الأجيرة

كانت السيدة مونتجوي تُريني كيف أضعُ القدور والآنية في أماكنها، فقد كنت أضع بعضًا منها في غير موضعه.

كانت تقول إن أكثر ما تبغضه هو أن تكون الخزانة مُبعثرة.

قالت: «ستُهدرين الكثير من الوقت، ستُهدرين الكثير من الوقت في البحث عن شيءٍ ما؛ لأنه لم يكن حيث كان آخر مرة.»

فقلت: «هكذا كان الحال مع الأجيرات في منزلنا؛ ففي الأيام القليلة الأولى كنَّ دائمًا ما يضعن الأشياء حيثما لم نكن نستطيع إيجادها.»

وأضفت قائلة: «كنا نطلق على خادماتنا أجيرات. هكذا كنا نسميهن في منزلنا.»

فقالت: «حقًّا؟» ومرَّت لحظة من الصمت، ثم قالت: «والمصفاة معلقة على ذلك الخُطَّاف هناك.»

لماذا كان عليَّ أن أقول ما قلت؟ لِمَ كان من الضروري أن أذكر أننا كان لدينا أجيرات في منزلنا؟

كان بإمكان أي شخصٍ أن يدرك السبب؛ لكي أضع نفسي في موضعٍ قريبٍ من مستواها، وكأن ذلك كان ممكنًا؛ وكأن أيَّ شيءٍ كان لديَّ لأقوله عن نفسي أو عن المنزل الذي جئتُ منه كان يمكن أن يثير اهتمامها أو يبهرها.

•••

غير أن تلك كانت الحقيقة بشأن الأجيرات؛ ففي صباي عمل لدينا عددٌ كبير منهن؛ كانت هناك أوليف، تلك الفتاة الناعمة الناعسة التي لم تكن تحبني؛ لأنني كنت أدعوها أوليف أويل (زيت الزيتون)، وحتى بعد أن جعلوني أعتذر لها عن ذلك ظلَّت لا تحبني. لعلها لم تكن تحب أيًّا منا لكونها تنتمي إلى الطائفة الميثودية؛ ما جعلها سيئة الظن ومتحفِّظة. اعتادت أن تُغنِّيَ عندما كانت تغسل الصحون وأتولى أنا تجفيفها، كانت تُغنِّي: «كان يوجد بلسانٌ في جلعاد …». وكانت تتوقف لو حاولتُ مشاركتها الغناء.

بعدها جاءت جيني، التي كنتُ أحبها؛ لأنها كانت فتاة جميلة، وكانت تلفُّ لي شعري بمشابك الشعر ليلًا بعد أن تنتهيَ من لفِّ شعرها، وكانت تحتفظ بقائمةٍ للصبية التي كانت تواعدهم، وكانت تضع علاماتٍ غريبةً بعد أسمائهم: x x x o o ⋆ ⋆. ولم تستمر معنا طويلًا.

ولم تستمر طويلًا أيضًا دورثي، التي كانت تُعلِّق الملابس على حبل الغسيل بطريقةٍ غريبةٍ — فكانت تُعلِّقها من الياقة، أو أحد الكُميْن، أو من إحدى الساقين — وتكنس القاذورات إلى أحد الأركان وتضع المكنسة فوقها لكي تُخفيَها.

وحين ناهزتُ العاشرة أصبحت الأجيرات شيئًا من الماضي. لا أعرفُ إن كان ذلك لكوننا قد أصبحنا أكثر فقرًا، أم بسبب أنني اعتُبرتُ كبيرة بما يكفي لكي أكون مصدرَ عَوْنٍ دائمًا في أعمال المنزل. كِلا الأمرين صحيحان.

كنت قد صِرْتُ في السابعة عشرة وقادرة على أن أعمل لدى الآخرين، وإن كان في الصيف فقط؛ لأنني كان يتبقى لي عامٌ في المدرسة الثانوية. أما شقيقتي فكانت في الثانية عشرة؛ ومن ثَمَّ، كان يمكنها أن تتولَّى شئون المنزل.

•••

اصطحبتني السيدة مونتجوي من محطة القطار في بوان أوباريل، وأقلَّتني في قاربٍ ذي محركٍ خارجيٍّ إلى الجزيرة. كانت السيدة التي تعمل في متجر بوان أوباريل هي مَنْ رشَّحتني للوظيفة. كانت صديقة قديمة لوالدتي؛ إذ كانتا تُدرِّسان بالمدرسة معًا. كانت السيدة مونتجوي قد سألتها إن كانت تعرف فتاة ريفية معتادة على القيام بأعمال المنزل وتكون متاحةً في الصيف، واعتقدت السيدة أنَّ ذلك سيكون الشيء الأنسب لي، وكان ذلك هو اعتقادي أنا أيضًا؛ فقد كنت متلهِّفة لمشاهدة المزيد من العالم.

كانت السيدة مونتجوي ترتدي شورتًا بلون الكاكي وقميصًا وُضِعَ بداخله. وكان شعرها القصير الذي بيَّضته الشمس خلف أذنيها. قفزتْ على متن القارب مثل الصبية، وأدارت المحرك بقوة، وأخذنا ننطلق عبر مياه الخليج الجورجي المسائية المتقلبة. وعلى مدى ثلاثين أو أربعين دقيقة، كنَّا نقطع طريقنا متفادين الجزر الصخرية والحجرية بأكواخها المنعزلة وقواربها التي تتمايل بجوار أرصفة القوارب. وكانت أشجار الصنوبر بارزة بزوايا غريبة، مثلما تكون في اللوحات.

تشبثتُ بجوانب القارب وأخذتُ أرتجف في ردائي الخفيف.

قالت السيدة مونتجوي بأقصر ابتسامة ممكنة: «أتشعرين بالغثيان قليلًا؟» كان هذا بمنزلة الإشارة للابتسام، حين لا يبرِّر الموقف ذلك. كانت لها أسنان بيضاء كبيرة برزت وسط وجه طويل ضارب إلى السُّمرة، وبدا التعبير الطبيعي المرتسم على وجهها أقرب إلى جَزعٍ مكبوحٍ بالكاد. لعلها كانت تعرف أن ما كنتُ أشعر به هو الخوف، وليس الغثيان، وألقت هذا السؤال عليَّ حتى لا يكون هناك داعٍ لي — ولها — للشعور بالحرج.

كان هذا العالم مختلفًا بالفعل عن العالم الذي اعتدتُ عليه؛ ففي ذلك العالم، كان الخوف شيئًا عاديًّا، على الأقل للإناث؛ فكان من الممكن أن تخاف من الأفاعي، والعواصف الرعدية، والمياه العميقة، والمرتفعات، والظلام، والثيران، والطريق المنعزل وسط المستنقع، دون أن يظن بك أيُّ شخصٍ سوءًا. أما في عالم السيدة مونتجوي، كان الخوف عارًا وشيئًا يجب التغلُّب عليه دومًا.

كان للجزيرة التي كنَّا نقصدها اسم هو نوسيكا. كان الاسم مكتوبًا على أحد الألواح في نهاية رصيف القوارب. فرددته عاليًا محاولةً أن أُظهر شعوري بالاطمئنان والهدوء والامتنان الشديد، فقالت السيدة مونتجوي بقليلٍ من الدهشة: «أوه، نعم. كان ذلك هو اسمَها حين اشتراها أبي. إنه اسم شخصيةٍ بإحدى مسرحيات شكسبير.»

فتحت فمي لكي أقول لا، ليس شكسبير، ولأخبرها أن نوسيكا هي الفتاة التي كانت على الشاطئ تلعب الكرة مع رفيقاتها وتفاجأت بيوليسيس حين استيقظ من غفوته. كنت قد تعلَّمت آنذاك أن معظم الناس الذين عشتُ بينهم لم يكونوا يرحِّبون بهذا النوع من المعلومات، وكنتُ ألتزم الصمت على الأرجح حتى لو سألَنا المُدرِّس في المدرسة، ولكن كنتُ أعتقد أن الناسَ في العالم الخارجي — العالم الواقعي — سيكونون مختلفين. وفي الوقت المناسب أدركتُ حدَّة نبرة صوت السيدة مونتجوي حين قالت «شخصية بإحدى مسرحيات شكسبير»؛ الإشارة أن نوسيكا وشكسبير وكذا أي ملاحظات من جانبي، كانت أشياء يمكنها الاستغناء عنها إلى حدٍّ كبير.

كان الرداءُ الذي ارتديته في يوم وصولي هناك من صُنْع يدي، وكان من القطن المُخطَّط القرنفلي والأبيض. كانت الخامة رخيصة، وكان السبب وراء ذلك أنها في الواقع لم تكن مُعدَّة لتفصيل رداء، بل لبلوزة أو رداءٍ للنوم، وأن التصميم الذي اخترته — التصميم ذا التنورة الطويلة والخصر الضيق الذي كان منتشرًا في تلك الأيام — كان خاطئًا؛ فحين كنتُ أسير، كان القماش يتجعَّد ويتجمَّع بين ساقيَّ، وكنت مضطرَّة لفرده طوال الوقت. كان اليوم هو أوَّل يوم أرتدي فيه هذا الرداء، وظللتُ أعتقد أن المشكلة قد تكون مؤقتة؛ فمع جذبٍ قويٍّ بما يكفي قد تُفرَد الخامة بالشكل الملائم. ولكن عندما خلعتُ حزامي اكتشفتُ أن حرارة النهار وسخونة القطار أثناء ركوبي إياه قد خلَّفَتَا مشكلة أسوأ. كان الحزامُ عريضًا ومزودًا برباطٍ مرنٍ وذا لونٍ خمريٍّ، وقد بهتَ على الرداء، فصارت منطقة الخصر مُحوَّطة بصبغةٍ حمراء.

