الفصل الخامس

الأضاحي البشرية في بلاد الأناضول

(١) بلاد الأناضول

تقع هضبة الأناضول في تركيا، في منطقةٍ كانت تسمى قديمًا بالأناضول، وتحاط الهضبة بسلاسل جبلية متوازية هي: جبال الثور من الجهة الجنوبية لها؛ وتمتد هذه الجبال على طول ساحل البحر الأبيض المتوسط، وجبال بونتيك من الشمال، الممتدة على طول ساحل البحر الأسود، يبلغ ارتفاعها أكثر من ٥٠٠م، وتسمى هضبة الأناضول أيضًا بآسيا الصغرى.١

(٢) عادات الدفن في بلاد الأناضول

ارتبطَت عادات الدفن في بلاد الأناضول بأمورٍ عدة؛ أسطورية وعقائدية ودينية، كان منها: عبادة الأسلاف، وتقديس الحيوان، والسحر، ولقد وضح كل ذلك في مختلف دفنات هاتشيلار وجوبيكلي تبة وشاتال هويوك في العصر الحجري الحديث.

ولو ألقينا الضوء على عادات الدفن في الأناضول خاصة في أهم مواقع العصر الحجري الحديث، لَوَجدنا أنها ارتبطت بعبادة الأسلاف في أغلب الأحيان؛ ففي موقع هاتشيلار الذي يؤرَّخ بالعصر الحجري الحديث (الألف السابع ق.م.) لم يعثر على مقابر صريحة، ولكن عُثر على جماجم منفصلة في البيوت مما يبعث على الاعتقاد بأنه كان هناك نوعٌ من العبادات تخصُّ سلالة الأجداد من خلال الاحتفاظ بجماجمهم داخل المساكن.٢ وفي شاتال هويوك ارتبطت عادات الدفن بالممارسات الدينية والشعائرية ممَّا أدَّى بالعلماء إلى قول إن هذا الموقع كان منطقة معابد؛ وإن ما به من مساكن كانت تخصُّ الكهنة في أغلب الأحيان، وكانت المعابد مزينةً بنقوشٍ من الجص على جدران صلبة وتمثل النقوش رءوس حيوانات لا سيما الثيران، ولم يعثر على موائد للقرابين، وقد عثر على معبد في المستوى السابع للحفائر كان مزينًا في الجانب الشرقي منه برأس ثور، وعُثر إلى جانب هذا الرأس على فتحة كانت مخصصةً لحفظ الأدوات الطقسية.٣ ولقد عُثر على إحدى عشرة دفنة ملونة بالمغرة الحمراء (أكسيد الحديد)،٤ وذلك في مستوياتٍ من الثالث وحتى التاسع بشاتال هيوك والتي تؤرخ بالعصر الحجري الحديث، ست من تلك الدفنات جاءت في مقاصير واضحة المعالم ومحددة، وثلاث من تلك الدفنات عُثر عليها في بقايا أبنية ربما كانت مقاصير، والاثنتان الأخريان عُثر عليهما في أبنيةٍ مفتوحةٍ للعراء شيدت أعلى مقاصير من مرحلةٍ سابقة عنها؛ ومن ثم فربما كان قد بزغ في الذهن آنذاك معتقدات دينية تخص مثل تلك الدفنات التي صُبغت بالأحمر،٥ والتي كان يتم وضعها فقط في الأماكن المحرمة أو مقاصير العبادة، ولم يعثر على مثل تلك الدفنات في أماكن السكن المعتادة.٦ وكانت الدفنات منزوعة الجماجم ويبين «شكل ٥-١» ثلاثًا من الدفنات الآدمية المنزوعة الجماجم عُثر عليها في المبنى رقم ٦ بشاتال هويوك.٧
fig24
شكل ٥-١: دفنات آدمية الجثث فيها عديمة الجماجم، المبنى رقم ٦ بشاتال هويوك. (Meskell, L., The nature of the beast: curating animals and ancestors at Çatalhöyük, in: World Archaeology, 8, 2008, p. 379, plate 4.)

