الفصل الأول

إبكتيتوس: المختصر «النص الكامل»

(١) ما في قدرتنا وما ليس في قدرتنا

من الأشياء ما هو في قدرتنا وطَوْقِنا، ومنها ما ليس في قدرتنا وليس لنا به يد؛ فمما يتعلق بقدرتنا: أفكارُنا ونوازعُنا ورغبتُنا ونفورُنا، وبالجملة كلُّ ما هو من عملنا وصنيعنا، ومما لا يتعلق بقدرتنا أبدانُنا وأملاكُنا وسُمعتنا ومناصبُنا، وبالجملة كلُّ ما ليس من عملنا وصنيعنا.

أمَّا الأشياء التي في قدرتنا فنحن بطبيعتنا أحرارٌ فيها، لا حائل بيننا وبينها ولا عائق، وأمَّا الأشياء التي ليست في قدرتنا فهي أشياء هشَّةٌ وعبوديةٌ وعُرضةٌ للمنع وأمرُها موكولٌ لغيرنا.

تذكَّر إذن أنك حين تأخذ ما هو بطبيعته مملوكٌ على أنَّه حر، وما هو موكول لغيرك على أنَّه لك، فلسوف تخيب وتأسى وتنخذل، ولسوف تلوم الآلهةَ والبشر. أمَّا حين لا تأخذ إلا ما هو لك على أنه لك، وحين تدع ما هو لغيرك على أنه، حقًّا، لغيرك، فلن يكون لأحدٍ سلطانٌ عليك، ولن يصدَّك أحدٌ عن سبيلك، ولن تلوم إنسانًا ولن تتهم أحدًا، ولن تفعل أيَّ شيءٍ غصبًا، ولن يضرَّك أحدٌ، ولن يكون لك عدوٌّ إذ لا يمكن أن يمسَّك أذى.

إذا كنت تصبو إذن إلى مثل هذه الأشياء العظيمة فتذكَّر أنك لن تشتريها بثمن قليل، إنما سيتعيَّن عليك أن تتخلى عن بعض الأشياء كلَّ التخلي، وأن تُرجئ الأخرى في الوقت الحاضر. أمَّا إذا كنت تريدها وتريد معها النفوذ والثروة أيضًا، فلربما تخسرُ حتى هذه الأشياء نفسها (النفوذ والثروة) لأنك صبوت أيضًا إلى تلك (الأشياء العظيمة). يقينًا سوف تفوتك تلك الأشياء التي بها وحدها تتحقق السعادة والحرية.

فليكن دأبك إذن منذ البداية أن تقول لكل «انطباع» مُزعج: «أنت مجرد انطباع، ولست بأي حالٍ ذلك الشيء الحقيقي الذي تمثِّلُه.» ثُمَّ افحصه وقدِّرْه بتلك المعايير التي لديك، وأوَّلُها هذا: أيتعلق هو بالأشياء التي في قلوبنا أم بالأشياء الخارجة عن إرادتنا؟ فإذا كانت الأخيرة فكُن على استعداد لأن تقول بأن هذا الانطباع لا يعنيك في شيء.١

(٢) الرغبة والنفور

تذكَّر أنَّ الرغبة تتطلَّب حصولَك على ما أنت راغبٌ فيه، وأن النفور يتطلب تجنُّبك لما أنت نافرٌ منه؛ أن مَن يفشل في بلوغ الشيء الذي يرغب فيه هو مُحبَط، ومن يحيق به الشيء الذي يتجنبه فهو شقيٌّ. إذن لو أنَّك لا تجتنب إلا تلك الأشياء المكروهة التي في قدرتك اجتنابُها فلن يُلِمَّ بك أيُّ شيء تعافه. أمَّا أن تجتنب المرض أو الموت أو الفقر فسوف تُعرِّضُ نفسك للشقاء. فلتقضِ في نفسك إذن على كلِّ رهبةٍ من الأشياء التي ليست في قدرتك، وليكن نفورك فقط من الأشياء المكروهة التي في قدرتك اجتنابها؛ على أن تلجِم في نفسك كلَّ رغبة في اللحظة التي أنت فيها؛ ذلك أنك لو رغبت في أي من الأشياء التي ليست في قدرتنا فمن المحتَّم أن يخيب أملُك وأنت لم تنل بعدُ تلك الأشياء التي في قدرتنا والتي هي جديرةٌ بالرغبة.٢ ولكن استخدِمْ فقط ملكة النزوع المناسب «إلى» الشيء و«عنه»، وحتى هذه استخدمها بقدرٍ وبلُطف وتحفُّظ.٣

(٣) تذكَّر بقية الخصائص

فيما يتصل بأي شيءٍ لك فيه بهجةٌ أو منفعةٌ أو تحبُّه حُبًّا جَمًّا لا تنسَ أن تُضيف هذا إلى مواصفاته: «ما هي طبيعة هذا الشيء؟» بادئًا من أدناها شانًا. إذا كنت شغوفًا بكوبٍ فخَّاريٍّ معيَّن قُل لنفسك إنه كوبٌ من الفخَّار؛ ومِنْ ثَمَّ فإذا انحطم لم تأسف لانحطامه. وإذا كنت تُقبِّل ولدك أو زوجك فقل: إنه كائن إنساني هذا الذي تُقبِّله؛ ومِنْ ثَمَّ فإذا مات طفلك، أو زوجك، لم تذهب نفسك عليهم حسرات.٤

(٤) الانسجام مع الطبيعة مطلبي أيضًا

إذا كنت معتزمًا القيام بعمل ما، ذكِّر نفسك بطبيعة هذا العمل. فإذا كنت ذاهبًا لكي تستحمَّ فتمثَّل في نفسك ما يحدث في الحمامات العامة؛ ثمَّة من يُرشِّشُ الماء، والبعض يتدافعون بالمناكب، وآخرون يسبُّ بعضهم بعضًا، وهناك من يسرق. وهكذا سوف يتسنَّى لك الاضطلاع بشأنك على نحوٍ آمِن إذا قلت لنفسك: لقد اعتزمتُ الآن أن أغتسل وأن أحفظ إرادتي في انسجام مع الطبيعة. وليكن هذا دأبك في أي عملٍ آخر؛ فبذلك إذا ألمَّت بك في اغتسالك أيُّ عوائق سيمكنك أن تقول: «لم يكن مقصدي الاغتسال فحَسْب، بل قصدت أيضًا أن أحفظ إرادتي في انسجامٍ مع الطبيعة، ولن يكون لي أن أحفظها هكذا إذا أنا تبرمتُ مما يحدث.»

(٥) الأحكام هي ما يُكرِب٥

ليست الأشياء ما يُكرِبُ الناس ولكن أحكامُهم عن الأشياء. الموتُ مثلًا ليس مُريعًا، وإلا لكان سقراط أيضًا رآه كذلك. وإنما المريعُ هو الحكمُ بأن الموت مريع؛ لذا فعندما ينتابنا الإحباط أو الاضطراب أو الحزن فإن علينا ألَّا نلوم غير أنفسنا؛ أعني غير أحكامنا نحن. أن يلوم المرء الآخرين على ما أصابه … ذلك من شيمة الجاهل. أمَّا بداية العلم فأن تلوم نفسك، وأمَّا تمام العلم فألا تلوم نفسك ولا غيرك.»

(٦) استخدام الانطباعات

إياكَ أن تزدهي بمناقب سواك. إذا قال الفَرَسُ في خُيلائه: «أنا جميل.» فإن بطَوْقِنا أن نحتمله. أمَّا إذا اخذك العُجْبُ فقلت: «عندي فَرَسٌ جميل.» فاعلم أنك إنما تفتخر بمزيَّةٍ تخصُّ الفرس.٦

ما الذي يخصُّكَ إذَن؟

استخدامُك للانطباعات.

فإذا ما استخدمت الانطباعات بما يُوافق الطبيعة ربما يحقُّ لك عندئذٍ أن تفتخر، ما دام افتخارُك هو بشيءٍ يخصُّك.

(٧) انتبه إلى القُبطان

مثلما يحدثُ حين ترسو سفينتُك في رحلتها بعضَ حينٍ بأحد الموانئ: إذا ذهبتَ لكي تشرب فقد يطيبُ لك في الطريق أن تلتقط قوقعةً من هنا أو كمأةً من هناك. غيرَ أنَّ فكرَك وانتباهَك ينبغي أن يكونا مُلتفتَين دومًا إلى السفينة، مُرتقِبًا نداء القبطان للإبحار. هنالك يتعيَّن عليكَ أن تُلقي بكل هذه الأشياء وإلا فسوف تُربَطُ ويُلقَى بك في السفينة كالشاة. كذلك الأمر في الحياة: فإذا وُهِبتَ، بدلًا من القوقعة أو الكمأة، بزوجةٍ أو ولد، فلا بأس. ولكن إذا ما نادى القبطان فإن عليك أن تُهرَع إلى السفينة، تاركًا إياهما، غير مُكترثٍ بأي منهما، أمَّا إذا كنت شيخًا طاعنًا في السن فإياك أن تبتعد عن السفينة، وإلا فلن تكون قادرًا لحظة الاستدعاء على المجيء في الموعد.٧

(٨) أَرِدْ ما يكون

لا تطلب من الأشياء أن تجري مثلما تريد، بل اطلب أن تجري الأشياء مثلما تجري، وبذلك تمضي حياتك في سكينة وسلام.٨

(٩) الإعاقة الخارجية

المرض إعاقةٌ للبدن، ولكن ليس للإرادة، إلا إذا اختارت الإرادة ذلك.

العرجُ إعاقة للأرجل، وليس للإرادة.

وقلِ الشيءَ نفسه عن كل شيء يحدث، فلسوف تجده إعاقةً لشيءٍ آخر ولكن ليس لك أنت.

