حدوثه، وإنما لمعرفتهم أن الدولة كانت على شفا الانهيار في كل الأحوال. كانوا يأملون أن يمسك بمقاليد الحكم نظام إسلامي رجعي صديق، ومن ثم تتيسر الدعوة الموحِّدة (ومحل الترحاب الشديد من السعوديين) للعودة إلى الإسلام الأصولي.

وهكذا كانت الرياض تحتل موضعًا مثاليًّا، يخول لها التحرك عندما اندلعت انتفاضة اليمن عام ٢٠١١. الشيخ صادق الأحمر — أكبر زعماء قبائل «حاشد» التي انقلبت ضد الرئيس صالح — هو ابن الراحل عبد الله بن حسين الأحمر الذي أسس حزب «الإصلاح» الإسلامي المعارض. وشقيق صادق — حامد الأحمر — هو رجل أعمال شهير وعضو بارز في حزب «الإصلاح». ومعروف عن الشقيقين أنهما على صلات بكبار رجال الدولة السعوديين، مثلما كان اللواء صاحب النفوذ علي محسن الأحمر الذي انضم إلى المعارضة في وقت مبكر؛ في الوقت الذي يقال فيه إن حزب الإصلاح نفسه يحظى برعاية سعودية.39 عندما كان صالح في السعودية، اختطف هذا التحالف الإسلامي القبلي المموَّل من الرياض الثورات الحاشدة في العاصمة اليمنية. تحكَّم حزب «الإصلاح» — أكثر الأحزاب السياسية المعارضة نفوذًا — في مجريات الأمور يومًا بعد يوم في «ساحة التغيير»، مركز الحركة الاحتجاجية. كان حزب «الإصلاح» يتلقى تمويلًا من الملياردير حامد الأحمر؛ أحد كبار زعماء قبائل «حاشد»، والعضو البارز في حزب «الإصلاح». كان الحزب «يدفع المال مقابل إطعام آلاف المتظاهرين، الذين لا يزالون يتخذون من «ساحة التغيير» مأوى لهم. تحولت المطاعم المحيطة بالساحة إلى مطبخ ضخم ينتج كميات هائلة من البقول والأرز والخضراوات التي توزع على المتظاهرين كل يوم، وكلها بتمويل من «الإصلاح»».40 اختفى الليبراليون الذين استُنزفوا بعد أشهر من الاحتجاجات والقمع الوحشي. وكما حدث في جميع أرجاء الشرق الأوسط، بدا أن للإسلاميين طاقة لا حد لها وحماسًا لقضيتهم، وأنهم الوحيدون المستعدون للتضحية بكل شيء في حربهم لتحقيق ما يريدون.
كل هذه أخبار جيدة للسعوديين، وللغرب أيضًا من منظور حربهم على الإرهاب على المدى القصير على الأقل. فلا حزب «الإصلاح» ولا قبائل «حاشد» يملكون وقتًا لتنظيم «القاعدة». غير أنهم لا يملكون وقتًا للديمقراطية أيضًا، ولديهم أقل القليل من أجل حرية الرأي والتعبير الثقافي. وتظل الوحدة اليمنية حلمًا صعب المنال. ففي أغسطس ٢٠١١، أسست المعارضة اليمنية أخيرًا «مجلسًا وطنيًّا» يكون بديلًا لنظام الرئيس صالح. وبعد يوم واحد استقال ٢٣ عضوًا على الأقل من جملة أعضائه البالغ عددهم ١٤٣ عضوًا؛ معظمهم من أعضاء حزب «الإصلاح». والسبب أن المجلس ينقصه التوازن بين الأعضاء الممثِّلين عن أقاليم الجنوب والشمال.41 في تلك الأثناء عاد صالح إلى اليمن، ولكنه أصبح أكثر امتنانًا للسعوديين من أي وقت مضى بعد أن عرضوا عليه المأوى. ومع اقتراب اليمن من شفا حرب أهلية، كانت كل الاحتمالات قد درسها السعوديون.

