الفصل الثاني عشر

إبليس يجرب إيفا كروس

عاد المستر أفلن إلى مخزنه وهو مرتاب في أنَّ جان شفلر غير جاك هوكر، ولكن التحقيق لم يُبقِ له وجهًا للدعوى على شفلر؛ لأن شهودًا كثيرين شهدوا أنَّ الرجل كان عند بلاك المحامي في حين ادعى أفلن أنه كان عنده، ثم قرأ أفلن في الصحف حادث النصب الذي جاز على بكاروف، فازداد ارتيابه بشخصية شفلر؛ وعليه، صمَّم أن يستخدم خفية يتجسسون حركات شفلر.

أما مس إيفا كروس، فعادت إلى منزلها نصف مجنونة لما رأت وسمعت. رددت في بالها ماضي ساعاتها مع هوكر فانتعش حبها قليلًا، ثم خطر لها حادث الخمسين ألف ريال، وحادث الدبوس والأحد عشر ألف ريال؛ فنفرت من ذكر هوكر، وقد لاح لها أن تستأجر أحد الخفية لكي يبحث عنه وعن زوجته، فخافت أن ينفضح سبب اختلاس الخمسين ألف ريال؛ أي إغراء زوجة هوكر أن تطلقه لكي تتزوجه هي، فرأت أن تبقى صامتة.

ولكن إبليس لا يريد السلام على الأرض.

في مساء اليوم التالي، جاء إليها الرجل الذي مشى معها بعض خطوات في الطريق حين كانت ذاهبة إلى البنك لكي تأخذ الخمسين ألف ريال — كما يذكر القارئ — وطلب مقابلتها، فردت إليه خادمتها تقول إنها لا تقدر أن تقابله الآن؛ فمتى رأت فرصة مناسبة لمقابلته تكتب له.

فقال للخادمة: قولي لمس كروس: إنَّ مهمتي الآن تختلف عن مهماتي الماضية وأكثر فائدة لها.

فأذنت له بالدخول إلى غرفتها رأسًا، فلما حياها وجلس قالت: تعذرني يا مستر زيمر لتمنعي أولًا عن مقابلتك؛ لأني أشعر بصداع الآن.

فأجاب: ولولا خوفي أن تندمي على عدم إيذانك لي بالدخول لما ألححت عليكِ به، فاعذريني على إلحاحي، ولا سيما في هذا الوقت الذي تشكين فيه من وجع الرأس لأني لأجله أتيت.

فاستغربت قائلةً لأجله أتيت؟!

قال: نعم، أتظنين أني لم أعلم السبب؟

فاضطربت إيفا قائلة: أي سبب؟

– سبب وجع رأسك.

– كيف تعرف ذلك؟

– قرأت في الجرائد.

– ماذا قرأت؟!

– قرأت عما فعله جاك هوكر بائع الحلي.

فانتفضت أيضًا قائلةً: تعني مسألة الدبوس؟

– نعم، وألوف الريالات.

– تعني الأحد عشر ألف ريال التي أخذها مني؟

– نعم، ولهذا أتيت لأعرض عليكِ أمرًا.

– ما هو؟

– أن تختاريني جاسوسًا لأبحث لكِ عن هوكر كما فعل أفلن، وبكاروف، وشفلر.

– ماذا فعلوا؟!

– عيَّن كل منهم جواسيس للبحث عن هوكر.

– أما أفلن وبكاروف فلأن كلًّا خسر عشرة آلاف ريال، وأما شفلر فلماذا؟!

– لأنه استاء جدًّا من أنَّ شخصًا يشبهه استخدم اسمه، ويخاف أن يستخدمه في المستقبل لأمور كثيرة تضرُّ به (أي شفلر).

– أما أنا فأكتفي باهتمام الحكومة وأولئك الثلاثة، فإن اهتدوا إلى هوكر عوقب عن كل ذنوبه.

– تعنين أنك لا تريدين أن تعيِّني من قبلك خفيةً للبحث عن هوكر!

– كلَّا.

– ألا يهمك أن تقع يدك على من اختلس منك …؟

– أحد عشر ألف ريال لا تهمني كثيرًا.