(٣) الدفن السماوي

كان الدفن السماوي إحدى أهم سمات الدفن التي تميزت بها الأناضول،٨ وهو يشكل عادة من العادات الجنائزية التي عرفت منذ ١١٠٠٠ق.م. وربط بعض الباحثين بين الدفن السماوي وبين أعمدة ونصب المعابد التي أطلقوا عليها مصطلح الميجاليث،٩ والتي عُثر عليها في مواقع جنوب بلاد الأناضول كما في معبد جوبيكلي تبة؛ وذلك نظرًا لأنه قد جاء عليها نقوش بارزة لحيوانات وطيور كان النسر من بينها، ولأن النسر في موضوع الدفن السماوي هو حلقة الوصل بين المتوفَّى وصعوده إلى السماء، وهو القطب الأهم الذي من خلاله تتم طقوس الدفن السماوي؛ فقد ربط العديد من الباحثين بين هذه الأعمدة الميجاليثية وبين النسر ودوره في الدفن السماوي، ويبين «شكل ٥-٢» أحد أعمدة معبد جوبيكلي تبة وعليه نقش لنسور ولهيئة مستديرة، ربما عبرت تلك النقوش عن الإلهة الأم والروح الآدمية.١٠
fig25
شكل ٥-٢: نقوش بارزة لحيوانات ونسور، من أعمدة معبد جوبيكلي تبة. (Meskell, L., The nature of the beast: curating animals and ancestors at Çatalhöyük, in: World Archaeology, 8, 2008, p. 376, plate 1.)

والمقصود بالدفن السماوي هو خروج الروح من الجسد الآدمي الذي ما هو إلا وعاء لحفظ هذه الروح، وترك هذا الجسد لطيور السماء كي تتغذَّى عليه فتُعيده مرةً أخرى إلى الوجود، بينما تصعد الروح المقدسة إلى السماء بين مصاف الأسلاف والأرواح الطاهرة، وكان يؤخذ ما تبقَّى من الجسد لدفنه ويتم الاحتفاظ بالجمجمة في مكانٍ ما بالمسكن أو مقصورة العبادة إعزازًا للمتوفى.

