الفصل السادس

وماذا بعد؟

عندما هزت الثورة التونسية العالم في يناير ٢٠١١، زعم أحد كتاب المحافظين الجدد، وهو الكاتب ماكس بوت، أن الرئيس جورج دابليو بوش كان محقًّا في فرض «أجندة الحرية» التي وضعها للشرق الأوسط.1 كم بدت الأمور مختلفة عن حقيقتها في ذلك الحين في نظر معظم المراقبين الخارجيين، وإن كانت واضحة تمامًا لي. كان بن علي قد فر لتوه من تونس. وبدت أكثر بلدان العالم العربي حداثة وتقدمًا، التي تضم أفضل السكان تعليمًا؛ مهيأة لتحويل نفسها إلى النسخة الشمال أفريقية من البرتغال. وكان مبارك على وشك السقوط في مصر، وذلك البلد أيضًا لديه تاريخ ثري وعميق من التسامح والتعددية والوئام بين أفراد الديانات المختلفة. نُحِّي مبارك عن السلطة على أثر واحدة من أكثر الثورات شعبية في التاريخ، وهي ثورة نأى الإسلاميون بأنفسهم عنها في البداية. وعلى فيسبوك وتويتر، كانت أصوات الشباب في الشرق الأوسط، من الأردن إلى الجزائر واليمن، تطالب بالديمقراطية والحرية، وإن كان ذلك بلغة إنجليزية اصطلاحية مثيرة للريبة. قيل لنا إن ما يحدث هو شكل حميد من أشكال نظرية تساقط أحجار الدومينو. سوف تجتاح الديمقراطية الليبرالية المنطقة دون توقف. وفور سقوط ديكتاتور واحد، فإن الباقين سوف يسقطون في أعقابه.

منذ البداية، كان واضحًا لي أن مقولة بوت كانت من باب التمني لا أكثر؛ فقد كانت عقيدة بوش تسخر منها بشدة بالفعل. فها هو العراق، منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة، قد تردى إلى جحيم طائفي لا مكان فيه لسلطة القانون، وجاءت الديمقراطية بنور المالكي إلى السلطة، وهو خادم لطهران عازم على إقامة دولة دينية شيعية وفق التصور الذي تراه إيران. وكذلك تبين أن الحكومة الديمقراطية في أفغانستان «المحررة» ما هي إلا حفنة فاسدة من أفراد العشائر. فبعد عقد من «تحرير» البلاد، لا تكاد سلطة الدولة تتجاوز حدود العاصمة كابول، وحتى تلك المدينة لا يمكن أن يقال على نحو جاد إنها تقع تحت السيطرة الكاملة للحكومة المركزية. ومن وسط أعمال الدمار والقتل، ظهر شريك تفاوض وحيد هو الذي يمكنه أن يعرض على واشنطن أملًا في مستقبل أكثر استقرارًا، وخروجًا آمنًا من المستنقع الذي غاصت فيه؛ إنها حركة طالبان، التي خاضت أمريكا الحرب ضدها في المقام الأول.

ما كاد بن علي يفر من تونس حتى كان الآلاف يرحبون بعودة الزعيم الإسلامي المنفي راشد الغنوشي. وفي غضون فترة قصيرة، استُبدل بحظر لمواقع الإنترنت حظر آخر أوسع نطاقًا، وتعرضت النساء للهجوم لعدم ارتداء الحجاب، وجاب المتعصبون الشوارع بحثًا عن العصاة. وكل هذا على الرغم من دعوة الغنوشي نفسه إلى مجتمع إسلامي أكثر اعتدالًا. وفي مصر، أطيح بمبارك، ثم أحرقت الكنائس، وهُدمت أضرحة الصوفية المعتدلين، وهاجم رجال بِلِحًى غير مهذبة، وعيون يتطاير منها الشرر، النساءَ المتظاهرات، وطالبوا بمنع بيع المشروبات الكحولية وبمنع ارتداء البيكيني على الشواطئ. وفي سوريا، كان نظام علماني متحفز على وشك الانخراط في ضرب الإسلاميين. وفي المملكة العربية السعودية، كان هناك استباق ﻟ «يوم الغضب» من مؤسسة دينية وقفت وقفة رجل واحد تدعم حكام المملكة الطاعنين في السن، وأعلنت أن جميع أشكال التظاهر ليست من الإسلام في شيء. وأذعنت الجماهير السعودية بتعقل ولزم أغلب الناس بيوتهم. وفي الوقت نفسه، أتقنت واشنطن سياسة النفاق في المنطقة وتجاهلت اعتقال السلطات للمواطنين السعوديين الذين شقوا عصا الطاعة. وسحقت الدبابات السعودية الانتفاضة الشعبية في دولة البحرين الصغيرة المجاورة، عندما كان الرئيس أوباما يوجه إحدى محاضراته التعليمية عن الديمقراطية إلى العالم الإسلامي. وفي اليمن، سيطر تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية على بلدات بأكملها باسم الربيع العربي، في حين اختطف حزب الإصلاح الإسلامي التظاهرات الشعبية في البلاد.

