اختطاف

كانت المهمة سهلةً هذه المرة، وربما لذلك أرسل رقم «صفر» مجموعة فتياتٍ من الشياطين للقيام بها في العاصمة الكينية «نيروبي».

كانت المرة الأولى التي يشتركُ فيها فريقٌ من الشياطين مكون من الفتيات فقط، وهنَّ: «إلهام»، و«هدى»، و«زبيدة»، و«ريما»، ربما لإحساس رقم «صفر» بأن المهمة ليست أكثر من رحلةٍ ترفيهيَّةٍ في العاصمة الكينية الجميلة، حيثُ حدائق الحيوانات الطبيعية المفتوحة … بالرغم من أنَّ أية فتاة من فتيات الشياطين الأربع كانت قادرةً على أن تحُل مَحَلَّ فريقٍ كاملٍ من المقاتلين … أو المقاتلات!

وعندما أنهت الفتياتُ الأربع مهمتهنَّ في وقتٍ قليلٍ انطلقن داخل سيارة جيب مغلقة مصفحة نحو حدائق الحيوانات المفتوحة في ضواحي «نيروبي» …

كان المشهد رائعًا خارج السيارة الجيب التي انطلقت على مَهَلٍ داخل السهول والغابات المفتوحة … كانت الزراف والغزلان والقردة تمرح معًا، وتلهو حول الأنهار الصغيرة ومنابعِ الماء … كما كانت الفيلة تسير في جماعاتٍ فيفسح الجميع الطريق لها احترامًا … وخوفًا.

وعندما دَوَّى زئيرُ أسدٍ جائعٍ شمل المكان رعبٌ شديدٌ، وانطلقت الحيوانات هاربةً بأقصى سرعتها … فأقل تَباطُؤ قد يعني النهاية … وحتى الطيور والصقور رأت أنَّه من الأفضل لها أن تحلق بعيدًا …

واقترب الأسد على مَهَلٍ يَسود مِشْيته الهيبة والوقار … ووقف لحظةً يَرْقُبُ سيارةَ الشياطين بعينين ضيقتين، كأنَّه يستنكر جرأتها ووقوفها في وجهه.

هتفت «إلهام» بسرور: يا له من مشهدٍ فريدٍ … نحن نقف وأمامنا هذا الأسد الرهيب.

ريما: أظنُّ أنَّ الوضع كان سيختلف إذا لم نكن نحتمي داخل سيارتنا المصفحة.

قالت «هدى»: لقد صَادَفْنا بعضَ رجال العصابات ممن هم أخطر من الأسود ألف مرةٍ، ولكنَّنا تغلبنا عليهم.

وأدارت «زبيدة» محرك السيارة وانطلقت بها، ففزع الأسد وتراجع خطوتين، ثم أطلق زئيرًا غاضبًا كأنَّه يعلن احتجاجه على ذلك الحيوان المعدني الذي اقتحم عليه مملكته بلا أدنى قدْرٍ من الاحترام.

أمضت الفتيات الأربع بقية اليوم في التجوُّل داخل الغابات المفتوحة، يلتقطن الصور والأفلام، وقبل الغروب استدرن بسيارتهنَّ عائداتٍ إلى فندق «السماء الزرقاء» الذي كُنَّ يُقمنْ فيه … وكان من المقرر عودتهنَّ إلى القاهرة صباح اليوم التالي.

وقالت «ريما» في طريق العودة: ما رأيكنَّ في قضاء يوم آخر في «نيروبي» وصعود «جبل كينيا»؟ إنَّهم يقولون إنه مكان ساحرٌ رائعٌ، وبه أشهر فندق في العالم، فيه الكثير من المشاهير.

زبيدة: إنَّ هذا الأمر يحتاج إلى إِذْنٍ من رقم «صفر».

هدى: إنَّه لن يمانع، فليست هناك أية مهام تنتظرنا في القاهرة … بل إنَّني أقترح مد إقامتنا في «كينيا» وزيارة مدينة «ممباسا» الساحلية المطلة على المحيط الهندي، فهي رائعة …

والتفتت نحو «إلهام» متسائلة: ما رأيك يا «إلهام»؟

ولكنَّ «إلهام» كانت تشعر بصداع يدق رأسها، وبأنَّ درجة حرارتها ترتفع فأغمضت عينيها بشيء من الألم، وهتفت بها «زبيدة»: «إلهام» … ماذا بك؟ هل أنت مريضة؟

قالت «إلهام» ببطء: إنَّني أشعر بصداع وارتفاع في درجة حرارتي … من الأفضل العودة إلى الفندق بأسرع ما يمكن.