ومن ثم فقد كان الدفن يتم على مراحل، وارتبط في طياته بممارسات طقسية وعقائدية، ووضح وجود ومعرفة الدفن السماوي في شاتال هويوك؛ إذ تكرَّر العثور على جماجم الموتى وعلى بعض الدفنات الآدمية أسفل أرضيات المساكن أو أسفل مصاطب وُجدت في بعض المقاصير١١ التي زخرفت جدرانها برسوم مختلفة كان منها النسور المحلقة في الفضاء، والتي صُوِّرت تَنقضُّ على جثث آدمية ملقاة أسفل منها لتأكلها وهي عملية قُصد منها تنظيف وإزالة اللحم من جثث الموتى قبل عملية الدفن. ويعتقد بعض الباحثين أن معالجة الجثث كانت تتم بوضعها خارج القرية أو في الأفنية الخلفية حيث يتم تنظيف الجسد من اللحم بواسطة الطيور الجارحة؛ وذلك طبقًا لرسوم المعابد التي تصوِّر الطيور الجارحة تهاجم أجسادًا بشرية منزوعة الجماجم، إلا أن هناك بعض علماء الأنثروبولوجيا الذين نفوا هذا التفسير؛ حيث إن الدراسة الأنثروبولوجية للعظام تدل على عدم وجود أي أثر لمناقير الطيور الجارحة على العظام، ويرى أصحاب هذا الرأي أن الجسد كان يُترَك في الخارج حتى يتآكل اللحم ثم تجمع العظام وتدهن باللون الأحمر أو الأخضر ثم تُلَفُّ بالقماش.١٢
fig26
شكل ٥-٣: مقصورة للعبادة زخرفت بجماجم الثيران، ومناظر مهاجمة النسور لجثث الموتى (Mellaart, J., 2008, p. 83.)
ويبين «شكل ٥-٣» إحدى مقاصير العصر الحجري الحديث — الألف السابع ق.م. — عثر عليها بالمستوى الثامن بشاتال هويوك، ونرى الجدران وقد غطيت بالملاط وزخرفت بعناصر بجماجم ثيران ذات قرون حقيقية، وعلى اليسار نرى مناظر النسور المحلقة أعلى جثة آدمية، وأسفل ذلك المنظر توجد اثنتانِ من الجماجم الآدمية، ولقد تكرَّر ذلك المنظر في بعض المقاصير الأخرى، ولكن لسوء الحظ لم تكن تلك المناظر مكتملة، وبدراستها وبتكرارها سواء في شاتال هويوك أو هاتشيلار، وبارتباط تلك المناظر بوجود بعض الجماجم الآدمية في أغلب الأحيان، استطاع ميلارت أن يستنتج أن سكان شاتال هويوك عرفوا عبادة الأسلاف،١٣ وأنهم كانوا يتركون جثث موتاهم في الخلاء للنسور لإجلاء اللحم وتنظيف الجثة قبل إعادة دفن ما تبقى منها بتلك المقاصير، وكان يتم الاحتفاظ بالجمجمة بعد تجصيتها في ركن ظاهر بالمقصورة،١٤ أو بأحد أركان المنزل كنوعٍ من التقديس لصاحبها وعرفت تلك المقصورة بمعبد الأسلاف.١٥
fig27
شكل ٥-٤: إعادة تخيل لمقصورة بشاتال هيوك ونرى جمجمة الثور ومنظر النسور التي تهاجم الموتى. (http://popular-archaeology.com/.)
وتُعرف عبادة الأسلاف بأنها تقديس الموتى اعتقادًا بأنهم واعون في حيز غير منظور ويمكنهم أن يساعدوا أو يجلبوا الأذى للأحياء ولذلك يجب تهدئتهم وتقديسهم.١٦
وتأكيدًا على ممارسة الدفن السماوي تبين تفاصيل المنظر (شكل ٥-٤) إعادة تخيل للنسور المحلقة في السماء وكيف تهبط لتتغذَّى على الجثث الملقاة على الأرض «عملية إزالة لحم الجثث الآدمية»، والنسر هنا ربما كان يلعب دور الإلهة الأم.١٧
أما «شكل ٥-٥» فيوضح منظر مهاجمة النسور لجثث الموتى.١٨ أعلى ما يشير إلى برج، وأعلى هذا البرج وبين اثنين من النسور المحلقة نرى شكلًا مستديرًا، ربما كان رأس آدمي وربما كان إشارة لقرص الشمس، ويرى بعض الباحثين أنه ربما كان إشارة إلى الروح الآدمية التي كثيرًا ما كان يرمز إليها في الفن الصخري في الأناضول في عصور ما قبل التاريخ بالهيئة المستديرة.١٩ وصُوِّرت تلك النسور العملاقة أحيانًا تُهاجم شخصًا بلا رأس وممسكًا بعصًا.
fig28
شكل ٥-٥: النسور تنقضُّ على جثث الموتى أعلى الأبراج. (Cook.J., recovering the lost world, chapter 12: starturn and archaeology, 2001, in: http://saturniancosmology.org/arch.php.)
وفي مناظر أخرى كانت تصور مجموعة من الأشخاص تحاول محاربة تلك النسور الضخمة وهو من التصاوير التي تبعث على الحيرة.٢٠ ويبين «شكل ٥-٦» مهاجمة النسور لمجموعةٍ من الموتى المنزوعي الجماجم الأمر الذي دعا إلى الحيرة وإلى ضرورة إلقاء الضوء على الدور الديني والأسطوري للنسر في الأناضول.
fig29
شكل ٥-٦: النسور تهاجم جثث الموتى — شاتال هويوك — العصر الحجري الحديث. (Ruether, R. R., Goddesse and the define feminine, p. 33, fig. 5.)