بالطبع كان هناك ليبراليون وسط كل هؤلاء المتظاهرين؛ كان أغلب هؤلاء الليبراليين من الشباب الذين أرادوا المزيد من الحريات، وتطلعوا إلى الغرب — ربما إلى أوروبا أكثر من أمريكا — كنموذج لمستقبلهم المأمول. وهل من وجهة أخرى يمكن أن يتطلعوا إليها؟ وكان بينهم أيضًا مثقفون في منتصف العمر ظنوا أن الوقت قد حان لتتحقق أحلام ظلوا يحلمون بها طوال حياتهم. ولكنهم كانوا — كما تبين الآن — أقلية ضئيلة لا تمتلك ما يلزمها لتحقيق النصر، سواء من المهارات السياسية القاسية أو التأييد الشعبي الكبير. ولم تكن الغالبية العظمى من المتظاهرين تعرف شيئًا عن الأيديولوجيات السياسية؛ فلم يكن ما أخرج هؤلاء إلى الشوارع هو رغبة متقدة في انتخابات حرة ونزيهة، وإنما ظروف اقتصادية طاحنة كانوا يعيشون فيها. وكان هؤلاء يلقون باللوم عن تلك المتاعب على أنظمة الحكم الفاسدة في بلدانهم، وعلى إسرائيل، وبالطبع، على الغرب أيضًا، كما اعتادوا أن يفعلوا دومًا منذ وقت طويل. وحتى الليبراليون — وهذه نقطة لا يمكن أن نوفيها حقها من التأكيد — كانوا يخدعون أنفسهم عندما التمسوا لدى الغرب حلًّا لمشاكلهم الداخلية. فالديمقراطيات الغربية التي يفترض أنها مستقرة، والتي اعتبروها قدوة ونموذجًا، استغرقت قرونًا للخروج من خندق الدين الدموي المؤلم، الذي قام على تربة غنية بالحروب، والتطهير العرقي، والإبادة الجماعية، والتجارب الوحشية في المثالية السياسية. لقد نشأت ثروة الغرب وقوته عن قرون من الاستغلال للبلدان الفقيرة. فكما بينت الأزمة المالية العالمية عام ٢٠٠٨، فإن الغرب اعتمد على مذهب استهلاكي أعمى؛ وجهته أوهام مالية هشة، وقدر هائل الضخامة من المشتقات المالية والديون، التي صنعتها وحافظت عليها واستغلتها علاقات ارتباط وثيقة بين شركات كبرى متعددة الجنسيات، متواطئة مع نخبة سياسية عالمية، تفلت على نحو متزايد من المحاسبة أمام جماهير الشعب. بعد قرون، كانت الديمقراطيات الغربية تتداعى أخيرًا إذن، في الوقت نفسه الذي كان الشباب الليبراليون في الشرق الأوسط يخرجون إلى الشوارع على أمل تكرار النموذج الغربي كله في غضون أربع وعشرين ساعة. وتلك هي المفارقة الكبرى للربيع العربي.

تجاهل الليبراليون العرب أيضًا إلى حد بعيد أن الزعيم الحالي للعالم الحر، على الرغم من لونه المختلف، كان مثل سابقه في كل شيء عندما يتعلق الأمر بالشرق الأوسط. فقد ظل المصرفيون يوجهون السياسة المالية الأمريكية. وما دام «الاستقرار» يتعرض للتهديد في أي مكان في العالم، فإن هؤلاء المدافعين الذين لا يكلون عن الحرية يتشبثون بحلفائهم حيثما أمكنهم ذلك، أو يقيمون تحالفات جديدة مع من يمكنهم تنصيبهم من الشركاء الأكثر رجعية وإذعانًا وفسادًا. وبعبارة أخرى، فإن أحلام الليبراليين العرب كانت هي نفسها في نهاية المطاف أحلامًا رجعية؛ فهي قائمة على فكرة حول ما كان يجب أن تكون عليه بلدانهم لو كانوا هم في مكان مختلف تمامًا. كانت الحرية والحكومة التمثيلية فكرتين جذابتين بقدر هائل ما دامتا في الغرب، تمامًا كما كانت الشيوعية طوال الثمانين عامًا البائسة للاتحاد السوفييتي. لكن أما وقد عجزت الفكرتان عن أن تريا النور، فإنهما تبدوان غير واردتين في الشرق الأوسط إلى حد يثير الجنون. وفي كثير من دول المنطقة، ربما كان من الأفضل لليبراليين المنتمين إلى المتظاهرين أن يلزموا بيوتهم، ويوظفوا مواردهم الضخمة في التخطيط لرحلة سريعة إلى المنفى بدلًا من التظاهر.

علق الباحث المصري النبيه سمير أمين في مقابلة أجريت معه وسط الأحداث الملتهبة للربيع العربي في أغسطس ٢٠١١ قائلًا إن هناك «العديد من المخاطر بالطبع، ومن بينها، على المدى المتوسط، احتمال أن يسود بديل إسلامي رجعي». وأضاف قائلًا إن تلك هي خطة واشنطن «التي تدعمها أوروبا أيضًا مع الأسف، على الأقل فيما يخص مصر». وأوضح أمين أن الخطة هي إقامة تحالف بين الحكام العسكريين المصريين الرجعيين وجماعة الإخوان المسلمين، وهو تحالف يدعمه أيضًا حلفاء واشنطن في المنطقة، بقيادة المملكة العربية السعودية، بل تدعمه إسرائيل ذاتها. هل ستفلح الخطة إذن؟ من الممكن أن تفلح على المدى المتوسط، لكنها لن تقدم أي حل لمشاكل الشعب المصري. لذا فإن حركة الاحتجاج — وهي هنا تعني الصراع — سوف تستمر وتتصاعد.2

تحليل أمين لسياسة أوباما الواقعية صحيح تمامًا. فقد دعم السعوديين في غزوهم للبحرين، ودعم المتمردين المتصلين بتنظيم القاعدة في ليبيا، ودعم ثورة السعودية المضادة بوجه عام في جميع أنحاء المنطقة، وهي الثورة التي اعتمدت على دعم جماعة الإخوان المسلمين، والجماعات التابعة لها، بل حتى الجماعات السلفية الأكثر تطرفًا من تونس إلى مصر، ومن اليمن إلى سوريا. لكن عندما يسأل نفسه عما إذا كانت مقاومة الليبراليين لهذه الثورة المضادة التي يقودها تحالف واشنطن الرياض ستفلح أم لا، يبدأ سمير أمين في الانحراف نحو مضمار مختلف تمامًا من التحليل. فلا أحد يعلم ما سيحدث في الشرق الأوسط على المدى البعيد. لعل العرب سيكونون هم أول من يرسل رجلًا إلى سطح المريخ. ولكن المهم هو المدى المتوسط، وعلى الرغم من كل التفاؤل الذي لا يزال يسود المشهد، فمن الواضح — لأولئك الذين يهتمون بالنظر إلى الواقع القائم على الأرض — أن الإسلاميين سوف ينتصرون. وبالطبع، وكما يوضح أمين أيضًا على نحو صائب، فإن الإسلاميين لا يقدمون حلًّا للمحن الاقتصادية والاجتماعية التي أخرجت المتظاهرين إلى الشوارع في المقام الأول. ولكنهم يقدمون شيئًا مغريًا في غياب الحلول الجادة؛ إنه حل بسيط يتمثل في شعار «الإسلام هو الحل». يقدم الإسلاميون السلوى في مواجهة مشاكل تستعصي على الحل، وسيصبح الثمن الهائل الذي ستضطر شعوب هذه الدول إلى دفعه مقابل تلك السلوى واضحًا على نحو تدريجي أكثر بطئًا بكثير. فكما يوضح النموذجان السعودي والإيراني، فمن المستحيل إزاحة الأنظمة الديكتاتورية الإسلامية عن السلطة فور أن توطد تلك الأنظمة أركان حكمها. وحتى تركيا — بطبقتها السياسية العسكرية الحاكمة التي كانت في يوم من الأيام علمانية على نحو راسخ لا يتزعزع — تتحول ببطء الآن نحو ديكتاتورية انتخابية إسلامية. وما دام الإسلاميون يحظون بدعم تعداد السكان المتدين الهائل في الريف والمدن النائية، فستظل الديمقراطية ميزة ترجح كفتهم، لأن النخبة العلمانية الليبرالية التقدمية تشكل بطبيعتها جزءًا أصغر بكثير من جمهور الناخبين. وكل ما يحتاجه الإسلاميون هو عدد كاف من الحافلات لنقل مؤيديهم المخلصين إلى مراكز الاقتراع.