– أعلم أنها لا تهمك، وأعلم أنكِ لا تحصلين عليها، ولو قُبِض على هوكر؛ لأنه بذرقها أو أخبأها.

– فإذن لماذا أهتم بالقبض عليه؟

– لكي يعاقب على ما جنت يداه.

– وما فائدتي من معاقبته؟

– ألا تريدين أن تتشفي وتنتقمي منه؟

– كلَّا، ليس في قلبي حقد على أحدٍ.

– إذن أعرض خدمتي على مستر أفلن.

– تقول إنَّه عين خفية؛ فلا حاجة به إليك.

– ولكن الخفية الذين عيَّنهم لا يعرفون ما أعرف.

فتنبهت إيفا جيدًا، واختلج فؤادها، وقالت: ماذا تعرف؟!

– أعرف أشياء عن هوكر لا يعرفها أحد غيري.

– ماذا تعرف عنه الآن؟!

– إن ما أعرفه يا مس كروس يدفع المستر أفلن ثمنه ربع ثمن الدبوس على الأقل.

– وتنبئُ عنه المستر أفلن إذا دفع لك مكافأة؟

– إذا لم يدفع ما أريد أنبئ بكاروف أو شفلر.

– وتريد مني ثمن ما تقوله لي عن هوكر؟

– نعم، ولا تؤاخذيني مس كروس فإني لشغل لا لزيارة ودادية أتيتك، وأنت لم تسلمي بمقابلتي إلا لما علمت أنها لشغل، ونتيجة الشغل القبض والدفع.

– أنت تعلم أنَّ القبض والدفع لا يهمانني، ولكني أفضِّل أن تعاملني كصديق لصديقة، والصداقة لا تحول دون الدفع والقبض.

– أنت نفيتِ الصداقة منذ المقابلة الفائتة يا مس كروس، والآن لما طلبت مقابلتك أيدت ذلك النفي، فدعينا نتكلم بالشغل بقطع النظر عن الصداقة.

– إذا كنت مستاءً مني فأعتذر لك؛ لأني كل هذا الأسبوع كنت مضطربة لمشاغل مختلفة، فكنت سيئة التصرف مع كل صديقاتي وأصدقائي، ولا أود أن نتعامل ولو بالأجرة إلَّا وأنت صديق مخلص.

– تأكدي يا مس كروس أني أمين سواءٌ كنت صديقًا أو غير صديق.

– إذن تخلص في إخباري كل ما تعرفه عن هوكر؟

– من غير بُدٍّ أخلص إذا دفعتِ الثمن.

– كم تريد؟

– قلت لك: إنَّ أفلن يدفع ربع ثمن الدبوس.

– إذن ساومت أفلن على ذلك؟!

– كلَّا، لم أساوم أحدًا ولا أخبرت أحدًا بعد، ولكني أؤكد أنَّ أفلن يدفع القيمة متى عرف ما أعرف.

– أود أن أعرف ماذا تعرف أولًا.

– أعرف أين هوكر، وماذا ينوي أن يفعل فيما يتعلق بكِ، فانتفضت إيفا، وقالت: بي؟!

– نعم، بكِ.

– ماذا ينوي أن يفعل؟

– هل رضيتِ أن تدفعي الثمن يا مس كروس؟

– أدفع ألف ريال فقط.

– بل تدفعين الألفين.

– قد أدفعهما بعد أن أصل إلى النتيجة النهائية إذا وجدتها تستحق.

– لا أريد منكِ الآن إلَّا أن تَعِدي أن تدفعي الألفين حين تصلين إلى النتيجة، وأنا أؤكد أنك تدفعينهما حينئذٍ.

– أعدك بذلك؛ فأخبر كل ما تعرفه.

– لما قرأت في الجرائد قصة هوكر بحثت عنه، وتوقفت إلى الاهتداء إليه والوقوف على أسراره حتى صار تحت رحمتي، ووعدته أن آتيك لكي أخبرك أنه يريد مقابلتك إذا كنتِ تؤمنين على سلامته، وهو يؤكد أنك متى اجتمعتِ به وسمعتِ حديثه تعذرينه وتؤكدين حسن نيته.

– إذن قل له أن يأتي الليلة في آخر السهرة.

– ولا تشين به قبل أن تسمعي قصته.

