الفصل الخامس

جنون الارتياب

ظلت رواية ألدوس هكسلي لعام ١٩٣٢ التي تحمل اسم «عالَم جديد جميل» تقضُّ مضاجعَ أصحابِ نظريات المؤامرة على مدارِ الجزء الأكبر من القرن. ففي تلك الرواية، يتخيَّل هكسلي مستقبلًا يوتوبيًّا فاضلًا على ما يبدو. ليس هناك حروبٌ أو فقر. وكل الناس تقريبًا راضون بالحياة. لكن، بطبيعة الحال، الأشياء ليست ورديةً تمامًا كما تبدو للوهلة الأولى. فالسلام والسعادة الظاهران كلاهما مصطنَع؛ حيث صنعَتهما بعناية ديكتاتوريةٌ ظالمةٌ تتحكَّم بدهاءٍ في كل جانب من جوانب حياة مواطنيها. فالحكومة تتأكَّد من أن جميع المواطنين لا يُشككون أبدًا في النظام؛ وذلك من خلال غسيل أدمغتهم برسائلَ لا شعورية تحثُّهم على الإذعان بلا تفكير، وإدمانِ المخدِّرِ الذي يوقف نشاطَ العقل ويُدعى «سوما». ويُعامل الناسُ معاملةً أفضلَ قليلًا من الماشية، إذ يُربَّون من أجل العمل والاستهلاك والموت.

وباختصار، تشتمل رؤية هكسلي للعالَمِ الجديدِ الجميلِ على جميع عناصر نظرية مؤامرة جيدة، وكثيرًا ما ينظر إليها أصحابُ العقلية المؤامراتية باعتبارها إنذارًا متبصرًا بالأشياء التي ستحدث. ولذا من المناسب أن أحد الرموز الأيقونية للمؤامراتية كانت من ابتكار الأخ الأكبر لأدلوس هكسلي ويُدعى جوليان.

ففي قصةٍ قصيرة كتبها هكسلي الأقلُّ شهرة في ١٩٢٧، يكتشف عالِمٌ غريبُ الأطوار سرَّ التخاطر. وفي نهاية المطاف يُدرك أنه يستطيع استخدام هذا السر كسلاح نفسي قوي، لديه القدرة على السيطرة في الخفاء على عقول الناس عبر مساحاتٍ كبيرة. والعُقدة الوحيدة هي أن الشخص الذي يُصدر الأوامر المُخدِّرة يكون عُرضةً لها مثل ضحاياه المستهدفين تمامًا. ولحسن الحظ، يكتشف العالم طريقةً لوقاية نفسه من الطاقة النفسية. والحيلة هي أن يعزل المرءُ نفسه بمعدنٍ عن طريق صُنع غطاءٍ بديلٍ للرأس من رقاقة معدنية. ومن هنا، ظهرت فكرة قبَّعة رقاقات القصدير كخطِّ دفاع فعَّال، وإن لم تكن مسايرة للموضة، ضد أشعة التحكم في الدماغ.

ومنذ ذلك الحينِ أصبحت رقاقاتُ القصدير ترتبط ارتباطًا وثيقًا بنظريات المؤامرة والأشخاص الذين يُصدِّقونها؛ رمزٌ تهكُّمي للإيمان غير العقلاني بأعداء غير مرئيِّين ومكائد وهمية. وقد استُخدم هذا الرمزيُّ لأغراضٍ ساخرة في أفلامٍ مثل فيلم «ساينز»، وهو فيلم عن غزو الكائنات الفضائية للمخرج إم نايت شيامالان، كما استُخدم في عروضٍ تليفزيونية من «ذا إكس فايلز» إلى «ذا سيمبسونز». وقد استُخدم كوسيلةٍ للتهكم على نحوٍ مسلٍّ من جانب الموسيقيِّ الساخر وِيرد أل يانكوفيك. فأغنيته التي طُرحت عام ٢٠١٤ باسم «فويل» تبدأ بتقديرٍ جادٍّ لمزايا رقاقات القصدير في حفظِ ما يتبقى من طعام. لكن المقطع الثاني يتخذ منعطفًا مشئومًا عندما يرتدي يانكوفيك غطاءً للرأس، ويعترف أنه اكتشف مؤامرةً كبرى، ويُحرِّض سامعيه على صنْع قبعات من رقاقات القصدير؛ تحسبًا لرغبة الكائنات الفضائية في السيطرة على محتويات جماجمنا (وغيرها من تجاويف الجسد).

ومثلما استحوذَت قبعات رقاقات القصدير على اهتمام أصحاب نظريات المؤامرة في الأدب الروائي، كثيرًا ما تُستخدَم في السخرية من الأشخاص الواقعيين الذين يُعتقد أنهم يتصرفون بشيءٍ أو كثيرٍ من جنون الارتياب. ويلجأ الصحفيون كثيرًا إلى مجاز رقاقات القصدير عند الكتابة عن نظريات المؤامرة وعن الناس الذين يُصدِّقونها. وحتى الساسة غالبًا ما يلجَئون إليه. ففي عام ٢٠١٤، شارك الممولون في ولاية ميزوري دون قصد في لعبة الرقاقة. فبعض معارضي إحدى المبادرات التي تهدف إلى إدخال المنهجِ المدرسيِّ الأساسي المشترك إلى مدارس ميزوري اتهموا أصحاب المبادرة بأنهم يُدبِّرون خطةً لجمعِ بياناتٍ عن الأطفال أو ربما حتى إجراء غسيل لأدمغتهم. وقد سخِر نائب الولاية مايك لير من منتقدي المنهج المدرسي الأساسي المشترك؛ وذلك بتقديمه مقترحًا بتخصيص ثمانية دولارات من أموال الضرائب في ميزانية التعليم لشراء «لفافتَين من الألومنيوم العالي الكثافة من أجل صنْع أغطية للرأس، مصمَّمة لتعطيل تقنية غسيل الأدمغة والسيطرة عليها.» (خصوم المنهج المدرسي الأساسي المشترك، لم تَرُق لهم مزحةُ لير. وثأروا لأنفسهم عندما غلَّف مخادعون مكتب لير وكل شيء عليه برقاقات القصدير.)

قبَّعة رقاقات القصدير هي على الأرجح أول الأشياء التي تردُ على الذهن عندما تستدعي صورةً ذهنية لصاحب نظرية مؤامرة. فهذا الرمز جزءٌ لا يتجزأ من الصورة النمطية السائدة لأصحاب نظريات المؤامرة: مجموعة من المجانين الذين يتَرصَّدون على حواف أحد المجتمعات المحترمة، ويميلون ميلًا شديدًا إلى منتديات الإنترنت الغامضة والبرامج الحوارية الإذاعية ورقاقات القصدير. وبالنِّسبة إلى الكثيرين من المثقفين النظريِّين، ثمَّة تفسيرٌ بسيط لأسباب تصديق الناس نظريات المؤامرة: هم أشخاص مجانين يعانون جنونَ الارتياب إلى حدٍّ ميئوس منه. لكن هل يستحق أصحاب نظريات المؤامرة حقًّا وصْفَهم بجنون الارتياب؟

الأسلوب القائم على جنون الارتياب

هناك رجلٌ فعل أكثرَ مما فعله أيُّ شخص آخر من أجل إضفاء الشرعية على الرؤية القائلة بأن نظريات المؤامرة هي مظهرٌ من مظاهر البارانويا أو جنون الارتياب. هذا الرجل هو ريتشارد هوفستاتر، الذي شغَل منصب أستاذ التاريخ الأمريكي بجامعة كولومبيا المرموقة في مدينة نيويورك من أربعينيَّات القرن العشرين حتى وفاته في عام ١٩٧٠. كان مظهره كلاسيكيًّا كمفكِّري منتصف القرن العشرين حيث كان شعره قصيرًا ومصفَّفًا بعناية، وكان يرتدي ربطة عنق قوسية الشكل ونظارة كبيرة قرنية الإطار كالتي يرتديها الباحثون أمثالُه. وقد قال عنه أحدُ طلابه بأنه شخص «يكاد يتعذَّر وصْفه.» لكنَّ مظهره المتواضع هذا كان يُخفي وراءه شغفًا بأفكارٍ غيرِ مألوفة. فقد فاز هوفستاتر بجائزتَي بوليتزر عن كتابَيه اللذين تناول فيهما الشعبوية ومناهضة الحركة الفكرية في الثقافة الأمريكية، إضافةً إلى معالجته موضوعاتٍ مثل الداروينيةِ الاجتماعية وقلقِ السعي إلى المكانة. وكما يقول أحدُ زملائه المؤرخين، كرَّس هوفستاتر الكثيرَ من حياته المهنية لفهْم «الجوانب الغريبة والهزلية والمنحرفة والمجنونة في الحياة الأمريكية.» من المفهوم إذن أنه حوَّل انتباهه في نهاية المطاف إلى نظريات المؤامرة.

