مقدمة

لم يكن فردريك الأكبر يذهب في حملة عسكريَّة، إلا وهو يحمل في حقيبته نسخةً من «المختصَر».

جيمس ستوكدال

في مدرسته الفلسفية في نيقوبوليس يقف هذا الشيخ النحيل بين تلامذته من صفوة الشبيبة الرومانية، مُكلَّلًا بتواضعه، مُدجَّجًا بصدقه، مُسيَّجًا بحيائه. وجودُهُ كله ينبضُ في كلماته، كلماته المتوهجة التي تضجُّ بالحياة وتكتنز بالمعنى وتَغْنَى بالجمال عن الزينة. فيتلقَّفها تلميذه النابِهُ فلافيوس أريانوس ويُنزِّلُها في الرَّقِّ كما هي حريصًا عليها ضنينًا بها. ثُمَّ لا يجد بُدًّا من الإشراف على نشرها بنفسه وقد عَلِمَ أن الشراكة في الحكمة لا تُنقصها، وأن تحريك الرياحين يَزيدُها طِيبًا.

ذلك هو إبكتيتوس الفيلسوف الرواقي الذي نَبُهَ شأنه في النصف الثاني من القرن الأول الميلادي والثُّلث الأول من القرن الثاني؛ وكانت حياته صورةً لفكره، ورفع نفسه من العبودية والبؤس إلى أعلى مدارج الحياة العقلية والروحية: «عبدٌ، أعرج، مُعوِز، ولكنْ عزيزٌ لدى الآلهة» كما نُقِش على شاهدِ قبره.

أحبَّه الإمبراطور هادريان وآثَرَه، وقيل إنه زار مدرسته في نيقوبوليس. واقتبس منه الإمبراطور ماركوس أوريليوس كثيرًا في «التأملات»، وكتب فيها: «إنني لَمَدِينٌ لِرستيكوس بتعرُّفي على «محادثات إبكتيتوس» التي تَفَضَّل عليَّ بنسختِه الخاصة منها» (التأملات، ١-٧). ويذكره أوريجين ويقول عنه: إنَّه عمل خيرًا مما عمله أفلاطون! كما أثنى عليه القديس أوغسطين في الفصل الخامس من «مدينة الله». أمَّا بليز بسكال، أحد أمراء البيان في كل العصور، فكان يَعُد «محادثات إبكتيتوس» أحدَ أعزِّ كتابينِ لديه. ويعتبره ماثيو أرنولد واحدًا من ثلاث شخصيات تاريخية١ هي الأكثر إلهامًا له وعونًا في الأوقات العصيبة.

يسأل قارئ «المحادثات» و«المختصَر»: من أين لهذا الشيخ الواهن كلُّ هذه الإمرة، وهذا السلطان على طَلَبتِهِ من عِلْيَة الرومان؛ حُكَّام العالم في ذلك الزمان؟!

ذلك شيءٌ لا يكون إلا عُلويًّا. تلك إمرة العقل وسلطان الحكمة، إنَّه لَيَرْأَمُ الشَّابَّ الفتيَّ ويُلقِي القولَ على قلبِه فيُقلِّم عُتُوَّه ويذهب بِشِرَّته، ويُعِدُّه لدورِه، ويُشكِّله بفلسفته، ويؤتي فيه أثره كأن قلبه في يده وقلوب الشباب في ضلاله:
  • الزم الصمت فثَمة خطرٌ كبيرٌ بأن تَقِيء في الحال ما لم تهضمه.

  • مدرسة الفيلسوف مَشْفَى لا يُفترَض أن يروح منه الطلاب في لذةٍ بل في ألم.

  • يظن الكثيرون أنَّ الحُرَّ فقط هو من ينبغي أن يتعلم، بينما يرى الفلاسفة أن المتعلم فقط هو الحر.

  • لكل نوع من الكائنات جماله، وجمال الإنسان في الجانب الإنساني منه: العقل. وفي هذا فلتُعمِل التطريةَ والتهذيب. أمَّا شَعرك فدَعْه لِمَن جَبَلَه وفْقَ اختياره.