اكتشفتُ هذا عندما هممتُ بخلع ملابسي في عِلِّيَّة مستودع القوارب التي كان عليَّ مشاركتها مع ابنة السيدة مونتجوي ذات الأعوام العشرة؛ ماري آن.

قالت ماري آن: «ماذا حدث لردائك؟ هل تتعرقين كثيرًا؟ هذا سيئ جدًّا.»

فقلتُ لها إنه رداءٌ قديم على أي حال وإنني لم أشأ أن أرتديَ شيئًا غاليًا في القطار.

كانت ماري آن ذات شعر أشقر وبشرة منمشة، ووجه طويل مثل والدتها. ولكن لم يكن لها طلَّة والدتها المعبرة عن الأحكام السريعة التي تحتشدُ على السطح وتكون على استعدادٍ للقفز في وجهك. كان تعبير وجهها لطيفًا وجادًّا، وكانت ترتدي نظارة ذات عدساتٍ سميكة حتى حين كانت تجلس في الفراش. وقد أخبرتني بعد فترةٍ وجيزةٍ أنها قد أجرت عملية جراحية لعلاج الحَوَل الذي كان في عينيها، ولكن مع ذلك ظلَّ بصرها ضعيفًا.

قالت: «لقد ورثتُ عينَيْ والدي، وورثتُ ذكاءه أيضًا. يا له من شيءٍ غاية في السوء أنني لم أكن صبيًّا.»

وكان هذا اختلافًا آخر بين العالميْن؛ فقد كان ثَمَّةَ اعتقادٌ عام في موطني أن الصبية أقلُّ ذكاءً من الفتيات، وإنْ لم يكن في ذلك ميزة خاصة لهؤلاء أو أولئك. فكان بإمكان الفتيات أن يمضين في طريقهن ليصبحن مُعلِّمات، وكان ذلك أمرًا لا بأسَ به — وإنْ كان قطار الزواج كان يفوتهن في أغلب الأحيان — ولكن كان استمرارُ الصبية في الدراسة عادةً ما كان يعني أنهم مخنثون.

كان بإمكانك طوالَ الليل أن تسمع المياه تصطدم بألواح مستودع القوارب. وجاءَ الصباحُ مبكرًا. تساءلتُ ما إذا كنت قد ابتعدتُ إلى شمال موطني بما يكفي لكي تُشرق الشمس سريعًا هكذا، فنهضتُ ونظرتُ إلى الخارج، وعبر النافذة الأمامية رأيتُ المياه الحريرية التي كان سطحها يرتدُّ وميضُ ضوءِ السماء منه ليضيءَ قاعها. رأيتُ الشواطئ الصخرية لهذا الخليج الصغير، والقوارب الشراعية الراسية عليها، والقناة المفتوحة خلفها، ورابية جزيرة أخرى أو اثنتين، والشواطئ والقنوات القابعة خلفَ ذلك. وخطرَ لي أنني لن أكون قادرة، وحدي، على أن أجد طريقي للعودة إلى البر الرئيسي مرةً أخرى.

لم أكن قد أدركتُ بعدُ أنه يجب ألا تجد الخادمات طريقهن إلى أي مكان؛ فهن يقبعن حيثما يكون العمل. وحدهم الأشخاص الذين يُوجِدون العمل هُم مَن يستطيعون المجيء والذهاب.

كانت النافذة الخلفية تطلُّ على صخرةٍ رماديةٍ أشبه بجدارٍ مائل، ذات منحدرات وصدوع حيث كانت تنمو أشجار صنوبر وأرز صغيرة وشجيرات توتٍ أزرق. وأسفل قاعدة ذلك الحائط كان ثَمَّةَ طريق — سلكتُه فيما بعدُ — عبر الغابة يؤدي إلى منزل السيدة مونتجوي. كان كلُّ شيءٍ هنا لا يزال رطبًا وشبه مظلم، رغم أنك لو مددت عنقك، لأمكنكَ أن ترى قطعًا من السماء تتألَّق ببياضها عبر الأشجار القابعة أعلى الصخرة. كانت جميع الأشجار تقريبًا متجهمة، دائمة الخُضرة، ولها رائحة، ولها أغصان كثيفة لم تكن تسمح بنموِّ أي نباتاتٍ أسفلها؛ فلم يكن ثَمَّةَ نمو غزير لنباتات الكَرْمِ، والعُلَّيق، والشجيرات مثلما كنتُ معتادة في غابة أشجار الخشب الصلب. وقد لاحظت هذا عندما نظرتُ من القطار في اليوم السابق؛ لاحظتُ كيف أنَّ ما كنا نُسمِّيه الدغل قد تحوَّل إلى شكل الغابة الأكثر واقعية، والتي قضت على كل النباتات الغزيرة والفوضى والتغييرات الموسمية. بدا لي أن هذه الغابة الحقيقية مملوكة لأناسٍ أثرياء — كانت بمنزلة الملعب اللائق لهم رغم كآبتها — وللهنود الذين كانوا يعملون لدى الأثرياء كمرشدين وتابعين غريبين، الذين كانوا يعيشون بعيدًا عن العين وبعيدًا عن العقل، في مكانٍ لم يكن يمرُّ به القطار.

غير أنه في ذلك الصباح كنتُ أنظر خارج النافذة في لهفة وكأن هذا المكان هو المكان الذي سوف أعيشُ فيه وسوف يصبح كلُّ شيءٍ فيه مألوفًا بالنسبة إليَّ. وقد أصبح كلُّ شيءٍ مألوفًا بالفعل، على الأقل في الأماكن التي كان عملي فيها وحيثما يُفترضُ أن أذهب، ولكن كان ثَمَّةَ حاجز قائم، ربما تكون كلمة «حاجز» كلمة أقوى من اللازم؛ فلم يكن ثَمَّةَ أيُّ تحذيرٍ أكثر من مجرد شيءٍ كومضةٍ في الهواء، مجرد تَذْكِرَةٍ بليدة. «ليس لكِ»، لم يكن ذلك بالشيء الذي يجب أن يُقال، أو يُوضَع على لافتة.

«ليس لكِ». وعلى الرغم من استشعاري لها، فلم أكن لأعترفَ لنفسي بوجود مثل هذا الحاجز، لم أكن لأعترفَ بأنني قد شعرتُ حتى بالذل أو الوحدة، أو بأنني كنتُ خادمة حقيقية. ولكنني توقفتُ عن التفكير في مغادرة الطريق، والاستكشاف بين الأشجار. فلو أن أحدًا قد رآني، لاضطُررت إلى توضيح ما كنت أفعله، ولم يكن ذلك ليعجبهم؛ وأقصدُ بذلك السيدة مونتجوي.

وإحقاقًا للحق، لم يكن هذا مختلفًا كثيرًا عمَّا كانت عليه الأمور في موطني؛ حيث كان الاستكشاف غير المجدي للأماكن المحيطة بك، أو إضاعة الوقت في تأمُّل الطبيعة — أو حتى استخدام تلك الكلمة، كلمة «الطبيعة» — يمكن أن يُعرِّضك للسخرية من جانب الآخرين.

•••

كانت ماري آن تحبُّ التحدث حين نكون مستلقيتَين على أَسِرَّتنا الصغيرة ليلًا. أخبرتني بأن كتابها المُفضَّل هو «كون-تيكي»، وأنها لم تكن تؤمن بالرب أو بالجنة.

قالت لي: «لي أختٌ متوفاة، ولا أصدق أنها تهيم في مكانٍ ما في رداء نومٍ أبيض، إنها ميتة، إنها مجرد عدم.»

وأضافت: «كانت أختي جميلة، كانت كذلك مقارنةً بي على أي حال، لم تكن أمي جميلة على الإطلاق، وأبي كان بحقٍّ قبيحًا. كانت عمتي مارجريت جميلة في السابق ولكنها الآن بدينة، وجدتي كانت جميلة ولكنها الآن عجوز. وصديقتي هيلين جميلة، ولكن صديقتي سوزان ليست كذلك. وأنتِ جميلة ولكن لا يهم لأنكِ الخادمة. هل قولي هذا يؤذي مشاعرك؟»

فأجبتُ بالنفي.

«أنا فقط الخادمة حينما أكون هنا.»

لم أكن أقصدُ بذلك أنني الخادمة الوحيدة على الجزيرة؛ فقد كان الخادمان الآخران زوجيْن، هنري وكوري. لم يكن عملهما يجلب لهما الشعور بالمَذلة والدونية، بل كانا راضيَين به. كانا قد قَدِمَا إلى كندا من هولندا قبل بضعة أعوامٍ ووظَّفهما السيد والسيدة فولي، وهما والد ووالدة السيدة مونتجوي واللذان كانا يمتلكان الجزيرة، وعاشا في البيت الكبير الأبيض ذي الطابق الواحد، بمظلاته وشرفاته، والذي كان يوجد فوق أعلى نقطةٍ من الأرض. كان هنري يجزُّ الحشائش ويعتني بملعب التنس ويطلي مقاعد الحديقة ويساعد السيد فولي في شئون القوارب وتنظيف الممرات وإصلاح رصيف القوارب. أما كوري، فكانت تتولَّى الأعمال المنزلية وطهي الوجبات والاعتناء بالسيدة فولي.