(٤) الدور الديني والأسطوري للنسر في الأناضول

كان للنسر أهميةٌ كبرى في بلاد الأناضول؛ إذ كان سكان الأناضول يعتبرونه طيرًا مقدسًا، ورمزًا قوميًّا لهم، وكان يعتبر ظل الأرواح الحامية، وروح الإله في آسيا الوسطى، فالنسر يرمز إلى الشمس والقوة والنفاذ، وكان سكان الأناضول يؤمنون سابقًا أن النسر عندما يرفرف بأجنحته يُغيِّر الفصول، ولقد عُثر على أدلة ارتباط النسور بالعبادة والدين في مواقع عدةٍ ترجع للعصر الحجري الحديث كان منها شاتال هويوك وجوبيكلي تبة ونيفالي كوري.٢١
ولقد كان النسر أحد رموز ثالوث شاتال هويوك للآلهة، وقد ظهر بكثرةٍ في معابد ومقاصير العبادة فيها، ويتألف هذا الثالوث غالبًا من الإلهة الأم (وهي إما على شكل صليب أو نسر) والإله الأب (وهو على شكل صليب أو ثور)، والإله الابن (وهو على شكل رأس ثور في الغالب).٢٢
ولم يكن هذا التقديسُ مجردَ مشاعر وعواطف وأحاسيس نابعة من أثر هذا الطائر في حياة الإنسان وحسب، باعتباره مثالًا للقوة، وإنما يرتدُّ في جانبٍ كبيرٍ منه إلى ماضٍ أسطوريٍّ موروثٍ لدى سكان الأناضول، كان فيه النسر إلهًا أو شبيهًا بالإله، يقترن بالجن، ويرتبط بالروح، ويتَّصل بالموت والخلود، ومعرفة الغيب والتنبُّؤ بالمجهول، وحين نقلِّب صفحات ما قبل التاريخ، نرى النسر ماثلًا في ثقافة «شاتال هيوك» النيوليتية رمزًا للأم الكبرى، «نجده في جميع معابدها، وقد ملأ جناحاه جدار المعبد المقابل لتمثال الإلهة، وهناك من الأدلة٢٣ ما يشير إلى أن كاهناتها كن يلبسن أرديةً من ريش النسور، ويضعْنَ أقنعةً على هيئة رءوس النسر خلال الطقوس وتقديم القرابين.»٢٤ وتكرَّر الأمر نفسه في الطقوس المرتبطة بالشامانية وعبادة الأسلاف إذ كان للنسر أيضًا رمزيتُه التي ربطت ما بينه وبين الشامانية وعبادة الأسلاف، وقد عُثر على أدلة ما تؤكد ذلك إذ استخدمت أجنحة النسور من قبل الشامان أو الكهنة في شاتال هويوك في أداء بعض الرقصات الطقسية ذات الصلة بعبادة الأسلاف؛٢٥ إذ كان الشامانيون يؤمنون بأن الأرواح المساعدة كانت تأتي إلى جانبهم على صورة نسر، وفي حال شوهد النسر طائرًا في منطقة ما فهذا يعني أن الشامانية ستُمنح لتلك المنطقة.٢٦
وكان للنسر أيضًا أهميتُه الدينية في حضاراتٍ عدة؛ ففي بلاد الرافدين وضح دور النسر منذ العصور الحجرية، ففي كهف زاوي شيمي شانيدار بالعراق عُثر على بقايا أجنحةٍ لحوالي سبعة عشر من الطيور الجارحة الكبيرة بدراستها تبين أنها لنسور٢٧ عثر عليها جنبًا إلى جنب مع بقايا عظام حيوانية وجماجم لماعز وأغنام برية.٢٨ ولا شك أن في ذلك إشارة إلى طقوس معينة كانت تمارس ربطت بين النسر وتلك الأنواع الحيوانية.
ولقد كان الاعتقاد السائد في بلاد الأناضول أن جناحَيِ النسر يقدمان الحماية للمتوفَّى، ويبدو أن النسر كذلك كان لديه القدرةُ على إعادة الشباب، كما أن النصوص السحرية تُشير كذلك إلى أن جناحي النسر يهبان الحماية من السحر، وكذا القدرة على السيطرة ودَرْء كل أنواع الشر والمفاسد.٢٩