  • إننا نتحدث عن أنفسنا كأننا مُعداتٌ أو أمعاءٌ أو سَوْءات، فنخاف ونرغب ونتملَّق الذين يَقدِرون على مساعدتنا في هذه الأشياء ونخشاهم أيضًا.

  • لا أحد يرسم أمامه دَرِيئةً من أجل أن يُخطِئها!

  • أنت روحٌ ضئيلةٌ تضطرب هنا وهناك حاملةً جُثَّةً.

  • لقد فُزتَ بخيرٍ من الوليمة التي فاتتك؛ فزت بإعفائك من التزلُّف.

  • ليست الأشياء ما يُكرب الناس، بل فِكرتهم عن الأشياء.

  • مَن يَرْضَ بالعيش حيثما وضعه الله فإنه على استعدادٍ لمغادرة مسكن الروح إذا كان البيتُ مليئًا بالدخان.

  • هو إن كان حاذقًا فسيعرف جدارتك. أمَّا إن كان غير حاذق فلن يُقدِّرك وإن كتبتُ إليه مائة توصية.

  • لا تغضب إذا باح لك المعلِّم بحقيقة جهلك. وهل تغضب من الطبيب إذا أخبرك بحقيقة مرضك؟ أو من المرآة إذا عكست لك حقيقة منظرك كما هو؟!

  • صحبة الفلاسفة خيرٌ من صحبة الأغنياء. لن يلحق بك خزيٌ إذا أنت شوهدت على أبواب الفلاسفة، ولن تعود أدراجَك خاويَ الوِفاض.

  • الخائن منبوذٌ يفرُّ منه الجميع فرارَهم من الزنابير.

  • لا تقل «فقدتُهُ» … قل «رددتُه».

  • فهل يُهمُّك بوساطةِ مَن استردَّ منك الواهبُ ما أعطى؟!

  • مُحصَّنٌ بالفلسفة … لا حدَّ بعد الحَدِّ … التعفف امتلاكٌ مُضاعَف …

يَسري القول في مسمع الفتى من هؤلاء مَسْرى النُّسْغِ في النَّبتة، فيشيع فيه ويمسُّ ضميره، ويتحول إلى كيانٍ عضوي، إلى حياة.

(١) عُدَّتُك في المِحَن

يقول برتراند رَسِل في «تاريخ الفلسفة الغربية»: ثَمة صدقٌ وبساطةٌ عظيمان في الكتابات التي تسجل تعليم إبكتيتوس. وإن أخلاقه لرفيعةٌ وعُلوية. وقلَّما يجد المرء أيَّ تعاليم تفُوقها إسعافًا له حين يكون في موقف يقتضيه في المقام الأول أن يقاوم سلطة مستبدة.٢
يُعلِّمُ إبكتيتوس أنَّ ليس ثَمة من أذًى حقيقي يمكن أن يلحق بالمرء إلا ما يجرُّه العقل على نفسه (حين يخطئ في أحكامه على الأشياء). الضرر لا يكون إلا ذاتيًّا.٣ ليس ثَمة معنًى لأن يكون المرء ضحية لغيره؛ فالمرء لا يمكن أن يكون ضحيةً إلا لنفسه! إذا مثُلتَ أمام جبار الأرض فتذكَّر أن هناك من يرنو من الأعالي إلى ما يجري وأن عليك أن تُرضيه لا أن ترضي هذا الإنسان. وتذكَّر قول سقراط: «بوسع أنيتوس وميليتوس بالتأكيد أن يقتلاني. أمَّا أن يؤذياني فذاك ما ليس في وُسعهما.» واختم مرافعتك بقولك: «أنا لن أتضرع إليك، ولن أُبالي بالحكم الذي ستتخذه (فأنت الذي على المحكِّ الآن!) إنما أنت من يُحاكَمُ الآن وليس أنا» (المحادثات، ٢-٢).
كُن على يقين من الموت؛ فذلك أمرٌ لا حيلة فيه. ولكن احترس من «الخوف من الموت»؛ فذلك أمر في قدرتك. «من التعس أن تنضج أكواز الذرة ثُمَّ لا تُحصَد، ومن التعس أن يكبر الإنسان ثُمَّ لا يموت» (المحادثات، ٢-٦). «جميع الطرق الموصِّلة إلى هاديس٤ متساوية. ولكن إن شئت الحقيقة فإن طريق الطاغية مختصرة. الطاغية الذي يحكم عليك بالقتل؛ فلم نعرف طاغيةً قَتَلَ إنسانًا في ستة أشهر، أمَّا الحمَّى فكثيرًا ما تستغرق عامًا لكي تقتل. كل هذه الأشياء مجرد لغطٍ وضجة أسماء فارغة» (المحادثات، ٢-٦).