نشر هوفستاتر مقالةً في عام ١٩٦٤ في مجلة «هاربرز مجازين»؛ حيث لخَّص فيها دور نظريات المؤامرة في التاريخ الأمريكي وتكهَّن بشأن الأسباب المحتملة للتفكير المؤامراتي. ومن ثَم، أصبح واحدًا من اختصاصيِّي العلوم الاجتماعية الأوائل الذين درَسوا نظريات المؤامرة، محوِّلين إياها إلى موضوعٍ يمكن طرْحه للنقاش الأكاديمي المحترم. ويمكن القول إن الغالبية العظمى من تحليلات المؤامراتية التي ظهرت منذ ذلك الحينِ تَدين بالفضل للأفكار الرائدة التي طرحها هوفستاتر في مقالته. وبما يتجاوز الأوساط الأكاديمية، أسهمَت مقالته في تشكيلِ الصورة النمطية لصاحب نظرية المؤامرة المنبوذ، المصاب بجنون الارتياب، ولا يزال يُستشهد بها كثيرًا من قِبل المثقَّفين الذين يُثنون عليها. وهو شيء مؤسف؛ لأن تحليل هوفستاتر، كما سنرى، كان مَعيبًا بقدْرِ ما كان كاشفًا.

فقد أعطى هوفستاتر مقالته عنوانًا استفزازيًّا عن عمدٍ وهو: «الأسلوب البارانوي في السياسة الأمريكية». وتحسُّبًا لئلَّا تكون رسالته قد وصلت، راقَ له أن يوضِّح أنه عندما قال «الأسلوب البارانوي»، كان يقصد الإهانة. فوفقًا لهوفستاتر، الأسلوب البارانوي طريقةٌ مشوَّهةٌ لرؤية العالم، تتَّسم بالتفكير الوهمي، والارتياب المفرِط، والبحث الرديء، والمبالغة في تصوير الوقائع، والقفزات التخيلية غير المبرَّرة. لكنه ذكر أن السِّمة الرئيسة هي الوهم المؤامراتي. وسلَّم هوفستاتر بأن هناك، بطبيعة الحال، مؤامراتٍ مشروعةً في مجال السياسة؛ ومن ثَم فإن مجرد التكهُّن بوجود مؤامراتٍ محتملة ليس بالضرورة وهمًا. وأوضح: «الشيء الفارق بشأن الأسلوب البارانوي لا يتمثَّل في أن أربابه يرَون مؤامراتٍ أو مكائدَ في كلِّ موضع من التاريخ، وإنما يتمثَّل في أنهم يرون أن مؤامرةً كبرى أو هائلةً هي القوة المحرِّكة في الأحداث التاريخية.» بعبارة أخرى: الأشخاص الذين يُعانون الأسلوبَ البارانوي يرَون مؤامراتٍ في كل مكان. وكتب هوفستاتر بانفعال شديد: «المتحدِّث البارانوي يُتاجر في ميلاد وفناء عوالِمَ بأكملها، وأنظمة سياسية بأكملها، ومنظومات كاملة من القيم البشرية.» وتابع يقول: «دائمًا ما تجده حارسًا لمتاريسِ الحضارة. ويعيش دومًا عند نقطة تحوُّل: فإما الآن أو مطلقًا في تنظيم المقاومة ضد المؤامرة. وهو يرى دومًا مؤامرةً ما يتحتَّم التحرُّك حيالها على الفور. والوقت بالنِّسبة إليه آخذٌ في النفاد على الدوام.»

يعتقد هوفستاتر أن الأسلوب البارانوي قد لوَّث تفكيرَ حركات الأقليات السياسية عبر التاريخ الأمريكي، وحول العالم. فحتى بالرغم من أن تلك الجماعات المتباينة لديها أجندات شديدة الاختلاف، تبقى دائمًا الخصائصُ الأساسية للأسلوب البارانوي دون تغيير. فيرى هوفستاتر أن «العقلية التي تميل إلى رؤية العالم بهذه الطريقة ربما تكون ظاهرةً نفسية ملحَّة، ففي حينِ تتجلى في موجاتٍ متفاوتة من الشدة، يبدو أنه يصعب استئصالها تمامًا.» ويستدرك، مختتمًا كلامه بالقول، إنه من حسن الحظ أنها لا تُصيب عادةً سوى «أقلية بسيطة من السكان لديها عقولٌ غاضبة على نحوٍ غير مألوف.» بعبارة أخرى: الأسلوب البارانوي يزدهر على هامش مجتمعٍ محترم.

•••

ونتيجةً للتصوير المفعَم بالحيوية الذي قدَّمه هوفستاتر عن أصحاب نظريات المؤامرة باعتبارهم شرذمةً صغيرة من المعتوهين الهامشيِّين الذين يُعانون طريقةً بارانوية مروِّعة في التفكير، انصبَّ تركيزُ جانبٍ كبير من أبحاث العلوم الاجتماعية بعد ذلك على استكشافِ ما إذا كان الأشخاص الذين ينخرطون في نظريات المؤامرة لديهم بالفعل استعدادٌ بارانوي غير معتاد. كان من بين أوائل هؤلاء الباحثين الذين اختبَروا أطروحة هوفستاتر هو تيد جورتزيل، أستاذ علم الاجتماع في جامعةِ روتجرز في ولاية نيوجيرسي. وفي عام ١٩٩٢، اتصل جورتزيل وفريقٌ من الباحثين هاتفيًّا بمئاتٍ من سكان ولاية نيوجيرسي عشوائيًّا، سائلين إياهم عن شعورهم إزاءَ عددٍ من نظريات المؤامرة التي كانت رائجةً آنذاك. وبعد ذلك، طرح الباحثون أسئلةً أُعدت لقياسِ عنصرٍ واحد من عناصر التفكير البارانوي: الارتياب. وكان السؤال: إلى أيِّ مدًى تثقُ في أصدقائك وأسرتِك وجيرانك والسلطات الرسمية كالشرطة مثلًا؟ وكانت الإجابات واضحة؛ كلما قلَّت ثقةُ الناس فيمن حولهم، زاد ميلُهم نحو الاقتناع بنظريات المؤامرة.

وقد طرح علماء آخرون أسئلةً مشابهةً واكتشفوا الاتجاه نفسَه. فقد وجد الباحثون ارتباطاتٍ بين الاقتناع بنظريات المؤامرة وبين المؤشرات الأخرى الدالة على جنون الارتياب؛ فالأشخاص الذين يُصدِّقون نظريات المؤامرة بقوة يميلون إلى شيءٍ من العدوانية والتهكُّم وتحدي السلطة والتوتُّر وسوء الطِّباع أكثرَ من الأشخاص الذين يرفضون نظريات المؤامرة. وهذه الدراسات شملَت آلاف الأشخاص، بدءًا من مرتادي الكنائس الأمريكيِّين الريفيين من أصلٍ أفريقي وصولًا إلى الطلاب الجامعيين البريطانيين. ولم تكن النتائجُ واضحةً تمامًا؛ فقد توصلَت إحدى الدراسات، على سبيل المثال، إلى أن الأشخاص الذين نشروا تعليقاتٍ على شبكة الإنترنت ينتقدون فيها نظريات المؤامرة كانوا أكثرَ عدوانيةً في بعض الأحيان من الأشخاص الذين أيَّدوا نظريات المؤامرة. وبرغم ذلك، فإن النمط متسقٌ إلى حدٍّ كبير في العموم. فالأشخاص الذين يُصدِّقون نظريات المؤامرة عمومًا، لديهم في الأغلب نزعةٌ بارانوية أكثر من الأشخاص الذين يتشكَّكون في صحةِ نظريات المؤامرة عمومًا.

أطروحة هوفستاتر تمضي على ما يُرام إلى الآن (وكذلك نمط قبَّعة رقاقة القصدير).

ماذا عن العناصر الرئيسة الأخرى لأطروحة هوفستاتر؛ زعمه بأن الأسلوب البارانوي يتَّسم به في الأساس الأشخاصُ الذين يعيشون على هامش المجتمع؟ ودعمًا لأطروحته، لم يجد هوفستاتر غضاضةً في أن يسوق أمثلةً لحركاتٍ سياسية مُهمَّشة روَّجَت مزاعمَ مؤامراتية عبر ثلاثة قرون من التاريخ الأمريكي. ومن الأمثلة البارزة تحذيرُ واعظ ولاية ماساشوستس الذي أثار بلبلةً في عام ١٧٩٨ من «متآمرين ملحدين» يُخطِّطون لهدمِ أسسِ المسيحية، وأيضًا سيناتور الخوف الأحمر جو مكارثي الذي سأل مجلس الشيوخ الأمريكي في كلمته عام ١٩٥١: «كيف يُمكننا أن نُفسِّر موقفنا الحاليَّ ما لم نُصدِّق أن رجالًا رفيعي المستوى في هذه الحكومة يتآمرون لإيقاعنا في كارثة؟»

ماذا عن الأشخاص الآخرين المطرودين إلى هامش المجتمع؛ أو بعبارة أخرى: الأشخاص الذين ليس لديهم بالضرورة أجندةٌ سياسية؟ مثلما سأل جورتزيل أفرادَ عيِّنته من قاطني ولاية نيوجيرسي عن مدى تشككهم، سألهم أيضًا عن مدى شعورهم بالسخط حيال المجتمع. ووجد أنه كلما زاد اقتناعهم بأشياءَ من قبيل «أغلب المسئولين الحكوميِّين ليسوا مهتمِّين بالمواطن العادي.» و«من غير العدل أن تُنجب طفلًا في عالم اليوم.» زادت احتمالات اقتناعهم بنظريات المؤامرة. وتوصَّلت دراسات أخرى إلى أنه كلما قلَّ رضا الناس عن الحياة بوجهٍ عام، وتراجع شعورهم بأنهم مسيطرون على ظروفهم الخاصة، زادت احتماليةُ تقبُّلِهم لنظريات المؤامرة.