كانت السيدة فولي تمضي كلَّ صباحٍ مشمسٍ جالسةً بالخارج على مقعدٍ على سطح القارب، وكانت تَمُدُّ قدميها لتغمرهما الشمسُ بأشعَّتها، وكان ملحقًا بالمقعد مظلةٌ لتحميَ رأسها. كانت كوري تخرج وتُغيِّر لها وضعيتها مع تحرُّك الشمس، وتأخذها إلى الحمام، وتُحضِر لها أكواب الشاي وكئوس القهوة المثلَّجة. وقد كنتُ شاهدةً على ذلك حين كنتُ أصعدُ إلى منزل آل فولي قادمةً من منزل آل مونتجوي في مهمةٍ ما، أو لوضعِ أو أخذِ شيءٍ ما من الثلاجة؛ فقد كانت الثلاجات المنزلية لا تزال ابتكارًا حديثًا نوعًا ما وضربًا من الرفاهية في ذلك الوقت، ولم تكن ثَمَّةَ واحدة في منزل آل مونتجوي.

كنت أسمع كوري تقول للسيدة فولي: «لا تمصي مكعبات الثلج.» ومن الواضح أن السيدة فولي لم تكن تُلقي بالًا لها وأخذت تمصُّ أحد مكعبات الثلج، فقالت كوري: «هذا سيئ. كلا. الْفظيه. الْفظيه فورًا في يد كوري. هذا سيئ. أنتِ لا تفعلين ما تقوله كوري.»

قالت لي بينما كانت تلحق بي على الطريق المؤدِّي إلى داخل المنزل: «أخبرتُهم بأنها قد تختنق حتى الموت، ولكن السيد فولي دائمًا ما يقول لي: أعطيها مكعبات الثلج، فهي تريد شرابًا كأيِّ شخصٍ آخر؛ لذا أظلُّ أخبرها وأخبرها ألا تمصَّ مكعبات الثلج. ولكنها لا تفعل ما أقول.»

في بعض الأحيان، كنت أُرسَل لمساعدة كوري في تلميع الأثاث أو جلي الأرضيات، وقد كانت كثيرة المطالب ومُنهِكة للغاية، فلم تكن تمسح مناضد المطبخ فقط، بل كانت تجليها. وكانت كلُّ حركة تقوم بها تحمل طاقة وتركيز شخص يجدِّف بقاربٍ ضد التيار، وكلُّ كلمة تنطق بها تنطلق وكأنها في رياحٍ عاليةٍ من المعارضة. وحين كانت تعصر ممسحة تنظيف، كانت تبدو وكأنها تلوي عنق دجاجة. كنتُ أفكر أنه قد يكون مثيرًا لو استطعت استدراجها للحديث عن الحرب، ولكن كان كلُّ ما تقوله أن الجميع كانوا جائعين جدًّا وأنهم قد احتفظوا بقشر البطاطس لإعداد حساء.

وقالت: «لا جدوى. لا جدوى من الحديث عن ذلك.»

كانت تُفضِّل المستقبل؛ فكانت هي وهنري يدَّخران أموالهما لبدء عملٍ خاصٍّ بهما. كانا يعتزمان إنشاء دارٍ للمسنين. قالت كوري مُلقية رأسها للخلف وهي تعمل للإشارة إلى السيدة فولي وهي جالسة بالخارج في الحديقة: «هناك الكثير من الناس مثلها. وقريبًا ما سيكون هناك المزيد والمزيد؛ لأنهم يعطونهم الأدوية التي تُؤخِّر موتهم. فمَنِ الذي سيعتني بهم؟»

ذات يومٍ نادتني السيدة فولي بينما كنتُ أجتاز الحديقة.

قالت لي: «إلى أين أنتِ ذاهبة بهذه السرعة؟ تعالي واجلسي بجواري واستريحي قليلًا.»

كان شعرها الأبيض قابعًا تحت قبعةٍ مرنةٍ من القش، وحين مالت إلى الأمام تخلَّلت الشمسُ فتحات القبعة المرصَّعة البقع ذات اللون القرنفلي والبُني الباهت بوجهها ببثور من الضوء. كان لعينيها لونٌ شبه منقرض لم أستطع تمييزه، وكان شكلها غريبًا؛ صدرٌ ضيق مسطح ومعدة منتفخة تحت طبقاتٍ من الملابس الباهتة الفضفاضة. وكان جلد ساقيها اللتين كانت تمدُّهما في الشمس لامعًا وباهتًا ومُغطًّى بتشقُّقاتٍ شاحبة.

قالت: «معذرةً لعدم ارتداء جواربي. أخشى أن أكون شاعرة ببعض الخمول اليوم، ولكن ألستِ فتاة رائعة لكي تقطعي كلَّ هذه المسافة بمفردك، هل ساعدكِ هنري في حمل البقالة من رصيف القوارب؟»

لوَّحت لنا السيدة مونتجوي التي كانت في طريقها إلى ملعب التنس لتعطيَ ماري آن حصة في لعب التنس. كانت تعطي ماري آن حصَّة كلَّ صباح، وعلى الغداء كانتا تُناقشان معًا ما ارتكبته ماري من أخطاء.

قالت السيدة فولي في إشارةٍ إلى ابنتها: «ها هي تلك السيدة التي تأتي كي تلعب التنس. إنها تأتي كلَّ يوم؛ لذا أعتقد أنه لا بأسَ تمامًا في ذلك. يمكنها أيضًا أن تستخدمه إذا لم يكن لديها ملعبٌ خاصٌّ بها.»

قالت لي السيدة مونتجوي فيما بعد: «هل طلبتْ منكِ السيدة فولي أن تأتي وتجلسي معها على الحشائش؟»

فقلت لها: «نعم، كانت تعتقدُ أنني شخصٌ أُحضِر البقالة.»

«أعتقدُ أنه كان ثَمَّةَ فتاة لتوصيل البقالة كانت تدير قاربًا لتوصيل البضائع، لم يعد هناك أي خدمة توصيل للبقالة منذ سنوات. إن الأمور تختلط على السيدة فولي بين الحين والآخر.»

«لقد قالت إنكِ سيدة تأتي للعب التنس.»

فقالت السيدة مونتجوي: «أقالت ذلك حقًّا؟»

•••

لم يكن العمل الذي كان عليَّ القيام به هنا شاقًّا بالنسبة إليَّ؛ فقد كنت أجيدُ الخَبْزَ، وكَيَّ الملابس، وتنظيفَ الموقد. لم يكن أحد يخطو بقدمه المُلطَّخة بوحل الفناء المجاور للإسطبل داخل المطبخ، ولم تكن ثَمَّةَ ثيابُ عملٍ ثقيلةٌ خاصةٌ بالرجال للتصارع معها عبر العَصَّارة، كان هناك فقط تلك الأعمال المتعلقة بوضع كل شيءٍ في مكانه تمامًا، إلى جانب القيام ببعض التلميع؛ فكنت أُلمِّع إطارات شعلات الموقد بعد كل استخدام، والصنابير، والبابَ الزجاجي المُوصِّل إلى الساحة الأمامية إلى أن يبدوَ وكأنه لا يوجد زجاج فيه، حتى إن الناس يكونون عرضة لخطر اصطدام وجوههم به.

كان منزل آل مونتجوي ذا طابعٍ عصري، وكان له سقف مُسطَّح وساحة أمامية تمتد فوق الماء والكثيرُ من النوافذ التي كانت السيدة مونتجوي تحبُّ رؤيتها، وقد أصبحتْ غير مرئيةٍ مثل الباب الزجاجي.

كانت تقول: «ولكن لا بد لي أن أكون واقعية. فأنا أعلم أنكِ إذا فعلتِ ذلك، فلن يكون لديكِ الوقتُ الكافي للقيام بالأعمال الأخرى.» لم تكن بأي حالٍ من أربابِ العمل الجائرين. كانت نَبْرتها معي أثناء الحديث صارمةً ومنفعلةً قليلًا، ولكن ذاك كان أسلوبها مع الجميع. وكانت دائمًا تنتبه إلى الإهمال أو القصور الذي كانت تبغضه كثيرًا، وكانت كلمة «مهمل» هي كلمتها المُفضَّلة للتعبير عن الاستنكار، وكان من الكلمات الأخرى المُفضَّلة لديها «تافه» و«غير ضروري». فكان الكثير من الأشياء التي يفعلها الناس غير ضروري، والبعضُ منها أيضًا كان تافهًا. ربما كان يَستخدم الآخرون كلمات مثل «مصطنع»، أو «منطقي»، أو «متساهل». وكانت السيدة مونتجوي تُطيح بكل هذه الاختلافات والفروق.

كنتُ أتناول وجباتي وحدي فيما بين فترات تقديم الطعام لمَنْ يأكل في الساحة الأمامية للمنزل أو في غرفة الطعام. وكدتُ أرتكب خطأً مريعًا في هذا الشأن؛ فعندما ضبطتني السيدة مونتجوي وأنا متجهة إلى الساحة الأمامية ومعي ثلاثة أطباق — محمولة على الطريقة الاستعراضية المتباهية للنادلات — لأول وجبة غداء، قالت لي: «ثلاثة أطباق هناك؟ أوه، حسنًا، اثنان على الساحة الأمامية وطبقكِ أنتِ هنا. أفهمتِ؟»

كنت أقرأ أثناء تناول الطعام؛ إذ كنت قد وجدتُ كومة من المجلات القديمة — مجلات «لايف»، و«لوك»، و«تايم»، و«كوليرس» — خلف خزانة المكانس. كان بإمكاني الجزم بأن السيدة مونتجوي لم تكن تُحبِّذ فكرة الجلوس وقراءة المجلات أثناء تناول غدائي، ولكنني لم أعرف على وجه التحديد لماذا، هل لأن القراءة أثناء الأكل ليست من آداب الطعام، أم لأنني لم أكن أستأذنها؟ على الأرجح أنها قد رأت أن اهتمامي بأشياء لم تكن لها صلة بعملي شكلٌ واضحٌ من أشكال السفاهة، فذاك شيءٌ غير ضروري.