•••

يستمد اليمن — شأنه شأن البحرين — أهميته وثقله من موقعه الحيوي على الصعيد الاستراتيجي. لكن لا تملك أي من الدولتين مخزون نفط مؤثرًا، على عكس ليبيا. هذا الأمر مكَّن السعوديين من عقد اتفاق مع واشنطن: دعونا نغزُ البحرين، وسنصوت لقرار الأمم المتحدة رقم ١٩٧٣، الذي بدأ تدخل الناتو في ليبيا بمنح حق استخدام «كل القوة اللازمة» لحماية المدنيين.42 احتاجت أمريكا دعم السعودية في تمرير القرار، لأنه بهذه الطريقة سيقدم أوباما حربه في ليبيا على أنها مهمة إنسانية — وليس طمعًا في منبع نفط آخر — ساقه جزئيًّا إليها حلفاؤه الأوروبيون الملِحُّون. بمساعدة السعودية، اتخذت الحرب من كل العرب المحبين للحرية غطاءً في صورة تأييد من الجامعة العربية العقيمة. الأمر الذي كان يشغل بال واشنطن حقًّا هو أمن قاعدتها البحرية في البحرين. لا يمكن لواشنطن تحت أي ظرف السماح بوصول النفوذ الإيراني إلى الجزيرة الصغيرة، وهو ما كان سيحدث حتمًا لو كان النجاح قد حالف الانتفاضة التي قادها الشيعة هناك. استفاد الأمريكيون والسعوديون كثيرًا في مؤامرتهم، لأنه لم يحضر التصويت على قرار الناتو سوى نصف أعضاء الجامعة العربية البالغين إجمالًا اثنين وعشرين عضوًا، ولأن ستة أعضاء من الأحد عشر عضوًا الذين صوتوا هم في الوقت نفسه أعضاء في «مجلس التعاون الخليجي»، الذي كان يتحرق شوقًا إلى غزو البحرين.43 لم يجد السعوديون غضاضة في اتخاذ قرارهم بخيانة العقيد القذافي في مقابل احتواء إيران التي يهيمن عليها الشيعة، وحماية القاعدة البحرية الأمريكية في البحرين، وضمان غض واشنطن الطرف عن قمعها للمظاهرات الشيعية في «المنطقة الشرقية». انتشرت الكثير من الأقاويل على مدار سنين بأن القذافي حاول اغتيال الملك عبد الله، ومعروف أنهما تبادلا السباب في قمة الجامعة العربية عام ٢٠٠٢ (أسفر هذا عن قطع البث المباشر). علاوة على ذلك، فإن آل سعود — الذين حكموا هم أنفسهم دولة قبلية على مدار ثمانية عقود — كانوا يعرفون أن اندلاع انتفاضة في ليبيا سوف يعني انزلاقها إلى حرب أهلية ونزاعات قبلية دائمة. فهل من وسيلة أفضل من هذه لإثبات أن الوضع القائم كان أفضل بكثير من التمرد والخراب؟
عندما اندلعت الحرب الأهلية لاحقًا في ليبيا، تمزقت هي الأخرى بين القبائل. سرعان ما وقعت بعض حقول النفط الكبرى في أيدي رجال القبائل المحليين المسلحين. إذا كان لليبيا أن تتوحد مرة أخرى — وهو احتمال بعيد كالوضع في اليمن — فلن يحدث ذلك إلا في ظل قيادة مجلس قبلي، يعمل كحكومة وطنية، يتعين عليها احتواء مطالبات الجهاديين — الذين حاربوا جنبًا إلى جنب معهم للإطاحة بالعقيد القذافي — بإقامة دولة إسلامية. ومع تورط الغرب أكثر وأكثر في محنته الليبية، بات واضحًا أنه — وتحالفه حديثًا مع «ائتلاف الراغبين» — كان يحمي ويسلِّح عن عمد حشدًا من الغوغاء يطلق عليهم اسم «المتمردين الشرقيين» لا يقتصر على العصابات القبلية الجامحة، وإنما يضم عددًا هائلًا من المتطرفين الإسلاميين. صرح سيف الإسلام — نجل القذافي — في خضم الحرب الأهلية أنه اتصل بالإسلاميين من بين جموع المتمردين، وأن الحكومة ستعلن عن تكوين تحالف معهم. قال سيف الإسلام: «سوف يفرُّ الليبراليون أو سيُقتَلون.» وأضاف: «سنقوم بذلك معًا … ستصبح ليبيا مثل السعودية وإيران. ما المشكلة؟ أعلم أنهم إرهابيون، ودمويون، وغير محبوبين. لكن لا بد من تقبُّلهم.»44 لم يسفر هذا التحالف عن شيء، لكن خلاصة القول أن هذا هو نفس النهج الذي كانت تنتهجه قوات الناتو منذ البداية. كرر الغرب في ليبيا الخطأ القاتل الذي ارتكبه في أفغانستان والعراق؛ تسليح رجال القبائل والجهاديين المتعصبين. وعاجلًا أو آجلًا، سوف ينقلب هؤلاء ضد من يموِّلونهم.