وعلاوةً على ذلك، يبدو أن نظريات المؤامرة تَشيع بشكل خاصٍّ بين الأشخاص الذين لديهم مبررٌ جيد للغاية للشعور بالعجز والسخط على المجتمع؛ على غِرار أفراد الأقليات العِرْقية والإثنية (في الولايات المتحدة على الأقل، وهي البلد الذي أُجري فيه البحث بأكمله). والجماعات العرقية الأساسية الممثَّلة في عينة جورتزيل من قاطني ولاية نيوجيرسي كانوا أمريكيِّين من أصلٍ إسباني وأمريكيِّين من أصل أفريقي وقوقازيين. وقد توصَّل إلى أن الأمريكيِّين من أصلٍ إسباني والأمريكيين من أصل أفريقي، مالوا في العموم إلى اعتبار النظريات معقولةً أكثرَ مما اعتقد القوقازيون. وفي عام ١٩٩٩، رصد فريقٌ من الباحثين في جامعة ولاية نيوميكسكو الاتجاه نفسَه بين طلابهم. وفي عام ٢٠٠٦، اتصل فريقٌ آخرُ من الباحثين هاتفيًّا وبشكل عشوائي بأكثر من ١٠٠٠ أمريكي، سائلين إياهم عن رأيهم في نظريات المؤامرة المتعلِّقة بأحداث الحادي عشرَ من سبتمبر. ومن جديد كانت الأقليات (في هذه الحالة، الأمريكيون من أصل أفريقي، والأمريكيون من أصل إسباني، والأمريكيون من أصل آسيوي) أكثرَ تقبلًا بوجهٍ عامٍّ للنظريات مقارنةً بالقوقازيين. وتُشير استطلاعات الرأي الحديثة إلى فروقٍ ديموغرافيةٍ مشابهةٍ فيما يتعلَّق بعددٍ من النظريات.

ومن ثَم يبدو أن هوفستاتر قد أصاب الهدف. ويبدو أن نظريات المؤامرة رائجةٌ بين الأشخاص الذين يعانون حالةً شديدة من جنون الارتياب، إضافةً إلى الأشخاص الذين يشعرون بأنهم أغرابٌ عن مجتمعاتهم وبأنهم تحت رحمةِ قُوًى تخرج عن نطاق سيطرتهم. ومن المغري أن نتوقَّف هناك، بعد أن تأكدنا تمامًا من الأنماط المتعلِّقة بالمهمَّشين المصابين بجنون الارتياب. لكننا إذا توقَّفنا هناك، فلربما لن نرى سِوى جزءٍ صغير من أحجيةٍ أكبرَ بكثير. فبرغم كلِّ تبصُّرِ هوفستاتر، فإنه أخفقَ في رصد النطاق الحقيقي للمؤامراتية.

الجموع البارانوية

المشكلة الأبرز في تناول هوفستاتر للأسلوب البارانوي تتمثَّل ببساطة في أن نظريات المؤامرة لا تقتصر على كونها سِمةَ المهمشين. إنه لم يُخطئ في توضيحه أن المؤامراتية تزدهر على هامش المجتمع. إنما كان خطؤه أنه توقَّف عند ذلك. ونتيجةً لهذا، تغاضى عن الحقيقة القائلة بأن نظريات المؤامرة تزدهر في المجتمع بوجهٍ عام أيضًا. فقد وجد جيسي ووكر الكثيرَ جدًّا من الأمثلة المنسوجة بعمقٍ في نسيج المجتمع الأمريكي إلى حدِّ أنه عنونَ كتابه الذي تناول هذا الموضوع ﺑ «الولايات المتحدة وجنون الارتياب». في هذا الكتاب، غيَّر عنوان مقالة هوفستاتر الشهيرة ليُعنون أحد فصوله على النحو التالي: «الأسلوب البارانوي هو السياسية الأمريكية». ويوضِّح ووكر أن المؤسسة نفسَها تنطوي على نظريات مؤامرة خاصة بها.

فالرئيس جورج واشنطن، وهو أحد الرؤساء المؤسِّسين للولايات المتحدة، لا يمكن اتهامُه بأنه شخصية هامشية مثلًا. ولكن عندما اتهم أحدُهم واشنطن بعدم إيمانه بمؤامرة المتنوِّرين، سرعان ما أوضح الأمر حيث كتب يقول إنه «ليس هناك أحدٌ أكثرُ اقتناعًا بهذه الحقيقة مني.» وبعد مرور قرن، شعر كلٌّ من الرئيسَين ثيودور روزفلت وودرو ويلسون بأن هناك يدًا خفية تُحرك الحكومة. فقد كتب روزفلت يقول: «خلف الحكومة الظاهرة تجلس حكومةٌ غيرُ مرئيَّة صاحبةُ نفوذ، لا تدين بأيِّ ولاء ولا تُقر بأي مسئولية حيال الشعب.» وبعد ذلك بعامٍ، حذَّر ويلسون متشائمًا: «بعض أكبر رجالات الولايات المتحدة، في مجال التجارة والتصنيع، خائفون من شيءٍ ما. هم يعلمون أن هناك قوةً في مكانٍ ما على درجة عالية من التنظيم والخفاء والترقُّب والتماسك والتكامل والتغلغل، حتى إنه سيكون من الأفضل أن يَخفضوا أصواتهم عندما ينتقدونها.» ويُشير لانس ديهافن-سميث في العقود الثلاثة التي أعقبت الحربَ العالمية الثانية، إلى أن «مسئولين أمريكيِّين أكدوا أن الشيوعيين كانوا يتآمرون للاستحواذ على العالم، وأن البيروقراطية الأمريكية كانت تعجُّ بالجواسيس السوفييت، وأن الحقوق المدنية والحركة المناهضة للحرب في ستينيَّات القرن العشرين كل هذا كان من صنْع السوفييت.» (تذكَّر أن أحد أمثلة هوفستاتر التي ساقها على أصحاب نظريات المؤامرة المُهمَّشين كان جو مكارثي، وهو سيناتور أمريكي منتخَب. ويبدو أن هذه الحقيقة قد غابت عن هوفستاتر.) حتى الرئيس الأمريكي باراك أوباما، اتَّهم، في حملة إعادة انتخابه عام ٢٠١٢ «مليارديرات نفطيين سريِّين» بتشويه سجلِّه ومحاولة شراء الانتخابات.

بطبيعة الحال، لا تشغل المؤامراتُ من آنٍ لآخرَ بعضًا من أعضاء الحكومة رفيعي المستوى فحسب. فنظريات المؤامرة الخاصة بالمهمشين غالبًا ما يكون لها نظراءُ مؤسسيون. ففي حين أن العبيد في أمريكا قبل الحرب كانوا يخشون من أن يكون الأطباءُ البِيضُ منخرطين في التخطيط لاختطافهم وذبحهم، انزعج أصحاب المزارع من أن يكون عبيدهم موضعَ استغلال من جانب الحركة الشمالية للتحرير من العبودية الذين يسعَون، على حد زعمهم، لدفعهم إلى التمرُّدِ العنيف. وفي حينِ انزعج شعبويُّو مطلع القرن من أن تكون الحكومة قد خضعَت لسيطرةِ مجموعةٍ من المصرفيِّين الدوليِّين، شجب آخَرون الشعبويين ذاتَهم باعتبارهم «مجموعةً منظَّمة وقوية شُكِّلت بمكرٍ ودهاء.» وبين الفينة والأخرى، تنخرط حشودٌ من العامة في حالةٍ من الهوس المؤامراتي. ففي بداية القرن العشرين، استحوذت المخاوفُ على عموم الأمريكيِّين من مؤامرةٍ آثمةٍ كبرى تهدف إلى اختطاف الشابَّات البريئات البيض، وإجبارهن على ممارسة البِغاء. وقد أثَّرت الروايات المروِّعة إلى حدِّ أن الرئيس ويليام هوارد تافت الذي سرعان ما سنَّ قانونَ حظر تجارة الرقيق الأبيض، الذي خصَّص ٥٠٠٠ دولار أمريكي لتشكيل الوكالة التي عُرِفت في نهاية المطاف باسم مكتب التحقيقات الفيدرالي. وفي ثمانينيَّات وتسعينيَّات القرن العشرين، اكتسحت بريطانيا موجةٌ من «الفزع الشيطاني» وكذا الولايات المتحدة، ووفقًا لها حِيكَت مؤامرةٌ شريرة كبرى من جانبِ قتلةٍ يعبدون الشيطان لاستغلالِ الأطفال الأبرياء وذبحهم بشكل جماعي.