– يأتي ويذهب ولا أحد غيرك يعرف ذلك.

– والألفا ريال؟

– أدفعها متى جئت مع هوكر.

– حسن جدًّا، في أي ساعة نجيء؟

– الساعة التاسعة، ألا توافق؟

– حسن جدًّا.

وعند ذلك وقف زيمر لكي ينصرف، فقالت له: ولكن لا تخبر إدارة البوليس ولا الثلاثة الذين يبحثون عن هوكر، لا تخبرهم عنه شيئًا.

– هذا الشرط لم يدخل في اتفاقنا يا سيدتي، فمتى انتهيت من هوكر أخبر البقية عنه، وأقبض ثمن الخبر، وإن شئتِ أن أكتم أمره عن سواك تدفعين ثمن الكتمان.

– أنت كالمنشار تريد أن تأكل صاعدًا ونازلًا.

– هكذا رمتِ أنتِ يا سيدتي.

– لا بأس، بعد أن أجتمع بهوكر نتساوم على الكتمان.

– لكِ ما ترومين يا سيدتي.

ثم انصرف على موعد اللقاء القريب، وأوعزت إيفا إلى بوابها قائلة: في الساعة الحادية عشرة تفتح لهذا الرجل الذي خرج من هنا الآن ولشخص آخر معه.

وكانت الأفكار تأخذ إيفا إلى عالم الشر، ثم تعود بها إلى عالم الخير، فتارةً كانت تتخيل هوكر رجلًا شريرًا نصابًا، ثم لا تلبث أن تذكر شمائله، وحسن أخلاقه، ورقته، وأنفته إلى غير ذلك من المحامد، فتصوره ملاكًا كريمًا، على أنها استعدت للقائه على أي حال وانتظرته بفارغ الصبر.

وما حانت الساعة التاسعة حتى قرع جرس البواب ففتح، فقال له زيمر: أخبر مس كروس أني أتيت بالرجل.

فأنعم النظر البواب في الرجل الآخر، وقال: المستر هوكر؟

فقال هوكر: تعرفني إذن؛ فلم تنسني! فأخبر المس كروس عني.

قال البواب: عندي أمر من مس كروس أن أدخل رجلًا آخر مع هذا المستر زيمر فأنت هو الرجل إذن، ادخلا.

فدخلا وصعدا إلى القاعة التي تنتظرهما فيها إيفا، وكانت تلاهي نفسها بالقراءة، فلما دخلا اختلجت قليلًا، وابتسمت مكفهرة وقالت لزيمر: أرجو منك أن تنتظر في القاعة التي في الطبقة السفلى. البواب يفتحها لك، ومتى انتهينا أدعوك.

قال: سمعًا وطاعة يا سيدتي.

ثم نزل إلى الطبقة السفلى. أما هوكر، فجلس على كرسي بإزاء إيفا، وقال: قرأت يا سيدتي إيفا ما كتبته الجرائد، ولولا وجود شخص آخر يشبهني لما حدثت هذه الطنطنة حول اسمي.

فقاطعته قائلة: لولا سوء قصدك لما حدثت الطنطنة، وما كنت أتصور أنك ترتكب هذه الآثام.

فقال: أي آثام يا سيدتي؟

– آثام النصب المتعددة: ٥٠ ألف ريال، ثم ١١ ألف ريال مني، دبوس ألماس من أفلن، عشرة آلاف ريال من بكاروف.

– إذا لم تسمحي لي يا سيدتي أن أحكي قصتي، فلا تحسني الظن بي، وفي هذه الحالة يجب عليكِ أن توعزي إلى البوليس أن يقبض عليَّ.

– وتعني أنه إذا قُبِض عليك تثبت براءتك؟

– قد لا أستطيع أن أثبتها لدى القضاء، ولكني أثبتها لدى أرقاء القلوب، وأنتِ قد قرأتِ رواية التعساء لفيكتور هيغو، ورأيت فيها جان فلجان أطيب البشر، وفي الوقت نفسه كان يقاسي اضطهاد الشريعة له.

– كأنك تقول أنك كنت فيما فعلت من الآثام تنوي خيرًا؟

– متى سمعتِ قصتي تعذرينني.