(٢) مهرجان الوجود

«ماذا بوسعي أن أفعل، أنا الرجل المُسِن الأعرج، سوى أن أكبِّر الله. لو كنت عندليبًا لقمت بمهنة العندليب. ولو كنت تَمًّا لقمت بمهنة التَّمِّ.٥ ولكني كائنٌ عاقلٌ، فينبغي أن أكبر الله. هذه مهنتي، وأنا مؤديها، ولن أتنحى عنها ما حييت.» وما هو بالهيِّن هذا الدور الذي أؤديه؛ فإذا كان الكون كتابه والخلائق كلماته، فإن القراءة قراءتي والفهم فهمي والتأويل تأويلي. فحمدًا لزيوس على أن دعاني إلى مهرجان الوجود، وجعلني مشاهِدًا للعرض الرائع، بل ومؤَوِّلًا له. وماذا عليَّ إذا صرَفَني بعد انقضاء مدتي المقدرة؟ لا شيء. سأغادر مَرضيًّا، وأنصرف دون تلكُّؤ، وما أزال أرضى بقضائه حتى أجعل مقدورَه إرادتي، ومحتومه اختياري.

(٣) عصا هرمس … الإرادة الخيِّرة

عاتب أخاك بالإحسان إليه، واردُد شَرَّه بالإنعام عليه.

الإمام علي

الإرادة الخيِّرة تُحوِّل كل الشرور الخارجية إلى خير صميم ومادة لممارسة الفضيلة. هل تكالبت عليك المتاعب وتعاورتك الخطوب؟ هذه مناسبةٌ لممارسة الصبر والجَلَد. هل أساء إليك جارُك؟ تلك فرصةٌ لتدريب وجدانك على العفو والصفح والإحسان. جرِّب هذا السلاح الجديد الذي يَلقَف كل الأسلحة المضادة، ويردُّ إليك عَدُوَّ الأمس صديقًا مخلِصًا ووليًّا حميمًا.

هذه هي «عصا هرمس» السحرية التي تحوِّل كل شيء تمسُّه إلى ذهب. «إذا ألمَّ بي أيُّ شيءٍ من هذه الأشياء فما زال بوسعي أن أفيد منه خيرًا» (المختصر، ١٨). هاتِ ما شئت ولسوف أُحيله إلى خير: المرض، الموت، الفقر، السب، السجن؛ كل أولئك يصير مادةً لعمل الإرادة، تَستخلص منه الخير وتُصنِّع منه السعادة!

لقد تعرَّضَ إبكتيتوس في مستهل حياته لأبلغ ضروب القسوة والغلظة، ورأى الفساد والطغيان رأيَ العين، فما استكان لما لاقى ولا جَزِع، بل استخلص منه حكمةً وورعًا بَسَطا ظِلَّهما على عصره وأصبحا مَضرِبَ الأمثال في كل العصور: «بمَ ينبغي على المرء أن يتسلح في مثل هذه الظروف؟ أيكون بشيءٍ آخر غير التمييز بين ما لي وما ليس لي؟ بين ما بوسعي وما ليس بوسعي؟ ينبغي أن أموت، ولكن هل يعني ذلك أنني ينبغي أن أموت نائحًا؟ ينبغي أن أُصفَّد بالأغلال، ولكن هل ينبغي أيضًا أن أئنَّ وأُعوِل؟ ينبغي أن أُنفى، ولكن مَن ذا الذي يمنعني من أن أذهب إلى المنفى مبتسمًا منشرحًا وادِعًا؟!» (المحادثات، ١-١). «المرضُ إعاقةٌ للبدن، ولكن ليس للإرادة، إلا إذا شاءت الإرادة ذلك. العرج إعاقةٌ للأرجل وليس للإرادة. وقل الشيءَ نفسه عن كل شيء يحدث، فلسوف تجده إعاقة لشيء آخر، ولكن ليس لك أنت» (المختصر، ٩). أرِني رجلًا برغم المرض فهو سعيد، وبرغم الخطر فهو سعيد، وبرغم السجن فهو سعيد، أكن قد رأيت رواقيًّا.