•••

تجدر الإشارة إلى أنه بمرور الوقت، بدأ هوفستاتر، فيما يبدو، يعتقد أن المؤامراتية ربما تكون ظاهرةً أكبرَ من تلك التي تخيَّلَها في بداية الأمر. ففي حين أن النسخة الأولى من مقالته ذكرت أن الأسلوب البارانوي لا يُؤثِّر إلا على أقليةٍ «متواضعة» من السكان، حدَّث هوفستاتر تقديراته لاحقًا ليقول أقلية «مُعتبَرة». لكن هوفستاتر لم يكن لديه أرقام يدعم بها مزاعمه، وحتى هذا التقدير الأكثر سخاءً لا يزال قاصرًا عن رصد النِّطاق الحقيقي للمؤامراتية. وقد خرجت إلى النور على مدار السنوات القليلة الأخيرة عشراتُ الاستفتاءات واستطلاعات الرأي، وتبيَّن أن الأمر لا يقتصر على حَفنة صغيرة من أشخاصٍ يُعانون جنونَ الارتياب ويشعرون بالاغتراب في مجتمعاتهم، بل رُصِدت أعدادٌ ضخمة من الناس الذين يُصدِّقون نظريات المؤامرة. ففيما يتعلَّق بهجمات الحادي عشر من سبتمبر، أو مقتل الأميرة ديانا، أو الهبوط على سطح القمر، أو النظام العالمي الجديد الوشيك، أو إضافة الفلوريد إلى الماء الذي نشربه، أو أمان اللقاحات، أو وجود كائنات غريبة، على سبيل المثال، يُصدِّق ١٠٪ إلى ٣٠٪ من الناس الروايات المؤامراتية. وفيما يتعلق بمقتل جون كينيدي، فإن أصحابَ نظريات المؤامرة هم الأغلبية؛ فوفقًا لبعض استطلاعات الرأيِ التي أُجريت على مرِّ السنين، اعتقد عددٌ قليل من الناس — بمعدل شخص أو اثنين من كل عشَرة أشخاص — أن لي هارفي أوزوالد ارتكب جريمةَ الاغتيال بمفرده.

لكننا لا نستطيع أن نستنتج النطاقَ الحقيقيَّ للتفكير المؤامراتي بالنظر فقط إلى أعداد الأشخاص الذين يقولون إنهم يُصدِّقون نظريةَ مؤامرةٍ معينة. فالنظريات تزدهر وتخبو. فالبعض منها يزداد رَواجًا بمرور الوقت في حينِ يتلاشى بعضها الآخر. والبعض منها سريعُ الزوال، وسرعان ما يطويه النسيان بمجرد ظهوره. يوضح جو أوسينسكي وجوزيف بيرانت أنه ليس هناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأن قياسَ مدى تصديق «إحدى نظريات المؤامرة مؤشرٌ دقيق لنظريات المؤامرة على اتساعها؛ الأمر لا يختلف كثيرًا عن كون سعر سهم شركة جنرال موتورز مؤشرًا أوليًّا لسوق الأسهم».

ولمعرفة مدى شيوع التفكير المؤامراتي بوجهٍ عام، نحتاج إلى منظورٍ أوسع نطاقًا. فأولًا، يُمكننا أن نتأمل نسبة الأشخاص الذين لا يُصدِّقون نظريةَ مؤامرة واحدة فحسب، بل يصدِّقون كلَّ نظرية مؤامرة. فقد توصَّل تيد جورتزيل في استطلاعٍ أجراه عام ١٩٩٢، إلى أن الجميع تقريبًا قد قَبِلوا نظريةً واحدة على الأقل من نظريات المؤامرة عندما سألهم عنها، وأن أغلبهم كانوا يعتقدون أن العديد من تلك النظريات صحيحةٌ دون شك أو على الأرجح. وفي وقتٍ أحدثَ من ذلك، أشار استطلاعٌ للرأي أُجري عام ٢٠١٣، إلى أن ٦٣٪ من الشعب الأمريكي يُصدِّقون نظريةَ مؤامرة سياسية واحدة على الأقل. وبالمثل، توصَّل استطلاعٌ للرأي أُجري عام ٢٠١٤ إلى أن نصف الأمريكيين يُصدِّقون نظريةَ مؤامرة طبية واحدة على الأقل.

مستويات الاعتقاد أو التصديق هذه تُوسِّع نطاق أيِّ تعريف لمصطلح «الهامش» بما يتجاوز هذا النطاق بكثير. لكن حتى هذه الأرقام الكبيرة ذات الدلالة لا تُعبِّر عن الشيوع الحقيقي للتفكير المؤامراتي. كلُّ ما تُظهره أن الأشخاص الذين شاركوا في الأبحاث كانوا يُصدِّقون على الأقل نظريةً واحدة من العدد المحدود من النظريات التي سألهم الباحثون عنها تحديدًا في استطلاعاتهم. فقد سأل جورتزيل عن ١٢ نظرية مختلفة، وتعرَّض استطلاعٌ عام ٢٠١٤ المتمحورُ حول المؤامرات الطبية، لستِّ نظريات، واستقصى استطلاع ٢٠١٣ السياسي عن أربع نظريات فقط. وسؤال الناس عن كلِّ نظرية مؤامرة في هذا العالم سيكون مفيدًا أكثر، لكن ليس هناك الكثيرون من الناس الذين لديهم الاستعداد للخضوع لهذا الاستجواب. فإذا استطعنا بطريقةٍ ما تنفيذَ دراسة طموحة، فأعتقد أننا سنجد أن كل شخص تقريبًا يُصدِّق نظرية أو أخرى من نظريات المؤامرة. فنحن جميعًا أصحابُ نظريات مؤامرة، على الأقل في بعض الأحيان.

جنون الارتياب اليومي

لماذا إذن لا يزال من السهل للغاية أن ننساقَ وراء القالَبِ النمطيِّ لصاحب نظرية المؤامرة المُتعرِّق اليدين والهامشي والمرتدي لقبعة رقاقة القصدير؟

حسنًا، يكمُن في هذا القالبِ النمطي لُبُّ الحقيقة. فكما رأينا، الأشخاص الذين يقتنعون بنظريات المؤامرة بحماسٍ بالغٍ يكونون على الأرجح، في واقع الأمر، أكثرَ اعتلالًا بجنون الارتياب من الذين يرفضون نظريات المؤامرة. المشكلة تكمن في افتراضِ أن جنون الارتياب شيءٌ غيرُ مألوف إلى هذا الحد. فعند سماع مصطلح جنون الارتياب، يكون من المغري تصوُّر شخصٍ ما غير قادر على التصرف أو التحرك؛ لأن خوفه من ترصُّدِ شخصٍ ما له يعذبه باستمرار. هذا النوع من جنون الارتياب المرَضي موجود بالتأكيد، ويمكن أن يكون موهنًا. فجنونُ الارتياب الحادُّ هو عرَضٌ أساسي من أعراض الاعتلالات العقلية مثل فصام الشخصية والاضطراب الثنائيِّ القطب. لكن هذا النوع من جنون الارتياب الموهن لا يُعانيه سوى نسبةٍ ضئيلة جدًّا من السكان. فلا يمكن أن يُفسِّر جنون الارتياب المرضي الإيمانَ بنظريات المؤامرة.

لكن ليس هذا هو نوعَ جنون الارتياب الذي قاسته الدراساتُ التي تحدَّثنا عنها في وقتٍ سابق. كما أنه يختلف عمَّا كان يعتقده هوفستاتر. فقد أوضح في مقالته أنه بالرغم من استعارته مصطلحَ جنون الارتياب من متلازمةٍ سريرية، لم يقصد وصف أولئك الذين اتهمَهم بإظهار الأسلوب البارانوي بأنهم مختلُّون عقليًّا. بل كان يستخدم مصطلح جنون الارتياب، حسب قوله، بالمعنى الدارجِ أكثر. ومع ذلك، رغم استخدام هوفستاتر المتحفظ للمصطلح، ظلت لغته تَصِمُ الشخص الذي يصفه بجنون الارتياب. فليس من المنطقي إلى حدٍّ كبير أن تقول إن نظريات المؤامرة نتاجُ «عقول غاضبة على نحوٍ غيرِ مألوف.» على حد وصف هوفستاتر، عندما تكون هذه العقولُ مألوفةً وشائعة في واقع الأمر.

في الواقع، لا يتطلب الأمر أن يكون المرءُ ذا عقلٍ غاضب على نحوٍ غيرِ مألوف حتى يتشكَّك فيمن يُحيطون به. فالأفكار البارانوية تُغطي طيفًا واسعًا من الشدة، وليس هناك هوَّة واسعة تفصل ما هو مرضيٌّ عما هو عادي. فأوهامُ الاضطهادِ متكاملةُ الأركان التي تُؤرق بعض الناس بفصام الشخصية تقع عند أحدِ طرَفَي المقياس، وهي نادرةٌ لحسن الحظ. لكن الطرف الآخر من المقياس — وهو عدم ورود أي فكرة بارانوية عابرة مطلقًا على عقلك — أمرٌ نادر أيضًا. هل سبق لك أن وجدتَ نفسك على متن قطار مزدحم، وشعرت كما لو أن شخصًا غريبًا تمامًا يرمقك بنظرات استنكارية دون سببٍ واضح؟ أو لعلك شعرت بأن أشخاصًا في العمل يُرسلون رسائلَ بريد إلكترونيٍّ عنك من وراء ظهرك، أو مرَّ بك صديق دون أن يقول لك «مرحبًا!» فأخذت تتساءل هل تجاهلَك عن عمد. أو ربما وجدت نفسك وحيدًا بالمنزل ليلًا وانتابك شعورٌ سخيف بأن ثمَّة شيئًا ما يترصَّد لك في الظلام؟ إذا كان هذا قد حدث لك؛ فقد انتابك جنون الارتياب.