لم يعتقد أحد في وجود أي معارضة منظَّمة ضد العقيد القذافي، باستثناء الإسلاميين المتشددين الذين كان قد قبض عليهم وزج بهم في المعتقلات. فحتى عندما بدأ التمرد في مدينة بنغازي الشرقية، لم تستول المعارضة إلا على رقعة صغيرة من الأرض. ومعظم ما حققوه من مكاسب كان يرجع إلى انشقاقات في صفوف القوات التابعة للقذافي التي انصاع أصحابها للحجج المقنِعة المرتبطة بانتماءاتهم القبلية والعائلية. وبمرور الوقت لم يتأكَّد عن المتمردين — إذا حكمنا عليهم من سيل التقارير الصحفية — إلا أنهم كانوا يفتقرون إلى التنظيم، ويطلقون النيران في الهواء، وكثيرًا ما كانوا يولون الأدبار،45 وكلها على حد علمنا أساليب مجدية في حرب العصابات، لكن ربما تقل جدواها إذا كان ما تتوقعه قوات الناتو هو أن المتمردين سيطوون البلاد من شرقها إلى غربها كما يُطوى البساط. لخَّص أحد الأكاديميين الأمريكيين الموقف عندما قال: «ستكون مفاجأة كبرى عندما يرحل القذافي، ونتبيَّن مع من نتعامل فعلًا.»46
مفاجأة كبرى عندما يرحل القذافي؟ كل من قرأ صحيفة «ذي وول ستريت جورنال» يوم ٢ أبريل ٢٠١١ يعرف أن أحد قادة المتمردين — عبد الحكيم الحصادي (المعروف أيضًا باسم عبد الحكيم بلحاج) — كان عضوًا في «الجماعة المقاتلة الإسلامية الليبية» منذ التسعينيات.47 و«الجماعة المقاتلة الإسلامية الليبية» أحد الفصائل الجهادية التي تتبنى العنف، والتي شنَّت — على مدار عقود — حربًا مقدسة ضد نظام القذافي؛ بغرض إقامة دولة إسلامية. حُظرت الجماعة دوليًّا بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر،48 عندما ذهب زعيمها الحصادي إلى أفغانستان. اعترف الحصادي صراحةً أنه جنَّد العشرات من أفراد «القاعدة» لخدمة قضية التمرد في العراق، حيث تشكِّل «الجماعة الليبية الإسلامية المقاتلة» ثاني أكبر جماعة من المقاتلين الأجانب (بعد القادمين من السعودية معقل الإرهابيين). أضاف الحصادي أن معظم هؤلاء قد انضموا إلى حركة التمرد في ليبيا.49 يرى الحصادي أن مقاتليه في ليبيا «وطنيون ومسلمون صالحون» وأن أفراد «القاعدة» «هم أيضًا مسلمون صالحون يحاربون المحتل» في العراق.50

أثناء الثورة، تحولت «الجماعة الليبية الإسلامية المقاتلة» إلى «كتيبة درنة»، وهي واحدة من المليشيات الإسلامية المتعددة المعروفة رسميًّا باسم «كتيبة شهداء أبو سليم». و«أبو سليم» سجْن في طرابلس، وهو المكان الذي شهد مذبحة ١٩٩٦، عندما قُتل ١٢٠٠ سجين سياسي إسلامي. أما «درنة» فمدينة تقع بالقرب من بنغازي، وهي الأخرى مركز للمقاومة الإسلامية التي يرجع تاريخها إلى الصراع ضد المستعمرين الإيطاليين. كانت المدينة مركزًا لتجنيد الجهاديين الذين شقوا طريقهم إلى أفغانستان لمحاربة السوفييت في الثمانينيات من القرن العشرين، وعندما عادوا إلى ديارهم، شنوا انقلابًا ضد نظام القذافي في التسعينيات. أعقب هذا التمرد حملة صارمة لفرض النظام انتهت بمذبحة سجن «أبو سليم»، التي أدت بدورها إلى اندلاع التمرد المدعوم من قوات الناتو، الذي أطاح أخيرًا بالقذافي.