كلُّ ما كانت تقوله لي في هذا الشأن هو: «لا بد أن تلك المجلات القديمة مغبرَّة على نحوٍ مريع.»

فأقول إنني دائمًا ما أمسح عنها الغبار.

في بعض الأحيان، كانت تحل علينا ضيفةٌ على الغداء؛ صديقة كانت تأتي من إحدى الجزر القريبة. سمعتُ السيدة مونتجوي تقول: «… لا بد أن تجعلي فتياتك سعيدات وإلا فسوف يرحلن إلى الفندق ثم إلى الميناء، ويمكنهن الحصول على وظائف هناك بسهولة، لم تَعُد الأمور كما كانت في السابق.»

فقالت السيدة الأخرى: «هذا صحيحٌ تمامًا.»

قالت السيدة مونتجوي: «لذا، عليكِ إعطاؤهن بعض الامتيازات، عليكِ أن تبذلي أقصى ما لديكِ من جهدٍ معهن.» استغرق مني الأمر لحظات كي أدرك عمَّن تتحدثان. عني. لقد كانت كلمة «فتيات» تعني الفتيات أمثالي. حينئذٍ تساءلتُ ما هي تلك الامتيازات التي تعطيني إياها كي أكون سعيدة وراضية عن عملي، هل هي اصطحابي في رحلة مزعجة بالقارب بين الحين والآخر حين تذهب السيدة مونتجوي للحصول على مستلزماتها؟ أو السماح لي بارتداء بنطال قصير وبلوزة، أو حتى صَدِيرة، بدلًا من زيٍّ رسميٍّ بياقةٍ وأساورَ بيضاء؟

وأيُّ فندق هذا؟ وأيُّ ميناء؟

•••

قالت ماري آن: «ما أكثرُ ما تجيدينه؟ ما الرياضات التي تفضلينها؟»

قلت بعد لحظاتٍ من التفكير: «الكرة الطائرة.» كان علينا أن نمارس الكرة الطائرة في المدرسة. لم أكن بارعة جدًّا فيها، ولكنها كانت رياضتي المُفضَّلة؛ لأنها كانت الرياضة الوحيدة المتاحة.

قالت ماري آن: «أوه، لا أقصدُ الرياضات الجماعية. أقصدُ أيَّ رياضة «تجيدينها» أكثر؟ التنس، أم السباحة، أم ركوب الدراجات أم ماذا؟ إن رياضتي المُفضَّلة حقًّا هي ركوب الدراجات؛ لأنها لا تعتمد كثيرًا على قوة الإبصار. إن رياضة العمَّة مارجريت المُفضَّلة هي التنس، وكذلك جدتي، وجدي دائمًا ما كان يمارس رياضة ركوب القوارب الشراعية، وأبي يمارس السباحة على ما أعتقد، والعمُّ ستيوارت يمارس الجولف ورياضة ركوب القوارب الشراعية، وأمي تُمارس الجولف والسباحة والقوارب الشراعية والتنس وكلَّ شيء، ولكن ربما يكون التنس هو أفضل ما تجيده من بينها جميعًا. لا أعرفُ الرياضة التي كانت شقيقتي جين ستفضلها لو لم تكن قد ماتت، ولكن ربما كانت السباحة؛ لأنها كانت تستطيع السباحة بالفعل وهي لم تتجاوز الثالثة.»

لم أكن قد وطئتُ بقدمي ملعب تنسٍ في حياتي من قبل، وكانت فكرة الخروج في قارب شراعي أو امتطاء حصان تجعلني أرتعد. كنت أستطيع السباحة، ولكن لم أكن أجيد ذلك. كان الجولف بالنسبة إليَّ شيئًا يمارسه الرجال البُلهاء في أفلام الكارتون. لم يكن الكبار ممن كنت أعرفهم يمارسون أي ألعابٍ يتخللها نشاطٌ بدني؛ فقد كانوا يجلسون وينالون قسطًا من الراحة حينما كانوا يكفُّون عن العمل، وهو الأمر الذي لم يكن يحدث كثيرًا. وإنْ كانوا في أمسيات الشتاء ربما كانوا يلعبون ألعابَ الورق، مثل اليوكر واللوست إير. كانوا يمارسون أنواعًا من ألعاب الورق لم تمارسها السيدة مونتجوي من قبلُ قط.

قلت لها: «كلُّ مَنْ أعرفهم يعملون بكدٍّ شديدٍ؛ ما يتعذر معه ممارسة أي رياضات. إننا حتى ليس لدينا ملعبٌ للتنس في بلدتنا ولا ملعب جولف كذلك.» (في الواقع كان لدينا كلا هذين الملعبين يومًا ما، ولكن لم يكن يوجد المال اللازم لصيانتهما والحفاظ عليهما أثناء فترة الكساد ولم يُجَدَّدا منذ ذلك الحين.) وأضفتُ: «لا أحدَ ممن أعرفهم لديه قاربٌ شراعي.»

ولم أذكر أن بلدتي ليست بها حلبة للهوكي ولا ملعب للبيسبول.

قالت ماري آن في تأمُّل: «حقًّا؟ وماذا يفعلون إذن؟»

««يعملون.» ولا يملكون أيَّ أموالٍ قط طوال حياتهم.»

بعد ذلك، أخبرتُها أن معظم الناس الذين أعرفهم لم يرَوْا مرحاضًا دافقًا ما لم يكن في بنايةٍ عامة، وأنه في بعض الأحيان كان المُسنون (أي الأشخاص الذين وصلوا إلى سن يعجزون معها عن العمل) يُضطرون لملازمة الفراش طوال الشتاء لكي يبقَوْا دافئين. وكان الأطفال يسيرون حفاة الأقدام حتى يأتي الصقيع للحفاظ على جلد أحذيتهم، وكانوا يموتون من آلام المعدة التي كانت في الحقيقة الْتهابًا في الزائدة الدودية؛ لأن آباءهم لم يكونوا يملكون أي أموالٍ يدفعونها للطبيب. وفي بعض الأحيان، كان الناسُ لا يأكلون شيئًا سوى أوراق الهندباء البرية على العشاء.

لم تكن أيٌّ من هذه العبارات — حتى تلك الخاصة بأوراق الهندباء البرية — غير صحيحة. فقد سمعتُ عن مثل هذه الأمور. وربما تكون تلك المتعلقة بالمراحيض الدافقة هي الأقرب إلى الحقيقة، ولكنها كانت تنطبق على أهل الريف، وليس أهل البلدة، ومعظم من كانت تنطبق عليهم كانوا من الجيل السابق على جيلي. ولكن بينما كنت أتحدث إلى ماري آن، كانت تتكشَّف لي في عقلي كلُّ الوقائع المفردة والقصص الغريبة التي كنت قد سمعتُها، حتى إنني كدت أُصدِّق أنني كنت أسير بقدمَين حافيتَين مُزرقتَين على الوحل البارد؛ أنا التي استفدت من زيت كبد الحوت واللقاحات وكنت أتدثر بالملابس الدافئة وأنا ذاهبة إلى المدرسة، وكنت أنامُ وأنا جائعة فقط لرفضي تناول أصناف مثل حلوى اللبن المخثر المُحلَّى أو بودنج الخبز أو الكبدة المقلية. وبدا هذا الانطباع المزيَّف الذي كنت أعطيه أن يكون له ما يبرره، وكأن المبالغات أو شبه الأكاذيب التي كنتُ أقولها كانت بدائل لشيءٍ لم أستطع توضيحه.

كيف لي أن أوضح، على سبيل المثال، الفارقَ بين مطبخ آل مونتجوي ومطبخنا في المنزل؟ لم يكن يمكنك أن توضح ذلك ببساطة بالإشارة إلى أسطح الأرضيات الجديدة واللامعة لأحدهما ومشمع الأرضيات البالي للآخر، أو حقيقة أن الماءَ اليَسَر كان يُضخُّ من خزانٍ إلى الحوض مقارنةً بالماء الساخن والبارد الذي يتدفق من الصنابير. كنت ستقول إن لديك في حالةٍ من الحالتين مطبخًا يتبع بدقةٍ مطلقةٍ المفهوم الحديث لما ينبغي أن يكون عليه المطبخ، وفي الأخرى مطبخًا كان يتغير بين الحين والآخر مع الاستخدام والارتجال، ولكنه لم يتغير مطلقًا من عدة جوانب، وكان مملوكًا لعائلةٍ واحدةٍ وللسنوات والعقود التي امتدت عبرها حياة تلك العائلة. وحين فكَّرتُ في ذلك المطبخ، بموقده الذي كان يعمل بالخشب والكهرباء الذي كنت أصقله بأغلفة الخبز الورقية المشمعة، وصفائح التوابل القديمة الداكنة اللون بحروفها الصدئة التي يُحتفَظ بها من العام إلى العام في خزانات المطبخ، وملابس الإسطبل المعلقة بجوار الباب، بدا وكأن عليَّ أن أحميَه من الازدراء؛ كأن عليَّ أن أحميَ أسلوبًا معيشيًّا قيمًا وحميمًا، وإن لم يكن مُبهجًا، من الازدراء. لقد كان الازدراء هو ما كنت أتخيله في الانتظار دائمًا، يتأرجح على حبال متحركة، تمامًا تحت الجلد وفيما وراء مدارك الناس من أمثال آل مونتجوي.