لكن لا تقلق، لستَ وحدك. فكلُّ الناس تقريبًا لديهم أفكار بارانوية، وأكثر بكثير مما تظن. كرَّس عالم النفس دانييل فريمان حياته المهنيَّة لدراسة جنون الارتياب. ففي عام ٢٠٠٥، طرح فريمان وفريقٌ من زملائه سؤالًا على أكثرَ من ١٠٠٠ طالب جامعي عادي حول المعدل الذي تُراودهم به أفكارٌ بارانوية بسيطة، على غِرار تساؤلهم عما إذا كان شخصٌ ما يُحاول استغلالهم، أو عما إذا كان الناس يتحدَّثون عنهم من وراء ظهورهم. وقد اعترف جميعهم تقريبًا بأن هذه النوعيةَ من الشكوك تنتابُهم من آنٍ لآخر. ولعل الشيء الأكثر غرابة أن أكثر من ثلاثة أرباع الطلاب اعترفوا بأن فكرةً بارانوية أو أكثر تُراودهم كلَّ أسبوع على الأقل. بل اعترف قرابة ثُلث الطلاب بأن ثمَّة أفكارًا بارانوية تُراودهم بمعدلٍ أعلى من ذلك.

عندما قاس تيد جورتزيل وآخَرون جنونَ الارتياب، كانت أسئلتهم تستهدف تقييمَ هذه النوعية من الشكوك اليومية. فالشكوك التي تُراود المرء عن دوافعِ الناس، وسوء الظن، وتحدي السلطة، والعدائية، والتهكُّم التي تنسجم مع اعتقاده بأنه يعيش في عالمٍ لا يُمكنه أن يثق فيه دومًا بالناس هي جمعيها مشاعرُ شائعة جدًّا بين الناس العاديين. بطبيعة الحال، بعض الناس أكثرُ عرضة نسبيًّا لهذه المشاعر من غيرهم. وليس من الصعوبة أن تُدرك كيف أن نزعةً بارانوية نسبية وطفيفة في الوقت ذاتِه يُمكن أن تؤديَ إلى الانخراط في نظريات المؤامرة. فعندما تتشكك في الناس، لا سيما المسئولين، ولا تثق بهم، فالأرجح أنك تتشكَّك تمامًا في التفسيرات الرسمية. وإذا كنت تعتقد أن أغلب الناس لديهم دوافعُ خبيثة خفيَّة، فإن نظريات المؤامرة تصبح التفسير الأكثر منطقية بالنِّسبة إليك. فجنون الارتياب ينسجم تمامًا مع نظريات المؤامرة، لكن نظريات المؤامرة لا تقتصر على أناسٍ هامشيِّين؛ لأن جنون الارتياب لا يقتصر على أناس هامشيين.

•••

بالمثل، ثَمَّة شيءٌ من الحقيقة في الفكرة القائلة بأن أصحاب نظريات المؤامرة يشعرون في أغلب الأحيان بالاغتراب والنبذ والعجز النِّسبي. لكن هذه أيضًا تجرِبةٌ أكثرُ عموميةً مما قد تُخيِّله لنا القوالب النمطية المتعلقة بالمنعزلين القابعين على شبكة الإنترنت. فلطالما فَطِن علماءُ النفس لأهمية شعور المرء بسيطرته على زمام الأمور، وليست هذه رغبةً مقصورة على الأشخاص الهامشيِّين. فكل الناس يودُّون أن يعتقدوا أنهم يفهَمون ظروفهم ويتحكَّمون في مصائر أنفسهم. غير أن العالم لديه عادة مقيتة وهي أنه يُذكِّرنا بأننا تحت رحمة العشوائية. فمن فقدان المرء لوظيفته حال حدوث ركود اقتصاديٍّ إلى دخول مسمارٍ صَدِئ في قدمه، ثمَّة مصادرُ عشوائية للحظِّ العاثر لا تُعد ولا تُحصى، ويستحيل التنبؤ بها أو التحكم فيها، كما أن بمقدورها تغييرَ مسار حياتك؛ أو على الأقل إفساد يومك في لحظة. ونحن نُواجه تحدياتٍ مستمرةً تختبر شعورنا بالسيطرة بصورٍ أقلَّ دراماتيكية أيضًا، تتمثَّل في تغيير التحالفات الاجتماعية والتمييز والشعور بالنبذ والاغتراب والظلم والإجحاف، أو حتى مجرد الشعور بأن شخصًا ما لديه سلطانٌ علينا.

وعندما يُصبح شعورنا بالسيطرة مهدَّدًا، فإننا حينَذاك تحديدًا نُصبح أكثرَ عرضةً لشيءٍ من جنون الارتياب. فإدراكُ أن العالَم فوضويٌّ أمرٌ مزعج للغاية، بالنِّسبة إلى أغلبنا. والقلق الوجودي يدفعنا لإيجادِ طرقٍ أخرى نُرضي بها حاجتنا إلى النظام والسيطرة؛ وعندما نُصبح عاجزين عن السيطرة على الأمور بأنفسنا، نركن إلى الاعتقاد بأنَّ شخصًا ما (أو شيئًا ما) هو مَن يتولَّى دَفة القيادة. ويطلق علماء النفس على هذا الأمر «السيطرة التعويضية».

ويكون أمامَنا بضعةُ خيارات عندما يتعلق الأمر بإيجاد سيطرة تعويضية. وأحد تلك الخيارات هو الاعتقاد بأن لدينا حليفًا قويًّا. فالأديان التي تقوم على فكرةِ وجودِ إلهٍ محبٍّ للخير يتحكم في العالَم، تُطمئِنُ المؤمنين بذلك أن كل شيء يحدث لسببٍ ما. وإذا نظرنا إلى الأمر بمنظور واقعي أكثر، فإننا نضع ثقتَنا في مؤسساتٍ مثل الحكومة. وتُشير الدراسات النفسية إلى أنه عندما يتضاءل شعور المرء بالسيطرة الشخصية، يصبح أكثرَ نزوعًا إلى الإيمان بإلهٍ يتدخل في كل شئون العالَم (لا في معبود لا يتدخَّل كثيرًا في مجريات الأمور) وأكثر ميلًا إلى زيادة الضوابط الحكومية.

ثَمة طريقةٌ أخرى تتحقَّق بها السيطرة التعويضية وهي الاعتقاد بأن لديك عدوًّا قويًّا. قد يبدو هذا تناقضًا؛ فهل هناك مِن شيء أكثرَ إزعاجًا من تخيُّلك أن الناس يُخططون ضدك؟ لكن وجود أعداء لك له مزاياه. فلْتتذكَّر أن الشيء الذي نودُّ تجنُّبه قبل كل شيء هو أن نرى العالمَ عشوائيًّا. فلو أن الأشياء تحدثُ لنا محضَ صدفة، فلن يكون لدينا كثيرُ أملٍ في فَهم مصائرنا والتنبؤ بها والتحكُّم فيها. والاعتقاد بأن شخصًا ما في مكانٍ ما هو مَن يُسيطر على مجريات الأمور — حتى وإن لم يكن هذا الشخص يعبأ كثيرًا بمصالحك — أفضل من الاعتقاد بأن حياتك تتلاعبُ بها الصُّدف. فعلى العكس من العشوائيةِ العديمةِ الملامح، قد يكون ممكنًا إفشالُ أعدائك المعروفين أو التحكمُ فيهم أو على الأقل فهمهم.

هذا ليس قرارًا شعوريًّا. فأدمغتنا تُؤدي الجزءَ الأكبرَ من هذه المهمة نيابةً عنا، دون أن يتطلَّب الأمر منَّا حتى إدراك سبب شعورنا بالانزعاج. يصف رودريك كرامر، وهو اختصاصيٌّ آخرُ في العلوم الاجتماعية متخصصٌ في جنون الارتياب، كيف أن التهديدات التي تعترض شعورنا بالسيطرة تدفع أدمغتَنا للتحرُّك. فنحن نُصبح أشدَّ مبالغةً في الحرص؛ إذ نُدقِّق في سلوك الناس بعنايةٍ تفوق ما هو معتادٌ بكثير ونطيل التفكير في الدوافع المحتملة وراءَ سلوكهم هذا، باحثين عن مفاتيحَ ودلائلَ تُساعدنا على استعادة النظام والفهم. ومن خلالِ جمعِ هذه المعلومات الغامضة والركون إليها بحماس، تزداد احتماليةُ قراءتنا لنوايا خبيثةٍ خفيةٍ في أحداث عادية، وسوء تفسيرنا لسلوك بريء ظانِّين انطواءه على تهديد. ونتيجةً لذلك، من السهل أن يتولَّد لدينا خوفٌ من أن شخصًا ما قد لا يكون أهلًا للثقة أو أنه يترصَّد بنا، وهو ما يُؤدي إلى مزيدٍ من الاحتراز واجترار الأفكار. وقبل أن ننتبهَ إلى الأمر، يمكن أن تُهيمن شكوكنا علينا، دافعةً إيانا إلى المبالَغة في تقدير درجة سيطرة أشخاص آخرين أو قُوًى أخرى على الأمور ومدى سعيهم لإلحاق الضرر بنا.