انطلقت شرارة الثورة الليبية عندما تظاهرت أسر ضحايا تلك المذبحة ضد حملات الاعتقال المتكررة للمحامي المفوَّض منهم في مطلع عام ٢٠١١.51 انضم أهالي بنغازي إلى الاحتجاجات من منطلق الكراهية القبلية للقذافي، الذي كَرِه بدوره المدينة المتمردة، حتى إنه أشار إليها باسم «العجوز الشمطاء».52 تحققت إطاحة قوات الناتو بنظام القذافي بمساعدة المقاتلين المتمردين على الأرض الذين كان يحركهم العداء الديني والقبلي، لا التلهف لتطبيق النظام البرلماني البريطاني. عندما أجرى القذافي مقابلة مع ثلاثة صحفيين غربيين بعد وقت قصير من اندلاع الثورة ضده، أشار إليها مرارًا وتكرارًا بأنها تمرد تقوده «القاعدة»، وهو ما كان مثار تهكم لا حد له من المعلِّقين الغربيين.53 وبالرغم من كل الجنون المعروف عنه، فإنه أصاب كبد الحقيقة في هذه النقطة. كان «المتمردون» متطرفين إسلاميين يقاتلون من أجل فرض الشريعة الإسلامية في ليبيا ما إن يطاح بالقذافي العلماني. ورد في صحيفة «ذي ديلي تليجراف» اللندنية في تلك الفترة: «أصدر أبو يحيى الليبي — أحد زعماء القاعدة من أصل ليبي — بيانًا يؤيد الثورة منذ أسبوع مضى، وأصدر يوسف القرضاوي — رجل الدين المقيم في قطر الذي تربطه صلات بجماعة الإخوان المسلمين — فتوى تبيح لحاشية العقيد القذافي قتله.»54

عندما شنَّت قوات الناتو حملتها في مارس ٢٠١١، انقسمت الآراء حول مدى النجاح المتوقع لها في إرغام القذافي على التخلي عن السلطة. لكن هناك جانبًا واحدًا في الحملة اتفق عليه جميع المراقبين؛ أنه في ظل التحول العلني للولاءات المقدَّمة لأحد الأطراف من أكثر من ٢٠٠٠ من أبناء البلد، فإن القبائل القديمة هي التي ستحدد مدة الحرب ونتيجتها. وعلى درجة الأهمية ذاتها، ستحدد هذه القبائل أيضًا ما الذي سيحدث بعد أن يَهزم أحد الأطراف الآخر ولو اسمًا على الأقل. وليس معنى ذلك أنه عند الحديث عن الحرب الأهلية في ليبيا يسهل تحديد كُنْه الولاءات لدى الأطراف المتنازعة. فالميليشيات الإسلامية حاربت جنبًا إلى جنب مع القبائل، ولكن باستقلالية، بمعنى أنهم رفضوا ممارسة طرف آخر النفوذ الكامل عليهم. ومثلما يفعل المرتزقة في أوقات الحرب، فإن قبائل العرب معتادة على تغيير ولاءاتها؛ استجابة لنزوة ليس إلا. وفي النهاية لا ولاء لهم إلا لأفراد عشيرتهم. فضلًا عن ذلك فإنهم يحتقرون مفهوم الدولة القومية. وحده الأحمق من يراهن على ولائهم على المدى الطويل، أو يعتبرهم قوة قومية موحدة. ووحده الأبله من يتوقع منهم اعتناق مبادئ الديمقراطية التي يعتنقها الغرب. ومن أكبر مشاكلهم أنهم سرعان ما ينحرفون عن غايتهم بالهجوم الانتقامي بعضهم على بعض؛ من أجل تصفية نزاع قديم، أو ردًّا على مساس حديث (فعلي أو متوَهم) بشرفهم.