– قلت كثيرًا: «لعل له عذرًا ونحن نلوم.» ولكن تكرار الجريمة يغيِّر الظن، ويقسي القلوب العاذرة.

– ولكن القلوب المحبة لا تتغير ودليلها لا يضل، فأنتِ قد ظننتِ فيَّ حسنًا فلا تغيري ظنكِ.

– خرجت من عندي لكي تطلق زوجتك ولكي تدفع لمستر أفلن ثمن الدبوس، ثم تعود إليَّ بالدبوس، ونذهب معًا لنأخذ أذنًا من الحكومة بالزواج، فماذا فعلت من ذلك؟

– نعم، خرجت من عندك على هذه النية ولم أغير نيتي، ذهبتُ إلى منزلي.

– أين منزلك؟

– كنت أسكن في رقم ١٦ غربًا من شارع ١١٦.

– ولكن أنت قلت لي إنك ساكن في رقم ٢٨ غربًا من شارع ١١٠.

– لم أقل لك ذلك تمامًا يا سيدتي.

فعبست إيفا في وجهه، وقالت: لا تكذب، تَذْكُر حين سألتك عن عنوان زوجتك؟

– نعم، أتذكر جيدًا أني قلت لكِ ذلك.

– إذن ما معنى هذا التناقض؟!

– لا تناقض يا سيدتي، فأنا كنت أسكن في رقم ١٦ غربًا من شارع ١١٦، وزوجتي سكنت نهارين وليلة في رقم ٢٨ غربًا من شارع ١١٠.

– لا أفهم ذلك.

– ومن سوء حظي أني كنت أذوق مرارة العيش من امرأتي وأنت لا تعلمين، في ذلك النهار الذي التقينا في مسائه في الهيبودروم، وأخذنا الشاي في مطعم الهيبودروم معًا، وقطعنا عهد الحب النهائي الذي لا ينفصم. في ذلك النهار نفسه خاصمتني زوجتي خصامًا شديدًا لأجلك إذ تأكدت أني أحبك، ثم تركتني ومضت وسكنت وحدها وتهددتني بمصائب كثيرة.

– لم تقل لي ذلك يا جاك حينئذٍ.

– ليس من خلقي يا سيدتي أن أمننك بما أقاسيه بسببك، ثم ذهبت إليها ورجوتها أن تعود في ذلك النهار فلم تعد؛ لأنها كانت غاضبة شديد الغضب، وأنا أحاول أن أكتم خصامنا، وفي ذلك المساء ذهبت إلى الهبودروم لكي أراكِ فأنسى همومي وكانت نتيجة لقائنا سعادة لي.

فتنهدت إيفا، وقالت: تزعم أنك لم تكن تغشني حينئذٍ، ولكن بعدئذٍ خدعك الشيطان، فاتفقت وزوجتك على أن تنصبا عليَّ.

– معاذ الله أن أفتكر كذلك يا إيفا! وهل أضمن لنفسي سعادة أعظم من سعادة حبك لي؟! ولكن زوجتي نصبت عليكِ وعليَّ معًا.

– كيف ذلك؟!

– لما استدعيتها بخطابٍ منكِ وأقنعتها أن تتفق معي على طلاقنا؛ لأني لا أحبها بل أحبك وحدك وأغريتها بالمال قطعت كل أمل من حبي لها، وتحول حبها لي إلى غيرة قتالة، ثم تحولت الغيرة إلى بغض شديد وحب الانتقام، وأضمرت الشر لي ولك، واتفق أنه لما خاطبك أفلن بالتليفون كانت عندكِ وكنتِ غائبة من المنزل، فقامت مقامكِ ومثلت دورك لا لمطمع معين، بل لتقف على شيءٍ من أسرارك؛ ففهمت مسألة الدبوس، وكانت عالمة بطرفٍ منها قبلًا حين كنت أسعى بينك وبين أفلن لكي أبيعه لك لأول عهد معرفتنا.

فقاطعته إيفا قائلةً: ولكن لماذا يخاطبني أفلن تلفونيًّا بأمر الدبوس، إذا كنت أنت تساومه عليه لكي تشتريه لنفسك؟!