(١٠) المَلَكَةُ المطلوبة

لدى كلِّ شيءٍ يَعرِضُ لك فَتِّش في نفسك عن الملَكة التي تُعِينك على استخدامه.

إذا عَرَضَ لك شخصٌ مُغرٍ أو مليحٌ فستجِدُ أن التعفُّف هو الملَكة المطلوبة.

إذا فُرِضَ عليك عملٌ شاقٌّ ستجد الجَلَد.

إذا نالتك إهانةٌ فستجد الصبر.

وهكذا إذا وطَّنت نفسك على ذلك، فلن تجرِفَك المظاهر وتغلِبك على أمرِك.

(١١) رد الودائع

فلقد استُرجِعَت الوديعة، وأُخِذَت الرهينة.

الإمام علي، عند دفن فاطمة الزهراء

لا تقُولَنَّ لشيءٍ: «إني فقدته»، بل قُل «إني رددته».

هل مات وَلدُك؟ لقد استُرِدَّ.

هل ماتت امرأتك؟ لقد استُرِدَّت.

هل أُخِذَت ممتلكاتك؟ ألم تُسترَدَّ هذه أيضًا؟٩
لعلك تقول: «إنَّ من أخذها مني لشرِّير.» فهل يُهِمُّكَ بوساطةِ مَن استردَّ منك الواهب ما أعطى؟! فما دام قد أعطاكها فتعهَّدها كشيءٍ يخصُّ غيرَك، تمامًا مثلما يتعاملُ عابرو السبيل مع النُّزُل.١٠

(١٢) ثمن الصَّفاء

إذا شئت أن تُحرِز تقدُّمًا فلتُقلِع عن مثل هذه الاستدلالات:

«إذا أهملتُ شئوني فلن أجِدَ لي سندًا.»

«ما لم أقوِّم خادمي فسوف يسوء حالُه.»

فلأنْ تموتَ جوعًا، فتشْفَى بذلك من الأسى والخوف، خيرٌ لك من أن تعيش غنيًّا معتكر المزاج. ولأن يكون خادمك سيئًا خيرٌ لك من أن تكون أنت تعيسًا.

فلتبدأ من أصغر الأشياء: انسكَبَ شيءٌ من الزيت؟ سُرِق النبيذ؟ قل: «هذا ثمنُ خُلوِّ البال وصفاء النفس، ولكلِّ شيء ثمن.»

إذا ناديتَ خادمك، فاذكر أنَّه قد لا يُجيبك. وإذا أجابك فقد لا يُنفِّذ ما تريده. غير أنه ليس من السطوة بحيث يكون بمقدور مثله أن يعكِّر صفوك.

(١٣) إما الطبيعة وإما الأشياء الخارجية

إذا شئتَ أن تُحرِز تقدُّمًا فلا تستنكِفْ أن تبدو بليدًا ساذجًا تجاه الأمور الخارجية. لا ترغب في أن يظنَّك الناسُ عليمًا بأي شيء. وإذا بدا للبعض أنك ذو شأن فلا تثق في نفسك. ولتعلم أنك لا يمكنك أن تبقى منسجمًا بإرادتك مع الطبيعة، وأن تضمن لنفسك الأشياء الخارجية في الوقت نفسه؛ ذلك أنَّ المرء إذا اهتم بهذه فلا مناصَ له من أن يُهمِلَ تلك.

(١٤) ما السيد؟ وما العبد؟

من السخف أن تطلب لأبنائك وزوجك وأصدقائك البقاء إلى الأبد؛ فذلك يعني أنك تريد أن يكون في قدرتك ما ليس في قدرتك، وأن يكون من ممتلكاتك ما ليس من ممتلكاتك. وهكذا إذا تطلَّبت من خادمك ألا يخطئ فأنت أحمق؛ لأنك تتطلبُ من الرذيلة ألا تكون رذيلة بل تكون شيئًا آخر.

أمَّا إذا أردت ألا يخيب رجاؤك فبوسعك ذلك: أن تنصرف إلى ما هو بإمكانك. إنَّما السيد هو من يملك سطوةً على المَسُود فيحدِّدُ له ما يريده وما لا يريده، ويعطيه هذا ويمنع عنه ذاك. مَن يُرِدْ أن يكون حُرًّا إذن فليكفَّ عن أن يرغب في أي شيءٍ أو يتجنب أي شيء في قدرة غيره، وإلا فإنه يكون لا محالةَ عبدًا.١١

(١٥) سلوك المَآدِب

تذكَّر أنك ينبغي أن تسلك في الحياة مثلما تسلُك في مأدُبة، هل دار عليك أيُّ صنف؟ فامدد إليه يدك ونَلْ منه قسطك باعتدال. هل فاتك؟ فلا تستوقِفْه، ألم يأتِ بعدُ؟ فلا تمدُدْ إليه رغبتك بل انتظر حتى يصل إليك.

افعل ذلك فيما يتعلق بالأطفال والزوجة والمناصب العامة والثروة، ولَسوف تكون في النهاية جديرًا بالمشاركة في ولائم الآلهة.

فإذا تعفَّفت حتى عما وُضع قُبالتك وكنت قادرًا على ازدرائه، فلن تكون شريكًا فقط في ولائم الآلهة بل في مُلكهم.١٢ فبهذا المَسلك صار ديوجين وهيراقليط وأضرابهما إلهيِّين عن حق، ولُقِّبوا بذلك.

(١٦) لا تَنُحْ في داخلِك

إذا ما رأيت شخصًا يبكي متحسِّرًا، لفراق وَلَدٍ أو لوفاته، أو لفُقدان ممتلكاته، فاحذر أن يأخذك الظاهرُ بعيدًا فتظنَّ أن الأضرار الخارجية هي ما يُبكيه، بل اذكُر في الحال أن «ما يكرثه ليس الحدث؛ فمثلُ هذا لا يكرُثُ غيره، بل فكرته عن الحدث.»

لذلك لا تدخر وُسعًا في أن تواسيه بالكلمات، بل أن تنوحَ معه إذا أمكن ذلك، ولكن احذر أن تنوح أيضًا في دخيلتك.١٣

(١٧) ممثل في مسرحية١٤

تذكر أنَّك ممثلٌ في مسرحية تمضي مثلما يشاءُ لها المؤلف؛ قصيرةٌ إذا شاء لها القِصَر، وطويلةٌ إذا شاء لها أن تطول. إذا راقه أن تلعب فيها دور شحاذ فإن عليك أن تؤديه أداءً طبيعيًّا. وقد يريدك أن تؤدي دورَ أعرجَ أو مسئولٍ حكومي أو صاحب عملٍ خاص. وأيًّا ما كان دورك، فهذه مهمتك: أن تُجيد أداء الشخصية المُقيَّضة لك. أمَّا اختيار الشخصية فليس هذا من شأنك.

(١٨) نُذُرُ الشؤم

إذا تصادَفَ أنْ نعَقَ غرابٌ بالشؤم فلا تدَعِ المظاهر تأخذك بعيدًا، بل سارع إلى التمييز وقُل لنفسك: «لا شيءَ من هذه الأشياء يشيرُ إليَّ، إنما يشيرُ إلى جسدي التافه، أو إلى ممتلكاتي الضئيلة، أو سُمعتي أو أبنائي أو زوجتي. أمَّا بالنسبة لي فكلُّ النُّذُر هي نُذُرُ خيرٍ إذا شئتُ ذلك. فإذا ما ألمَّ بي أيُّ شيءٍ من هذه الأشياء فما زال بوسعي أن أفيد منه خيرًا.»١٥

(١٩) الحريةُ هي الغِنَى «عن»

بوسعك أن تكون شخصًا لا يُقهَر، إذا أنت أحجمت تمامًا عن الدخول في صراعٍ ليس في قدرتك الفوز فيه. فاحذر إذا رأيت امرءًا يتسنَّم مكانًا رفيعًا أو يتقلَّد سلطةً عظيمةً أو يحوز مجدًا، أن تخلِبَك المظاهر فتحسبه سعيدًا. فإذا كان جوهر الخير يكمن فيما هو في قدرتنا، فلن يكون ثَمة مكانٌ للحسد أو الغَيْرة. فلا تطمح من جانبك إلى أن تكون حاكمًا أو رئيسًا أو قنصلًا، بل أن تكون رجلًا حُرًّا. وليس ثَمة غيرُ طريقٍ واحدٍ إلى الحُرِّية: أن تضرب صفحًا عما ليس في قدرتك.١٦

(٢٠) ثورة الغضب

تذكر أنَّ مَن شتمَك أو ضربَك لم يُهِنْك، وإنما الذي أهانك هو حكمُك بأن هذه الأشياء إهانة. فاعلم إذن كلَّما أغضبك أحدٌ أن فكرتك ذاتها هي ما أغضبك؛ لذا حاول جُهدَك في المقام الأول ألَّا تجرفك المظاهر؛ فبمجرد أن تمنح نفسك مُهلةً وتتريَّثَ في الأمر سيكون أيسر عليك أن تتمالك نفسك.

(٢١) فكِّر في الموت

ضع نُصْبَ عينيك، في كل حين، الموتَ والمنفى وكلَّ ما يبدو مرعبًا، ولكن اجعل الموتَ أوَّلَها جميعًا. عندئذٍ لن تفكِّر أبدًا في أي شيءٍ دنيء، ولن تتوق إلى أيِّ شيءٍ تَوْقًا زائدًا عن الحد.