خلاصُك وتَلَفُك كلاهما يقبعُ داخلك. كلاهما قرارك الخاص. «سُدَّة القضاء عالية وغَيَابة السجن واطئة. غير أنَّ بوسع الإرادة أن تبقى متكافئة إذا اخترت لها ذلك في الحالَين، وستكون سقراطًا٦ إذا استطعت أن تكتب أناشيد شكرٍ وأنت في السجن» (المحادثات، ٢-٦).

(٤) العلاج الفلسفي

نحن مسئولون عن انفعالاتنا.

الانفعالات أحكامٌ (أو تُضمِرُ أحكامًا) قبِلناها بإرادتنا وصدَّقنا عليها باختيارنا.

الانفعالات تقييماتٌ، تقديراتٌ، طرائقُ في إدراك العالم والحكم على الأشياء.

والتأمل العقلي يتيح لنا مراجعة الأحكام المُبتسَرة حول ما رأيناه إهانةً أو فقدانًا، من شأن هذه المراجعات «المعرفية» أن تُخلِّصنا من قبضة «الانفعالات» السلبية. «الموت ليس مريعًا … وإنما المريعُ هو الحكم بأن الموت مريع» (المختصر، ٥). «مَن شتمَك أو ضربك لم يُهنك، وإنما الذي أهانك هو حُكمك بأن هذه الأشياء إهانة» (المختصر، ٢٠). «لا تُحدِّث نفسَك بأن هذه الأشياء ضروريةٌ ولن تعود ضرورية» (المحادثات، ٤-١). «ليس لِزامًا أن نتخلَّص من الفقر، بل أن نتخلص من فكرتنا عن الفقر، ولسوف نكون بخير حال» (المحادثات، ٣-١٧).

صَحِّح الفكر يَصِحَّ الانفعالُ.

فكرةٌ رواقيةٌ بسيطةٌ تلقَّفها السيكولوجيون المعاصرون فجعلوا منها مدارس علاجية وطيدةً وصيحات سيكوباثولوجية رائجة، تقوم على تغيير الانفعالات المرَضية (الاكتئاب، القلق، الخوف، الهلع …) بتغيير الفكر، عملًا بقول شيشرون «أعمِل مجاذيف الفكر إذا شئت أن تُحوِّلَ النفس.»٧

(٥) الاكتفاء بالفضيلة

كفى بالقناعة مُلكًا، وبحُسن الخُلق نعيمًا.

الإمام علي

الاكتفاء بالذات، السيادة على الذات: هذا هو الدرس الرواقي الأول، وهذا هو الترياقُ الناجعُ ضد الروح المادية الاستهلاكية البائسة التي تسُود المشهدَ المعاصر. «أمَّا أن تفغر فمك وما تنفكُّ تلهث وراء الأشياء الخارجية فلا مناصَ لك من أن تهرول هنا وهناك وفقًا لإرادة سيِّدك، مَن هو سيدُك؟ هو مَن يملُك أن يمنح تلك الأشياء أو يمنعها» (المحادثات، ٢-٢).

اللذة، والمال، والمجد، أشياء روَّاغةٌ وغير مضمونة، والمراهن عليها خاسرٌ وإن رَبِح. إننا نعيش في عالم «هيراقليطي» دائب التدفق، لا ثابت فيه إلا التغير. ولكي نظفر بالسعادة فإن علينا ألَّا نتشبث بما هو بطبيعته عابرٌ وصائرٌ ومُفلِت، علينا ألَّا نُهدهد رغباتنا بل نقتلها، ألَّا نَغْنَى بالأشياء بل عنها. «أشرفُ الِغنَى تُرْك المُنَى.»٨
والنفس تَكْلَفُ بالدنيا وقد عَلِمتْ
أنَّ السلامة منها تركُ ما فيها

الفضيلةُ هي الخير الوحيد. الفضيلة غاية في ذاتها، وليست وسيلةً إلى أي شيء آخر. الفضيلة ثوابُ ذاتِها، لست مضحِّيًا بشيءٍ حين تترك كل شيء من أجل الفضيلة.