– أتظنين أني أقدر أن أشتري الدبوس لنفسي، من أين لي العشرة آلاف ريال؟! لذلك رأيت أن أدعي أن آخذ الدبوس إليك لكي أريك إياه، وقدرت أنك تدفعين ثمنه متى عرفتِ أني أود أن أشتريه لكِ وليس معي ثمنه — كما تعلمين — وقد صح ظني. والحق أقول لكِ: إني لم أعلم أنَّ أفلن خاطبك تلفونيًّا إلا من قراءة الجرائد.

فقالت إيفا مستغربة: عجيب! وماذا كان قصد زوجتك أن تجاوب عني؟

– قصدت أن تعلم شيئًا من أسرارك لعلها تنتفع به.

– ثم ماذا حدث بعد ذلك؟

– بعد أن أخذت الدبوس من أفلن ذهبت إلى البيت على نية أن أستدعي زوجتي؛ لكي أفاوضها بأمر طلاقنا ما دامت لا تريد أن تساكنني، ومن الغريب أني وجدتها هناك عائدة من عندك، فباحثتها في الأمر، فبكت ونحبت، وأنا لا أدري أنَّ كل ذلك البكاء مكرٌ وخبث، فرقَّ لها قلبي، وأخيرًا — بعد جدال طويل — اتفقنا على الطلاق في اليوم التالي، ولما عدت في السهرة من عندك كانت لا تزال في المنزل يقظةً، فعادت تتوسل إليَّ أن أترككِ وأحبها ونعدل عن الطلاق، وكنت أبذل الجهد في إقناعها به؛ إذ لم يبقَ فيه مصلحة لأحدنا ما دام قلب أحدنا معلقًا في مكان آخر. وأخيرًا، اقتنعت، وفي صباح اليوم لم أنهض من سريري حتى الساعة الحادية عشرة، فوجدت نفسي مخبولًا، وكأني كنت مريضًا مدة عام، ثم التفت حولي فوجدت زجاجة كلوروفورم مفتوحة وفارغة، فأدركت أني كنت مبنجًا كل الليل، فنهضت إلى غرفة زوجتي فما وجدتها، فعدت إلى غرفتي وفحصت جيوبي، فوجدت بدل الدبوس الألماسي والتحويل الذي أخذته منك هذه الورقة.

وعند ذلك دفع هوكر ورقة لمس إيفا كروس فقرأتها كما يأتي:

عزيزي جاك، أنت تحب مس إيفا كروس وهي تحبك، وأنت وهي اختلستما سعادتي، فلا أطيق أن أدعكما تتمتعان بها وأنا يئسة تعسة، فاستعد بعد الآن لاحتمال نقمتي.

مسز هوكر

وبعد أن انتهت إيفا من قراءَة الورقة التفتت في وجه هوكر فوجدت مقلتيه مغرورقتين في الدموع.

فقالت: مسكين جاك! ثم ماذا فعلت؟

فمسح دموعه، وقال: ظننت أنها ذهبت إلى خالتها في فيلادلفيا، فسافرت إلى فيلادلفيا فلم أجدها، فعدت حيرانًا لا أدري ماذا أفعل وأين أجدها، وبعد ذلك قرأت في الجرائد نصوص الحادثة الغريبة، فالتزمت أن أختبئ لئلا يُقبَض عليَّ.

– ولكن لم أفهم كيف جسرت أن تختلس العشرة آلاف ريال من بكاروف؟

– بل أنا أستغرب كيف جازت حيلة المسمى شفلر على بكاروف ومدير البوليس وصراف البنك وغيرهم، فهو لما علم أنَّ هناك شخصًا آخر يشبهه اغتنم هذه الفرصة ليختلس أموال الناس باسمه، وإلَّا كلما فعل شفلر فعلة خلص نفسه بدعوى أني أنا هوكر فعلتها، وهو المجرم يجول بين الناس باسم شفلر السمسار الأمين، وأنا البريء اختبئ من وجه العدل باسم شفلر اللص …

وعند ذلك شرق هوكر بدموعه؛ فأمسكت إيفا يده، وقالت: ولكن ثبت أنَّ الذي أخذ التحويل من بكاروف له نقطة سوداء في أيمن عنقه كالنقطة التي هنا في أيمن عنقك.