(٢٢) الاستهزاء بالفلسفة

إذا كانت لديك رغبةٌ مخلصةٌ في اكتساب الفلسفة، فلتُعِدَّ نفسَك منذ البداية لتلقِّي ما لا يُحصَى من استهزاء الآخرين وسخريتهم، وقولهم: «ها قد عاد إلينا فيلسوفًا دفعةً واحدةً.» وقولهم: «من أين أتى بهذا الخَدِّ المُصَعَّر؟» أمَّا من جهتك فلا تُصَعِّر خدَّك حقًّا، وتمسَّك بتلك الأشياء التي تراها الأفضل، تمسَّك بذلك المكان الذي قيَّضَك الله له. واعلم أنَّ ثباتك على تلك الحال سوف يجعل من كان يسخرُ منك بالأمس يُعجَبُ بك. أمَّا إذا انخَذَلْتَ أمامهم فستكون قد جَلَبْتَ على نفسك ضِعفَين من السخرية.١٧

(٢٣) مُحصَّنٌ بالفلسفة

إذا تصادف لك أن التَفَتَّ إلى الأشياء الخارجية لكي تُرضي شخصًا ما فَثِقْ أنك قد ضللت السبيل. فاقنع إذن، في كل شيء، بكونك فيلسوفًا. وإذا أردت أن تبدو أيضًا لأي شخص كفيلسوف، فلتبدُ فيلسوفًا لنفسك، وسوف يكفيك هذا.

(٢٤) مواطنٌ مخلصٌ … عونٌ وثروةٌ

لا تدَعْ مثل هذه الأفكار تنغِّص عيشَك: «سوف أقضي العُمرَ خاملَ الذكر نكرة.» إذا كان خمولُ الذكر شرًّا فاعلم أنَّه ليس بالإمكان أن يُلحِقَ بكَ أحدٌ خمولَ ذكرٍ أكثر مما يُلحِقه بك ذلك الذي يُورِّطُك في عمل شائن. هل هو شأنك أن تحوز منصبًا أو تُدعى إلى وليمة؟ كلا. إذن، كيف يمكن أن يكون ذلك خمولًا للذكر؟ إن مهمتك أن تكون ذا شأنٍ في تلك الأمور التي هي في قُدرتك فحَسْب، والتي بوسعك فيها أن تبلُغَ أعظم شأن.١٨

لعلك تقول: «ولكني لن أكون قادرًا على أن أُقدِّم العون لأصدقائي.»

فماذا تعني بكلمة «عون»؟ تعني أنك لن تقدِّم لهم مالًا، ولن تمنحهم المواطنة الرومانية؟ فمن قال لك إن أشياء من هذا القبيل هي في قدرتك وليست في قدرة سواك؟ ومن ذا الذي يمكنه أن يعطي غيره ما ليس يملكه هو نفسه؟ لعلهم يقولون لك: «حسنًا، فلتَكسِب هذه الأشياء إذن لكي تفيض علينا بحظٍّ منها.» فقل: «إذا كان بالإمكان أن أكتسب المال وأُبقِيَ على تواضعي وإخلاصي وشهامتي، فلتدُلُّوني على الطريق ولسوف أكتسبه. ولكن إذا كنتم تريدونني أن أفقد الأشياء التي هي خيرٌ والتي هي في حوزتي، لكيما تَحْظَوا بالأشياء التي ليست خيرًا، فما أظلَمَكم وأحمَقَكم. ثُمَّ ما هو الأفضل: أن يكون لكم مالٌ أم أن يكون لكم صديقٌ مخلصٌ شريفٌ؟ فلتساعدوني إذن على أن أكون ذلك الشخص لا على أن أفعل ما هو حقيقٌ أن يجرِّدَني من هذه الصفات.

– «ولكن وطني، بقدرِ ما يعتمد عليَّ سوف يفقد عَوْني.»

مرة ثانية، ماذا تعني بكلمة «عون» هنا أيضًا؟ لن يحظى الوطن بأروقةٍ معمَّدة أو حمامات بواسطتك. وماذا في ذلك؟ فالوطن لن يتزود بالأحذية بواسطة الحدَّاد، ولا بالأسلحة بواسطة الإسكاف. ولكن بحَسْبِه أن ينصرف كلٌّ إلى العمل الموكول له فيؤدِّيه أتمَّ الأداء. وإذا كان عليك أن تُزوِّد الوطن بمُواطنٍ إضافيٍّ مخلِصٍ وشريف، ألن يكون هذا ذا نفعٍ له؟ فكذلك أنت.

ستقول: «أي مكانٍ إذن سوف أَشْغَله في الدولة؟»

أيُّما مكانٍ يمكنك أن تَشْغَله محتفظًا بإخلاصك وشرفِك. أمَّا إذا دفَعَتك رغبتُك في نفع الدولة إلى أن تفقد هذه الصفات، فأيُّ نفعٍ يمكن أن ينالها منك إذا ما صِرْت صفيقًا خائنًا؟!

(٢٥) دفعُ الثمن

هل فُضِّل عليك غيرُك في دعوةٍ إلى وليمة، أو في تكريمٍ، أو اجتماع مجلس؟

إذا كانت هذه الأشياء خيرًا، فإن عليك أن تَغْبِط مَن نالها. أمَّا إذا كانت شرًّا فلا تحزن لأنك لم تَنَلْها. واعلم أنك لا يمكن أن يُسمَح لك بمنافسة الآخرين في الأشياء الخارجية دون أن تستخدم نفس الوسائل للحصول عليها. وإلا فكيف يمكن لامرئٍ لا يتردد على أبواب أيٍّ كان ولا يلازمه ولا يتملَّقه أن يحظى منه بما يحظى به مَن يفعل هذه الأشياء؟ إنك لمُجْحِفٌ وجشِعٌ إذا كنت تتخلى عن دفع الثمن الذي تُباع به هذه الأشياء، وتريد أن تحصل عليها بالمجَّان.

حسنٌ، بكم يُباع الخس؟ بأوبول obolus مثلًا؟ فإذا حظيَ بالخس دافِعُ الأوبول وأحجمتَ أنت عن الدفع وعُدْت من غير خسٍّ، فلا تحسبْ أنه حظيَ بأيِّ أفضلية عليك؛ فإن لديه الخس ولديك الأوبول الذي لم تدفعه.

كذلك الأمر في حالتنا هذه؛ أنت لم تُدْعَ إلى وليمةِ مثلِ هذا الشخص؛ لأنَّك لم تدفع له الثمن الذي يُباع به العَشاء؛ إنه يُباع بالإطراء، يُباع بالتزلُّف. أَسْدِ إليه الثمن إذن إذا كان في ذلك مصلحتك. أمَّا إذا أردت أن تحتفظ بالثمن وتحظى بالشيء في آنٍ معًا فأنت جشِعٌ وأحمق.

أتظنُّ أنك لم تفُزْ بشيء في مقابل العشاء الذي فاتَكَ؟

بل فُزتَ حقًّا، فزتَ بإعفائك من تملُّق مَن لا تريد أن تتملَّقه، وإعفائك من تحمُّل فظاظة الحُجَّاب على بابه.

(٢٦) الطبيعة لا تختلف

من يُرد أن يعرف إرادة الطبيعة فليطَّلع على الأمور التي لا يختلف فيها أحدُنا عن الآخر. مثلًا، إذا كسر خادمُ جارِنا كوبًا أو ما أشبه، فإننا نسارع بقولنا: «لا بأس، مثل هذه الخسائر لا بد منها.» عليك إذن إذا انكسر كوبك أنت، أن تكون مثلما كنت بإزاء كوب غيرك.

فلتُطبِّق هذا على ما هو أعظم من الأمور؛ هل تُوفِّيَ ابنٌ لأحدٍ أو تُوفِّيَت زوجته؟ ليس منا مَن لن يقول: «هكذا حالُ البشر.» فإذا ما تُوفِّي أحدٌ من ذويه لم يلبث أن يقول: «وا أسفاه، كم أنا حزين!» فلنتذكر دائمًا ما نجده في أنفسنا عندما نسمع بحدوث الشيء نفسه للآخرين.

(٢٧) العالم ليس شرًّا

لا أحد يُحدد أمامه دَرِيئةً (هدفًا للرمي) من أجْلِ أن يُخطئها! وبالمثل، لا شيء في العالم هو شرٌّ في طبيعته وصميمه.

(٢٨) تسليمُك لعقلك!

إذا سلَّمَ أحدٌ جسدك لأولِ عابرٍ فسوف تغضب ولا ريب.

أفلا تخجل إذن وأنت تُسلم عقلك لأي عابرٍ بحيث إذا سَبَّك تكدَّرت وتعكَّر صفوُك؟!

(٢٩) رياضة الفلسفة

في كل فعلٍ تَهُمُّ به انظر فيما سبق وما يلحق، ثُمَّ امضِ في الفعل نفسه. وإلا فإنك ستبدأ بحماسٍ، غيرَ مُبالٍ بالعواقب، حتى إذا ما اعترضتك بعضُ المصاعب انسحبت منخذلًا.

هل تريد أن تفوز في الأوليمبياد؟ أنا أيضًا أريد، وحقِّ الآلهة؛ فهذا شيءٌ رائع. ولكن انظر فيما يسبق ذلك وما يتلوه، فإذا راقك فاشرع في العمل؛ إن عليك أن تلتزم في كل شيءٍ بقواعد؛ أن تأكل وفق نظامٍ صارمٍ، أن تمتنع عن لذيذ الطعام، أن تأخذ نفسك بالتدريب، شئتَ أم أبَيْتَ، في مواعيد محدَّدة، في الحرِّ والبَرْد، ألَّا تشرب ماءً باردًا، وألا تشرب نبيذًا على هواك. وباختصارٍ، يجب أن تُسْلِم نفسك لمدرِّبك مثلما تُسلمها للطبيب؛ وعندئذٍ، عندما تمضي إلى المباراة فقد تقع في مَصرِف، وقد تنخلع ذراعك، أو يلتوي كاحلك، أو تستفُّ ترابًا كثيرًا، وربما تُضرَب، وبعد كل هذا تخسرُ المُنازلة.