طالما كان للحفاظ على الشرف لدى قبيلة «العُبيدات» صاحبة النفوذ — التي كانت من أوائل القبائل المنضمة إلى التحالف المناهض للقذافي — أهميةٌ تفوق كل ما عداه، وما من شيء أثار حفيظتهم كما فعل اغتيال قائدهم عبد الفتاح يونس في يوليو ٢٠١١. أطلق موته شرارة حرب أهلية بين القبائل في البلاد. كان يونس وزير الداخلية شديد البأس في حكومة القذافي سابقًا، وفي فبراير ٢٠١١ انضم إلى المتمردين وأصبح قائدهم العسكري اللامع. في البداية سادت حالة من النشوة — لم يستلزم لحدوثها الكثير — أوساط الإعلام الغربية عندما انشقت قبيلته وقبائل كبرى أخرى. كان هذا الانشقاق في أحسن الأحوال سابقًا لأوانه، وفي أسوئها ساذجًا. ربما كان يجدر بشعار الحملة العسكرية التي شنتها قوات الناتو أن يكون «عدُوُّ عدُوِّي صديقي». حاولت قوات الناتو أن تستميل القبائل المتمردة الكبرى مثل «العبيدات» للدخول في تحالف بغيض مع الجهاديين المتطرفين والليبراليين المنادين بالديمقراطية، وهما جماعتان أخريان كانت قوات الناتو تزودهما بالكثير من السلاح. الحافز الذي كان يحرك القبائل هو الحصول على حصة من ثروات النفط الهائلة في البلاد، حالما يُنصَّب نظام جديد مدعوم من الغرب. أراد الجهاديون الانتقام من القذافي على عقود اضطهاده لهم، وأيضًا تطبيق الشريعة الإسلامية. أما الليبراليون — وهم الفصيل الأقل حصانة في مثل هذه الظروف — فكانوا يأملون أن تنبثق بصورة أو بأخرى من غبار الفوضى ديمقراطية تؤدي إلى إقامة دولة مدنية علمانية، ووسط حماسهم الأولي لسيطرة المتمردين على طرابلس، أعلنوا وبكل ثقة أن هذا ما سيحدث.

على الصعيد العسكري، تبدو استراتيجية تجنيد القبائل ناجحة للغاية. سرعان ما انضمت قبيلة «ورفلة» — أكبر القبائل الليبية (التي تشكل سدس إجمالي سكان الدولة) — المكونة من مليون فرد إلى التحالف المناهض للقذافي، وهو ما منح المعارضة الثورية دعمًا هائلًا في معاقلها في طرابلس وبنغازي؛ أكبر المدن الليبية (كانت بنغازي تحديدًا العاصمة الفعلية للثوار). انشقاق قبيلة «ورفلة» تلاه انشقاق قبيلة «ترهونة» التي تتكون هي الأخرى من نحو مليون فرد. لكن مقتل يونس شهد بداية إخفاق الاستراتيجية السياسية، التي تتبناها قوات الناتو، في نفس الوقت الذي استمر فيه تدفق المكاسب العسكرية الكثيرة على المتمردين. أُطلقت النيران على يونس واثنين من مساعديه — من قبيلة «العبيدات» أيضًا — بعد أن استدعاه إلى بنغازي «المجلس الانتقالي الوطني» المدعوم من الغرب. لم تتحدد مسئولية أحد عن الحادث، لكن التمثيل بالجثث جعل البعض يشير إلى أنها جريمة ثأر قبلية عادية. أشار آخرون بأصابع الاتهام إلى الإسلاميين الذين كانوا يحاربون ظاهريًّا جنبًا إلى جنب مع المتمردين. وحقيقة الأمر أن الإسلاميين يهوَوْن التمثيل بالجثث، فضلًا عن أن لديهم الدافع القوي لاغتيال وزير الداخلية السابق الذي كان مسئولًا عن اعتقالهم وتعذيبهم على مدار عقود. سرعان ما رفضت قبيلة «العبيدات» عرضًا من «المجلس الانتقالي الوطني» بالتحقيق في مقتل يونس، وقررت بدلًا من ذلك تطبيق القانون بنفسها. هدد نجل يونس بعد ساعات من بدء أتباعه القبليين موجة من إطلاق النيران قائلًا: «سوف نترك تحقيق العدالة للقبيلة.»55 بعدها أُقيلت حكومة «المجلس الانتقالي الوطني» بالكامل، وهو ما يعني أن السبيل الوحيد لتوحد المتمردين ألَّا ترأسهم قيادة مدنية على الإطلاق. بعدها بقليل بدأت بعض القبائل والجماعات المعارضة الأخرى تسعى إلى نشر بذور الفرقة بين صفوف المتمردين لخدمة أجنداتها المتنافسة. ولا يعني ذلك أن استراتيجية الناتو قد نجحت حتى هذه النقطة في تحقيق شيء آخر سوى تشجيع الوحدة الظاهرية بين المتمردين عديمي التنظيم. حتى قبل اغتيال يونس، كان المتمردون من مدينة «مصراتة» المحاصَرة يرفضون الانضمام إلى الثوار من بنغازي بسبب الانتماءات القبلية المتضاربة. كانت الفصائل القبلية المتناحرة داخل «مصراتة» تتقاتل هي الأخرى بضراوة بعضها مع بعض، وذلك بسبب خصومة قديمة بين أهل «مصراتة» وأهالي مدينة «تاورغاء». حمل المقاتلون من قبيلة «زنتان» — الموالية لحركة التمرد — الأسلحة تحديدًا في وجه قبيلة «مشاشية» الموالية للحكومة، بدلًا من محاربة قوات القذافي مباشرة، مستغلة حالة الفوضى لتسوية عداوات قديمة.