فأمسك هوكر كفها بكفيه وقبلها قبلات عديدة وهو يقول: لا يتعذر عليه يا حبيبتي إيفا أن ينقط تلك النقطة السوداء عند اللزوم بعد أن عرف أنَّ عندي مثلها.

قالت: صدقت، ولكن فيك شيئًا لا يقدر شفلر أن يقلده.

– ما هو يا روحي؟

– هو نعومة صوتك، ولين خلقك، وهو خشن الصوت جاف الخلق على ما رأيت.

وعاد يقبِّل كفها وهي بين كفيه؛ فسحبتها من بينهما بالرغم من ضغطهما عليها، وفي الحال طوقته بذراعها وقبلته، وهو في خلال ذلك يمد يده إلى جيبه كأنه يودع فيه شيئًا، ثم مسحت دموعه، وقالت: إني آسفة لما حدث لك، ولكن ما الحيلة بتلك الملعونة؟!

– يجب أن أرفع قضية طلاق وأستدعيها إلى المحكمة، فإن اهتدى إليها المحضر وأبلغها دعواي ولم تحضر نلت حق الطلاق، وإن فات الموعد المقرر ولم يبن لها أثر نلت ذلك الحق أيضًا.

– إذن تحب أن ترفع قضية طلاق؟!

– من غير بُدٍّ؛ إذا تسنَّى لي أن أظهر بين الناس وكفَّ البوليس يدَه عني.

– سلِّم نفسَك للبوليس، ومتى رويتَ قصَّتَك بانت براءَتُك.

– عجيب رأيك يا عزيزتي إيفا! أتريدين أن أروي قصتي كما رويتها لكِ؟!

فانتبهت إيفا، وقالت: أتروي أني دفعت لزوجتك ٥٠ ألف ريال؟

– إذا لم أروِ كل شيءٍ تمامًا، فكيف يثبت حسن نيتي؟!

فتنهدت إيفا، وقالت: ما رأيك إذن؟!

– رأيي أن نُرْضِي أفلن وبكاروف أيضًا إذا لزم الأمر، ونسكتهما عن البحث عن هوكر.

– إذا كانا يرتضيان بالمال فذلك أمر سهل جدًّا.

– المال يرضي كل غاضب يا عزيزتي.

وعند ذلك تلاثما عاشقين، وقالت: إذن سأسعى بذلك منذ الغد.

– وأنا أختبئ ريثما يتعهدان أنَّ حقهما وصلهما ولا حق لهما على هوكر البتة، أما أفلن فأنا أستطيع أن أرضيه إذا قابلته غدًا بالفلوس.

– وأما بكاروف فلا أعرفه أنا، ولا أدري كيف أرضيه؟!

– أظن أنَّ زيمر يعرفه؛ فيمكن أن يكون واسطة بينكِ وبينه.

– ولكن بماذا أقنعه؟

– زيمر يعرف كيف يقنعه.

عند ذلك قرعت الجرس، فدخلت الخادمة، فقالت: استدعي الرجل الذي ينتظر في الطبقة السفلى، ولما دخل زيمر قالت له إيفا: يطلب منك أن تقابل بكاروف غدًا.

أجاب زيمر: إذن لا تريدين أن تدفعي ثمن الكتمان.

– ماذا تعني؟

– أعني أنكِ لا تعارضين أن أبلغ بكاروف والبقية عن هوكر ومقره.

فقال هوكر: بربك لا تفعل يا زيمر، أنا تحت رحمتك فأشفق عليَّ، وأنت تعلم أني بريء.

فقالت إيفا: أدفع ثمن كل شيءٍ، أدفع لك ثمن إخبارك إياي عن هوكر واستقدامه إلى هنا.

فقال: هذه ألفا ريال.

ثم استمرت تقول: وأدفع ثمن كتمانك الخبر عن الثلاثة والبوليس.

فقال: وهذه ألفان آخران أيضًا، الجملة ٤ آلاف.

– لماذا ألفان آخران؟!