إذا بقيتَ تنوي — بعد النظر في كل هذه الاعتبارات — أن تدخل في المسابقات الرياضية، فادخل. وإلا فلتعلم أنك سوف تسلك كالأطفال الذين يلعبون حينًا دَوْرَ المصارعين، وحينًا آخر دورَ المُجالدين، وتارةً ينفخون البوق، وطَوْرًا يمثِّلون تراجيديا إثر رؤيتهم لهذه العروض وإعجابهم بها. كذلك أنت أيضًا ستكون آنًا مصارعًا وآنًا آخر مجالِدًا، وتارةً فيلسوفًا، وطورًا خطيبًا؛ ولكن لن تكون شيئًا على الإطلاق بكلِّ روحك. أنت تُقلِّد، كالقرد، كل ما تراه. يروقُك الشيء تلوَ الآخر بكل تأكيد، غير أنه يفقد لديك جاذبيته بمجرد أن تَألَفَه؛ ذلك أنك لم تدخل في أيِّ شيء قطُّ بتبصُّرٍ أو بعد استقصاء الأمر كله وتمحيصه، بل دخلتَه باستخفافٍ ورغبةٍ فاترة.

هكذا البعض إثر رؤيتهم لأحد الفلاسفة، أو سماعهم لمتحدثٍ مثل يوقراطيس Euphrates (ومَن ذا يُجاريه حقًّا في الحديث؟!) تُراودهم فكرة أن يكونوا هم أيضًا فلاسفة.

انظر يا صاحبي، قبلَ كل شيء، ما هو الأمر، ثُمَّ تفحَّص طبيعتك الخاصة ومدى قدرتك على تحمُّل ذلك. هل تريد أن تشارك في «الخماسي» أو أن تكون مصارِعًا؟ انظر إلى ذراعيك وفخذيك وتفحَّص جنبَيك؛ «فكلٌّ مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له.»

أتظن أنك إذ تَمضي في هذه الأشياء يكون لك أن تأكل مثلما تأكل، وتشرب مثلما تشرب، وتغضب وتستاء مثلما اعتدت؟ إنما يتعيَّن عليك أن تبقى صاحيًا، أن تعمل، أن تهجر عشيرتك، أن يزدريك خادمٌ، أن يَسْخَر منك كلُّ ساخر، أن يكون لك النصيب الأدنى في كل شيء؛ في الشهرة، في المنصب، في المحاكم، في كل صغيرة وكبيرة.

انظر في كل هذه الأشياء، وانظر هل تريد أن تستبدل بها خُلوَّ البالِ والحرِّية والسكينة، وإلا فلا تقترب. لا تكن كالأطفال آنًا فيلسوفًا، ثُمَّ جابيًا، ثُمَّ خطيبًا، ثُمَّ موظَّفًا لقيصر؛ فهذه الأشياء لا تَتَّسِق.

إنما عليك أن تكون شخصًا واحدًا، جَيِّدًا أو رديئًا. إما أن تُنمِّي ملَكَتك العقلية، وإما أن تُنمِّي أشياءك الخارجية. إمَّا أن تنصرف إلى الأشياء الداخلية وإما إلى الأشياء الخارجية؛ أي إنك إمَّا أن تكون أحدَ الفلاسفة، وإمَّا أن تكون أحدَ السُّوقة.

(٣٠) تأمَّل العلاقات

العلاقات تحدِّد الواجبات.

«هو والدُك» تعني أن عليك أن ترعاه، وتُذعِن له في كلِّ أمر، وتحتمله إذا أهانك أو ضربك.

– «ولكنه أبٌ سيئٌ.»

– حسنًا، وهل لديك أيُّ حقٍّ طبيعيٍّ في أبٍ جيد؟! كلا، بل في أبٍ فحَسْب.

– «أخي يُسيءُ إليَّ.»

– احرص إذن على أن تحفظ العلاقة التي تربطك به، ولا يُهِمَّك ما يفعله هو، بل ما يجب عليك أنت فِعله إذا كانت غايتك أن تظل منسجمًا مع الطبيعة. فما كان لأحدٍ أن يضرَّك ما لم تُرِدْ أنت ذلك. إنما يقع بك الضرر إذا افترضتَ أنت أنك أُضِرْت.

كذلك إذن سوف تعرف واجبك من علاقتك، بالجار، بالمُواطن، بقائد الجيش، إذا أنت اعتَدتَ أن تتأمَّل العلاقات.

(٣١) التقوى

أمَّا بخصوص التقوى تجاه الآلهة، فلتعلم أن هذا هو رأس الأمر: أن تتصوَّرهم على النحو الصحيح، بوصفهم موجودين ويُديرون الأشياء على أقوم نحوٍ وأعدلِه، وأن تعقِدَ عزْمَك على هذا، أن تطيعهم وتمتثل لإرادتهم في كل شيءٍ يحدث، وتتَّبعهم طائعًا في كل ما يجري بوصفه من تصريف الحكمة العليا؛ فبذلك لن تلوم الآلهة أبدًا ولن تتهمها بالتقصير.

ولكن لن يتسنَّى لك ذلك إلا بأن تنصرف عن الأشياء التي ليست في قدرتك، وأن تَعُدَّ الخير والشر مقصورَين على الأشياء التي في قدرتك؛ ذلك أنك إذا رأيت أيًّا من الأشياء التي ليست في قدرتك خيرًا أو شرًّا، فإنك قَمِينٌ بالضرورة أن تتبرَّم إذا ما فشلتَ في الحصول على ما ترغب أو وقَعتَ فيما لا ترغب، وأن تلوم المتسبِّبين في ذلك أو تُكرَهَهم.

فهكذا جُبِلَ جميع المخلوقات: أن يتجنبوا أو يفرُّوا مما يبدو لهم ضارًّا وما يبدو سببًا للضرر، وأن يلتمسوا أو يُعجَبوا بما يبدو نافعًا أو جالبًا للمنفعة. من الصعب إذن على شخص يرى أنه يُضارُّ أن يبتهج بما يراه سببًا للضرر، مثلما أنه من الصعب أن يُسَرَّ بالضرر نفسه.

لذا فحتى الأبُ يُساء بابنه إذا لم يقاسمه ما يبدو خيرًا. وهذا ما جعل بولينيسيس Polyneices وإتيوكليس Eteocles عدوَّينِ أحدهما للآخر؛ إذ حَسِب كلاهما أن المُلك خير.

لهذا السبب أيضًا يَلعن الزارعُ الآلهة، وكذلك الملَّاحُ، والتاجرُ، وأولئك الذين يَفقِدون زوجاتهم وأبناءهم. فحيثما كانت المصلحة كانت التقوى!

وعلى ذلك، فإن كلَّ مَن يهتم بشأن الرغبة والنفور ويضع كلًّا منهما في نصابه الصحيح يكون قد اهتمَّ بالتقوى أيضًا. على أنه من الواجب كذلك على الجميع الإراقة للآلهة وتقديم البواكيرِ والأُضحيةِ وفقًا لسُنن الأسلاف، بصفاءٍ ومن غير رثاثةٍ ولا إهمالٍ ولا شُحٍّ ولا إفراط.

(٣٢) الكهانة

إذا لجأتَ إلى الكهانة، فتذكَّر أنَّك لا تعرف ما سوف تُسفِر عنه، بل جئتَ لتستفتيَ الكاهن. غير أنك تعرِف مُقدَّمًا أيَّ صنفٍ هو من النبوءة إذا كنت ذا عقلٍ فلسفي؛ ذلك أنَّه إذا كان من بين تلك الأشياء التي ليست في قدرتك فمن المُتيقَّن أنه ليس خيرًا ولا شرًّا. إذن لا تجلب معك إلى الكاهن رغبةً ولا نفورًا، وإلا فإنك تدنو منه خائفًا وَجِلًا. فأما وقد اطمأن عقلك بأن كل ما سيجري سيكون «غير فارق» indifferent ولن يضيرك شيئًا كيفما كان، ما دمت قادرًا على أن تستخدمه استخدامًا صحيحًا، وهذا ما لا يملك أحدٌ أن يصدَّكَ عنه، فلتُقبِل على الآلهة إذن بثقةٍ لتلقِّي المشورة. ولتذكُرْ بعد ذلك، عندما تتلقى النصيحة، أيَّ ناصحِين اتخذتَهم، ونصيحةَ مَن تلك التي تعصيها إن عصيت. أقبِلْ إلى الكهانة، مثلما أوصى سقراط، في الحالات التي يكون فيها الاعتبار كلُّه متعلِّقًا بالحدث، ويكون فيها العقل والخبرة عاجزَين تمامًا عن كشفِ الأمرِ المعنيِّ. أمَّا إذا كان واجبُك أن تشاطِر صديقك أو وطنك خطرًا مُحدِقًا، فإن عليك ألا تستشيرَ الكاهن أينبغي أن تشاطِر أم لا. فحتى إذا أنبأك الكاهن أن النُّذُرَ نحسٌ، فمن البيِّن أن ذلك لا يخرج عن أن يكون إشارةً إلى الموت أو العاهة أو النفي. غير أن بنا عقولًا، وهي تُهيب بنا حتى في هذه الأخطار، أن نقف إلى جانب صديقنا ووطننا. واذكُر في ذلك نبأ العرَّاف الأكبر البيثيادي، الذي ألقى من المعبد ذلك الرجل الذي تقاعس عن إنقاذ صديقه حينما كان يُغتال.١٩

(٣٣) سلوكيات الرواقي

ابدأْ بتحديد طابعٍ ونموذجٍ في السلوك تلتزم به، سواء كنت منفردًا أو كنت مع الآخرين.