لا تَدْعُهُ سعيدًا من اكتسب شيئًا بطريقةٍ ممقوتة ومُغثِية لك. وماذا ارتكبتِ العنايةُ إذ تعطي ما هو أفضلُ لمن هو أفضل؟ ألا تفضِّل أن تكون شريفًا على أن تكون غنيًّا؟ لماذا تغضب إذن ما دمت تحظى بالأفضل؟ للأعلى دائمًا ميزةٌ على سواه في الشيء الذي فيه عَلا، إنما العبرة في أن يصحَّ العزمُ على أمرٍ صائب (المحادثات، ٢-١٥):

كمْ حكمةٍ هي جهلٌ
وغفلةٍ هي فخرٌ٩

الشخص الذي سرق مصباح إبكتيتوس كان أكثر منه يقظةً، ولكنه اشترى المصباح بثمن باهظ؛ بالصيرورة لصًّا!

فيمَ غضبُك على البعض؟ لأنَّهم يغشُّون وينهبون وينافقون؟ لقد ارتكبوا خطأً في فهم طبيعة الخير والشر. ذلك أدنى أن تَرثِيَ لهم وتُشفِق عليهم وتُظْهِرهم على خطئهم، لا أن تبغضهم وتلعنهم وتهجرهم. فإذا فشلت في ذلك فتحمَّل ضريبة فشلك: السماح والعفو!

كل إثمٍ تناقُضٌ؛ لأنَّ أولئك الذين يأثمون لا يرغبون في ذلك. إنَّهم يريدون تحقيق مصلحتهم (خيرهم)، ولكن هل هم يحققونها؟ كلا؛ فالخير الوحيد هو الفضيلة. لقد ارتكبوا تناقضًا، الملَكة العاقلة تبغض التناقض. اكشف لها تناقضًا ولَسوف تُقلِعُ عنه. فإذا فشلتَ فاعتِب على نفسك لا على من فشلتَ في إقناعه.

(٦) الواجب المدرسي الرواقي

لسانُك يقتضيك ما عوَّدتَه.١٠
السجايا والسماتُ تُرسِّخ ذاتها بمعنًى ما: التَّوَقُّحُ يُرسِّخ الوقاحة، والغدر يوطِّدُ الغدر، والتطفيف في الأخذ والعطاء يجعلُ الجشِع أكثر جشعًا. من هنا تأتي أهمية التدريب والاعتياد. يوصينا الفلاسفة بألا نكتفي بالتحصيل والدرس بل نقرنهما بالفعل والممارسة. لقد طال اعتيادنا للأفعال والاستجابات السلبية حتى تحوَّلَت إلى عادةٍ تزداد صلابةً بالتكرار والتواتر. وطال اعتيادُنا للانفعالات العنيفة حتى أصبحت طبيعة ثانية: «إن الحديد بالحديد يُفلَحُ.»١١ ولا يفلُّ العادة إلا العادة المضادة: التدريب، هذا هو الواجب المدرسي الرواقي. إذا كنتُ غضوبًا نَكِدًا فإن عليَّ أن آخذَ نفسي بالتدريب على التسامح والعفو، وأن أفرح بكل يوم يمر وقد أمكنني أن أقابل الإساءة بالإحسان والإهانة بالصفح. فإذا مَرَّ شهرٌ وصفحتي نقيةٌ من النَّزَق والغِلِّ أكون قد أحرزت تقدمًا على الدرب وآتيت بِرًّا بنفسي.

(٧) المُواجدة ومواطَنة العالم

لا وطنَ إلا للكراهية والأنانية. الأخوَّة لا وطنَ لها.

لامارتين

ليس بلدٌ أحقَّ بك من بلد، خيرُ البلاد ما حَملَك.