– لماذا؟! إذا لم يدفع أفلن ألفًا يدفع خمسمائة على الأقل، وقد قرأت أنه قال في آخر التحقيق أنه يتمنى أن يخسر ربع ثمن الدبوس؛ ليعلم إن كان هوكر غير شفلر، وبكاروف يقبل اليد فوق الخمسمائة ريال؛ لكي يقبض على عنق السالب العشرة آلاف، وشفلر لا يسأل عن ٥ مائة ريال إذا عثر بالرجل الذي يشبهه، ويجترم الآثام باسمه، والشرف الذي أناله من البوليس يساوي أكثر من ٥ مائة ريال، وربما نلت وظيفة في إدارة البوليس؛ مكافأة على هذه الخدمة.

قالت: أدفع لك ٤ آلاف ريال فكن راضيًا، ولكني أريد منك أن تتوسط عند بكاروف بأن أدفع له عن يدك ١٠ آلاف ريال؛ لكي يكف عن البحث عن هوكر، وذلك بعد أن تقنعه أنَّ هوكر بريء وأنَّ شفلر هو الذي لعب عليه.

فقال زيمر: إذن ألفان وألفان و١٠ آلاف وألف؛ الجملة ١٥ ألف ريال.

فقالت: لماذا الألف؟

– أجرة إقناع بكاروف.

– يا الله! لا بأس سأدفع لك المبلغ كله متى أقنعت بكاروف.

– بل تدفعين الآن يا سيدتي الأربعة آلاف ثمن البلاغ والكتمان، ومتى أقنعت بكاروف تدفعين الألف مع العشرة.

– على الرأس والعين، لا أهرب من الحق.

ثم نهضت إيفا إلى مكتبها لتكتب تحويلًا؛ فقال: لا أقبل تحاويل يا سيدتي، اعذريني.

– لماذا؟

– لأنه يتعذر عليَّ قبضها؛ إذ ليس عندي حساب في البنوك، وليس من يعرفني فيها.

– ليس عندي نقد كافٍ.

– كم عندكِ؟

– عندي نحو ٢٥٠٠.

– هاتيها، وهاتي الباقي أسهمًا من شركة سكة حديد بنسلفانيا.

ففتحت إيفا خزنتها ودفعت له القيمة نقودًا وأسهمًا، ومضى على وعد أن يعود إليها في مساء الغد مقنعًا بكاروف. أما هوكر فقبَّل يدها وقبَّلته وقبَّلها مرارًا، ومضى على وعد أن يأتي في الليلة التالية ليأخذ العشرة آلاف ريال، ويدفعها لأفلن ويرضيه ويسكته.

حين خرج هوكر كانت الدقيقة اﻟ ٤٠ قبل العاشرة، وبعد نحو ١٠ دقائق قرع باب مس كروس ففتح البواب، فقال الطارئ: قل لمس كروس: هنا المستر جان شفلر، يريد مقابلتك.

قال البواب: أين هو يا مستر هوكر؟

فقال: هل أنت أيضًا تحسبني المستر هوكر؟! ألم نخلص بعد من هذه الشبهات؟!

فضحك البواب، وقال: أتظن أن تغيير ثوبك وخشونة صوتك يخفيان حقيقتك عني؟! لا أنساك في عشر دقائق إن كنت قد نسيتك في الماضي.

– تعني أنَّ هوكر كان هنا منذ عشر دقائق؟

– تعني أنك تتجاهل أنك كنت هنا منذ عشر دقائق؟

– إنك لبليد على ما أرى، قل لمس كروس ما قلته لك؛ إذ لا جلد لي على مجادلتك.

فامتعض الخادم، وقال: ماذا أقول لها؟

– قل لها إنَّ المستر شفلر يريد مقابلتك.

– أين هو شفلر؟

– أنا هو.

– أنت هو؟

– قلت لك لا تبطئُ. اذهب أخبرها أني أود مقابلتها لأمر يهمها، أو خذ ادفع لها هذه البطاقة.

فصعد الخادم ودفع لها بطاقة جان شفلر، فتأملتها مستغربة، وقالت: المستر شفلر هو الذي يطلب مقابلتي؟!

– كذا يقول يا سيدتي

– استدعه إلى هنا.