الزَمِ الصمت ما استطعت ولا تتكلم إلا في الضرورة وبكلمات موجزة. ولكن إذا اقتضى الأمرُ، في أحيانٍ نادرة، أن تتحدَّث، فلتتنكَّب الحديثَ في الأشياءِ الشائعة: عن المجالدين أو عن سباقات الخيل أو عن الرياضيين، أو عن الأطعمة أو الأشربة، تلك الموضوعات المبتذَلة للحديث. وتنكَّبْ بصفةٍ خاصة الحديث عن الناس، سواء بالذم أو بالمدح أو بعقد المقارنات بينهم. عليك أن تستميل رفاقك، ما استطعت، إلى الحديث فيما يليق. أمَّا إذا ألقَتْ بك الظروف بين غُرباء، فلتصمت.

إياك وكثرة الضحك، سواء بتحيُّنه أو بالإطالة فيه. اجتنب الحَلف تمامًا إن أمكن، فإذا لم يُمكن فاجتنِبْه جُهدَ ما تستطيع.

تجنَّب المحافلَ الشعبيةَ والسوقية، فإذا ما دعت الظروف فلتأخذ كل الحذر من أن تنزلق إلى الإسفاف دون أن تدري. ولتعلم أنه مهما يكن المرء نقيًّا، فإن رفيقَ السوء لا بد من أن يلوِّثه.

أمَّا عن ضروريات الجسد، فلا تأخذ منها إلا الكفاف؛ كاللحم والشراب والكساء والمأوى والخدم، وقاطِعْ كل ما يتصل بالأُبَّهَة والترف.

أمَّا الجنس فتعفَّفْ عنه ما استطعت قبل الزواج. فإذا مارستَه فلتكن ممارسةً مشروعة. ولكن لا تكن فظًّا ولا مضيِّقًا تجاه من يستبيحون لأنفسهم هذه الأشياء. ولا تُكثر من التباهي بأنك لا تفعل ذلك.

إذا أنبأك شخصٌ بأن فلانًا يتحدث عنك بما يسيء فلا تدافع عن نفسك ضد ما قال، بل قُل: «إنه لا يعرف بقية عيوبي، وإلا لما اقتصر على هذه.»

ليس عليك أن تُكثر من حضور المباريات. فإذا شاءت الظروف أن تكون هناك فلا تُبدِ حرصًا تجاه أي طرفٍ أكثر من حرصك على نفسك! أي أرِدِ الأشياء أن تكون ما تكونه فحَسْب، وأن يفوز الذي يفوز فحَسْب. فهكذا تَسْلَم من أي متاعب. ولكن امتنِعْ تمامًا عن الهتاف والسخرية والانفعالات العنيفة. وعندما تنصرف لا تُكثِر من التعليق على ما حدث، وعلى ما لا يُسهمُ في صلاح حالك، وإلا بدا من حديثك أنك مأخوذٌ بالمشهد أكثر من اللائق.

لا تُهرَع إلى الندوات الخاصة وتُعجِّل في حضورها. فإذا حضرتَ فاحتفِظْ برصانتك واتِّزانك، ولكن تجنَّبْ أن تكون ممتعضًا نَكِدًا.

إذا ذهبت للاجتماع بأحدٍ، وبخاصةٍ بمَن هو من عِلْيَة القوم، فتمثَّل في نفسك كيف كان سقراط أو زينون قَمِينًا أن يَسْلُك في مثل هذا الموقف، ولن تعدم إذ ذاك التناول الصحيح لأي شيء يَتِمُّ.

إذا ذهبتَ لتمثُلَ أمام أيِّ شخص ذي سلطان، فتخيَّل في نفسك أنك قد لا تجِدُه بالمنزل، أنك قد لا يُسمَح لك بالدخول، أن الأبواب قد لا تُفتَح لك، أنه قد لا يُعيرك اهتمامًا. فإذا كان من واجبك رغم كل هذا أن تذهب، فاحتمِلْ ما يحدث، وإياك أن تقول (لنفسك): «لم يكن الأمر يستأهل.» فهذا إسفافٌ ومِن شيمةِ مَن تُزعجه الأشياء الخارجية.

تجنَّب في محادثاتك أن تُكثر من ذكر مغامراتك ومن الإطالة في الحديث عن الأهوال التي صادفتَها، فمهما تكن هذه شائقةً لك، فما هو بشائقٍ للآخرين بنفس الدرجة أن يسمعوا مغامراتك. تجنَّب بالمِثل محاولة إثارة الضحك، فهذا منزلَقٌ قد يهوي بك إلى الإسفاف، وهو جديرٌ أيضًا أن يذهب بهيبتِك لدى جلسائك.

من العادات الخطرة أيضًا الاقتراب من البذاءة. فإذا وقع أيُّ شيءٍ من ذلك فانْهَر من أقدَمَ عليه إذا سمحت الظروف. فإذا لم تسمح فليكن صمتك على الأقل وخجلك وامتعاضُ سِحْنَتِك مُعبِّرًا بوضوح عن استيائك من هذا الحديث.

(٣٤) اللَّذة

حين تراودك خيالاتُ متعةٍ مرتقَبة، فاحذر أن تأخذك بعيدًا، شأنَ غيرها من الخيالات. بل انتظر قليلًا وامنح نفسك مُهْلَة، ثُمَّ استحضر في ذهنك كلتا اللحظتين: تلك التي ستنال فيها المتعة، وتلك التي ستندم فيها بعد ذلك وتوبِّخ نفسك. وضع مقابل ذلك بهجتك وغِبْطتك بنفسك إذا أنت تعفَّفت عن اللذة. أمَّا إذا بدا لك الوقت ملائمًا للانغماس، فاحترِسْ ألا يقهرك سِحْر اللذة وتخْلِبَك متعتها وإغراؤها، وضَعْ في الكفَّة الأخرى كم هو أفضلُ بكثيرٍ إدراكك بأنك قد انتصرت عليها.

(٣٥) لا تتحرَّجْ مما هو صواب

إذا قررت أن تفعل شيئًا ترى أنك ينبغي أن تفعله، فلا تتحرَّجْ من أن تُرَى فاعلًا إيَّاه، حتى إذا كان رأي الأغلبية سوف يُدِينك فيه؛ ذلك أنك إذا كان فعلك خطأً فإن عليك أن تجتنبه. أمَّا إذا كان صوابًا، فلماذا تخشى الذين سوف يعيبونك مخطئين؟!٢٠

(٣٦) الأكل

مثلما أن عبارة «الوقتُ نهارٌ» وعبارة «الوقت ليلٌ» تعنيان الكثير وهما منفصلتان، فإذا اتصلتا لا تَعنِيان شيئًا، كذلك أخذُك نصيبًا أكبرَ قد يفيد جسدَك كثيرًا، أمَّا إذا كُنت مجتمعًا بغيرك في وليمة وتريد أن تلتزم باللياقة الاجتماعية فلن يفيدك في ذلك شيئًا؛ لذا عندما تأكل مع غيرك، فلا يكن حرصُك مقصورًا على فائدة الجسم من الأصناف المقدَّمة أمامك، بل أيضًا على فائدة الكياسة تجاه مُضيفِك.

(٣٧) دور يتجاوز قدراتك

إذا حاولت أن تضطلع بدَورٍ يتجاوز قدراتِك، فأنت لا تُخزي نفسك فيه فحسب، بل تَصرِفها أيضًا عما كانت قادرةً على أدائه.

(٣٨) إيذاء العقل

عندما تمشي فأنت تأخذ حذرك من أن تطأ مسمارًا أو أن تَلوي قدمك.

فلتأخذ حذرًا مماثلًا من أن تؤذي عقلك الموجِّه. وإذا راعينا هذه القاعدة في كل فعلٍ فسوف نباشره بأمانٍ أكبر.

(٣٩) لا حَدَّ بعد الحدِّ

الجسد لكلٍّ مِنَّا هو المقياس القويم لحاجاته المادية، مثلما أن القَدم هي مقياس الحذاء. فإذا ما وقفت عند ذلك فقد التزمت بالمقياس. أمَّا إذا تجاوزته فسوف تنزلق بعيدًا بالضرورة كمَن يهوي من جُرُف.

كذلك الأمر مع الحذاء؛ فإذا ما تجاوزتَ ملاءمته للقَدم، فسوف يصبح مُذهَّبًا في البداية، ثُمَّ أرجوانيًّا، ثُمَّ مُرصَّعًا بالجواهر.

ذلك أن ما تخطَّى المعيارَ مرَّةً فلن يجدَ حدًّا يَحُدُّه.

(٤٠) النساء

ما إن تبلغ النساء سن الرابعة عشرة حتى يتملقهن الرجال بلقب «سيدات» dominae. وإذ يدركْنَ أنهن لا يُعْتَدُّ بهن إلا كمانحاتِ لذةٍ للرجال، فإنهن يبدأن في تجميل أنفسهن ويضعهن في ذلك كلَّ آمالهن.

حريٌّ بنا إذن أن نحاول جهدنا أن نُظهرهن على أن قيمتهن الحقَّة لدينا هي في دماثة الخُلُق وفي التواضع والحكمة.

(٤١) متعلقات الجسد

من البلاهة أن تُكِبَّ على ما يتعلق بالجسم: أن تطيل التدريب، والأكل، والشرب، وتصريف الوظائف الحيوانية الأخرى.

مثل هذه الوظائف ينبغي أن تؤدِّيها بشكل عابر، وأن تصرف جُلَّ اهتمامك إلى العقل.٢١

(٤٢) الإهانة

إذا أهانك أحدٌ بالقول أو الفعل، فتذكَّرْ أنه يفعل أو يقول ذلك لأنه يراه موافقًا له؛ فمن غير الممكن له أن يتَّبع ما يبدو لك أنت صوابًا بل ما يبدو صوابًا له هو؛ وبالتالي فإذا كان على خطأ في رأيه يكون هو الطرف المُضار، من حيث هو الطرف المضلَّل؛ ذلك أن مَن يأخذ قضيةً صادقةً على أنها كاذبة فإنه لا يضرُّ القضية، بل يضر نفسه بضلاله في شأنها. إذا انطلقتَ إذن من هذه المبادئ فسوف تكون متسامحًا مع من يُهينك، قائلًا لنفسك في كل مناسبة: «هكذا يبدو له الأمر.»