الإمام علي
لماذا تُضيِّقُ على ذاتك دائرة الانتساب حتى تختنق بنفسك وتشرَق بريقك؟! كُن «مواطن العالم». مواطَنةُ العالم لا تنفي ولاءك لوطنك المحليِّ بل تُطهِّرُ هذا الولاء وتُنقِذُه من التعنُّت والتزمُّت والشوفينية البَلهاء.١٢
تعلَّم كيف تضع نفسك موضعَ هذا الآخَر المُغاير … كيف «تضع قدمك في حذائه» … كيف تغمد نفسك، تقمصًا وخيالًا، في ظروفه وأوضاعه وطباعه، وترى الوجود في زاويته. تعلَّم «مقايضة المواقع في المَخِيلة» بتعبير آدم سميث. تلك هي «المواجدة» empathy، مِلاكُ الذكاء الانفعالي، وقوام الكوزموبوليتانية الرواقية، وشرطُ الاندماج في عصر العولمة؛ فالعالمية ليست وقفًا على الاقتصاد، بل تشمل مجتمعنا الأخلاقي أيضًا.١٣

ولسوف تُطرِفُك هذه المواطنة الرحبة بهداياها: أشقَّاء جدد، بيض وسود، رجال ونساء، أحرار وعبيد، إخوتك الذين لا تعرفهم، أحبائك الذين حَجبَتهم عنك غمامة القبيلة. عانِق، إن كان عطفُك قد جفَّ فلسوف يَدِرُّ مرةً ثانيةً ويغمرُكَ بالدفء والغِبطة، بل تعرَّفُ على نفسك فيهم فأنت لن تعرف ذاتك إلا عبْرَهم!

بالصفاء والانفتاح؛ صفاء الرؤية وانفتاح الروح، يتمدد نطاقي الخاص، ويضيف إليه أصقاعًا ويضم ممالك.

(٨) المختصر

«المختصر»١٤  Manual (Enchiridion) هو لُمعٌ من «المحادثات» اقتبسها أريان ودوَّنها بصياغةٍ مُحكَمة فصارت، شأن «المحادثات»، من عيون التراث الغربي وروائعه الخوالد.
لا يُغني «المختصر» عن قراءة «المحادثات».١٥ غير أنَّه يُسعف القارئ المعاصر، المتعجِّل المُقِلَّ، و«ما لا يُدرَك كُلُّه لا يُترَك كُلُّه.» كما أنَّ «المختصر» قد حفظ لنا نُتَفًا من «المحادثات المفقودة»؛ أي من الأبواب الأربعة التي قيل: إنها فُقِدَت من الأبواب الثمانية الأصيلة للمحادثات، ولسنا نجدها حقًّا في المحادثات المتوافرة لدينا. وبهذا الاعتبار يمكن القول أيضًا بأن قراءة «المحادثات» لا تُغني عن قراءة «المختصر».
كان «المختصر» كتابًا مفضَّلًا لدى بعض المسيحيين الأوائل، وقد صار، مع تغيير طفيف لبعض الكلمات، ضربًا من الدليل المرشد عند القديس نيلوس وعند نُسَّاك جبل سيناء.١٦
ويقول جيمس ستوكدال في محاضرته «شجاعة تحت النيران — اختبار مبادئ إبكتيتوس في مختبر للسلوك البشري»: «أنبأني رينلاندر أنَّ فردريك الأكبر لم يكن يذهب في حملة عسكرية إلا وهو يحمل في حقيبته نسخة من «المختصر».»١٧

(٩) الدرس الأخير: تملُّك الأفكار

بحسبِك من حديثٍ عمَّا يكونه الرجل الصالح؛ كُن رجلًا صالحًا.

ماركوس أوريليوس
ولستُ أَعْتَدُّ للفتى حَسَبًا
حتى يُرَى في فعاله حَسَبُه
البحتري

آيةُ الهضم التام أن يتحول المهضوم إلى الهاضم. فأنت، كما يقول بياجيه، حين تهضم الملفوف فإنك تحوِّلُه إلى أنسجتك وبنائك العضوي ولا تتحول أنت إلى ملفوف!