أظهر مقال نُشر في مجلة «فورين أفيرز» واسعة التأثير في عام ٢٠١١ مدى فعالية الإسلاميين الذين سيحكمون دول المنطقة على المدى المتوسط في الدعاية الخارجية، إذ لعبوا ببراعة على إدمان واشنطن لألعاب الشطرنج الجيوسياسية. كتب شادي حامد، من معهد «بروكينجس إنستيتيوشن» ذي التوجه البرجماتي المفرط، يقول: «ما من شك أن الديمقراطية سوف تجعل المنطقة أكثر تقلبًا، وسوف تجعل بعض الحكومات أقل إذعانًا لمصالح الأمن القومي الأمريكي.» ولكن لا داعي للخوف؛ فالتيارات الإسلامية «السائدة»، مثل الإخوان المسلمين في مصر وحزب النهضة في تونس، «لديها ميول نفعية قوية»، كما يؤكد لنا حامد. لقد أظهرت هذه التيارات أنها «مستعدة للتنازل عن أيديولوجياتها» عندما تواجه «خيارات صعبة». يقول شادي حامد:
لكي توجه الولايات المتحدة الشرق الأوسط الجديد سريع التغير في الاتجاه الذي تريده، عليها أن تستجيب لهذه الغرائز عن طريق الدخول في حوار استراتيجي مع الجماعات والأحزاب الإسلامية في المنطقة. ومن خلال إشراكهم في الحوار، يمكن للولايات المتحدة حث هؤلاء الإسلاميين على احترام المصالح الغربية الأساسية، بما في ذلك دفع عملية السلام بين العرب وإسرائيل، والتصدي لإيران، ومكافحة الإرهاب. وسيكون من الأفضل تطوير مثل هذه العلاقات مع جماعات المعارضة الآن، ولا تزال الولايات المتحدة تمتلك النفوذ، عن تأجيل ذلك إلى وقت لاحق، بعد أن تكون تلك الجماعات قد وصلت بالفعل إلى السلطة.3

وهكذا فإن الإسلاميين سيعتلون السلطة، شئنا أم أبينا، ومن الأفضل لنا أن نقف وراء من سيفوز. ولكن ماذا عن النساء في المنطقة، والمسيحيين، والشيعة، والأعداد الآخذة في التضاؤل من المثقفين أصحاب الفكر الحر، والمسلمين العاديين المعتدلين، بحسب تعبير الرئيس أوباما، الذين لا يرغبون في العيش في كنف دولة ثيوقراطية وهابية متخلفة؟ يمكن لهؤلاء، فيما يبدو، أن يذهبوا إلى الجحيم. إن «المصالح الأمنية» الأمريكية والإسرائيلية تأتي في المقام الأول وتتحقق على أفضل صورة عن طريق التحالف مع الشيطان. ولو أن هذا التوجه — مع كونه غير أخلاقي إلى حد هائل — حقق بالفعل هذه المصالح، فسيكون مفهومًا على الأقل من وجهة نظر برجماتية بحتة.

غير أن مشكلة الحجج البرجماتية هي أن التاريخ عودنا على سحقها سحقًا؛ فقد ساند البرجماتيون نظامًا فاسدًا وراء آخر في فيتنام الجنوبية، ومع ذلك خسروا الحرب وسلموا المنطقة إلى الصين على طبق من ذهب. وساند البرجماتيون الشاه في إيران وحملت الثورة في ذلك البلد آية الله الخميني إلى السلطة. وفر الشاه إلى مصر في البداية. وبعد ذلك بعامين، اغْتِيل مضيفه أنور السادات — الذي كان قد منح الشاه ملاذًا آمنًا، وكان أقرب الحلفاء العرب إلى واشنطن بعد إبرام اتفاقية السلام مع إسرائيل — على أيدي إسلاميين متطرفين. وفي ثمانينيات القرن العشرين، سلح البرجماتيون في واشنطن أسامة بن لادن وحركة طالبان. وساند البرجماتيون خلَف السادات في مصر، حسني مبارك، وهو عميل مذعن آخر للغرب، وبعدها شهدت مصر في عام ٢٠١١ نسخة مكررة من الثورة الإيرانية. ثم هناك علاقة واشنطن الممتدة لثمانية عقود مع المملكة العربية السعودية، وهي قوة عظمى بالمنطقة؛ منها جاء بن لادن وخمسة عشر من خاطفي الطائرات التسعة عشر الذين نفذوا هجمات الحادي عشر من سبتمبر.