(٤٣) مَقبِضان

لكلِّ شيءٍ مَقبِضان؛ مَقبِض يمكن أن يُحمَل به الشيء، والآخر لا يمكن أن يُحمَل به. إذا ارتكب أخوك إساءةً ما تجاهك فلا تأخذ الأمر بمَقبِض الإساءة؛ إذ لا يمكنك حملُه بهذه الطريقة. بل خذه بالمَقبِض المقابل؛ أنه أخوك، وأنه نشأ معك؛ بذلك سوف تُمسِك الأمر كما ينبغي له أن يُمسَك.

(٤٤) استدلال متساوق

هذان الاستدلالان غير متساوقَين منطقيًّا:
  • أنا أغنى منك، إذن أنا أفضل منك.

  • أنا أبلَغُ منك، إذن أنا أفضل منك.

أمَّا هذان فأكثر تساوقًا:
  • أنا أغنى منك، إذن أنا لديَّ ممتلكاتٌ أكثر.

  • أنا أبلغ منك، إذن أسلوبي في الخطاب أفضل من أسلوبك.

غير أنك، بعد كلِّ شيء، لست مِلْكًا ولا أسلوبًا.

(٤٥) الحكم بعد المداولة

هل يغتسل فلانٌ سريعًا؟ لا تقل: إنَّه يُسيء الاغتسال.

هل يشرب فلانٌ كثيرًا؟ لا تقل: إنَّه يُسيءُ الشراب.

فما دمت لم تَقِف على «الحكم» الذي دفعه إلى ذلك، فكيف تعرف أنه يُسيء الفعل؟!

هكذا تتجنَّب الوقوع في «تصديق»  assent أيِّ «مظاهر» apperances ما لم يتمَّ لك فهمُها.

(٤٦) طبِّق المبادئ

أوضعُ العلمِ ما وقف على اللسان، وأرفعُه ما ظهر في الجوارح والأركان.

الإمام علي
لا تقُل أبدًا إني فيلسوف، ولا تُكثر الحديث بين الجُهَّال عن نظرياتك، بل بيِّنها بالأفعال.٢٢ فإذا كنت في وليمة فلا تقُل كيف ينبغي الأكل، بل كُل كما ينبغي. بهذه الطريقة كان سقراط أيضًا يتجنَّب الادِّعاء على الإطلاق. وعندما كان أشخاصٌ يأتون إليه لكي يقدِّمهم إلى فلاسفةٍ كان يأخذهم إلى الفلاسفة ويوصي بهم ولا يكترث قطُّ بأنهم يُغفِلونه.

وعلى ذلك، فإذا ما دار أيُّ حديثٍ بين الجُهَّال حول أيِّ نظرياتٍ فلسفيةٍ، فالزَمِ الصمتَ دائمًا، فثمَّة خطرٌ كبيرٌ بأن تقيء في الحال ما لم تهضمه، وعندما يأتي اليوم الذي يُقال لك فيه إنك لا تعرف شيئًا، فلا يثير ذلك غضبك ولا سخطك، فثق عندئذٍ إنك قد وضعت قدَمك على بداية طريق الحكمة.

ذلك أنَّه حتى الخِرافُ لا تقيء عُشبَها لكي تُري الرعاة كم أكلت، بل عندما تهضم الكلأ داخلها فإنها تُخرجه صوفًا ولبنًا، أنت أيضًا لا تُظهر النظريات للجُهَّال، بل الأفعال الناتجة عن النظريات بعد أن يتم هضمها.٢٣

(٤٧) لا تفاخِرْ بتجلُّدك٢٤

إذا تعلمت أن تُكيِّف جسدك على الاكتفاء بأقلِّ القليل، فلا تُفاخِر بذلك. وإذا اقتصر شرابُك على الماء فلا تقل في كلِّ مناسبة: «إن شرابي الماء.» بل انظر أوَّلًا إلى الفقراء كم يفوقوننا اقتصادًا وتحمُّلًا لشظف العيش. وإذا شئت أن تُدرِّب نفسك على الجلَد والاحتمال، فلتفعل ذلك لنفسك لا للآخرين. لا تحاول أن تجترح العجائب.٢٥ ولكن إذا اشتد بك العطش فاستفَّ قبضةً من الماء البارد واتفُله ولا تقل شيئًا.٢٦

(٤٨) دلائل التقدُّم

صفةُ الجاهل وأمارته أنه لا يرتقبُ النفع ولا الضرر من نفسه، بل من الأشياء الخارجية.

صِفةُ الفيلسوف وأمارته أنه يرتقب كلَّ النفع والضرر من نفسه. أمارات المتقدِّم على درب الحكمة هي أنه لا يذمُّ أحدًا ولا يُطري أحدًا ولا يلوم أحدًا ولا يتهم أحدًا، ولا يتحدث عن نفسه كما لو كان شيئًا ما أو كما لو كان لديه علمٌ ما. وإذا أُعيق أو تعثَّر يتهم نفسه. وإذا مُدِحَ يسخرُ في نفسه من المادح، وإذا انتُقدَ لا يَرُد. بل يمضي حذِرًا كأنَّه النَّاقِهُ يخشى أن يُتعتِع أيَّ عضوٍ فيه لم يلتئم بَعْدُ. إنَّه ينفي عنه كلَّ رغبة. أمَّا نفوره فيحصره فيما هو في قدرته ومضادٌّ للطبيعة، إنَّ نزوعه معتدلٌ تجاه كلِّ شيء. إذا بدا غبيًّا أو جاهلًا لا يُبالي. وباختصار، يراقِبُ نفسَه كما لو كان عدوًّا مترصِّدًا لها في مَكْمَن.

(٤٩) التَّفسير

حين يُفاخِرُ شخصٌ بأنَّه يستطيع أن يفهم كتابات كريسبوس Chrysippus ويفسِّرها، فقل لنفسك: «لو لم تكن كتابات كريسبوس غامضةً لما وجد هذا الشخص ما يفتخر به. ولكن ماذا أريد أنا؟ أريد أن أفهم الطبيعة وأتَّبِعها؛ لذا أتساءل من الذي يفسِّر الطبيعة، وأسمع أن كريسبوس يفسرها، فألجأ إليه، فلا أفهم كتاباته، فألتمس من يفسرها.» ليس ثَمة حتى الآن ما يدعو إلى الفخر. ولكن عندما أعثر على المفسِّر يبقى أن أعمل بالتعاليم. هذا وحده هو مدعاة الفخر. أمَّا إذا أُعجبت بمجرد التفسير فلن أعدوَ أن أكون لُغويًّا لا فيلسوفًا، اللهم إلا أنني بدلًا من أن أفسِّر هومر أفسِّر كريسبوس. إذا طلب مني أحدٌ إذن أن أقرأ له كريسبوس، فإنني أحمرُّ خجلًا إذا فشلت في أن تكون أفعالي متناغمة مع كتاباته.

(٥٠) التزمْ بالمبادئ

أيًّا ما كانت المبادئ التي اتخذتها لنفسك، فالتزم بها كأنَّها قوانين، وكأنَّ من الفجور أن تنتهك أيًّا منها. ولا تلتفت إلى ما عسى أن يقول الناس عنك؛ فهذا ليس شأنك.

(٥١) المُنازَلة الآن

إلامَ تنتظر حتى تنتدب نفسَك لأجل المراتب ولا تحيد عن حدود العقل؟ لقد تلقَّيت النظريات التي ينبغي الإلمامُ بها وألممتَ بها، أيُّ مُعلِّم آخَر إذن ما زلت ترتقبه حتى تُحيلَ إليها مهمةَ تقويم نفسك؟ أنت لم تعد صبيًّا، لقد كبرت. فإذا بقيت مُهمِلًا كسولًا، وما تنفكُّ تُسوِّف وتُماطِل وتُرجئ اليوم الذي ستنتبه فيه إلى نفسك، فلن تُراوح وستظل جهولًا في حياتك وفي مماتك، الآن إذن اعتبِرْ نفسك جديرًا بالعيش كراشد وسالِك على دربِ الفلسفة، وخُذ كلَّ ما تراه حقًّا واجعله قانونًا صُلبًا لا يقبل الانتهاك. فإذا عَرَضَ لك عارضٌ من ألمٍ أو لذةٍ أو مجْدٍ أو شَيْنٍ، فتذكَّر أنَّ النِّزال الآن، الأوليمبياد الآن ولا يمكن أن تؤجَّل. وبانكسارةٍ واحدةٍ وتخاذُلٍ واحدٍ يذهب الفوز أو يأتي.٢٧ هكذا بلغ سقراط الكمال، مقوِّمًا نفسَه بكلِّ وسيلةٍ، غير مُصغٍ إلى شيءٍ سوى العقل. ورغم أنَّك لست سقراطًا بعدُ، فإنه ينبغي عليك أن تعيش كمن يطمح أن يكون سقراطًا.

(٥٢) المواضيع الثلاثة في الفلسفة

الموضوع الأول والأهم في الفلسفة، هو: التطبيق العملي للنظريات (المبادئ العملية/الأخلاق).٢٨ مثال ذلك: «لا تكذب.» والموضوع الثاني، هو: البراهين، مثل: «لماذا ينبغي علينا ألَّا نكذب؟» والثالث: هو ما يُضفي التماسُك والتِّبيان على هذين. مثال ذلك: كيف نعرف أن هذا برهانٌ صائب؟ إذ ما هو البرهان؟ ما هو اللزوم المنطقي؟ ما هو التناقض؟ ما هو الصدق؟ ما هو الكذب؟
الموضوع الثالث ضروريٌّ من أجل الموضوع الثاني، والثاني من أجل الأول. غير أنَّ الموضوع الأهم بين الثلاثة والأجدر بأن نتلبَّث عنده هو الموضوع الأول.٢٩ إلا أننا نفعل العكسَ تمامًا! فنحن نقضي وقتنا كلَّه في الموضوع الثالث، ونُنفق فيه كلَّ جُهدنا، بينما نهمل الأول كلَّ الإهمال؛ ولذلك نكذب، وإن كُنَّا على استعداد أن نبرهن في الحال لماذا ينبغي علينا ألَّا نكذب.