يُظهِر عددٌ من التجارِب الحديثة إلى أيِّ مدًى يسهُل تفعيل هذه العملية. فمثلًا، صمَّم عالِم النفس دانييل سوليفان وزملاؤه مجموعةً من التجارِب جرى فيها التحكم في الشعور بالسيطرة لدى عددٍ من المشاركين غير المرتابين. ففي إحدى الدراسات، طلب الباحثون من المشاركين تقييم مدى سيطرتهم على أشياءَ من قبيل «هل أنا عُرضة للإصابة بمرضٍ ما؟» أو «هل يُعاني أفراد أسرتي أو لا؟». وقد قيَّمت مجموعةٌ مختلفة عباراتٍ أكثرَ براءةً على غِرار «أتحكَّم في مقدار الوقت الذي أقضيه أمام شاشة التليفزيون.» وكانت النتيجة أن المجموعة الأولى التي جرى تذكير أفرادها على نحوٍ خفيٍّ بالتهديدات الوجودية التي تستعصي على السيطرة كانت أكثرَ ميلًا على نحوٍ دلالي إلى الاقتناع بنظرية مؤامَرة مختلَقة بشأن تزوير الانتخابات.

توصَّل عالِما النفس جنيفر ويتسون وآدم جالينسكي إلى نهجٍ آخر. ففي دراستهما، طلبا من المشاركين في الاختبار تذكُّرَ تجرِبة ليس لديهم سيطرةٌ عليها، أو تجرِبة لديهم سيطرةٌ تامة عليها. وبعد ذلك، طلبا من كل واحدٍ من المشاركين أن يتخيَّل أنه أحد الإداريين المرموقين في شركته. وتستلزم وظيفته، بين أشياء أخرى، مُراقبة شبكة الإنترنت واستخدام كلِّ موظَّفي الشركة للبريد الإلكتروني. كما طلبا أن يتخيَّل أنه على وشك الترقِّي، وأنه قبل يوم المقابلة المهمة مع رئيسه في العمل، يُلاحظ زيادةً غير مألوفة في عدد رسائل البريد الإلكتروني التي يتبادلُها زميله في العمل الجالس بجواره ورئيسه في العمل. وعندما يلتقي برئيسه في العمل، يكتشف أنه لن يحصل على الترقية، وهذه هي نهاية السيناريو. سأل عالِما النفس المشاركين: «ما مدى احتمالية تأثيرِ زميل العمل على قرار رئيسك في العمل؟» وكانت النتيجة أنه مقارنة بالأشخاص الذين جرى إشعارهم بأهميتهم وأنهم متحكمون في الأمور، زادت احتماليةُ تشكُّك الأشخاص الذين جرى إشعارهم بالعجز أن ثمة مؤامرةً ما في الأمر.

وبعيدًا عن المختبرات، طلبت عالِمةُ النفس البولندية مونيكا جريشاك فيلدمان من الطلاب الإجابةَ عن أسئلةٍ تتعلق بمؤامرة محتملة، وذلك قبيل بدء امتحان مهم ﺑ ١٥ دقيقة. وبالمقارنة مع الطلاب الذين كانوا ينتظرون بدءَ محاضرة عادية وحسب، زادت احتمالية أن يظن المُمتحَنون المتوتِّرون بأن ثَمة نظريةَ مؤامرة. وبالمثل، توصَّل رودريك كرامر إلى أن الأشخاص المستجِدِّين في مكانٍ ما، أو الذين يكونون تحت تدقيق شديد، أو يكونون في مكانة متواضعة نسبيًّا (كطلاب السنة الأولى في الدراسات العليا والأساتذة المساعدين) تزداد احتمالية اعتقادهم أن الآخرين يُخططون ضدَّهم من وراء ظهورهم مقارنة بزملائهم ذوي المكانة الأعلى.

جنون الارتياب الحصيف

يقودنا هذا إلى وجهةِ نظرٍ عن جنون الارتياب تختلف بشدةٍ عن الفكرة النمطية التي تُفيد بأن جنون الارتياب ناتجٌ عن «عقول غاضبة على نحوٍ غيرِ مألوف». ففي جميع الحالات باستثناء أشدِّ الحالات، لا يكون جنون الارتياب ناتجًا عن خللٍ في مشابك عصبية تستدعي أوهامًا خبيثة. فعلى النقيض من ذلك، تَشيع الحالات الطفيفة من جنون الارتياب بين الأشخاصِ العاديِّين للغاية، فهي نتاجُ دافعٍ نَهمٍ لفهْم العالَم ومكاننا فيه، والشعور كما لو كنا نملك زمامَ الأمور.

وجنون الارتياب ليس دائمًا شيئًا سيئًا. فبرغم كل شيء، غالبًا ما يكون العالَم مكانًا غامضًا ومخيفًا. وكما يوضح دانييل فريمان: «السير في شوارعَ معينةٍ قد يُشعرك بالخطر. والأصدقاء ليسوا دائمًا أصدقاءَ صالحين.» فربما يسخر الناس منك في واقعِ الأمر من وراء ظهرك. وربما يترصَّد أحدهم بك. فاحترازك من «نوايا عدائية محتملة لدى الآخَرين يُمكن أن يكون استراتيجية مناسبة يتعيَّن عليك أن تتبناها.» ويُطلق رودريك كرامر على هذه الاستراتيجية «جنون الارتياب الحصيف». فهو كما يقول «نظام الإنذار المبكِّر في العقل» ويُمكن أن يكون بمثابة «آلية دفاعية صحِّية ضد أيِّ خطر خارجي حقيقي.» غير أن هناك خيطًا رفيعًا يفصل بين الارتياب الصحي من تهديدات محتملة والأفكار الجامحة غير المبرَّرة التي تتمحورُ حول وجود نوايا خبيثة. ويُمكن أن يكون من الصعب التمييزُ بين الوقت الذي ينبغي علينا فيه أن نثقَ بشخصٍ ما والوقت الذي يكذب علينا فيه؛ أو بعبارة أخرى: متى يكون شخصٌ ما محبًّا للخير أو غيرَ مبالٍ حيالنا ومتى نكون عُرضةً لخطر استغلالنا. وعندما نكون في حالةٍ من الشك، ننزع إلى ما يُطلِق عليه كرامر «خطأ العزو الخبيث». فنستغرق في الشعور بالارتياب حيالَ الآخرين.

•••

هَبْ أنك خرجتَ لتشتريَ نظارة شمسية جديدة. وتخيَّل أنك دخلتَ في محلٍّ صغير لطيف، وجرَّبت إحدى النظارات الشمسية. وبمجردِ أن ارتديتَ هذه النظارة الباهظة الثمن، وجدت البائع يقول لك شيئًا من قَبيل: «هذه نظارة جيدة حقًّا، تبدو رائعًا وأنت ترتديها!» ما الشعور الذي ينتابك عندما تسمع هذه المجاملة؟ بطبيعة الحال، قد يكون البائع صادقًا فيما قال (وأنا على يقينٍ أنك رائع وأنت ترتديها). لكن من جديد، لدى البائع دافعٌ مستتر من مدحِك؛ فثَمَّة عمولة سيتقاضاها وأهدافُ مبيعات يريد أن يُحققها. فربما يمتدحك في محاولةٍ منه لتشجيعِك على شراء السلعة ودفع مقابلها من النقود. عندما وضعت عالِمة النفس كيلي مين وزملاؤها المتسوقين في هذا الموقف (بطبيعة الحال، دون عِلمهم أن هذا كان جزءًا من الدراسة)، تشكَّك المشترون على نحوٍ مفهوم من دوافع البائع. فبسبب هذا الموقف الغامض، ومعرفتهم أن البائع يُحاول خداعهم لغرضٍ ما، انتاب المتسوقين نوعٌ حصيف من جنون الارتياب.

الرؤية الكاشفة بحقٍّ التي توصلتْ إليها هذه الدراسة، كان مصدرها سيناريو آخر، تلقَّى فيه المتسوقون المجاملةَ نفسها من بائعٍ بعد أن اشترَوا نظارة شمسية بالفعل. لم يَعُد هناك دافعٌ ظاهر لدى البائع ليكذب عليهم؛ فالمتسوِّق قد دفع ثمن النظارة فعليًّا. ومع ذلك ظلَّ المتسوق يظن أن المجاملة كانت لغرضٍ ما. قد تقول إن شيئًا من جنون الارتياب المتبقي مبرَّرٌ. فربما يحاول البائع ضمان تَكرار الشراء من المحل الذي يعمل به. لكن المجاملة كانت تتعلَّق بهذه النظارة الشمسية تحديدًا التي كان يحملها المشتري. فقبل الصفقة، كان من الممكن أن تُؤثِّر المجاملة تأثيرًا مباشرًا على القرار الفوري للمشتري؛ دافع الكذب قوي. وبعد الصفقة، ربما تؤثِّر فحَسْب على سلوكه المستقبلي الافتراضي؛ الدافع هنا أضعفُ كثيرًا. ومع ذلك فإن توقيت المجاملة لم يصنع أيَّ فارق من أيِّ نوع. فالمتسوقون ارتابوا من المدح بالقدْر نفسِه قبل وبعد الصفقة. هذه التجرِبة البسيطة تُبين إلى أيِّ مدًى يسهُل أن يتحوَّل الارتيابُ المبرَّرُ إلى فقدان ثقةٍ غيرِ مبرَّر. فنحن نُجيد رصد الدوافع المستترة، لدرجةِ أننا نراها أحيانًا تتخفَّى وراء السلوك البريء.