عن طريق دعم اختطاف الإسلاميين لثورات الربيع العربي، تثبت واشنطن شيئًا واحدًا هو أنها لم تتعلم أي درس من الماضي، وستكون العواقب وخيمة على مستقبل الشرق الأوسط، لا سيما فيما يتعلق بالديمقراطية ومكافحة التطرف. فالحقيقة أن ما يسمى بالإسلام السياسي المعتدل ما هو إلا خرافة. هناك بالطبع أكثر من مليار «مسلم» معتدل في العالم، وهؤلاء أناس يصلون الصلوات الخمس يوميًّا أو لا يصلون، ويصومون شهر رمضان أو لا يصومون، وربما يرددون حكايات خرافية لا ضير منها عن لحم الخنزير، والشيطان، وسلوك الطيور عند الكعبة، أو يسعون في الواقع، من خلال دراسة مضنية للقرآن والأحاديث النبوية، إلى التوفيق بين القيم الأساسية لدينهم وبين الحياة الحديثة والاكتشافات العلمية. ولكن «الإسلام السياسي» أيديولوجية سياسية تتخذ من التفسير الحرفي الأصولي للقرآن خطة عامة للمجتمع: الشريعة الإسلامية، والفصل بين الجنسين، وقهر المرأة، وخضوع عامة الناس لسلطة رجال الدين. وإما أن تكون إسلاميًّا خالصًا أو لا تكون، تمامًا على النحو الذي تكون به المرأة إما حاملًا أو غير حامل؛ فلا توجد حلول وسط. وكما أوضح هذا الكتاب، فإن الاختلافات الأساسية الوحيدة القائمة بين جماعات الإسلام السياسي المختلفة، سواء الشيعية أو السنية، تتمثل في السرعة والاستراتيجية التي تأمل في أن تحقق بها أهدافها، ونظام الحكم الفعلي المستخدم في تحقيقها، وفيما يمكن أن نسميه عمومًا السياسة الخارجية. فبعض الإسلاميين يتمنون القضاء المبرم على جميع الكفار في الحال، وإقامة خلافة إسلامية عالمية بعد صلاة الجمعة المقبلة. والبعض الآخر قانع بالقمع الداخلي مع ممارسة التأثير على العالم الخارجي، بالقدر الذي تسمح به الخزانة العامة للدولة، وترك الباقي لله.

وهذا هو الجانب الذي تمكن فيه الإسلاميون من خداع السياسيين الغربيين أصحاب النظرة البرجماتية. لقد اصطنعوا المرونة في قضايا مثل الغزو الأمريكي لدول عربية أخرى أو تأييد حق إسرائيل في الوجود. توسطوا أيضًا في تحديد أسعار النفط، واشتروا ترسانات هائلة من الأسلحة البريطانية والأمريكية. وقد صافحوا أيدي زوجات الرؤساء الأمريكيين غير المحتشمات. أو اختاروا اتباع نهج تدريجي نحو أسلمة مجتمعاتهم من خلال مؤسسات قائمة، وتقويض جزء صغير من الدستور هنا، وحفر أنفاق صغيرة في قانون الأسرة هناك، والتخفي عمومًا في مظهر أشخاص ديمقراطيين يتحملون المسئولية. فالجماعة الأصولية الشيعية التي تحمل اسم «حزب الله»، على سبيل المثال، تشارك في الانتخابات، وتقدم خدمات عامة معقولة في جنوب لبنان، وتحظر بيع المشروبات الكحولية في المدن التي تقع تحت سيطرتها. شكلت أيضًا الجماعة الأصولية السنية «حماس»، المنتخبة شعبيًّا أيضًا، حكومة مؤسسية في قطاع غزة، وصادرت الأسلحة من أيدي عدد كبير من الفصائل المسلحة المتناحرة، ثم استخدمت الهدوء النسبي الذي أعقب ذلك في الاضطلاع بالشئون الإلهية، ومحو أي أثر للمجتمع المدني، وتحريم عمل مصففي الشعر الذكور. وبطريقة ما، كان تنظيم القاعدة وحركة طالبان بمنزلة هبة سماوية لهؤلاء. فبعدم كون الإسلاميين المتشددين الأكثر خطرًا إرهابيين صريحين — كالقاعدة — أمكن لهم تقديم أنفسهم على أنهم حلفاء معتدلون أوفياء للديمقراطية.

وفوق كل ذلك، فقدت النخبة الليبرالية مصداقيتها في جميع أنحاء الشرق الأوسط، فالآن ينظر لها على أنها فئة حققت الثراء، وأخذت تلقي الخطابات البلاغية بإسهاب طوال عقود، دون أن تتمكن مطلقًا من تحسين سلوكيات الأنظمة العلمانية القديمة، ناهيك عن تنحيتها عن السلطة وتقديم بديل سياسي عملي قابل للاستمرار. وعلاوة على ذلك، وكما تساءل الباحث الأمريكي المناصر للأساليب الكلاسيكية، بروس ثورنتون: أين الدليل على أن الحرية التي يُطالب بها في الشرق الأوسط «هي الحرية التي نؤمن نحن بها»؟ ماذا لو كانت هذه الحرية تعني حرية أن يكون المرء «مسلمًا صالحًا يعيش في ظل الشريعة» فحسب، كما يصلنا من خلال مسودة الدستور التي وضعها المجلس الوطني الانتقالي الليبي وإعلان القاهرة لحقوق الإنسان في الإسلام، الذي تقول المادة ٢٤ فيه: «كل الحقوق والحريات المقررة في هذا الإعلان مقيدة بأحكام الشريعة الإسلامية»؟ ويوضح بروس أن هذا «لا يعني أن المسلمين غير مؤهلين للديمقراطية الليبرالية، وهي الطريقة التي يساء بها عادةً فهم القيود المتحفظة، كالقيد السابق ذكره [في المادة ٢٤]». إنما هو يعني فقط أنه لكي تتطور الديمقراطية الليبرالية في الشرق الأوسط المسلم، فسوف يتطلب الأمر ما هو أكثر بكثير من مجرد التخلص من الحكام المستبدين وإجراء انتخابات نزيهة. سوف يتطلب الأمر كتلة حرجة من مسلمين، يكتشفون بأنفسهم كيفية التوفيق بين الإسلام التقليدي والشريعة الإسلامية، وبين مفاهيم مثل حقوق الإنسان العالمية، وجميع المبادئ الأساسية الأخرى للديمقراطية الليبرالية. ومن واقع تجربتنا في أفغانستان والعراق، فإن احتمال تحقيق هذا النوع من المصالحة يبدو بعيدًا الآن.4