(٥٣) مأثورات اجعلها نصبَ عينيك

ينبغي أن تكون المبادئ التالية طوع يدنا في كل حين:٣٠
قُدني يا زيوس، وأنت أيها القدَر،
إلى حيثما رسمتما لي الطريق؛
فأنا متبعكما دون تردد، وحتى لو أخذني الارتياب،
فتثاقلت وتملَّصت، فلن أكون مع ذلك أقلَّ متابعةً لكما.
كليانتس: أنشودة إلى زيوس
مَن يُسلِّم بالقدر،
سيكون في البشر حكيمًا، وفي قوانين السماء خبيرًا.
يوربيدس: شذور، ٩٦٥
وهذا الثالث:

أي أقريطون، إذا كان هذا يُرضي الآلهة، فلتكن مشيئتها.

أفلاطون: أقريطون، 34d

بوسع أنيتوس وميليتوس أن يقتلاني، ولكن ليس بوسعهما أن يؤذياني.

أفلاطون: الدفاع، 30c-d
١  ليس من قبيل المصادفة أن تكون هذه الشذرة هي الأولى في «المختصر»؛ فهي تقدِّم زبدة الأخلاق الرواقية والعلاج الرواقي في قبضة واحدة. يقول ستوكدال في محاضرته «شجاعة تحت النيران: اختبار مبادئ إبكتيتوس في مختبر للسلوك البشري»: «حين قُذف بي من الطائرة كان جاهزًا لديَّ إدراكي أن الرواقي يحفظ في ذهنه دائمًا سجلَّين منفصلين: (أ) تلك الأشياء التي أمرها له. و(ب) تلك الأشياء التي ليست له. أو بتعبير آخر (أ) تلك الأشياء التي «في قدرته». و(ب) تلك الأشياء «الخارجة عن قدرته». وبتعبير ثالث: (أ) تلك الأشياء التي هي «في قبضة إرادته، إرادته الحرة». و(ب) تلك الأشياء «الخارجة عن إرادته». كل ما هو في الفئة (ب) «خارجي»، خارج عن السيطرة، وحقيق أن يرمي بي في النهاية إلى الخوف والقلق إذا ما تهالكت عليه. وكل ما في الفئة (أ) هو متروك لي، في قدرتي، طوع أمري، مَردُّه إليَّ، ويشمل آرائي، وأهدافي، ومحاذيري، وحزني الخاص، وفرحي الخاص، وأحكامي وموقفي مما يجري، خيري الخاص، شري الخاص … وباختصار، ما يقوله الرواقي هو: «انصرف إلى ما لك سلطان عليه ولن تعود صفر اليدين.»
٢  يقول إبكتيتوس في «المحادثات»: «لا بد من التدريب الشديد والمستمر لكي نحفظ رغبتنا ونفورنا مثلما نود لهما، فلا نأسى على رغبة لا تتحقق ولا تجرُّ على أنفسنا ما نود تجنُّبه، ولا يتم ذلك إلا بأن نقصرهما على الأشياء التي في قدرتنا. أمَّا الأشياء التي ليس لنا سلطان عليها فينبغي ألا تشغلنا … ألا نرغب فيها ولا ننفر منها» (المحادثات، ٣-١٢).
٣  السعي إلى الأشياء بلطف وتحفُّظ، من شأنه أن يخفِّف من صدمة الإخفاق. ومن المسلَّمات السيكولوجية أن الخوف من الفشل هو نفسه من أسباب الفشل! ومعلوم أن من مرسبات الذهان العقلي أن يفشل الإنسان في قضية كان يجعل منها مرادفًا لوجوده ويعدها مسألة حياة أو موت.
٤  تدريب رواقي مهم يربِّي في النفس مناعةً ضد ألم الفقدان. وفي الكتاب الرابع من «المحادثات» يقول إبكتيتوس: «وفيمَ إذن أُعطيت هذه الأشياء؟»
– لكي تستعملها.
– «إلى متى؟»
– إلى حيثما شاء مَن أعارك إياها.
– «وماذا لو كانت ضرورية لي؟»
– لا تربط نفسك بها ولن تعود ضرورية. لا تُحدِّثُ نفسك بأنها ضرورية ولن تعود ضرورية. هذا التدريب عليك أن تمارسه من الصباح حتى المساء، بادئًا من أصغر الأشياء وأكثرها هشاشة: بوعاء فخاري، بكوب، ثُمَّ تقدَّم بهذه الطريقة إلى رداء، ثُمَّ إلى كلب صغير، ثُمَّ حصان، إلى قطعة صغيرة من الأرض مملوكة لك، ثُمَّ إلى نفسك، جسدك، أجزاء جسدك، إخوتك. انظر حولك وانفض عنك هذه الأشياء، طهِّر فكرك بحيث لا يلتصق بك شيءٌ من الأشياء التي ليست ملكك، بحيث لا يكبر شيء في نظرك فيؤلمك إذا انتُزع منك. ولا تقل وأنت تدرِّب نفسك، مثلما تفعل هنا، إنك تمارس التفلسف؛ فهذا ادعاء متغطرس، بل قل إنني أدعم حريتي» (المحادثات، ٤-١).
٥  فقرة شهيرة أصبحت تميمة العلاج المعرفي الحديث والعلاج العقلاني الانفعالي. يقول ألبرت إليس: «يعود أصل العلاج العقلاني الانفعالي إلى الفلاسفة الرواقيين، وبخاصة إبكتيتوس وماركوس أوريليوس. ورغم أن أغلب الكتابات الرواقية الأولى ضاعت فإن زبدتها قد جاءتنا من خلال إبكتيتوس الذي كتب، في القرن الأول الميلادي، في «المحادثات»: «ليست الأشياء هي ما يكرب الناس، بل فكرتهم عن الأشياء»: Albert Ellis. Rational-Emotive Therapy: in Current Psychotherapies. F. E. Peacock Publishers. Inc. 1989. p. 202.
٦  يقول بوئثيوس في «عزاء الفلسفة»: «أم لعلك تحسب أن الجمال يعني أن ترفل في ثياب متألقة من كل صنف. ولكن إذا كان الثوب يسر ناظري، فإنما ينصبُّ إعجابي على جودة خامته أو على مهارة الحائك» (بوئثيوس: «عزاء الفلسفة»، الكتاب الثاني، الفصل الخامس).
٧  غني عن القول أن القبطان في هذه الفقرة يرمز إلى الرب، والمقصود بالعودة إلى ظهر السفينة لاستئناف الرحلة هو حتمية الرحيل عن هذه الحياة إلى الحياة الأخرى.
٨  أرِد ما يكون؛ لأن إرادة الله خيرٌ من إرادتك. يقول إبكتيتوس في «المحادثات»: «عليَّ أن أتعلَّم كيف أجعل رغبتي هي أن يحدث كل شيء مثلما يحدث، وكيف تحدث الأشياء؟ تحدث كما أراد لها مُصرِّفُها» (المحادثات، ١-١٢). أرِدِ الأشياء أن تحدث مثلما تحدث، بذلك لن يحدث شيء ضد ما تريد! «ومثلما نفتح أعيننا لنتلقى انطباعات الأشياء كما تتمثل لنا لا كما نتمنى أن تتمثل، فلنَقْنَع بما اختاره الله لنا، فليس ثَمَّ ما هو أفضل مما أراده الله» (المحادثات، ٢-٧).
٩  «قُلْ ولا تَقُل» الرواقية: من التقنيات التي ألْمَح إليها الرواقيون، بصدد التخلص من الانفعالات الضارة، تعديل الرصد اللفظي للموقف المُنغِّص حتى تنكمش المحنة الموهومة وتتقلص، وربما تتبدد فيُدرِك المرء أنها لا وجود لها في حقيقة الأمر.
في مقاله «علاقة التفكير والسلوك الاعتياديَّين باللغة» يقول بنيامين وُرف: إن نعت «فارغ» حين يُلصَق ببرميل بنزين يصبح حاملًا لخطر الحريق! إنَّ الموقف هنا خطِر من الوجهة المادية، غير أن الضرورة اللغوية تضطرنا إلى استخدام لفظة توحي بالخلو من الخطر، وتضرب صفحًا عن «امتلاء» البرميل في حقيقة الأمر ﺑ «الأبخرة» وبقايا السائل والمخلفات القابلة للاشتعال. وكأني ببنيامين ورف يقول، على طريقتنا: قُلْ «مليء بالأبخرة» ولا تقُل «فارغ».
واللغة عند الرواقيين هي فعل للإرادة، به يُنظَر إلى العالم بطريقة من شأنها أن تحصر الخبرة في صورة ثابتة، ومِنْ ثَمَّ فإن تعَلُّم استخدام ألفاظ مختلفة هو نوع من تغيير زاوية تقاطُع الذات مع الحياة الجارية. إنَّه لا يغيِّر الأشياء، وإنما يراها رؤية جديدة أكثر واقعية ودقَّة، يراها في نِصابها الصحيح (انظر في ذلك فصل «العلاج الرواقي» من كتابنا «تأملات ماركوس أوريليوس»).