إنها عينة مما سيكون عليه الحكم في ليبيا مستقبلًا، عندما تصل هذه المجموعات المتمردة إلى السلطة. ومن هذا كله يتضح السبب في أن السبيل الوحيد الذي استطاع من خلاله القذافي أن يحكم ليبيا عقودًا كان القمع والقهر القبلي. حاول القذافي تقويض التحالفات القبلية عن طريق زواج الأقارب، والتحديث، والتوسع الحضري، والإحساس بالفخر القومي المستمَد من الحرب المناهضة للاستعمار التي حققت الاستقلال وأوصلته إلى سدة الحكم. المفارقة المأساوية في الحرب الأهلية الليبية أن القبائل — وشبكة علاقاتها وخصومها المعقدة — أصبحت تشكل مجددًا أهمية محورية في مصير البلاد. وكذا أصبح حال الجهاديين المتطرفين الذين تعرضوا للقمع يومًا، والذين إما أن القذافي أطلق سراحهم في المراحل الأولى من الحرب (في محاولة لتهدئة المعارضة)، أو أنهم فرُّوا من السجون. انعدام الوحدة بين القبائل إلى جانب الانشقاقات التي لا مفر منها بين الليبراليين والإسلاميين وبين صفوف الإسلاميين هو الذي دفع القذافي طوال شهور إلى رفض الدخول في تسوية تفاوضية.

الأمل الوحيد أمام حملة الناتو الخرقاء — التي أسفرت عن قتل عدد كبير من المدنيين والتدمير الحتمي للبنية التحتية المدنية — هو أن تستبدل في أفضل الظروف بنظام القذافي مجلسًا قبليًّا يتخلله الإسلاميون مع تهميش الليبراليين إن لم يكن قتلهم، أو بدلًا من ذلك إلقاء نظام القذافي (أو ما تبقى منه) في أيدي الإسلاميين.

في أغسطس ٢٠١١ وفي مقال حصيف يشكك في رواية الربيع العربي التي لا تزال مهيمنة، طرح جورج فريدمان — مؤسس مركز «ستراتفور» الاستخباراتي — تقييمًا للمأزق الليبي أكثر واقعية مما كان متاحًا بوجه عام وقتها. قال فريدمان: تغير النظام هناك «لن يكون مؤكَّد النجاح قطعًا»، وحتى إن كان كذلك، فإنه «لن يكون ديمقراطيًّا قطعًا»، وإن كان ديمقراطيًّا، «فلن يكون ليبراليًّا قطعًا». واختتم مقاله بأن الأسطورة التي تردد أنه «في أعماق كل ليبي يوجد جمهوري فرنسي يتوق لتنسم هواء الحرية مشكوك فيها إلى أبعد الحدود».56 بعد أسبوع من ظهور مقال فريدمان، صرح عبد الجليل قائد الثورة الليبية أن قوات المعارضة التابعة له قد اختارت شن هجومها الأول على طرابلس في شهر رمضان، الذي يوافق ذكرى موقعة «بدر» الإسلامية (أولى معارك المسلمين).57 تلك الحقيقة لا تبث الثقة في مستقبل ليبرالي علماني لليبيا. الأمر المؤكد الوحيد هو أن ولاء القبائل معروض لشراء من يدفع أكثر، وسيظل هكذا دائمًا. ولهذا السبب عندما