في ضوء هذا، يُمكننا أن نبدأ في إدراك أسباب انتشار نظريات المؤامرة إلى هذا الحد. في الواقع، لدينا مبرِّر جيد يجعلنا ننخرط في جنون الارتياب الحصيف عندما يتعلَّق الأمر بالكثير من مُدبِّري نظريات المؤامرة الأكثر رواجًا، ومن بينهم الحكومات والوكالات الاستخباراتية والمؤسسات والتنظيمات السرِّية. فنحن نعلم أنَّ جماعاتٍ معينةً من الناس ترغب في خداعنا وتترصَّد بنا. وبشيءٍ من جنون الارتياب الحصيف، يُمكن لأدمغتنا أن تنخرطَ في جمْع المعلومات والمبالغة في تحليلها حتى نرى الدوافعَ الخفيةَ ودلائلَ الخداع؛ سواءٌ كانت مبرَّرةً في واقع الأمر أو غيرَ مبررة. فكما الحال بالنِّسبة إلى المتسوقين الذين استمرُّوا في عدم الوثوق بالبائع حتى عندما لم يَعُد هناك دافعٌ للكذب، شعورنا الصحي بالارتياب من أولئك الذين لديهم سُلطة يمكن أن يجرَّنا أحيانًا إلى تصوُّر وجود مؤامرة.

دمٌ فاسد

تأمَّل من جديد الأبحاثَ التي تُشير إلى أن الأقليات العرقية في الولايات المتحدة أكثرُ تصديقًا بوجهٍ عامٍّ لنظريات المؤامرة من القوقازيِّين. فلا يصعب عليك أن تُدرك أسبابَ وجودِ مبرِّرات لدى المنتمين إلى أقلياتٍ عِرْقية للانخراط في جنون الارتياب الحصيف، لا سيما فيما يتعلَّق بالمؤسسات والسلطات البيضاء المهيمنة. فوفقًا لإحدى الدراسات التي أُجرِيَت في ولاية لويزيانا إحدى ولايات الجنوب الأمريكي، تزداد احتمالية قَبول السود الذين كانوا ضحيةً للتمييز العنصريِّ أو المضايقات الشرطية لنظريات المؤامرة مقارنةً بمن لم يخوضوا تجارِبَ قاسيةً كهذه. وهناك عاملٌ أكثرُ تأثيرًا وهو درجة السيطرة التي اعتقدوا أن السُّود يمتلكونها في مجال السياسة؛ فأولئك الذين يعتقدون أن السود يُمكن أن يؤثِّروا في العملية السياسية تقلُّ احتمالية تصديقهم نظريات المؤامرة، في حينِ أن أولئك الذين يشعرون بالنبذ والاستبعاد من العملية يكونون أكثرَ قَبولًا لنظريات المؤامرة. بالمثل، أظهرت دراسةُ تيد جورتزيل أنه، على وجه العموم، يكون الأمريكيون من أصلٍ أفريقي والأمريكيون من أصل إسباني أقلَّ رضًا عن المجتمع مقارنةً بالقوقازيين. ففي تحليله، هذا السخط الزائد فسَّر أغلبَ أوجه الاختلاف في دعم نظريات المؤامرة.

انصبَّ تركيز أغلب الأبحاث التي تناولَت المؤامراتية والسلالة على الأمريكيِّين من أصل أفريقي على وجه التحديد. فقد أُطلِق على نظريات المؤامرة «شريان حياة مجتمع الأمريكيِّين من أصل أفريقي.» ثمَّة نظريات تزعم أن أبرز المتحدِّثين عن الحقوق المدنية أمثال مالكولم إكس ومارتن لوثر كينج الابن اغتالهم عملاءُ سريُّون تابعون للحكومات؛ وأن علاماتٍ تِجاريةً معيَّنة للوجبات الخفيفة والمشروبات الغازية والسجائر تحتوي على مكونات تهدف إلى إصابة السود بالعُقم؛ وأن الحكومة الأمريكية تتعمَّد صنع الأسلحة والعقاقير المحظورةِ قانونًا في مجتمعات الأمريكيين من أصل أفريقي؛ وأن تحديد النسل جزءٌ من خطة تهدف إلى تحجيم شريحة السُّود السكانية. ومن بينِ أكثر النظريات انتشارًا الفكرة القائلة بأن الحكومة والمؤسسة الطبية لا يُخبرون الناسَ بالقصة الكاملة عن مرض الإيدز، أو حتى أن مرض الإيدز سلاحٌ بيولوجي يستهدف انتقائيًّا السودَ. فقد استُهِلت مقالةٌ نشرتها صحيفةُ «نيويورك تايمز» عن الانتشار الكبير لنظريات المؤامرة في مجتمعات السود بالقول: «قد يبدو الأمر غريبًا بالنِّسبة إلى أغلب الناس، ولكنَّ الكثير من الأمريكيين السود يعتقدون أن الإيدز والتدابيرَ الصحية المستخدَمة حياله هما جزءٌ من مؤامرة تهدف إلى استئصال الجنس الأسود.»

في الواقع، لدى الأمريكيِّين السودِ ما يُبرِّر انخراطهم في جنون الارتياب الحصيف أكثر من غيرهم، لا سيَّما عندما يتعلَّق الأمر بصحتهم واستقلالهم الذاتي. ففي الجنوب قبل الحرب، كان مُلَّاك الرقيق البيض يتحكمون في حقوق عبيدهم الإنجابية، وكان العبيدُ والعُتَقاء الملوَّنون يُستخدَمون على نحوٍ غيرِ متكافئ في التجارِب الطبية ودروس التشريح. وبعد الحرب الأهلية، روَّج بعض البيض الذين كانوا يسعَون لامتلاك زمام السيطرة على عبيدهم المحرَّرين، شائعاتٍ عن «الأطباء الليليين» الذين كانوا — على حدِّ زعمهم — يسرقون السود ويقتلونهم ويُشرِّحون أجسادهم. وفي القرن العشرين كانت الإعدامات دون محاكمةٍ شكلًا من أشكال الترفيه العام. فالمصوِّرون الفوتوغرافيون كانوا يلتقطون صورَ هذه الإعدامات في بعض الأحيان، ثم يبيعون بطاقاتٍ بريديةً عليها صورة الجثة المشنوقة مقابل ٥٠ سنتًا لكلِّ بطاقة بريدية. وفي حقبة الستينيَّات من القرن العشرين، أصبحت مؤسَّسات الحقوق المدنية وزعماؤها الهدفَ الرئيس لبرنامج مكافحة التجسُّس التابع لمكتب التحقيقات الفيدرالي والمعروف باسم برنامج «كوينتيلبرو» الذي استخدم التجسُّس غير القانوني والتسلل غير المشروع في محاولةٍ «لفضح أو تفتيت أو تضليل أو تشويه سمعة أو تحييد» الأنشطة «الهدامة» التي تُمارسها تلك المؤسَّسات وزعماؤها. وحتى في الوقت الراهن، لا تزال أمريكا تُعاني اضطرابًا متجدِّدًا بسبب التعامل الشرطي مع السود. فبعد مقتلِ مراهقٍ أسودَ غيرِ مسلَّح في أغسطس ٢٠١٤ على يد أحد ضباط الشرطة البيض في بلدة فيرجسون بولاية ميزوري، توصَّل أحد مكاتب التحقيق التابعة لوزارة العدل إلى أدلةٍ على تمييزٍ عنصري متعمد في الممارسات الشرطية في البلدة.

ولعل أشهرَ الأحداث فظاعةً وسوءًا فيما يخص المعاملة السيئة التي لقيها السودُ على يدِ البيض في أمريكا إبَّان القرن العشرين؛ دراسةُ توسكيجي لمرض الزهري غير المعالج لدى الذكور الزنجيِّين. فقد بدأت الدراسة بنوايا طيِّبة. ففي أواخر عشرينيَّات القرن العشرين، بدأت خدمة الصحة العامة الأمريكية في تصميمِ برنامَجٍ لفحوصات مرض الزهري وعلاجه يستهدف السودَ المعدمين في الجنوب الأمريكي الريفي. غير أنه قبل أن تبدأ المرحلة العلاجية من الدراسة، استنفد الكسادُ الكبير عام ١٩٢٩ جزءًا كبيرًا من تمويل الدراسة، تاركًا الباحثين في حاجةٍ ماسةٍ إلى الموارد اللازمة لتقديمِ أيِّ نوع من العلاج. وفي محاولةٍ يائسة لإنقاذ البيانات العِلمية المفيدة، أُعيدَ تصوُّر المشروع على نحوٍ متعجل على أنه دراسة للتطور الطبيعي للمرض. وكما قال مبتكر التجرِبة بابتهاج: «قدَّم مجتمع ألاباما فرصةً لا تُضاهى لدراسة تأثير مرض الزهري غير المعالج.»