قالت ماري آن: «هذا ليس عدلًا. هذا بشع. لم أكن أعلم أن الناس يمكن أن يأكلوا أوراق الهندباء البرية.» ولكن بعد ذلك تهلَّل وجهها وقالت: «لماذا لا يذهبون ويصيدون بعض الأسماك؟»

«لأن الناس الذين ليسوا بحاجةٍ إلى لأسماك جاءوا واصطادوها جميعًا بالفعل، أعني الأثرياء، على سبيل اللهو.»

بالطبع كان بعض الناس في موطني يصطادون الأسماك عندما يكون لديهم وقت، على الرغم من أن البعض الآخر، بمن فيهم أنا، وجدوا أن الأسماك الموجودة في نهرنا هزيلة جدًّا. ولكنني اعتقدتُ أن ذلك كان سيُسكِت ماري آن، لا سيَّما عندما علمت أن السيد مونتجوي كان يذهب في رحلاتٍ لصيد الأسماك مع أصدقائه.

ولم تستطع الكَفَّ عن التفكير في المشكلة. وقالت: «ألم يكن باستطاعتهم الذهاب إلى جيش الخلاص؟»

«إنهم غاية في الإباء والاعتداد بالنفس.»

فقالت: «أشعرُ بالأسف والأسى من أجلهم. إنني أشعرُ بالأسف حقًّا من أجلهم، ولكنني أظن أن هذا غباءٌ منهم. فماذا عن الرُّضَّع والأطفال الصغار؟ كان لا بد أن يُفكروا بشأنهم. هل الأطفال أيضًا غاية في الاعتداد بالنفس؟»

«الجميعُ معتدون بأنفسهم.»

•••

عندما كان السيد مونتجوي يأتي إلى الجزيرة في عطلات نهاية الأسبوع، دائمًا ما كان ثَمَّةَ قدر كبير من الضجيج والحركة. كان بعضٌ من ذلك يُعزى إلى وجود ضيوفٍ كانوا يأتون بالقارب للسباحة وتناوُل الشراب ومشاهدة سباقات القوارب الشراعية. ولكن الكثيرَ منه كان مصدره هو السيد مونتجوي نفسه؛ فقد كان له صوتٌ عالٍ صاخب كالعاصفة وجسدٌ مكتنز ذو بشرة لم تكتسب أي سُمرة من قبلُ قط؛ ففي عطلة كل أسبوع كان يتحوَّل لونه إلى الأحمر بفِعل الشمس، وخلال الأسبوع كان الجلدُ المسفوع يتقشَّر تاركًا إياه بلونٍ ورديٍّ يعكره النمش وجاهزًا للسفع مرة أخرى. وحينما كان يخلع نظارته، كان بإمكانك أن ترى أن إحدى عينيه تطرف بسرعةٍ وبها حَوَل، والأخرى ذات لون أزرق جريء ولكنها تحمل نظرة بائسة، وكأنه قد وقعَ في شَرَك.

كان صياحه غالبًا ما يكون بشأن أشياء وضعها في غير موضعها، أو أوقعها، أو اصطدمَ بها. فكان يقول: «أين … بحق الجحيم؟»، أو «ألم يتصادف أن رأيتِ …؟» ولذا بدا لي أنه كان أيضًا يُخطئ حتى، أو يعجز من الأساس، عن إدراك اسم الشيء الذي كان يبحث عنه. ولكي يواسي نفسه، قد يأخذ حفنة من الفول السوداني أو قطع البسكويت المُملَّح أو أي شيءٍ قريبٍ منه، ويظلُّ يأكل الحفنة تلو الأخرى إلى أن تنتهيَ جميعًا. بعدها كان يُحملق في الطبق الخاوي وكأن في ذلك ما أدهشه أيضًا.

في صباح أحد الأيام سَمِعتُه يقول: «والآن أين بحق الجحيم ذلك …؟» وكان يجوبُ الساحة الأمامية للمنزل مُحدِثًا الكثيرَ من الضجيج.

قالت السيدة مونتجوي في نبرة من السيطرة الرائعة: «كتابُك؟» وكانت تتناول قهوة ما قبل الظهر.

فقال: «أظنُّ أنه هنا، فقد كنتُ أقرؤه.»

فقالت: «أتقصدُ كتابَ الشهر؟ أظن أنكَ قد تركته في غرفة المعيشة.»

وكانت على حق؛ فقد كنت أنظِّف غرفة المعيشة بالمكنسة الكهربائية، وقبل بضع لحظاتٍ كنت قد الْتقطتُ كتابًا دُفع جزءٌ منه تحت الأريكة. كان عنوانه «سبعُ حكاياتٍ قوطية»، وعنوانه جعلني أرغبُ في فتحه، وحتى بينما كنت أسترق السمع لحديث الزوجين مونتجوي كنت أقرأ، حاملةً الكتاب مفتوحًا في يدٍ وبالأخرى أوجِّه المكنسة الكهربائية. لم يكن بإمكانهما أن يرياني من الساحة الأمامية للمنزل.

قالت ميرا: «كلا، أنا أتحدثُ من القلب. لقد كنت أحاول لوقتٍ طويلٍ أن أفهم الرب. والآن صرتُ صديقةً له. ولكي تحبه بحق، لا بد أن تحبَّ التغيير، ولا بد أن تحبَّ الدعابة، لكون تلك هي النوازع الحقيقية لقلبه.»

قال السيد مونتجوي الذي دخل إلى الغرفة بغرابة، دون أصوات القرع والارتطام المعتادة منه، أو أنني على الأقل لم أسمع أيًّا منها: «ها هو هناك. يا لكِ من فتاةٍ طيبة! لقد وجدتِ كتابي. تذكرتُ الآن. في الليلة الماضية كنت أقرؤه على الأريكة.»

فقلت: «كان على الأرض، لقد الْتقطته لتوِّي.»

لا بد أنه قد رآني وأنا أقرؤه. وقال: «إنه نوعٌ غريب من الكتب، ولكن أحيانًا ما ترغبين في قراءة كتابٍ ليس ككل الكتب الأخرى.»

قالت السيدة مونتجوي التي دخلت حاملة صينية القهوة: «لم أستطع أن أفهم منه شيئًا. علينا الخروج من هنا لندعها تستكمل التنظيف.»

عاد السيد مونتجوي إلى البر الرئيسي، وإلى المدينة، في مساء ذلك اليوم. كان يعمل مدير بنكٍ، وعلى ما يبدو أن ذلك لم يكن يعني أنه كان يعمل في بنك. وفي اليوم التالي لرحيله أخذتُ أبحث في كلِّ مكان؛ بحثتُ أسفل الكراسي، وخلف الستائر، لعله قد ترك ذلك الكتاب، ولكن دون أن أتمكَّن من العثور عليه.

•••

قالت السيدة فولي: «دائمًا ما كنت أرى أنه سيكون من اللطيف أن أعيش هنا طوال العام مثلما تفعلون أنتم.» لا بد أنها قد تعرفت عليَّ بوصفي الفتاة التي تُحضِر البقالة. وفي بعض الأيام، كانت تقول لي: «أنا أعرف الآن من أنتِ. أنتِ الفتاة الجديدة التي تساعد السيدة الهولندية في المطبخ. ولكن أنا آسفة، لا أستطيع أن أتذكَّر اسمك.» وفي أيامٍ أخرى، كنت أمرُّ بجانبها دون أن تلقيَ عليَّ أي تحيَّةٍ أو تُظْهِر أدنى اهتمامٍ بي.

كانت تقول: «لقد اعتدنا أن نأتيَ إلى هنا في الشتاء؛ فالخليج يتجمَّد ويكون ثَمَّةَ طريق عبر الجليد. وكنا معتادين أن نتزلج بحذاء الثلج. لم يعد الناس يفعلون ذلك الآن. أليس كذلك؟ أيتزلَّجون بحذاء الثلج؟»

لم تنتظر مني إجابة. فمالت نحوي وقالت في حرج، متحدثة بصوتٍ شبه هامس: «أيمكنكِ أن تخبريني بشيء؟ هل يمكنكِ أن تخبريني أين جين؟ لم أَرَها تجري حولي هنا منذ زمنٍ طويل؟»

فقلت لها إنني لا أعرف. فابتسمتْ كما لو كنت أهزأ بها، ومدَّت إحدى يديها لتلمس وجهي. كنت منحنية لكي أسمعها، ولكن حينئذٍ اعتدلت في وقفتي، ولامستْ يدُها صدري. كان يومًا حارًّا وكنت أرتدي صديرتي؛ ومن ثَمَّ تصادف أن لمست جلدي. كانت يدُها خفيفة وجافة كنشارة الخشب، ولكن الظُّفر خَدَشني.

فقالت: «أنا واثقة من أن كل شيءٍ على ما يُرام.»

بعد ذلك، كنت أكتفي بالتلويح بيدي لها عندما كانت تتحدث إليَّ وأَمضي في طريقي مسرعة.