وعلى نحو أقرب لجوهر الموضوع، فإن سمير أمين محق أيضًا في قوله إن مصالح واشنطن في المنطقة تأتي قبل مصالح أقرب حلفائها؛ إسرائيل والمملكة العربية السعودية. وسوف تبذل أمريكا كل ما في وسعها لتعزيز تلك المصالح، لأسباب أيديولوجية في حالة إسرائيل، ولضمان استمرار تدفق النفط في حالة المملكة العربية السعودية. وعلى نحو يدعو للسخرية، فإن هذا يعني الترحيب بتوجه الدول التي نَحَّى فيها الربيع العربي الأنظمة القديمة جانبًا نحو الوهابية. قد يكون الإسلاميون الأصوليون الممولون من المملكة العربية السعودية ضد وجود إسرائيل من حيث المبدأ، ولكن على الرغم من أن هذه مسألة رمزية غنية، ففي الصورة الجيوسياسية الكبيرة للأمور، فإن ما تفعله تونس أو ما لا تفعله إزاء إسرائيل لا يصنع أي فارق على الإطلاق. ووسائل الإعلام والمدارس في المملكة العربية السعودية تبث سمومًا مستمرة معادية للسامية، ولكن نظام آل سعود يبغض طهران أكثر بكثير مما يبغض تل أبيب. وفي مصر، وعلى الرغم من كل الخطابة البلاغية المعادية لإسرائيل التي تصدر من كل ركن من أركان الطيف السياسي، فقد أوضح الجيش أمرًا واحدًا على نحو لا يحتمل اللبس؛ أيًّا كان ما سيحدث، فإن معاهدة السلام المبرمة بين مصر وإسرائيل عام ١٩٧٩ لن تمس. وسواء أكانت هناك ديمقراطية أم لم تكن، فسيستمر جنرالات الجيش المصري في إملاء السياسة الخارجية المصرية، وليست الأولوية لديهم هي ما يريده جماهير الشعب، وإنما هي ضمان تدفق المساعدات العسكرية، التي يحصلون عليها من أمريكا والتي تقدر ﺑ ١٫٤ مليار دولار سنويًّا. وفي الواقع، تظهر استطلاعات الرأي باستمرار أن ما يقرب من نصف المصريين يريدون أن تظل معاهدة السلام قائمة، ومع تدهور اقتصاد البلاد في أعقاب الثورة، يكاد لا يوجد مصري عاقل يرغب في خوض حرب شاملة ضد الدولة اليهودية. ولو أن نظام بشار الأسد في سوريا سقط، فستكون النتيجة المرجحة بشدة لسقوطه هي حرب أهلية طويلة ودموية. وكذلك فإن آخر شيء يمكن أن يفكر فيه الجيش السوري — وهو يقاتل للإبقاء على النظام الذي يشاركه الحكم في السلطة — الحرب الخارجية. ومن الناحية الأخرى، إذا تمكن نظام الأسد من الاستمرار في السلطة، فستكون المسألة تجارة وأعمالًا كالمعتاد؛ الكثير من الحديث ولا فعل على الإطلاق. فلو كان للاضطرابات الداخلية في سوريا أي أثر، فهذا الأثر هو أنها جعلت سياسة إسرائيل تأخذ أولوية أكثر تدنيًا لدى حكومة دمشق.

لم يكن من المرجح على الإطلاق أن تعيد واشنطن النظر في دعمها القوي، سواء لتل أبيب أو لجنرالات القاهرة، خاصة الآن بعد أن هزت الاضطرابات المنطقة، واستمر احتواء إيران أولويتها القصوى. وكان دافع احتواء إيران أحد الأسباب التي جعلت واشنطن تتجاهل إرسال المملكة العربية السعودية دباباتها لسحق الانتفاضة في البحرين. وكما رأينا، فإن أوباما تلطف بأصدقائه السعوديين؛ بحيث لم يذكرهم ولو مرة واحدة في خطاباته المحتفى بها، والتي تنادي بالمزيد من الديمقراطية في المنطقة، وبهذا أعطى ضمنيًّا الضوء الأخضر لحملة آل سعود ضد المعارضة في الداخل أيضًا. وهو مستمر في تسليح الأسرة الحاكمة بالمملكة السعودية. ومن أجل احتواء إيران، اتخذت إسرائيل في الوقت نفسه جانب النظام السعودي؛ البلد الذي يعتبر أهل الفكر المتعلمين فيه أن بروتوكولات حكماء صهيون هي خطة حقيقية لدولة إسرائيل الكبرى الممتدة من النيل إلى الفرات. وما دام هذا المحور الأمريكي الإسرائيلي السعودي السياسي الغريب قويًّا متماسكًا، فما من فرصة أمام الديمقراطية الليبرالية لكسب موطئ قدم في أي مكان بالمنطقة.

•••

إذا أردنا أن يكون هناك أمل في تطور الديمقراطية الليبرالية في العالم العربي، باختصار، ينبغي أن تهب رياح التغيير على الغرب نفسه أولًا. وما فرص حدوث ذلك؟ حسنًا، كانت هناك بعض التلميحات على أن هذا التغيير تحديدًا ربما كان يحدث بالفعل، استلهامًا أيضًا من ثورات الربيع العربي.