وقد شارك في الدراسة ٦٠٠ شخصٍ من المزارعين السود المعدمين الذين يعملون بالأجرة. ففقرُهم وأملُهم في الحصول على رعايةٍ صحية مجَّانية جعلَهما على استعداد للمشاركة. ولم يُخبرهم أحدٌ بأنهم كانوا يُسجلون في دراسة عن الزهري، أو حتى ما إذا كانوا مصابين أو لا (قرابة ٤٠٠ من الرجال كانوا يُعانون الزهري، والباقين كانوا يُمثلون المجموعة الضابطة غير المصابة). كل ما أُخبروا به أنهم سيُعالجون من «الدماء الفاسدة»، وهو مصطلحٌ فضفاضٌ كان يُشير إلى عدد كبير من العلل والأمراض المتنوعة. في الواقع، لم يكن علاجُ هؤلاء الرجال جزءًا من الخطة مطلقًا. وكان مخططًا للدراسة في البداية أن تستمرَّ لبضعة أشهر فقط، لكن ما حدث أن الدراسة استمرت مدة ٤٠ سنةً، بفضل حماس الباحثين الراغبين في إشباع فضولهم العلمي وتجاهلهم التامِّ لحقوق مَرْضاهم. وعندما يُهمَل مرض الزهري ويُترك دون علاج، فإنه يُمكن أن يتطوَّر ليتحوَّل إلى مرض الزهري العصبيِّ الذي يُصيب الجهاز العصبي المركزي ويُسبِّب التشوش والعمى والخَدَر والشلل والخرف. وعندما بدأت الدراسة، لم يكن يوجد أيُّ علاج موثوق. كان العلاج المعتاد هو أخذ حُقَن تحتوي على الزرنيخ والزئبق مدة عام. لكنه بحلول عام ١٩٤٣، اكتُشف علاجٌ آمن وفعال وهو البنسيلين. وبدلًا من إلغاء الدراسة وعلاج المصابين، منعتهم خدمةُ الصحة العامة من تلقي العلاجِ حتى تضمنَ استمرارية التجرِبة. فالباحثون كانوا مصرِّين على تَعقبِ مَرضاهم حتى المرحلة الأخيرة؛ وأقصد بذلك طاولة التشريح.

ولم يبدأ بعضُ العاملين في خدمة الصحة العامة في التشكيك في الدراسة من الناحية الأخلاقية إلا في ستينيَّات القرن العشرين. ومع تمكُّن حركة الحقوق المدنية من انتزاع المزيد من حقوق الأمريكيين السود، أدركت خدمة الصحة العامة أن دراسة توسكيجي يُمكن أن تشكِّل مشكلة محتملة في العلاقات العامة. لكن الدراسة لم تنتهِ حتى عام ١٩٧٢، عندما سرَّب أحد الوشاة القصة للصِّحافة. وقد أشعلت القصة غضبًا شعبيًّا عارمًا، وأدت إلى عَقْد جلسات استماع بشأنها في الكونجرس، وفي نهاية الأمر، صدر اعتذارٌ رسمي من الرئيس بيل كلينتون وذلك في عام ١٩٩٧. ومنذ ذلك الحين، سُنَّت القوانين لحماية الأشخاص المشاركين في الأبحاث الطبية من أي ضرر. فلجانُ الأخلاقيات يجب أن تُجيز وتعتمدَ تصميمات الدراسة، ويجب أن يقبل المشاركون المشاركةَ طَواعيةً، بعد أن يُطلَعوا إطلاعًا تامًّا على الإجراءات والمخاطر التي تتضمَّنها الدراسة. ومِن ثَم فنحن مطمئنون إلى أن دراسةً كدراسة توسكيجي لن تحدثَ مرة أخرى أبدًا.

ومع ذلك، فإنها تركت، دون شك، انطباعًا باقيًا لدى مجتمع الأمريكيين من أصل أفريقي. فالسود الذين لديهم علمٌ بدراسة توسكيجي تزداد احتماليةُ تصديقهم لنظريات المؤامرة المتعلقة بمرض الإيدز. وعلى نحوٍ أعمَّ، تتوصل الدراساتُ بشكل متواتر إلى أن الأمريكيين من أصل أفريقي أكثرُ ميلًا من الشرائح السكانية الأخرى إلى الشعور بأنهم قد يَجري استخدامهم كفئران تجارِبَ دون موافقةٍ منهم، والتشكك في أن الأطباء يوضحون المعلومات المتعلقةَ بالمشاركة في الأبحاث بشكل وافٍ. ونظريات المؤامرة، قد تبدو غريبةً إذا ما نظرنا إليها منفردةً، كما أوضحت المقالة التي نُشرت في صحيفة «نيويورك تايمز» عام ١٩٩٢. لكنه في السياق التاريخي، ليس من الصعب معرفةُ أسباب تشكك الأمريكيين من أصلٍ أفريقي على وجه الخصوص في أن السلطات تعبأُ كثيرًا بمصالحهم.

كلُّ ما هنالك أنك تُعاني جنونَ الارتياب

في مقالته «الأسلوب البارانوي»، وصف ريتشارد هوفستاتر المنطقَ المؤامراتي بأنه يستند إلى «قفزة كبيرة من الأشياء التي لا يمكن إنكارُها إلى الأشياء التي لا يُمكن تصديقها». وكان هوفستاتر محقًّا عندما اعتقد أن نظريات المؤامرة تقوم على أساس شيء من المعقولية لا يُمكن إنكاره. لكن الحقيقة أنه بالنِّسبة إلى الكثيرين منا — أو ربما بالنِّسبة إلى معظمِنا — من الواضح أن نظريات المؤامرة لا تستعصي على التصديق. فالتحول من جنون الارتياب الحصيفِ إلى المزاعم المحالة ليس قفزةً كبيرةً بقدْر ما هو جولةٌ عشوائية متمهلة. فمن الممكن أن يصعب على المرء تحديدُ نقطة البدء والنهاية لكلٍّ منهما.

أشار بيتر نايت الباحثُ في نظريات المؤامرة إلى أن التصوُّرَ النمطي لشخصٍ أحمقَ بارانوي يرتدي قبعةً من رقاقات القصدير تصوُّرٌ أجوف: «تصنيفُ رؤيةٍ ما على أنها بارانوية أصبح وصفًا فارغًا يدور في حَلْقة مفرَغة ببريقٍ علمي زائف؛ فالشخص البارانوي هو شخص يؤمن بنظرياتِ المؤامرة، والعكس الصحيح، فالسببُ في إيمان الناس بنظريات المؤامرة هو أنهم بارانويُّون.» ويمكننا أن نتجاوزَ الآن هذه الصورةَ الهزلية الخرقاء. فنحن ينتابُنا جميعًا شيءٌ من جنون الارتياب من وقتٍ لآخَر، لا سيما عندما لا يكون لدينا سيطرةٌ كبيرة على ظروفنا. وبطبيعة الحال، يحدث ذلك لبعض الناس أكثرَ من غيرهم؛ ويكون هناك مبررٌ جيد لذلك في بعض الأحيان.

واستنادًا إلى معرفتنا بالتجسُّس غير القانوني من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي على أي شخص يعتبرونه مخرِّبًا؛ والخُطط العسكرية الرامية إلى اغتيالِ زعماءَ أجانبَ ومدنيِّين أبرياء؛ والإفشاءات التي خرجت إلى النور مؤخرًا عن القدرات التجسُّسية غيرِ المسبوقة لدى وكالةِ الأمن القومي، ربما نكون محقِّين في الانخراط في شيءٍ من جنون الارتياب الحصيف. ومع ذلك، بدلًا من أن نطمئنَّ عندما تنكشف خُطةٌ ما، نغضب للغاية ونشعر بالرعب من الإفشاءات التالية. فعلمنا بمؤامرةٍ ما، يجعلنا عاجزين عن منعِ أنفسنا من تخيُّل أسرارٍ أخرى لم تنكشف بعد. وكلما زاد عِلمنا، أصبحنا أكثرَ انخراطًا في جنون الارتياب الحصيف. والمؤامرات تُولِّد نظرياتِ مؤامرة. وجنون الارتياب لا ينتهي أبدًا.

باختصار، لستَ بحاجةٍ إلى أن تكون واحدًا مما يُعانون دومًا جنونَ الارتياب كي تُصدِّق نظريات المؤامرة، كما أنك لستَ مضطرًّا إلى أن تكون لديك خِزانة مليئة بقبعات رقاقات القصدير. وهو الأفضل على الأرجح؛ حيث إن ذلك لا يُجدي على ما يبدو في كلِّ الأحوال. في عام ٢٠٠٥ — بعد مضيِّ ٨٠ سنة تقريبًا على طرح هكسلي فكرةَ ارتداء المرء قبعةً معدنية لحمايةِ نفسه من القُوى النفسية غير المرئية — اختبر علماءُ معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا الفكرةَ أخيرًا. فقد حلَّل الباحثون بصرامةٍ قدرةَ رقاقة القصدير على منع المجالات الكهرومغناطيسية التي يحتمل أن تُشوش العقل، باستخدام أحدث المعدات عالية التقنية ومجموعة متنوعة من تصاميم القبعات بما يشمل القبعة الكلاسيكية والطربوش والخوذة. وعلى العكس مما هو متوقَّع، أشاروا إلى أن هذه القبعات القصديرية لم تفشَلْ فحسب في حجب موجات الراديو، بل إنها عملت بالفعل على تضخيم تردُّدات معينة، لا سيَّما نطاقات الترددات المخصصة للحكومة الأمريكية لأغراض الاتصالات الخاصة بنظام تحديد المواقع العالمي.

فليس لمجرد أنك تُعاني جنونَ الارتياب، فإنك لن تنساقَ وراء نظريات المؤامرة. (لكن هذا لا يعني بالضرورة أيضًا أنك ستنساقُ وراءها.)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١