(٥) شاتال هويوك

تعد شاتال هويوك واحدة من أكثر المواقع الأثرية أهمية في بلاد الأناضول؛ إذ تجسد فيها التطور الحضاري بكل مراحله، وكانت عادات الدفن وعبادة الأسلاف هناك من أكثر الأمور وضوحًا ولفتًا للانتباه؛ فقد دفن سكان شاتال هيوك موتاهم تحت المصاطب ضمن البيوت أو في المخازن أو في الأفنية الخلفية، واحتفظوا بجماجم الموتى في مناطق واضحة بالمسكن. وكان الدفن يتمُّ بعد معالجة وتنظيف الجثث إلا من الهياكل العظمية، وربما كانت الطيور الجارحة هي من تقوم بمهمة التنظيف هذه؛ وذلك بناءً على ما أوضحته رسوم المعابد التي تصور الطيور الجارحة تهاجم أجسادًا بشريةً منزوعة الجماجم، وربما كان هذا يتمُّ في الخلاء خارج القرية ثم كان يتمُّ تجميع العظام وتدهن باللون الأحمر أو الأخضر، ثم تلف بالقماش؛ إذ إن أغلب الدفنات عُثر عليها ملفوفة بالقماش أو الجلد، وكان هناك اهتمامٌ بالغ بالجماجم؛ إذ عثر على بعض الجماجم الملونة باللون الأحمر، وقد وُضِعت أصداف مكان العيون.٣٠ مما يعكس وجود نزعةٍ روحيةٍ واضحةٍ خلال تلك الفترة.

وربما شكلت هذه الجماجم رمزًا للأسلاف الموقَّرين، أو أعضاء مهمين داخل العشيرة، فحاول السكان الاحتفاظ بالقوى الروحية لزعمائهم المتوفين كنوعٍ من الاحترام والتوقير، ولعل استخدام هذه الجماجم كان نوعًا من الوساطة بينهم وبين أرواح المتوفين في العالم الآخر، ومن هنا ربما بزغت فكرةُ عبادةِ الأسلاف.

هذا وقد دفن سكان شاتال هيوك مع موتاهم العديد من الهبات والقرابين والتي اختلفت تبعًا لجنس المتوفَّى ومكانتِه الاجتماعية. وقد تم التعامل مع الجماجم بشكلٍ خاص؛ إذ أُعِيدَ تشكيل الأجزاء المتآكلة من الوجه، ويُفترض أن من قام بعمل التجصيص للجماجم لا بد أن يكون شخصًا متخصصًا يمتلك قدراتٍ خاصة سواء كمعالجٍ أو كعراف.٣١
ويمكن القول إن هذه الجماجم تدل على ما هو أكبر من مجرد الاعتقاد باستمرار الحياة؛ إذ حُفظت كأوعيةٍ لقوةٍ مقدسة إجلالًا لأرواح أسلافهم؛ وبالتالي فإن فرضية عبادة الأسلاف هي الصيغة الأكثر قبولًا بالنسبة للجماجم المجصاة في منطقة شرق البحر المتوسط.٣٢

(٦) تل دومازتيب

يقع في جنوب تركيا في منطقةٍ بين سهول كيليكية والبحر الأبيض المتوسط في الغرب وإلى الجنوب من سهل العمق.٣٣ عُثر على الجانب الغربي من التل على مقبرة أرخت بين ٥٠٠٠–٤٧٠٠ قبل الميلاد تضمَّنَت العديد من الدفنات الجماعية؛ إذ عثر على ٢٥ فردًا من كلا الجنسين وُضعت بشكلٍ مبعثرٍ في القبور. وقد دلَّت الدراسة الأنثروبولوجية على أن جميع العظام قد تعرَّضَت لعملية كسرٍ مع وجود آثار قطع، وبعض العظام لا تتضمَّن الفقرات العنقية والتي من المحتمل أنه قد تم فصلُ الجمجمة عن الجسد قبل الدفن، كما أن بعض الجماجم قد تعرَّضت للكسر للوصول للدماغ، وبعض الجماجم تم تحطيمها بالكامل وتوزيعها على كافة أنحاء القبر، كما تم العثور على بعض الجماجم مدفونةً بشكلٍ مفرد.٣٤
ومن الدفنات الملفتة للانتباه التي عُثر عليها بالموقع دفنةٌ لرجلٍ بالغٍ مُدِّد على الجانب الأيسر في وضع منثنٍ وقد فصلت الجمجمة ربما قبل الدفن.٣٥ تضمَّنَت هذه الدفنات هدايا وقرابين كأدوات الزينة وتمائم على شكل طائر وأختام طُبعت عليها أيدٍ وأرجل ربما ترمز لتجزئة أعضاء الجسد.٣٦