في مايو ٢٠١١، تجمع عشرات الآلاف من الشباب الإسبان في أحد ميادين مدريد الرئيسية — كما فعل أقرانهم في ميدان التحرير بالقاهرة — للتعبير عن استيائهم من معدلات البطالة المتزايدة والإجراءات التقشفية المفروضة من منطقة اليورو للحيلولة دون تخلف إسبانيا عن سداد ديونها. صرحت إحدى المتظاهرات قائلة: «أنا هنا ضد النظام، ضد كل شيء؛ البنوك، الحكومة، الحزب الشعبي، البطالة. كل شيء. لا شيء يسير على ما يرام.»5 تبدو هذه المعارضة شديدة الاندفاع بلهاء إلى حد ما، ولكن تلك المتظاهرة لديها وجهة نظر.
نُظمت احتجاجات مدريد، على غرار الاحتجاجات في العالم العربي، من خلال مواقع الشبكات الاجتماعية. وحدثت تظاهرات مماثلة في عدد من المدن الإيطالية، وفي اليونان، بل في إسرائيل. وفي أمريكا، بدأت مجموعات من المتظاهرين «غير المنتمين لأحزاب» — مستلهمين مرة أخرى ثورات الربيع العربي — تتظاهر تحت شعار «احتلوا وول ستريت» في سبتمبر ٢٠١١؛ لأنه كان يبدو أن بلادهم ستنزلق حتمًا نحو ركود اقتصادي آخر، وكان السبب الأساسي في المقام الأول هو التفاعل بين استعباد المصرفيين للرئيس أوباما من جهة، ومن جهة أخرى عرقلة إصلاحات تقدمية اقترحتها معارضة دينية أصولية — تمثلت في حركة حزب الشاي — وبدت غير معقولة على نحو متزايد. وصرح منظمو الاحتجاجات على موقعهم على الويب قائلين: «النفوذ الخاص يفسد الأحزاب السياسية، والانتخابات، والمؤسسات الحكومية.» وأضافوا: «المصالح الخاصة التي تتسم بالغدر والعجز والإسراف، والتي جرى شراؤها بأقساط وعمولات، اغتصبت قوة أمتنا المدنية والعسكرية، متسببة في مجموعة من التهديدات لحريتنا ولأمننا القومي. لقد سئمنا هذا.»6
في الوقت نفسه، كانت بريطانيا المفلسة المسكينة تواجه لحظة الغضب الخاصة بها في أغسطس ٢٠١١. شهدت إنجلترا، على نحو عفوي تمامًا، وبدون أي برنامج سياسي، اندفاع شباب قادمين من مناطق محرومة في انتفاضة سلب ونهب في الأحياء الفقيرة من لندن، وفي مدن أخرى أيضًا بعد ذلك. لم تكن هناك شعارات تتردد، ولا عدو محدد، وكان التصريح الوحيد تقريبًا الذي تردد على الألسنة هو أن هؤلاء الناس يريدون أجهزة كهربية منزلية. غير أن أعمال السلب والنهب كانت تعبيرًا سياسيًّا أكثر قوة من الاحتجاجات السلمية المهذبة في دول البحر المتوسط وأمريكا. إن التظاهر حق ديمقراطي في الدول الديمقراطية، وغالبًا ما يؤدي فقط إلى التأكيد على شرعية النظام، ولكن اللصوص الإنجليز — الذين تصادف أنهم نسقوا أيضًا أعمال العنف الصاخبة التي مارسوها عن طريق الرسائل النصية — فضحوا مدى الزيف والكذب الذي وصل إليه النظام نفسه. لقد نُشِّئوا على الاعتقاد بأن الاستهلاك هو الخير الأسمى في مجتمع استهلاكي. وقد مارسوا السلب والنهب بغرض الاستهلاك! والفارق الوحيد هو أنهم لم يروا سببًا لدفع ثمن ما يستهلكونه، في ظل ظروف اقتصادية صعبة على نحو ميئوس منه. وحتى عندما كان رئيس وزرائهم ووزير خارجيتهم يتحدثان بتفاهات مبتذلة متغطرسة عن الديمقراطية أثناء قصف ليبيا باسم الحرية، كانت قوات الأمن تقمع مثيري الشغب. وفي غضون أيام من اندلاع أعمال الشغب، كان نظام العدالة الإنجليزي الشهير ببطئه قد حاكم المئات منهم، وأصدر عشرات الأحكام بالسجن لفترات طويلة على جرائم؛ مثل التعدي على ممتلكات الغير، وسرقة زجاجات المياه المعدنية.7 وقبل ذلك ببضع سنوات فحسب، وخلال زيارة للرئيس الأمريكي جورج دابليو بوش إلى لندن، خرج مليون متظاهر — أي أكثر من عدد المتظاهرين في معظم المظاهرات التي خرجت في الثورات العربية — إلى شوارع لندن في معارضة سلمية للحرب في العراق. لكن لا أحد تنحى، ولا أحد فر من البلاد، ولا أحد فكر لحظة واحدة في وصف الحدث بأنه «ربيع أنجلوساكسوني»، واستمرت الحرب غير المشروعة على العراق لتعيد هذا البلد إلى العصور الوسطى؛ بدعم دبلوماسي وعسكري كامل من بريطانيا.
وداخل النظام السياسي الأمريكي، ربما كانت أبرز الإشارات المبشرة بالتغيير هي موقف رون بول الثابت تجاه استطلاعات الرأي الرئاسية. فباعتبار بول أحد دعاة الحرية والعزلة، يقف مناهضًا لكل الحروب الأمريكية، واحتلال الدول في الشرق الأوسط، وفي كل مكان آخر، ويعني هذا أنه ضد الأجندة الإمبريالية الأمريكية الفجة. يقول بول: «أعلم أن وكالة المخابرات المركزية تورطت في الكثير من العمليات الانتخابية في جميع أنحاء العالم، فهي تنتقي وتختار الحكام المستبدين … ولا أظن أنه يوجد شك في أنهم متورطون في صنع تلك الثورات التي تجتاح دول البحر المتوسط، فنحن نحاول اختيار الحكام المستبدين القادمين.»8 وعلى عكس الرئيس أوباما ورئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، فإن بول يدرك على الأقل أن القوى الإمبريالية القديمة لم تعد تتحمل تكلفة الحفاظ على إمبراطورياتها، وأن سلطتها الأخلاقية اهتزت بشدة في جميع أنحاء العالم، حتى إنه حتى الدعوات المخلصة — أي المتوهمة — إلى الحرية والديمقراطية سوف تبدو جوفاء كاذبة حتمًا، إذا كان لديك في الوطن أكبر عدد من نزلاء السجون في العالم، وإذا كان ١٥ بالمائة من سكان بلدك يعيشون على كوبونات الغذاء التي توزعها الدولة على الفقراء، وإذا كان العنف العشوائي للشرطة مادة رئيسية في نشرات الأخبار المسائية، وإذا كان قانون «باتريوت» يقوض عامًا بعد عام المزيد من الحريات المدنية المقررة والمحمية دستوريًّا، وإذا كانت حكومتك تترنح باستمرار على حافة الإفلاس.