•••

في عصر أحد أيام السبت في نهاية شهر أغسطس، أقام آل مونتجوي حفل كوكتيل. أُقيمَ الحفل على شرف الأصدقاء المقيمين لديهم في عطلة ذلك الأسبوع؛ السيد والسيدة هاموند. كان ثَمَّةَ الكثير من الشوك والملاعق الفضية الصغيرة التي ينبغي تلميعها استعدادًا لهذا الحدث؛ لذا قررت السيدة مونتجوي أن جميع الفضيات يمكن أن تُلمَّع في نفس الوقت. فقمتُ بالتلميع وكانت تقف بجانبي وأنا أفعل ذلك.

في يوم الحفل وصل المدعوُّون في قوارب بخارية وقوارب شراعية، وذهبَ البعضُ منهم للسباحة، ثم جلسوا حول الصخور بملابس السباحة، أو استلقَوْا على رصيف القوارب تحت الشمس. فيما صَعِدَ آخرون إلى المنزل مباشرةً وراحوا يشربون ويتحدثون في غرفة المعيشة أو في الساحة الأمامية للمنزل. وجاء بعض الأطفال مع آبائهم، وجاء أطفال أكبر سنًّا بمفردهم، في قواربهم الخاصة. لم يكونوا أطفالًا في سنِّ ماري آن التي اصطُحِبت للجلوس مع صديقتها سوزان في جزيرةٍ أخرى. كان ثَمَّةَ بعض الأطفال الصغار للغاية، الذين جاءوا مزوَّدين بمهادٍ قابلةٍ للطي وأقفاصِ لعب، إلا أن معظمهم كانوا في نفس سنِّي، صبيان وفتيات في سنِّ الخامسة عشرة أو السادسة عشرة، وقد قضَوْا معظم فترة ما بعد الظهيرة في الماء، يصيحون ويغوصون ويتسابقون للوصول إلى الطَّوْف.

كنت أنا والسيدة مونتجوي منشغلتين طوال فترة الصباح في إعداد مختلِف أنواع الأطعمة، والتي كنَّا نرتِّبها في أطباقٍ ونقدِّمها للضيوف. كان إعداد الطعام عملًا شاقًّا ومُنهكًا؛ من حشوٍ لخلطاتٍ متنوعةٍ في وحدات عيش الغراب، ووضع شريحةٍ صغيرةٍ من أحد الأصناف فوق شريحةٍ صغيرةٍ من صنفٍ آخر فوق قطعةٍ مضبوطةٍ من التوست أو الخبز. كان يجب أن تكون كل الأشكال مضبوطة؛ مثلثات مضبوطة، ودوائر ومربعات مضبوطة، ومُعيَّنات مضبوطة.

دخلت السيدة هاموند إلى المطبخ عدة مرات وأبدت إعجابها بما كنا نفعله.

فقالت: «كَمْ يبدو كل شيءٍ رائعًا! لعلكما تلاحظان أنني لم أعرض المساعدة، فأنا جاهلة تمامًا في مثل هذه الأمور.»

أعجبني أسلوبها في قول ذلك، «أنا جاهلة تمامًا»، أعجبني صوتها الأجش، ونبرتها المرحة المشوبة بالتعب، وطريقتها التي بدت بها تشير إلى أن أشكال الطعام الهندسية الدقيقة لم تكن ضرورية، بل وقد تكون سخيفة وتافهة. تمنيتُ لو كنت هي، برداء سباحةٍ أملس أسود اللون، وسُمرة تُشبه التوست الأسمر، وشعر داكن ناعم منسدل حتى كتفيها، وأحمر شفاه ذي لونٍ أرجواني خفيف.

لم يكن هذا يعني أنها بدت سعيدة، ولكن طابع التجهُّم والتذمُّر الذي تميَّزت به بدا لي جذَّابًا، وتلميحاتها الدرامية الكئيبة كانت مثار حسدٍ من جانبي. كانت هي وزوجها نوعية مختلفة تمامًا من الأثرياء مقارنةً بالسيد والسيدة مونتجوي؛ فقد كانا أقرب إلى الأشخاص الذين كنت أقرأ عنهم في الأخبار بالمجلات وفي الكتب على شاكلة كتاب «الباعة المتجولون»؛ أي من تلك النوعية من الناس الذين يُكثِرون من الشرب ولهم الكثير من العلاقات الغرامية ويذهبون إلى الأطباء النفسيين.

كان اسمُها كارول، وكان زوجها يُدعى إيفان. كانا يَرِدان بخاطري باسميهما الأولَين، وهذا شيءٌ لم أحاول قط فعله مع آل مونتجوي.

طلبت مني السيدة مونتجوي أن أرتديَ ثوبًا، فارتديتُ الثوب القطني ذا الخطوط القرنفلية والبيضاء، مواريةً الجزءَ الملطخ عند الخصر أسفل الحزام ذي الرباط المرن. كان جميع الحاضرين يرتدون بناطيل قصيرة وأردية السباحة. وأخذت أمرُّ بينهم أُقدِّم الطعام. لم أكن أعرف كيفية القيام بذلك؛ ففي بعض الأحيان كان الناس يضحكون أو يتحدثون بحرارةٍ بالغةٍ لدرجة أنهم لم يكونوا يلاحظونني، وكنت أخشى أن تتسبَّب حركات أيديهم في الإطاحة بقطع الطعام؛ لذا كنت أقول: «معذرة، أتودُّ واحدةً من هذه؟» بصوتٍ مرتفعٍ بدا غاية في الحسم أو حتى التعنيف. حينها كانوا ينظرون إليَّ بتندُّرٍ مشوبٍ بالدهشة، وراودني شعور بأن مقاطعتي قد أصبحت مزحةً أخرى لهم.

قالت السيدة مونتجوي: «كفى مرورٌ الآن.» وجمعتْ بعض الكئوس وطلبت مني غسلها، قائلة: «الناس لا يُلقون بالًا لكئوسهم إطلاقًا. من الأسهل أن تغسليها وتُحضري كئوسًا نظيفة. حان الآن وقت إخراج كرات اللحم من الثلاجة وتسخينها، هل يمكنكِ القيام ذلك؟ راقبي الموقد؛ فالأمر لن يستغرق طويلًا.»

وبينما كنت مشغولةً في المطبخ، إذا بي أسمع السيدة هاموند تنادي: «إيفان! إيفان!» كانت تجوب الغُرَف الخلفية للمنزل. ولكن السيد هاموند دخل عبر باب المطبخ المؤدي إلى الغابة، ووقف هناك ولم يُجِبْها. وأقبل نحو النضد وصبَّ بعضًا من خمر الجين في كأسه.

قالت السيدة هاموند قادمة من غرفة المعيشة: «أوه، إيفان، ها أنت هنا.»

فقال السيد هاموند: «ها أنا هنا.»

فقالت: «وأنا أيضًا.» ودفعت كأسها عبر النضد.

ولم يلتقطها، بل دفع زجاجة الجين نحوها وتحدث إليَّ قائلًا: «هل تستمتعين بوقتكِ يا ميني؟»

فأطلقت السيدة هاموند ضحكة أقرب إلى العواء قائلة: «ميني؟ من أين جاء لك أن اسمها ميني؟»

فقال السيد هاموند، إيفان، متحدثًا بصوتٍ حالم مصطنع: «ميني، هل تستمتعين بوقتكِ يا ميني؟»

قلتُ بصوتٍ قصدتُ أن أجعله مصطنعًا كصوته: «أوه، نعم.» كنت مشغولة برفع كرات اللحم السويدية الصغيرة من الموقد وأردتُ أن أزيح السيد هاموند من طريقي تحسبًا لوقوع بعضها مني؛ فقد كانا سيعتقدان أن تلك مزحة كبيرة وقد يبلِّغان عني السيدة مونتجوي، التي بدورها ستجعلني أُلقي كرات اللحم التي سقطت وتنزعج من الفاقد من الكرات. فلو كنت وحدي حين حدث ذلك، لكان بإمكاني أن أزيلها عن الأرض بالجاروف فحسب.

قال السيد هاموند: «عظيم.»

قالت السيدة هاموند: «لقد كنت أسبح حول المنطقة. إنني أُطوِّر أدائي لكي أسبح حول الجزيرة بأكملها.»

فقال السيد هاموند: «تهانئي لكِ»، وقالها بنفس الأسلوب الذي قال به «عظيم.»

تمنَّيتُ لو لم يكن صوتي بهذه النبرة المرحة والمضحكة، كنت أتمنى لو حاكيتُ نبرته الشديدة الارتياب والحِنْكَة.

قالت السيدة هاموند، كارول: «حسنًا إذن، سوف أترك الأمر لك.»

كنت قد بدأت في وضع أعواد الأسنان في كرات اللحم وترتيبها على أحد الأطباق حين قال إيفان: «أتريدين بعض المساعدة؟» وحاول أن يفعل مثلما أفعل، ولكن أعواد الأسنان الخاصة به لم تُوضَع على نحوٍ مناسب، مفكِّكة كرات اللحم على النضد.

فقال: «حسنًا»، ولكنه بدا وقد فقدَ تسلسل أفكاره؛ ومن ثمَّ انصرف بعيدًا وتناولَ كأسًا أخرى، وقال: «حسنًا يا ميني.»

كنت أعرفُ شيئًا ما عنه. كنت أعرفُ أن السيد والسيدة هاموند كانا هنا في إجازةٍ خاصة؛ لأن السيد هاموند قد فقدَ وظيفته. كانت ماري آن هي مَنْ أخبرني بذلك، حيث قالت: «إنه مكتئبٌ جدًّا بسبب ذلك، ولكنهما لن يُصبحا فقراء؛ فالعمَّة كارول ثرية.»