ومن ثم يمكن القول إن الأضاحي البشرية في بلاد الأناضول كان الغرض الأقرب لها هو التخلص من الجثة أو تنظيفها تمهيدًا لدفنها من ناحية، وجعلها تصعد إلى السماء الطاهرة من خلال تناول الطيور الجارحة لها من ناحيةٍ أخرى، وكان الاحتفاظ بالجمجمة داخل المسكن من وجهة نظرهم أبلغَ أنواع التقديس.

ولم تكن الأضاحي الآدمية في بلاد الأناضول تعتمد على تقديم البشر من الأحياء، وإنما اعتمدت على تقديم البشر من الموتى لطيور السماء كي تصعد بها إلى أعلى حيث الحياة مع الأسلاف.

١  “Anatolian Plateau”, www.geography.name, Retrieved 23-5-2018; Benjamin Elisha Sawe (1-8-2017), “Where Is Asia Minor?”, www.worldatlas.com, Retrieved 23-5-2018.
٢  رمضان عبده علي، تاريخ الشرق الأدنى القديم وحضاراته منذ فجر التاريخ حتى مجيء الإسكندر الأكبر، ج٢، الأناضول، بلاد الشام، القاهرة، ٢٠٠٢، ص٨.
٣  رمضان عبده علي السيد، ٢٠٠٢، ص٩.
٤  Wreschner, E. E., (1980). Red Ochre and Human Evolution: A Case for Discussion. Current Anthropology 21 (5): 631–644.
٥  Godlove.I.H., The Earliest Peoples and their Colors, London, 2011, p. 1ff.
٦  Mellaart, J., atal Ḧṻyk, A Neolithic town in Anatolia, New York, 1967, p. 79.
٧  Meskell, L., The nature of the beast: curating animals and ancestors at Çatalhöyük, in: World Archaeology, 8, 2008, p. 379, plate 4.
٨  زينب عبد التواب رياض، الدفن السماوي في الأناضول خلال العصر الحجري الحديث «دراسة مقارنة مع هضبة التبت»، دورية «كان» التاريخية، السنة العاشرة، العدد الثامن والثلاثون، ديسمبر ٢٠١٧، ص٧٣–٨٠.
٩  الميجاليث قوائم حجرية تنصب في أماكن معينة قد يكون المغزى منها دينيًّا أو جنائزيًّا ويقصد بالميجاليث هنا أعمدة معابد جوبيكلي تبة التي كانت أشبه بقوائم حجرية متخذة شكل حرف T وكانت تحمل نقوشًا بارزة ومجسمة لحيوانات متنوعة وطيور جارحة كان النسر من بينها؛ ومن ثم ربط البعض بينها وبين طقوس الدفن السماوي التي ربما كانت تجري مراسم طقوسها في هذا المعبد.
١٠  Shah, B., Sky burial practice of Ancients from Anatolia to China (west to east), in: www.academia.edu.
١١  خزعل الماجدي، أديان ومعتقدات ما قبل التاريخ، عمان، ١٩٩٧، ص١١٩.
١٢  أحمد أمين سليم، العصور الحجرية وما قبل الأسرات في مصر والشرق الأدنى القديم، الإسكندرية، ٢٠٠٠، ص٣٣٤.
١٣  Mellaart, J., 2008, p. 83; Kvæstad, C. F., House Symbolism and Ancestor Cult in the Central Anatolian Neolithic, M. A. thesis in Archaeology, Department of Archaeology, History, Cultural Studies and Religion University of Bergen, 2010, p. 79.
١٤  Mellaart, J., 2008, p. 94.
١٥  أحمد أمين سليم، ٢٠٠٠، ص٣٣٥، شكل رقم ٩٥.