كان التحالف السياسي يتصدع بين القبائل، ونجل القذافي يخطب ود الجهاديين، دعا القذافي قبائله المخلصة مرارًا وتكرارًا للعودة إلى الصف في وجه «الاستعمار» و«العدوان» الأجنبي. كان يثير في نفوسهم فترة الحرب ضد الاستعمار عندما كانت القبائل والإسلاميون عاملًا رئيسيًّا في حرب الاستقلال ضد إيطاليا. لم يلتفت الغرب للبيان الرسمي الذي أصدره «المجلس القبلي الليبي» — الذي يمثل كافة القبائل الليبية التي لا بد من ترضيتها بعد الإطاحة بالقذافي — في يوليو ٢٠١١ قبل استيلاء المتمردين على طرابلس مباشرة، وإن كان يرجَّح أن القذافي قرأه بإمعان في ذلك الوقت. ومما ورد في البيان:
المجلس القبلي يشجب الاعتداء الصليبي على الجماهيرية الكبرى، الذي تنفذه قوات حلف (الناتو) والقوات العربية الارتدادية، التي تشكل خطرًا محدقًا على المدنيين الليبيين من خلال استمرارها في قتلهم، معتبرة إياهم أهدافًا مدنية لقذائف (الناتو). نحن لا نقبل ولن نقبل بغير السلطة التي اخترناها بإرادتنا الحرة؛ ألا وهي مجلس الشعب، واللجان الشعبية، والزعامة الشعبية الاجتماعية … إننا نهدف إلى معارضة معتدي (الناتو) الصليبيين وأذيالهم الذين يعينونهم بجميع الوسائل المتاحة.»58
أيضًا كانت هناك مظاهرات حاشدة تخرج بصفة مستمرة في طرابلس ضد العدوان الغربي وتأييدًا للقذافي، لكنها لم تكن تحظى بالتغطية الكافية في الغرب.59 بالرغم من عدم الحصول على أي تفويض قانوني من أي جهة دولية، فقد نُفِّذ هجوم المتمردين الأخير على طرابلس بالمساعدة التي لم يكن عنها غنى من القوات الخاصة الغربية، سواء فيما يتعلق بالقتال على الأرض، أو بالتدريب العسكري الذي تلقاه المتمردون سلفًا.60 كانت هذه المساعدة مطلوبة؛ لأن زعماء الغرب — ومن بينهم أوباما — لم يكفوا في البداية عن قولهم إن القذافي سيرحل في غضون أسابيع إن لم تكن أيامًا. لقد أساءوا تقدير فاعلية التدخل العسكري، وأساءوا أيضًا تقدير مستويات التأييد الهائلة التي يحظى بها القذافي داخل العاصمة. أفاض القذافي مبالغ طائلة من ثروات النفط على مقر السلطة الرئيسي؛ ولذا لم ينتفض سكان طرابلس ضده. بضعة آلاف من إجمالي سكان المدينة المقدر عددهم بمليوني نسمة هم من أيدوا المتمردين. ومن المستبعد مستقبلًا أن تتقبل أعداد كبيرة من غير المؤيدين؛ مجلسًا انتقاليًّا مدعومًا — قطعًا — من الخارج، مهمته الأساسية بيع ثروات البلاد لصاحب أعلى عرض، سواء أكان فرنسا أم بريطانيا أم إيطاليا أم الولايات المتحدة.