لم يكن يبدو لي مكتئبًا، بدا جزعًا نافدَ الصبر — لا سيَّما مع السيدة هاموند — ولكن بصفة عامة كان سعيدًا بنفسه. كان طويل القامة نحيل القوام، وله شعر داكن ممشط إلى الخلف من عند الجبهة في خطٍّ مستقيم، وكان شاربه عبارة عن خطٍّ مثيرٍ للضحك فوق شفته العليا. حين كان يتحدث إليَّ، مالَ للأمام، مثلما رأيتُه يفعل في وقتٍ سابق حين كان يتحدث إلى السيدات في غرفة المعيشة، حتى إنني فكَّرتُ حينها أن الوصف الذي ينطبق عليه هو أنه «مُجامِل».

«أين تذهبين للسباحة يا ميني؟ هل تمارسين السباحة؟»

قلت: «أجل، بجوار مستودع القوارب.» وقرَّرت أن اسم ميني الذي يدعوني به كان بمنزلة دعابة خاصة بيننا.

«أهو مكانٌ جيد؟»

فأجبت: «أجل.» كان جيدًا بالنسبة إليَّ؛ لأنني كنت أفضلُ أن أكون قريبة من رصيف القوارب، ولم يسبق لي مطلقًا، قبل ذلك الصيف، أن سبحتُ في مياهٍ تعلو مستوى رأسي.

«هل دخلتِ المياه من قبلُ دون ارتداء رداء السباحة خاصتك؟»

قلت: «كلا.»

«لا بد أن تُجرِّبي ذلك.»

وجاءت السيدة مونتجوي عبر مدخل غرفة المعيشة متسائلة إن كانت كرات اللحم جاهزة.

قالت: «هذا الجَمْعُ جائع بالتأكيد، إن هذا من أثر السباحة. كيف حالك يا إيفان؟ لقد كانت كارول تبحث عنك للتو.»

قال السيد هاموند: «كانت هنا.»

أخذت السيدة مونتجوي تنثر البقدونس هنا وهناك بين كرات اللحم، ثم قالت مخاطبةً إياي: «والآن أظن أنكِ قد انتهيتِ من كلِّ ما يجب عليكِ فعله هنا. أعتقد أن بإمكاني تسيير الأمور بعد ذلك، فلماذا لا تصنعين لنفسك شطيرةً وتُهرَعين إلى مستودع القوارب؟»

فقلت إنني لست جائعة. أعدَّ السيد هاموند لنفسه كأسًا من الجين مع بعض مكعبات الثلج ودخلَ إلى غرفة المعيشة.

قالت السيدة مونتجوي: «حسنًا، من الأفضل أن تأخذي شيئًا معكِ؛ لأنكِ سوف تشعرين بالجوع لاحقًا.»

كانت تقصد أنني لن أعود.

في طريقي إلى مستودع القوارب الْتقيتُ اثنتين من الضيوف؛ فتاتين في نفس سنِّي، حافيتَي الأقدام وفي أردية السباحة المبتلة وتضحكان في لهاث. لعلهما كانتا تسبحان حول الجزيرة وخرجتا من الماء عند مستودع القوارب. كانتا في تلك اللحظة تتسللان لمفاجأة شخصٍ ما. فأفسحا مكانًا لي في حياءٍ كي لا تتساقط منهما قطرات ماءٍ عليَّ، ولكنهما لم تكفَّا عن الضحك. وبينما كانتا تفسحان مجالًا لي، لم تنظرا إلى وجهي ولو بلمحةٍ خاطفة.

كانتا من نوعية الفتيات اللاتي كُنَّ سيصحن بصرخاتٍ حادةٍ ويُحدِثن جلبة من حولي، لو كنت قطة أو كلبة.

•••

استمرَّ ضجيجُ الحفل في التصاعد، فاستلقيتُ على سريري دون أن أخلع ثوبي، فلم أكفَّ عن الحركة منذ الصباح الباكر وكنت متعبة، ولكن لم أستطع أن أسترخي، وبعد فترةٍ وجيزةٍ نهضتُ من سريري واستبدلتُ بثوبي ثوبَ السباحة ونزلتُ للسباحة. نزلتُ من السلم إلى داخل الماء بحذرٍ مثلما كنت أفعل دائمًا — فقد كنت أظن أنني سأهبط مباشرةً إلى الأعماق ولن أخرج أبدًا لو قفزت — وأخذتُ أسبح في الظل. جعلتني المياه التي كانت تغسل أطرافي أفكرُ فيما قاله السيد هاموند؛ ومن ثمَّ فككت أربطة ثوب السباحة خاصتي، وأخيرًا جذبتُ ذراعًا تلو الأخرى حتى يستطيع ثدياي أن يطفوا بحرية. وأخذتُ أسبح على هذا النحو بينما المياه تنشق بعذوبة عند حلمتيَّ …

جالَ بخاطري أن من الممكن أن يأتي السيد هاموند للبحث عني، تخيَّلته يلمسني. (لم أستطع أن أفكر تحديدًا كيف كان سيدخل الماء؛ فلم أكن أعبأ بتخيُّله وهو ينزع عن نفسه ملابسه. ربما كان سيجلس القرفصاء على السطح وأسبح أنا نحوه.) كانت أصابعه تمس جلدي العاري مثل شرائط من الضوء. كانت فكرة أن أكون مرغوبة من رجل في هذا العمر — تُرى في الأربعين أم في الخامسة والأربعين؟ — وأن يلمسني فكرة مثيرة للاشمئزاز بطريقة ما، إلا أنني كنت أعرفُ أنني كنت سأستمد منها المتعة، مثلما قد تجد متعة في أن تُمسَّ من قِبل تمساحٍ مُستأنَس. ربما كان جلد السيد هاموند — إيفان — أملس، ولكن السن والمعرفة والفساد الأخلاقي كانت ستصبح أشبه ببثور وحراشف غير مرئية عليه.

واتتني الجرأة كي أرفع نفسي من الماء على نحوٍ جزئي، متشبثة بالرصيف بإحدى يديَّ. أخذتُ أصعد وأهبط في تمايلٍ وأرتفع في الهواء مثل عروس البحر. كنت كالوميض الذي يبرق في الهواء دون أن يراني أحد.

بعدها سمعتُ صوت خطوات، سمعتُ صوت شخص ما قادم، فغطستُ داخل الماء وظللت هناك بلا حَرْك.

اعتقدتُ للحظة أنه السيد هاموند، وأنني قد دخلتُ بالفعل عالم الإشارات السرية، عالم الهجمات المفاجئة والصامتة للرغبة. لم أُغطِّ نفسي، وإنما انكمشتُ أمام الرصيف في لحظةٍ تعجيزية من الذعر والخضوع.

أُضيئ مصباحُ مستودع القوارب، واستدرتُ في هدوءٍ داخل الماء ورأيتُ أن هذا الشخص كان السيد فولي العجوز، والذي كان لا يزال في ثياب الحفل المكوَّنة من بنطالٍ أبيض وقبعةٍ بحريةٍ وسترة. جلسَ لتناول كأسين من الشراب وأوضح لجميع الحضور أن السيدة فولي ليست مؤهلةً لإجهاد رؤية العديد من الناس، ولكنه أبلغَ أطيب تمنياتها للجميع.

كان يفتِّش في الأشياء الموجودة على رفِّ الأدوات، وسرعان ما وجد ما أراد، أو ربما يكون قد أعاد ما كان يعتزم إعادته، وأطفأ النور وغادر المكان دون أن يدريَ مطلقًا بوجودي هناك.

رفعتُ ثوب السباحة خاصتي لأعلى وخرجتُ من الماء وصَعِدتُ الدرج. كان جسدي يبدو كثقل بالنسبة إليَّ لدرجة أنني كنت ألهث حين وصلت إلى أعلى.

تواصلَ صوتُ ضجيج الحفل، وكان عليَّ أن أفعل شيئًا لكي أتمالك نفسي أمامه، فما كان مني سوى أن بدأتُ في كتابة خطابٍ إلى صديقتي داونا التي كانت أقرب صديقاتي إليَّ في ذلك الوقت. ورحتُ أصف الحفل بألفاظٍ شنيعة؛ أشخاص يتقيئون على سور رصيف القوارب، وامرأة أُغمي عليها؛ ما جعلها تخرُّ ساقطة على الأريكة بطريقةٍ جعلت جزءًا من ثوبها ينزلق كاشفًا عن ثديٍ عجوزٍ ذي حلمة بنفسجية اللون. وتحدثتُ عن السيد هاموند وقلت عنه إنه رجلٌ شهواني، وإنْ كنت قد أضفت أنه وسيم جدًّا. أخبرتُها أنه كان يلاطفني في المطبخ بينما كانت يداي منشغلتين بكُرات اللحم وأنه فيما بعدُ تبعني إلى مستودع القوارب وأمسكَ بي على الدرج، ولكنني ركلته حيثما لن ينسى؛ مما جعله يتراجع، وهو ما عبَّرت عنه بكلمة «عدا مسرعًا».

واصلتُ الكتابة قائلة: «احبسي أنفاسكِ للحلقة التالية التي بعنوان «مغامراتٌ مُنحَطة لخادمة مطبخ»، أو «اعتداءٌ على صخور الخليج الجورجي».»