وكذا أيضًا يقول إبكتيتوس. إنَّه يهيب بالطالب ألا يتعجل ادِّعاء العلم والتصدِّي لوعظ الناس قبل أن «يتملك» appropriate أفكاره تملُّكًا حقيقيًّا و«يتمثلها» assimilate تمثُّلًا تامًّا: «لا تقل أبدًا إني فيلسوف، ولا تكثر الحديث بين الجُهَّال عن نظرياتك، بل بيِّنها بالأفعال. فإذا كنت في وليمة فلا تقل كيف ينبغي الأكل بل كُل كما ينبغي … وإذا دار أي حديث بين الجهَّال حول أي نظرياتٍ فلسفية فالزم الصمت دائمًا؛ فثَمة خطرٌ كبيرٌ بأن تقيء في الحال ما لم تهضمه. وعندما يأتي اليومُ الذي يُقال لك فيه: إنك لا تعرف شيئًا، فلا يثير ذلك غضبك ولا سخطك — فثِق عندئذٍ أنك قد وضعت قدمك على بداية طريق الحكمة.

ذلك أنه حتى الخِراف لا تقيء عشبها لكي تُريَ الرعاةَ كم أكلت، بل عندما تهضم الكلأ داخلها فإنها تُخرِجه صوفًا ولبنًا. أنت أيضًا لا تُظهر النظريات للجهال بل الأفعال الناتجة عن النظريات بعد أن يتم هضمُها» (المختصر، ٣٦).

«لا تُلقِ على الناس مواعظ فلسفية، بل أرِهم في نموذجك الخاص أيَّ صنف من البشر تصنع الفلسفة، وكُفَّ عن العبث» (المحادثات، ٣-١٣).

من شأن الفكر الذي تتملكه حقًّا أن يتحول من جَلَبةٍ مسموعةٍ إلى مشهد مرئي.

أن يتجلى في أفعالك.

ويذوب في كيانك.

ويغيب فيك.

عادل مصطفى
١  هم: هوميروس، وإبكتيتوس، وسوفوكليس.
٢  Bertrand Russell: History of the Western Philosophy: 2nd edition. 8th impression. London. George Allen & Unwin LTD. 1975 p. 271.
٣  يقول ماركوس أوريليوس في «التأملات»: «هل أساء إليك أحد؟ إنما إلى نفسه أساء» (التأملات، ٤-٢٦).
٤  عالم الأموات السفلي.
٥  الإوزُّ العراقي.
٦  صرفت كلمة «سقراط» في هذا المقام؛ لأنَّها تعبِّر عن تصنيفٍ بأكمله أو فئة بصفتها، وليست مجرد اسم علم أعجمي يشير إلى شخص واحد بعينه.
٧  حرفيًّا: أعمِل مجاذيف الديالكتيك إذا شئت أن تحول الروح: Cicero Tusculan Disputations. J. E. King. Trans. (Cambridge. Mass.: Harvard University Press. 1945).
٨  من أقوال الإمام علي كرَّم الله وجهه.
٩  البيت للأستاذ العقاد.
١٠  من أقوال الإمام علي كرَّم الله وجهه.
١١  مثلٌ عربي.
١٢  Adam Smith. The Theory of Moral Sentiments (Indianopolis: Liberty Classics. 1976). pp. 47.
١٣  Nancy Sherman. “Educating the Stoic Warrior”. Bringing in a New Era of Character Education. Ed. William Damon. Stannford: Hoover Institution. 2002. p. 111.
١٤  أو «الموجز»، «المُحَصَّل»، «الكُتَيِّب»، «الدليل»، «المرشد».
١٥  لهذا السبب تعمدتُ أن أُكثِر من الاقتباس من «المحادثات» في الدراسة الملحَقة، بحيث يخرج القارئ من هذا العمل بصورة مكتملة إلى حدٍّ كبير عن حياة إبكتيتوس وفلسفته. وقد أفدت كثيرًا مما ورد عن إبكتيتوس في الموسوعة الفلسفية للشبكة الإلكترونية، وبخاصة فيما يتعلق بالمفاهيم المحورية في مذهب إبكتيتوس، فلزم التنويه.
١٦  John Lancaster Spalding: a Critical and Biographical Introduction to “Discourses of Epictetus”. Tr. George Long. New York. D. Appleton and Company, 1904.
١٧  James Sockdale. Courage Under Fire: Testing Epictetus’s Doctrines in a Lanboratory of Human Behavior. Stanford: Hoover Institution/Stanford University, 1993.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١