١٠  يقول إبكتيتوس في «المحادثات»: «ولكن ما هو الموقف الذي ينبغي عليَّ أن أتخذه تجاه هذه الأشياء التي مُنحت لي؟ … أن أحفظها لديَّ وفقًا للطريقة التي أُسدِيَت بها إليَّ والأمد المقدَّر لها في حيازتي. ولكن مَن أعطى يستردُّ. وإذا استردَّ الواهبُ ما أعطى فلماذا أُمانِع؟ إن من الحماقة أن أمانع من هو أقوى مني. والأهم من ذلك أن من الغَبن أن أفعل ذلك؛ فمن أين حصلت على هذه الأشياء عندما جئت إلى الوجود؟ لقد منحني إياها والدي، ولكن مَن الذي منحه إياها؟ … ثُمَّ بعد أن تلقَّيت كلَّ شيء، حتى نفسَك، مِن غيرك، أتغضب وتلوم المعطيَ إذا أخذ أيَّ شيء منك؟! …» (المحادثات، ٤-١).
١١  «كل من جعل سعادته وهنائه في يد غيره أو في يد الظروف والأشياء الخارجية فهو عبدٌ ولو كان يرتدي الأرجوان الملَكي» (المحادثات، ٤-١).
١٢  يقول الإمام علي كرَّم الله وجهه: «الزهد ثروة.»
١٣  من أمثلة الصرامة الرواقية الزائدة عن الحد في مذهب إبكتيتوس؛ فالحكيم الرواقي في رأيه ينبغي أن يحتفظ بخلو البال وصفاء النفس في جميع الأحوال، حتى في محنته الخاصة ناهيك بمحنة غيره.
١٤  من استعارات الحياة عند إبكتيتوس. يوصينا إبكتيتوس بأن نتعرف على «الواجبات» من «الأسماء»؛ أي أن نتذكر مَن نحن وأيَّ نعتٍ أو اسمٍ نحمل؛ لأنَّ الدور الذي نلعبه في الحياة هو الذي يحدِّد الأفعال اللائقة بنا؛ فالحياة أشبه بمسرحية علينا أن نُتقن دورنا فيها وليس علينا أن نختاره، ولا هو من اللائق أن نتمرد على الدور الذي قيَّضه لنا المؤلف؛ إذ ليست العبرة بالدور بل بالأداء. وفي الفقرة ٣٠ من «المختصر» يقول إبكتيتوس: «هو والدُك تعني أن عليك أن ترعاه وتُذعن له في كل أمر، وتحتمله إذا أهانك أو ضربك (هكذا دورُك). «ولكنه أبٌ سيءٌ»، حسنًا وهل لديك أيُّ حق طبيعي في أب جيد؟ كلا، بل في أبٍ فحَسْب. «أخي يسيءُ إليَّ»، احرص إذن على أن تحفظ العلاقة التي تربطك به، ولا يهمك ما يفعله هو، بل ما يجب عليك أنت فعله إذا كانت غايتك أن تظل منسجمًا مع الطبيعة» (المختصر، ٣٠).
١٥  لاحظ أنه يعتقد في هذه النُّذُر وفي قيمتها التنبؤية وفق رؤية عصره، إلا أنه محصَّنٌ بترياقٍ من منظومة القيم الرواقية: الأشياء الخارجية «غير فارقة» indifferent وفقدانها من ثَمَّ ليس فقدانًا. بل إنَّ الشدائد فرصٌ لممارسة الفضيلة وإعمال الإرادة الخيِّرة، وهذا وحده هو الخير الحقيقي. وها هنا مثالٌ لعمل الإرادة الخيِّرة التي تستخلص الخير من كل شيء مثل «عصا هرمس السحرية» التي تحوِّل كل شيء تمسُّه إلى ذهب!
١٦  «كلُّ ما ليس في قدرتك اكتسابه والاحتفاظ به فهو ليس ملكك. وما ليس ملكك فلتنصرف عنه. لا تصرف عنه يدك فحَسْب بل رغبتَك نفسَها، وإلا فأنت تُسلم عنقك للأغلال» (المحادثات، ٤-١).
١٧  التقدم على درْبِ الحكمة لا يكون بغير ثمن. من ذلك أن على مُريد الحكمة أن يتحمل السخرية والتهكم ممن يحيطون به؛ لأنَّ من يرفض القيم السائدة وأنماط السلوك الشائعة بين الناس فإنه يُثير ارتيابهم ويكتسب عداوتهم. غير أنه بثباته على مبدئه والتزامه بفضائله سرعان ما يسترد ثقتهم وسرعان ما يتفهمون نموذجَه ويجدون فيه نمطًا من الشخصيات مهمًّا لصلاح المجتمع وموكَّلًا لمهامَّ معيَّنة لا يجيدها سواه.
١٨  يقول الإمام علي كرَّم الله وجهه: «قيمةُ كلِّ امرئٍ ما يُحسِنه.»
١٩  «… فإذا كان من واجبي أن أعرِّض نفسي للخطر من أجل صديقي، أو حتى أن أموت من أجله، فما حاجتي إذن إلى العِرافة؟ أليس لديَّ في داخلي عرَّاف أنبأني بطبيعة الخير والشر وبيَّن لي أمارات الاثنين؟ … لذا فقد كان وجيهًا ردُّ تلك المرأة التي اعتزمت أن تُرسِل في سفينة مئونة شهر إلى جراتيلا في منفاها، فقيل لها إن دوميتيان سوف يصادر ما أرسلته، فما كان جوابها إلا أن قالت: «لَخيرٌ لي أن يصادر دوميتيان كلَّ شيء من أن أتخلى عن إرساله»» (المحادثات، ٢-٧).
٢٠  لا «تستدخِلْ» internalize بلغة السيكولوجيا، قِيَمَ الآخرين ما دامت خاطئة، وبحَسْبِك منظومتك القيمية ما دامت صحيحة.
٢١  في «المحادثات» يقول إبكتيتوس: «جسدك نفسه ليس ملكك كما تظن. إنه ترابٌ وهدفٌ للإعاقة والقهر. وليس بوسعك أن تملكه إلا بوصفه حمارًا يحمل أثقالًا، وعُرضةً لأن يؤخذ منك في أي لحظة. وإذا كان هذا حال الجسد فما بالك بمتعلقاته التي نتزود بها من أجله؛ الكساء والغذاء والمأوى …؟ فلتكن فيها أزهد من زهدك فيه … إنها متعلقات الحمار» (المحادثات، ٤-١).
٢٢  «ما لم نضع الأفكار الصائبة موضع الممارسة، فلن نكون أكثر من شارحين لأفكار الغير» (المحادثات، ٢-٩).
٢٣  ادِّخار الطعام شيءٌ، والأكل فالهضم فالتمثُّل شيء آخر. «فرقٌ بين أن تدَّخر الخبز والنبيذ كما في مستودع، وبين أن تأكل. إن ما تأكله يُهضَم ويُتمَثَّل ويُصبح أعصابًا، لحمًا، عظامًا، دمًا، لونًا صحيًّا، نفسًا صِحِّيًّا» (المحادثات، ٢-٩).
٢٤  يقول إبكتيتوس في «المحادثات»: «باختصارٍ، كلُّ ما يتجه بأيِّ شكل إلى الرغبة أو النفور فهو صالحٌ للتدريب. أمَّا إذا كان متجهًا إلى مجرد التظاهر والادِّعاء فهو إنما يكشف عن إنسان يهفو إلى الأشياء الخارجية ولا يرمي إلا إلى انتزاع إعجاب المشاهدين؛ لذا فقد حُقَّ لأبولونيوس أن يقول: «إذا كنت تريد أن تدرِّب نفسك من أجل مصلحتك الحقيقية وجفَّ حلْقُك من الحر، فاستفَّ قبضةً من الماء ثُمَّ اتفُلْه ولا تقل «لأحد» شيئًا»» (المحادثات، ٣-١٢).
٢٥  حرفيًّا: لا تحتضن التماثيل. يُقال: إن ديوجين كان يحتضن التماثيل (البرونزية) المغطَّاة بالجليد في الشتاء بغرض التدريب على تحمُّل المشاقِّ.
٢٦  «ينبغي ألا نَشِطَّ بتدريبنا إلى ما هو خارج عن الطبيعة والعقل ومُهيَّأ لانتزاع الإعجاب؛ لأنَّنا إن فعلنا ذلك فلن نختلف، نحن مَن ندعو أنفسنا فلاسفة، عن الدجالين والمشعوذين. فلا شك أن المشي على الحبل أمرٌ صعبٌ بل خطر. فهل علينا من أجل ذلك أن نجعل تدريبنا المشي على الحبال أو احتضان التماثيل؟ كلا. كل ما هو صعبٌ وخطِر فهو لا يصلح للتدريب. أمَّا الأشياء الملائمة للتدريب فهي تلك التي تساعدنا على اجتراح ما نحن منتدَبون لاجتراحه: أن نجعل رغبتنا ونفورنا ملك يدنا وغير معرَّضَين للإعاقة والإحباط. ماذا يعني ذلك؟ ألا تُحبَط عما ترغب فيه ولا يحيق بك أيُّ شيء تجتنبه. إلى هذه الغاية ينبغي أن يتجه التدريب» (المحادثات، ٣-١٣).
٢٧  التدريب هو من أجل الفعل الحياتي، وليس غاية في ذاته. فإذا ما سمعت أذان الفعل الحياتي فاترك الكتب وطبِّق المبادئ التي في الكتب.
٢٨  القراءة والتحصيل ليسا غايةً في ذاتهما، بل من أجل الفعل والسلوك.
٢٩  قراءة الكتب هي تدريب واستعداد لممارسة الحياة وليست الحياة ذاتها، ومواضيع الفلسفة من منطق وبرهان هي من أجل الأخلاق والسلوك وليست غاية في ذاتها.
٣٠  يقول ماركوس أوريليوس في «التأملات»: «تمامًا مثلما أن الأطباء دائمًا جاهزون بأدواتهم ومَباضعهم لعلاج أي حالة طوارئ، ينبغي أن تكون مبادؤك العقلية جاهزةً لفهم الأمور الإلهية والإنسانية …» (التأملات، ٣-١٣).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١