في غضون أسبوع من سقوط طرابلس، كانت الشركات الغربية قد بدأت تدافعها من أجل السيطرة على قطاعات النفط في البلاد. استُبعدت الصين وروسيا — اللتان رفضتا دعم حملة الناتو — منذ البداية.61 وهكذا حققت الحملة مرادها من سرقة النفط الليبي. وفي هذا الصدد تحديدًا، يمكن اعتبار ليبيا قصة نجاح في أعقاب النموذج العراقي. سوف تتشكل هيئة إدارية من أتباع القذافي سابقًا، الموالين للغرب والمحميين بالنفوذ الغربي، الذين صاروا بين عشية وضحاها أكثر ثراءً ونفوذًا عما كانوا يتخيلون. وكحال العراق، سيكون الثمن التضحية بالنظام السياسي الذي كان علمانيًّا ذات يوم في ليبيا. سوف تصبح ليبيا محافِظة أكثر، وسيهيمن الإخوان المسلمون والسلفيون الأكثر تشددًا على المشهد السياسي، مع استمرار التمويل القادم من قطر الوهَّابية التي أيدت المتمردين منذ البداية.62 ولن ينزعج الغرب الذي يتقرب من وهَّابيي السعودية المتعصبين طوال ثمانية عقود، والذي يتفاوض مجددًا مع حركة «طالبان» في أفغانستان. ويؤكد ذلك على أن ليبيا لا تخطو على طريق ديمقراطية الغرب، كما الحال مع السعودية وأفغانستان. من المؤكد أن ليبيا ستتخذ الطابع الظاهري للديمقراطية، مثلما فعل العراق بعد سقوط صدام، فسوف تحتفي وسائل الإعلام الغربية بالانتخابات، وكأنها علامة على المجيء الثاني للمسيح؛ لأن المرشحين المدعومين من الغرب سوف يضمنون الفوز عن طريق التمويلات الهائلة وحملات الدعاية البارعة، التي ينسقها جيش من مستشاري الغرب، الذين يتدفقون على البلاد كالجراد. حريٌّ بنا أن نتذكر ما قاله الجنرال الأمريكي أنتوني زيني، تعقيبًا على السلوك الذي كان ينتهجه منسقو الحرب العراقية في خضم حالة الفوضى، التي اجتاحت البلاد بعد انتهاء الحرب رسميًّا: «ربما يظهر رجل قوي. البلاد تتمزق، وهناك بالفعل دولة كردية. لكن من يبالي؟ هناك إراقة للدماء وحالة من الفوضى. من يبالي؟ أعني أننا قد نلنا من صدام، وأكَّدنا قوتنا في الشرق الأوسط.»63
مثلما حدث في العراق، بدأت الحرب الفعلية في ليبيا بعد إعلان الغرب انتهاء مهمته. فالمنظومة المتشابكة من العداوات والانتماءات القبلية في ليبيا فضلًا عن ميليشياتها الإسلامية معناها أن أي حكومة وحدة وطنية ستجد من الصعب — إن لم يكن من المستحيل — الحفاظ على مصداقيتها في عين رجل الشارع الليبي. سوف يستمر تناحر القبائل الكبرى بعضها مع بعض من أجل الحصول على مزيد من النفوذ، وسوف تشن القبائل المقهورة التي لم يعد لديها ما تخسره حربًا أبدية من أجل الثأر. وسوف يدرك الليبراليون أنهم لا يملكون جمهورًا يتحدثون باسمه في هذا البلد البدوي الرجعي، وسيوصَمون بالتعاون مع قوى الغرب التي دكَّت بلادهم أشلاءً بدعوى تحريرها. وعندما تخفت النشوة، سيقف الفساد والمحسوبية حجري عثرة في طريق إعادة البناء الشاقة للبلاد. وعاجلًا أم آجلًا سيملأ الإسلاميون الفراغ، ولن يتهاونوا قيد أنملة في مطلبهم بإقامة دولة إسلامية. سوف تضطر الحكومة الوطنية إلى النزول على هذا المطلب، بل إنهم سيتقبلونه بصدر رحب كوسيلة لإبعاد أنفسهم علنًا عن سفاحي الغرب الذين نصبُّوهم في أماكنهم وهم مستمرون في دعمهم. حتى قبل سقوط طرابلس، أصدر المجلس الانتقالي بقيادة المتمردين مسودة دستور ينص بوضوح على أن الشريعة الإسلامية ستكون «المصدر الرئيسي للتشريع» وسط توقهم العربي الجديد إلى الحرية والتحرر.64 وبحلول أكتوبر ٢٠١١، كان السلفيون قد حطَّموا عشرات من شواهد القبور حول طرابلس، زاعمين أنها صورة من صور الوثنية التي تخالف الشريعة الإسلامية.

عندما اعتُقل القذافي، لم تُشِر معاملته على أيدي الغوغاء الذين أمسكوا به أن ليبيا تتحرك خطوة نحو الأفضل؛ فبعد تعذيبه وإدخال عصا في مؤخرته، أُعدِم بدماء باردة. وبعد بضعة أيام، أعلن حاكم ليبيا المؤقت إلغاء كل القوانين التي تنتهك الشريعة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