غير أنه في مقابل شعبية رون بول المتزايدة، ينبغي علينا أن نضع الموقف الآخر الثابت بالقدر نفسه في استطلاعات الرأي الرئاسية للقادة الجمهوريين الآخرين، الذين كانوا على قدر مخيف من البساطة والسطحية في نظرتهم السياسية — خصوصًا عندما كان الأمر يتعلق بالشئون العالمية — إلى حد يبدو معه الرئيس الأمريكي السابق جورج دابليو بوش عبقرية فذة. وفي الواقع، في عالم التدوين الحر، تبدو الفوارق التي تفصلنا عن الفاشية — والاعتقاد بتفوق الجنس الأبيض، والهوس الديني، والجنون المطلق — دقيقة، بحيث تجعلنا نشك بشدة فيما إذا كان العديد من مؤيدي بول يؤيدونه للأسباب الصحيحة، أم أنهم ببساطة يبجلون شعار الحرية الذي ارتبط به. وفي الوقت نفسه، يميل المدافعون عن الرئيس أوباما في الصحافة الأميركية إلى عرض صورة للرئيس كرجل صالح انهزم بسبب النظام وبسبب رقة نواياه. قد يبدو هذا غير قابل للتصديق — فالصورة الأقرب للعقل هي أن أوباما هو مجرد دمية أخرى تفتقر إلى الكفاءة — ولكنه يوحي بأن المدافعين عن أوباما يعرفون في قرارة أنفسهم أن النظام أقوى من أي فرد. وبعبارة أخرى، هم يعرفون أن جميع الرؤساء ينهزمون أمام منصب الرئاسة. والأرجح أنه إذا أصبح رون بول رئيسًا، في حال سمح النظام بانتخابه في المقام الأول، وهو احتمال مستبعد بشدة، فإنه إما سيصبح نسخة كربونية من الرؤساء السابقين، وإما لن يبقى على قيد الحياة حتى نهاية فترته الرئاسية الأولى.

•••

ذات مساء في ربيع عام ٢٠١١، كنت جالسًا في مطعم في حي وسط المدينة بالعاصمة تونس — بالقرب من مكان إقامتي هناك — عندما دخل إلى المطعم رجل يصطحب ابنه معه. اتخذا مجلسهما على استحياء على إحدى الطاولات. كان واضحًا — من خلال لون بشرتهما الداكن، وملابسهما، وسلوكهما — أنهما قادمان من الريف لقضاء اليوم في المدينة. ظلا يحدقان في قائمة الطعام لفترة طويلة، ويسألان النادل بعض الأسئلة بين الحين والآخر، إلى أن انتهيا إلى طلب الحصة القياسية المعتادة تقريبًا من الحمص وخبز البيتا والكباب. واحتفالًا بوجودهما في المدينة، طلب الأب لنفسه كوبًا من الجعة. كان أيُّ ماركسي عجوز سيرى في هذا المشهد ظلمًا جليًّا متبديًا في خوفهما الواضح، وحقيقة أن هذا المطعم العادي تمامًا يمثل لهما ذروة اجتماعية من نوع ما. ولكنهما كانا يستمتعان، وخطر لي وأنا أراقبهما أن هناك الملايين مثلهما في أنحاء العالم العربي، بل في جميع أنحاء العالم، ممن لا يكادون يتمكنون من فحص النظام الذي اعتادوا عليه. بأي حق يمكن لأحد أن يقرر أنهم لا بد أن «يدفعوا ثمن» فكرة مراوغة غير واقعية طرحها شخص ما عن الديمقراطية الليبرالية؟ لقد كانوا على الأقل يعرفون في الوضع القائم أي سبيل يسلكون إذا احتاجوا مثلًا لتقديم أي أوراق رسمية، وكانوا يستطيعون التمتع ببعض الحريات الصغيرة المتاحة لهم — ككوب من الجعة بعد يوم عمل شاق — دون أن يلطمهم بلطجي أشعث اللحية على وجوههم بسبب ذلك. من المؤكد أنهم كانوا يستحقون فرصًا أفضل عجزت أنظمتهم الحاكمة القديمة عن توفيرها لهم. ولكن لهذا كله، خشيت على مستقبل هذين الشخصين البسيطين في المطعم، أكثر بكثير مما كنت سأفعل لو أنني قابلتهما خلال حكم بن علي.

لقد كان الربيع العربي فشلًا ذريعًا محزنًا؛ فجميع المؤشرات تدل على أن ما سيأتي بعده سيكون أسوأ بكثير مما كان قبله، في تونس وفي كل مكان آخر. وقد تسببت الأحداث المؤلمة التي وقعت حتى الآن بالفعل في قدر هائل من الفوضى والعنف، وجعلت حياة أناس بسطاء أبرياء أكثر بؤسًا وشقاء مما كانت عليه قبل ذلك. فمن الناحيتين الاجتماعية والاقتصادية، أعاد الربيع العربي بلدانًا مثل تونس واليمن وسوريا عقودًا إلى الوراء.