١٦  عن عبادة الأسلاف انظر: مي نديم الحايك، عقائد الدفن وعبادة الأسلاف في بعض مواقع شرق البحر المتوسط في عصور ما قبل التاريخ، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الآثار، جامعة القاهرة، ٢٠٠٦.
١٧  خزعل الماجدي، ١٩٩٧، ص١١٩.
١٨  Mckenna, T., food of the gods, New York, 2014, p. 48–50.
١٩  Dohot, M., Gobekli Tepe’s Cosmic Blueprint Revealed, in: http://mihaidohot-2.blogspot.com.eg/2013.
٢٠  Ruether, R. R., Goddesse and the define feminine, 1, gender and the problem of prehistory, London, (n.d), p. 33, fig. 5.
٢١  Erdogu, B., Ritual symbolism in the early chalcolithic period of Central Anatolia, in: Journal for Interdisciplinary Research on Religion and Science, No. 5, July 2009, p. 129–139.
٢٢  خزعل الماجدي، ١٩٩٧، ص١٠١.
٢٣  عُثر في العديد من دفنات شاتال هويوك التي اكتشفت في المزارات أو مقاصير العبادة على دفناتٍ لنساء زُودت ببعض الحلي ولونت جماجمهن باللون الأحمر، وعثر معها أحيانًا على بقايا عظام حيوانات وبقايا أجنحة نسور مما أكد أنها دفنات لكاهنات. وتكرَّر الأمر نفسه في بعض الدفنات الذكورية مما أكَّد على دور الرجال (ككهنة أو شامان) في أداء طقوس مرتبطة بالنسر وعبادة الأسلاف أيضًا.
٢٤  إحسان الديك، أسطورة النسر والبحث عن الخلود في الشعر الجاهلي، دراسات العلوم الاجتماعية والإنسانية، المجلد ٣٧، العدد ٢، ٢٠١٠، ص٣٥٨.
٢٥  Russell, N., & McGowan, K. J., Dance of the Cranes: Crane symbolism at atal Ḧṻyk and beyond, in: Anyi Quity, vol. 77, no. 297, 2003, p. 453.
٢٦  Bohnet, U., Crisis Needs Shamans, as Shamans Need Crisis?, In: NEO-LITHICS 2/13, 2010, p. 53–55; Winkelman, M., Shamanism in Cross-Cultural Perspective, in: Studies 31(2), 2013, pp. 47–62.
٢٧  Solecki, R., “Predatory Bird Rituals at Zawi Chemi Shanidar,” Sumer 33 (1977), pp. 42–7.
٢٨  Solecki, R. L., and Solecki, R. S., “The Zagros Proto-Neolithic and Cultural Developments in the Near East”, in Solecki, Solecki, and Anagnostis, pp. 114–58.
٢٩  Kropp, A. M., “Ausgewiahlte koptische zaubrtexte”, Bressels, 1930-1931, vol. 2, pp. 19-20, 177-178.
٣٠  Mellaart, J, Excavations at Catal Huyuk, 1963, Third Preliminary Report, Anatolians Studies, Vol. XIV, 1964, p. 39.
٣١  Tropper, J, Syrie Memoire et Civilization, Imprimerie Chiffoleau, 1993, p. 92.
٣٢  مي نديم الحايك، ٢٠٠٦، ص١١٧–١٢٠.
٣٣  Campbell, S, Emergent Complexity on the Kahramanmaras Plain: the Domuztepe Project 1995–1997, AJA, 1998, Vol. 103/4, p. 395.
٣٤  مي نديم الحايك، ٢٠٠٦، ص١٤٣.
٣٥  Carter, E, New Data from Late Halaf Domaztepe in South Central Turkey, Paleorient, Vol. 29/2, 2003, p. 118.
٣٦  Carter, E, 2003, p. 125.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١