حين رأيتُ أنني قد كتبت «اعتداء» بدلًا من «اغتصاب»، خطرَ لي أن بإمكاني أن أتغاضى عن التصحيح؛ لأن داونا لم تكن لتدرك الفارق مطلقًا. ولكنني أدركتُ أن الجزء الخاص بالسيد هاموند كان مبالغًا فيه، حتى بالنسبة إلى ذلك النوع من الخطابات، وحينها، ملأني الخطاب بأكمله بالخزي وبإحساسٍ من الفشل والوحدة، وما لبثتُ أن قطعته. لم يكن ثَمَّةَ أي مغزًى من كتابة هذا الخطاب سوى طمأنة نفسي بأن لديَّ اتصالًا بالعالم وأن أشياء مثيرة — أو بالأحرى أشياء جنسية — قد حدثت لي. ولم يكن هذا أو ذاك صحيحًا.

•••

بينما كنت أنا والسيدة مونتجوي نُلمِّعُ الفضيات، أو بالأحرى حينما كانت تراقبني وأنا أُلمِّعها، أخبرتُها قائلة: «لقد سألتني السيدة فولي عن جين، أكانت جين واحدة من الفتيات اللاتي كنَّ يعملن هنا في الصيف؟»

للحظة ظننتُ أنها ربما لن تجيب، ولكنها أجابت.

قالت: «جين هي ابنتي الأخرى، شقيقة ماري آن، وقد ماتت.»

فقلت: «أوه، لم أكن أعرف. أوه، أنا آسفة.»

ولمَّا لم يكن لديَّ من الذكاء، أو بالأحرى الكياسة، لكيلا أستمر في الحديث، وجدتني أقول: «أتُوفِّيتُ بسبب شلل الأطفال؟» وفي تلك الأيام كان الأطفال لا يزالون يموتون بسبب شلل الأطفال كلَّ صيف.

قالت السيدة مونتجوي: «كلا، لقد لقيت مصرعها حينما كان زوجي يُحرِّك التسريحة في غرفة نومنا؛ كان يبحث عن شيءٍ ظنَّ أنه ربما يكون قد أوقعه خلفها، ولم يكن يعلم أن جين في طريقه، فاشتبكت إحدى عجلات التسريحة بالسجادة ووقعت بأكملها عليها.»

بالطبع كنت أعلمُ كلَّ شيء عن هذا الأمر؛ إذ كانت ماري آن قد أخبرتني به سابقًا. بل أخبرتني به حتى قبل أن تسألني السيدة فولي عن جين وتخدش صدري.

قلت: «يا للبشاعة!»

«حسنًا. إنه واحدٌ فقط من تلك الأشياء.»

أصابني ما مارسته من خداع عليها بالاضطراب، ما جعلني أُوقِعُ شوكة على الأرض.

فالْتقطتْها السيدة مونتجوي.

«لا تنسَيْ أن تغسلي هذه مرةً أخرى.»

كَمْ كان غريبًا أنني لم أشك في حقي في التدخُّل والتطفُّل وإثارة هذا الأمر مرةً أخرى، لا بد أن جزءًا من السبب كان يكمن في المجتمع الذي جئتُ منه، والذي كانت مثلُ هذه الأمور لا تُدفَن فيه للأبد، ولكنها تُثار كنوعٍ من الطقوس الدينية، وكانت مثلُ هذه الفظائع بمنزلة شارةٍ يرتديها الناس — أو ترتديها النساء في الأغلب — على مدار حياتهم.

كذلك قد يُعزى ذلك إلى أنني لم أكن لأُهدر الفرصة قط حين يتعلق الأمر بحميميةٍ قاسية، أو على الأقل نوع من المساواة، حتى ولو كانت مع شخصٍ لم أكن أحبه.

كانت القسوة شيئًا لم أكن أعترفُ به في نفسي، فلم أظن نفسي مَلُومة هنا، ولا في تعاملاتي مع هذه العائلة. وكلُّ ذلك لكوني صغيرة، وفقيرة، وعلى درايةٍ بأمر نوسيكا.

لم تكن لديَّ الرغبة أو الجَلَد لكي أكون خادمة.

•••

في آخر يوم أحدٍ لي مع آل مونتجوي، كنت بمفردي في مستودع القوارب أحزمُ أشيائي في الحقيبة التي كنت قد أحضرتُها، وكانت نفس الحقيبة التي كانت مع أبي وأمي في رحلة زفافهما وحقيبة السفر الوحيدة التي كانت لدينا في المنزل. حين سحبتُها من أسفل سريري وفتحتُها، فاحت منها رائحة المنزل؛ عبق الخزانة الكائنة في نهاية ردهة الطابق العلوي حيث موضعها المعتاد، بالقرب من معاطف الشتاء المنثورة بكرات النفتالين والغطاء المطاطي الذي كان يُستخدَم على أَسِرَّة الأطفال. ولكن حين كنت أخرجها في المنزل، دائمًا ما كانت تفوح منها رائحة خفيفة للقطارات ونيران الفحم والمدن؛ رائحة الأسفار والرحلات.

سمعتُ خطواتٍ على الممر، صوت خطوة متعثرة داخل مستودع القوارب، وطرقًا على الحائط. كان السيد مونتجوي.

«هل أنتِ هناك؟ هل أنتِ هناك؟»

كان صوته هادرًا ومرحًا مثلما سمعتُه من قبل حينما كان يشرب، وكان بالطبع يشرب؛ حيث وُجد زوَّار مرةً أخرى للاحتفال بنهاية الصيف؛ فصَعِدتُ إلى قمة الدَّرَج، كان يتكئ بإحدى يديه على الحائط لكي يوازن نفسه؛ إذ كان ثَمَّةَ قارب يمر بجوارنا عبر القناة ويبعث بأمواجها نحو مستودع القوارب.

قال السيد مونتجوي وهو ينظرُ إليَّ بتركيزٍ مشوبٍ بالتجهُّم والعبوس: «انظري هنا. انظري هنا. فكرتُ أنني يمكنني أن أُنْزِل هذا وأعطيَكِ إياه بينما كنت أفكر به. هذا الكتاب.»

كان يحمل كتاب «سبعُ حكاياتٍ قوطية».

وأردف قائلًا: «لقد رأيتكِ تطَّلعين عليه في ذلك اليوم، وبدا لي أنكِ كنتِ مهتمة به. والآن بعد أن انتهيتُ منه، أظن أنني يمكنني أن أعطيَكِ إياه. لقد خطر لي أن أعطيَكِ إياه. أعتقد أنكِ قد تستمتعين به.»

فقلت: «أشكرك.»

«إنني على الأرجح لن أقرأه مرة ثانية رغم أنني أظنه مشوِّقًا جدًّا. إنه بعيد تمامًا عن المألوف.»

«شكرًا جزيلًا لك.»

«لا عليكِ. أعتقد أنكِ قد تستمتعين به.»

قلت: «أجل.»

«حسنًا إذن. أتمنى ذلك.»

«أشكرك.»

فقال: «حسنًا إذن، وداعًا.»

فقلت: «أشكرك. وداعًا.»

لماذا كنَّا نقول وداعًا في حين أننا كنَّا على يقينٍ من أن أحدنا سيرى الآخر مرة أخرى قبل أن أغادر الجزيرة، وقبل أن أستقلَّ القطار؟ ربما كان يعني أن هذه الواقعة، واقعة إعطائي الكتاب، سوف تبقى طيَّ الكتمان، ولن أذكرها لأحدٍ أو أشير إليها، وهو ما لم أفعله، أو ربما كان كل ما في الأمر أنه كان ثملًا ولا يدرك أنه سيراني لاحقًا. وسواءٌ كان ثملًا أم لا، فإنني أراه الآن منزهًا عن أي أغراض، عندما كان متكئًا على حائط المستودع وأعطاني الهدية، كان مجرد شخصٍ استطاع أن يظنني جديرة بهذه الهدية؛ جديرة بهذا الكتاب.

غير أنني في لحظتها لم أشعر بسعادة أو امتنانٍ خاص، على الرغم من تكرار شكري له؛ فقد راودني شعورٌ بالغ بالذهول، وبالإحراج نوعًا ما، كانت فكرة تسليط الضوء على جانبٍ صغيرٍ مني وأن أجد مَنْ يفهمني بحقٍّ تثير انزعاجي مثلما كان عدم الانتباه لي يثير استيائي، وربما كان السيد مونتجوي على الأرجح هو أقل شخص أثار اهتمامي، وأكثر مَنْ كان تقديره لا يعني لي الكثير من بين كل مَنْ قابلتهم خلال ذلك الصيف.

وغادر المستودع وسَمعتُه يمشي بتثاقلٍ وجلبةٍ عبر الممر عائدًا إلى زوجته وضيوفه. دفعتُ الحقيبة جانبًا وجلستُ على السرير، وفتحتُ الكتاب في أي موضعٍ مثلما فعلتُ في المرة الأولى وبدأتُ في القراءة.

كانت جدران الغرفة مطليَّة فيما سبق باللون القرمزي، ولكن مع الوقت بهتَ اللون متحولًا إلى تدرُّجاتٍ وفيرة من الألوان، مثل كوب مليء بالزهور الذابلة … كان ثَمَّةَ مزيجٌ من أوراق الورد المُجفَّفة تحترق على الموقد الطويل، الذي على جانبيه كان يقود نبتون، ومعه رمحه الثلاثيُّ الأسِنة، فريقَه من الخيول عبر الأمواج العالية …

نسيتُ السيد مونتجوي على نحوٍ شبه فوري. وبسرعة، اعتقدتُ أن هذه الهدية دائمًا ما كانت ملكًا لي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