ضغطت «زبيدة» فوق دواسة البنزين فانطلقت السيارة بأقصى سرعتها كوحش هائج، فأفسحت بقية السيارات الطريق أمامها، وصاح أحد سائقيها وهو يراقب السيارة الجيب المندفعة بسرعةٍ هائلةٍ: يا لهم من مجانين هؤلاء الذين يركبون تلك السيارة الجيب!

وصلت الفتيات إلى الفندق أخيرًا، وأسرعت «هدى» بعمل كمادات مياه مثلجة ﻟ «إلهام»، ولكن درجة حرارتها ظلت مرتفعة، ولم يفلح الأسبرين في تخفيف حدة الصداع.

قالت «هدى» بقلق: إن الأمر بحاجة إلى استدعاء طبيب.

أجابت «إلهام»: لا داعي لذلك … من الأفضل أن نُعجِّلَ بعودتنا إلى القاهرة … «زبيدة» أرجو الاتصال برقم «صفر» فورًا لإرسال طائرة خاصة بالشياطين للعودة بنا بأسرع ما يمكن، فأنا أشعر أنَّني أُصبْتُ بأحد الأمراض الاستوائية الغامضة.

وأغمضت عينيها في أَلَمٍ قائلةً: إنَّني أشعر بحالتي تسوء أكثر، والصداع يكاد يُفجر رأسي. وأسرعت «زبيدة» إلى جهاز الإرسال، وأخذت تُملي رسالةً مختصرةً بالشفرة إلى رقم «صفر» تُبْلغه بمرض «إلهام» ووجوب إرسال طائرة خاصة بأسرع ما يمكن.

وفي الحال جاءها الردُّ بأنَّ هناك طائرةً خاصةً ستنطلق خلال دقائق من مقرِّ الشياطين السريِّ لتصل إليهم خلال ثلاث ساعات، وأنَّها ستهبط في مطار «نيروبي» وسوف تكون مُجهزة طبيًّا لعلاج «إلهام» لحين وصولهنَّ إلى المقر السري.

على الفور بدأت الفتيات الأربع في جمع أشيائهنَّ ووضعها في حقائبهنَّ، وبعد ساعتين كانت سيارتهنَّ الجيب تنطلق صوب المطار بأقصى سرعتها، و«إلهام» قد أغمضت عينيها وهي تحس كأنَّ نارًا حارقةً اندلعت فيهما.

وأخيرًا وصلت السيارة الجيب إلى المطار، واندفعت الفتيات الأربع وأنهين إجراءاتهن في ثوانٍ قليلة واندفعن إلى أرض المطار.

وفي الموعد تهادت طائرةٌ صغيرة فوق أرض المطار، وما إن توقفت حتى انفتحت أبوابها، وقفز من داخلها شخص يرتدي معطفًا أبيض، ونظارةً طبيةً، كان من الواضح أنه طبيب وخلفه ممرضة تمسك بجهاز تنفس، وأنبوبة أكسجين، وأسرع الاثنان نحو «إلهام» وقال لها الطبيب: لا تخشي شيئًا، إنَّ الطائرةَ مجهزةٌ.

ووضعت الممرضة الكمامة فوق وجه «إلهام» وساعدتها على دخول الطائرة، وتمددت «إلهام» فوق فراش وثير. وقد بدأ الطبيب يقوم بعمل كمادات مثلجة ﻟ «إلهام»، والممرضة تقيس نبضها وضغطها. وكان وجه «إلهام» الذي تحول إلى اللون الأحمر من ارتفاع الحرارة يَشي بمعاناتها، ولم تحتمل «زبيدة» المشهد، فانفجرت باكية، فاحتضنتها «هدى» برفق، وقالت لها: سوف تشفى «إلهام» بإذن الله.

وكانت بقية الفتيات يشعرن بالألم الشديد، فلأول مرة يقع أحد الشياطين فريسة للمرض وهم في أرض غريبة لا يملكون شيئًا يقاومون به المرض.

ودرجت الطائرة فوق أرض المطار، ثم انطلقت في الفضاء المعتم بعد أن سقط الليل على العاصمة الهادئة.

وتحركت «ريما» قلقةً نحو قائد الطائرة وسألته: هل ستستغرق رحلة العودة كثيرًا؟ إن معنا مريضًا، وكل دقيقة تمر لها قيمتها.