في بريطانيا، طالبت جماهير الشعب بنشر قوات الجيش في أعقاب ثلاث ليال من أعمال الشغب التي قام بها بضع مئات من الأشخاص، وقبع دعاة الديمقراطية المغاوير يرتعدون في بيوتهم. غير أن هؤلاء الليبراليين أنفسهم كانوا يدعون في الوقت نفسه إلى المزيد من الثورات في العالم العربي، والمزيد من الشجاعة من جانب الثوار، المزيد من الاضطرابات، والمزيد من العنف والفوضى، في أي مكان ما دام بعيدًا عنهم. إنني أظن أن الليبراليين الغربيين، من ناحية معينة، أكثر استحقاقًا للمقت من المحافظين الجدد. وكلا الصنفين بالطبع جنرالات تنظيريون مخضرمون، يرتشفون كئوس خمر الكلاريت وينفثون دخان أفخر أنواع السيجار وهم يرسلون الآلاف من الناس إلى موت محقق. ووفقًا لعبارة جورج أورويل الشهيرة فإن «كل دعاية الحرب، وكل الصراخ والكذب والكراهية، تأتي دائمًا من أناس لا ينزلون إلى ساحة القتال». ولكن المحافظين الجدد واضحون على الأقل؛ فهم يريدون المزيد من القوة لأمريكا، والمزيد من الأمن لإسرائيل، والموت لكل من يقف في طريق تحقيق ما يريدون. أما الليبراليون، الذين يقفون مرتعدين تحت شعار «التدخل الإنساني»، فليسوا أقل إمبريالية من ذي قبل. وبينما هم يجلسون في أمريكا وبريطانيا يتغنون بشعارات الديمقراطية، يجب عليهم بذل جهد شاق ليغضوا الطرف عن حقيقة إفلاس أنظمتهم السياسية، وعن الفساد الاجتماعي والفقر غير العادي الذي ينخر مجتمعاتهم، وعن اقتصادات بلدانهم التي توشك على الانهيار، وعن ساستهم الذين باعوا أنفسهم وقبضوا الثمن، وعن مؤسساتهم الإعلامية متزايدة الجبن والسطحية. كم يجب أن يخدعوا أنفسهم ليتغنوا بالثناء على أنظمتهم السياسية، بل يوصون الآخرين بأن يتخذوها نماذج تحتذى، في حين أنهم رفعوا إلى السلطة — من خلال انتخابات ديمقراطية — أوغادًا من أمثال جورج دابليو بوش، وتوني بلير، وسيلفيو بيرلسكوني، وفلاديمير بوتين، ونيكولا ساركوزي. في الربع الثاني من عام ٢٠١١، لم تكن الدولة التي حققت أعلى معدل نمو اقتصادي — وإن كان بنسبة تظل ضئيلة هي ٠٫٧ بالمائة — من دول الاتحاد الأوروبي هي ألمانيا (التي حققت نموًّا بنسبة ٠٫١ بالمائة)، ولا بريطانيا (التي حققت ٠٫٢ بالمائة)، وإنما كانت بلجيكا، وبلجيكا لم تحظ، طوال سنة ونصف، بسبب تعقيد غير عادي في الإجراءات، بأي حكومة على الإطلاق. لم تتخذ بلجيكا إجراءات تقشفية قاسية في أعقاب الأزمة المالية، ولم تكن هناك مشاحنات حول الميزانية؛ إنما ظلت الأمور تسير بسلاسة دون حاجة إلى توجيه من جانب الحكومة.9 وفي ضوء النتائج التي تحققت حاليًّا على أيدي الساسة في الديمقراطيات الغربية، يبدو أن عدم وجود حكومة على الإطلاق أفضل من تسليم الدفة إلى العباقرة المنتخبين.

الأمل الوحيد في تحقيق تغيير إيجابي تدريجي على المدى الطويل في الشرق الأوسط — وكون هذا الشيء يمثل أملًا هو أمر يعكس مدى صعوبة ومأساوية الوضع — هو أن تحذو أمريكا حذو بريطانيا، وتكف يدها تمامًا عن التدخل في المنطقة. إن الاعتراض على الإمبراطورية الأمريكية ليس لمجرد كونها إمبراطورية، ولكن لأنها — على عكس الإمبراطورية التي كان يحكمها البريطانيون — ظلت لعقود إمبراطورية تفتقر بشدة إلى الكفاءة، على نحو يجعل الأمور أسوأ، ليس فقط بالنسبة لشعوب البلدان التي زرعت فيها وجودها الأخرق، ولكن بالنسبة لها ولشعبها أيضًا. وفي الوقت نفسه، يمكننا أن نبتهل إلى الله أن تكون نظرية «الذروة النفطية» صحيحة، وأن ينفد مخزون النفط لدى المملكة العربية السعودية، في المستقبل غير البعيد، لتعود بذلك إلى الحال التي كانت عليها قبل اكتشاف النفط كدولة بدوية منعزلة متربة لا أهمية لها، وأن يفقد آيات الله في إيران الغنية بالنفط أيضًا كل نفوذ لهم خارج أراضيهم. وفي غضون ذلك، لنأمل في عدم اندلاع المزيد من الثورات العنيفة التي لا مستقبل لها. سوف تبدو الحكومات الملكية، التي تعتنق النموذج الدستوري ببطء ولكن بثبات (كما في الأردن والمغرب)، أفضل خيار متاح في الوقت الراهن. وإذا كان هذا الخيار جيدًا في بريطانيا، فلم لا يكون كذلك في العالم العربي؟ هاتان الدولتان (الأردن والمغرب) ليستا من الدول الوحشية أو العسكرية على نحو استثنائي، فالإسلاميون هناك ما زالوا تحت الرقابة، والزعماء في الدولتين مستبدون، ولكنهم ليسوا قمعيين على نحو مسعور، ويتمتعون بتأييد واسع النطاق؛ على الأقل بالقدر نفسه الذي يتمتع به القادة العاديون في الغرب. وعلاوة على ذلك، فلا زال هناك قدر معين من الليبرالية في الدولتين، وهو قدر أكبر من الموجود في غيرهما. ومقارنة ببريطانيا وأمريكا، فإن اقتصادهما يزدهر، بمعنى أن الطبقة الوسطى فيهما تنمو ولا تتآكل وليست في سبيلها إلى الزوال. قد لا تكون هذه هي الديمقراطية كما نعرفها وكما نحبها، ولكنها أفضل نوع من الديمقراطية يمكن للعرب أن يتمنوه في الوقت الراهن. إن الديمقراطية المثالية لا وجود لها على أرض الواقع في أي مكان، ولن يكون لها وجود مطلقًا.

إن أفضل ما يمكن للأشخاص العاديين البسطاء أن يتمنوه هو أن يمارسوا أعمالهم اليومية على نحو يخلو نسبيًّا من العوائق، ودون أن يأتيهم أجنبي ما ينسفهم إلى أشلاء، أو أن يستقوي عليهم حقير ملتحٍ ينهرهم باستمرار بشأن واجباتهم الدينية ويحول حياتهم إلى كابوس، أو شخص آخر يشعل النيران في المتجر الصغير الذي يكسبون منه رزقهم، شخص مدفوع بحماسة بلهاء لا يعلم ماهيتها إلا الله.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