أجابها القائد: لن تستغرق الرحلة طويلًا، فلا تقلقي.

وعادت «ريما» إلى مكان «إلهام»، وما كاد ترمومتر الحرارة يشير إلى أنَّها تجاوزت الأربعين درجةً حتى ظهر الخوف الشديد والتوتر على وجوه الفتيات «ريما» و«زبيدة» و«هدى».

وهتفت «زبيدة» بفزع: ألا يمكن فعل شيء لخفض درجة الحرارة؟

الطبيب: إنَّنا نبذل ما في وسعنا.

وأخرجت الممرضة من حقيبتها حقنة صغيرة بها مادة صفراء حقنت بها «إلهام» … وبعد ثوانٍ وَضَحَ أنها استسلمت لنوم عميق.

قال الطبيب: هذا أفضل حتى لا تتألم من ارتفاع درجة حرارتها والصداع.

هدى: ولكن ما هو المرض الذي تعانيه؟

أجاب الطبيب: لن يمكننا معرفته قبل إجراء فحص كامل لها.

وساد صمت ثقيل، وعيون «هدى» و«ريما» و«زبيدة» مسلطة على «إلهام» الغائبة عن وعيها، وكلٌّ منهنَّ تَعد الثواني والدقائق المتبقية على وصولهن إلى مقر الشياطين.

ولكن، وقبل أن تمضي نصف ساعة، بدأت الطائرة تحلق في دوائر متسعة حول نقطة ما بأسفلها، قبل أن تشرع في الهبوط الحاد.

تساءلت «هدى» ذاهلة: هل وصلنا بمثل هذه السرعة؟

لم يجب الطبيب وارتسمت في عينيه نظرة حادة.

قالت «زبيدة» بقلق: أين نحن؟ لا يمكن أن نكون قد وصلنا إلى المقر السري بمثل هذه السرعة … سوف أذهب إلى الطيار وأسأله و…

وقبل أن تتحرك «زبيدة» أوقفها المسدس الذي أشهره الطبيب والمدفع الرشاش الصغير الذي أخرجته الممرضة من حقيبتها وصوبته نحو الفتيات الثلاث.

وقال الطبيب بصوتٍ أجشَّ: من الأفضل لكُنَّ البقاءُ هادئات، وإلَّا فستمُتنَ بضغطةٍ واحدة من سلاحنا … إن لهفتَكنَّ على صديقتِكنَّ المريضة أَنسَتكنَّ واجبَ الحذر، فاندفعتنَّ إلى الشَّرَكِ بغباء.

قالت «هدى» ذاهلةً: هذه الطائرة ليست تابعة لنا … وأنتما مزيفان.

أجابت الممرضة بصوت رهيب: هذا صحيح تمامًا … والتعليمات التي لدينا واضحة وصريحة، وهي أنَّ أي مقاومة منكنَّ معناها الموت الفوري.

وهنا انتبهت «ريما» ذاهلة إلى الشارة التي لم تنتبه إليها والتي كانت واضحة فوق قبضة المدفع الرشاش … كانت شارة عصابة «سادة العالم».

وكادت «زبيدة» تندفع نحو العدوين في لحظة غضب، فأسرعت «ريما» لتمسك بها، وبلغة العيون قالت لها: إنَّ المقاومة قد تعني قتل «إلهام» الغائبة عن وعيها … إن الاستسلام هو أفضلُ الحلول.

وفي نفس الوقت كانت الطائرة قد استقرت فوق مدرج متعرج يحيطه الظلام، وما كادت تستقر في مكانها حتى اندفع حولها عشرات من الرجال المسلحين بمدافعهم الرشاشة يحيطون بالفتيات الثلاث، و«إلهام» ممددة فوق النقالة غائبة عن وعيها.

كانت المقاومة في هذه اللحظة تعد عملًا جنونيًّا بالفعل قد يكلف الفتيات الثلاث حياة «إلهام» على الأقل، فاستسلمن في صمت.

وظهرت سيارة تضيء كشافاتها تتبعها سيارات أخرى، ودفع المسلحون ﺑ «زبيدة» و«هدى» و«ريما» في السيارة الأولى، و«إلهام» الممددة فوق نقالتها داخل السيارة الثانية … وأحاطت بالسيارتين مجموعة من السيارات المليئة بالمسلحين.

وبدأت السيارات تشق طريقها وسط الغابات إلى جهة مجهولة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