وفي هنيهة كان شفلر جالسًا لدى مس إيفا كروس، وهي تتأمله مستغربة صنيعة الخالق في خلق اثنين متشابهين، وكانت تود أن يكون هوكر موجودًا لكي تقابلهما، وتتحقق الفروق الدقيقة بينهما، وحاولت أن تجد موضع النقطة السوداء التي في عنق هوكر، حاولت أن تجد موضعها في عنق شفلر لترى بدلها البياض الغادي، ولكن شفلر كان مطوقًا بطوق (ياقة) عريض فلم تنظر الموضع المقصود.

ولما استوى شفلر في مكانه جيدًا قال: بلغني يا مس كروس أنَّ المستر هوكر زارك الليلة.

فخفق فؤاد إيفا، وقالت: هوكر؟!

– نعم، هوكر زارك الليلة.

– كيف تعرف إن كان هوكر أو غيره زارني؟!

– عندي جواسيس.

– بأي حقٍّ تقيم جواسيس عليَّ أو على منزلي؟!

– لست عليكِ أقيم جواسيسَ يا مس كروس ولكن على هوكر، وقد علم جواسيسي أنه جاء إليك منذ قليل.

– وهب الأمر كما تقول؛ فماذا شأنك؟!

– أود أن تخبريني أين هو أو بالأحرى كل ما تعرفينه عنه.

– أنا حرة أن أقول أو لا أقول.

– إذن تقرين أنك تعرفين شيئًا عن هوكر.

– وأنا حرة أن أقول إني أقررت أو لم أقر، أو أقول إني أعرف أو أجهل.

– نعم يا سيدتي! أنت حرة أن تقولي أو تكتمي، وأنا حرٌّ أن أبلغ إدارة البوليس ما أريد، وحرٌّ أن أقيم الجواسيس عليكِ وعلى منزلك، وأعلم بكل حركة تأتينها حتى أهتدي على هوكر، وأعلم سر علاقتك به.

فخفق قلب إيفا هلعًا، ولكنها تشددت، وقالت: أنت تهينني يا مستر شفلر.

– أنت تجُرِّين الإهانة إليك يا مس كروس، أنت تعلمين كما يعلم الناس أنَّ هوكر اختلس منك ومن أفلن ومن بكاروف، فكتمانك ما تعرفينه عنه يلقي الشبهة عليكِ، ويحمل على الظن أنَّ لكِ علاقة سرية معه.

– الرجل لم يختلس منك ريالًا؛ فلماذا تهتم بالبحث عنه؟! دعه؛ فلا بد أن يكون مسكينًا.

– ولكنه مختلسٌ اسمي وشكلي، ويفعل بهما ما يشاء من الموبقات، والمصيبة تقع عليَّ.

– وما أدرانا أنك أنت لا تختلس اسمه وشكله ولا تفعل بهما الموبقات والمصيبة تقع عليه؟!

– هل تتهمينني هذه التهمة يا مس كروس؟!

– كل شيءٍ ممكن في الوجود، وإذا كنت لا تستحي أن تتهمني أني ممالئة لهوكر، فلا أستحي أن أتهمك أنك تفعل الشرور باسمه.

– إذا كان بريئًا؛ فلماذا يختفي؟ لماذا لا يظهر ليثبت براءته؟!

– لأنك برأت نفسك في حين كان متغيبًا، وألقيتم التهمة عليه وجعلتم تطاردونه.

– إذن تعتقدين حضرتك أنَّ هوكر بريء من التهم التي ثبتت عليه؛ ولهذا تساعدينه على التخفِّي!

– لم أقل كذلك.

– يكفي أن أبلغ إدارة البوليس أنك تعرفين مقره، ويكفي أن أقيم جواسيس على كل من يتصل بكِ فنهتدي إليه.

فسكتت إيفا هنيهة، ثم قالت بصوت خافت: مستر شفلر.

– نعم، مس كروس.

– أرجو منك أن تعدل عن مطاردة ذلك الإنسان.

– لا أقدر يا سيدتي؛ فإن اسمي أصبح مضغة في الأفواه بسببه، وكل يوم أقع تحت تهمة، وصار شغلي الشاغل أن أبرهن للبوليس وللناس أني لم أفعل الفعلة التي فعلها جاك هوكر باسمي.

– جاك هوكر لن يفعل شيئًا بعد الآن، كما أنه لم يفعل أمرًا إدًّا في الماضي، وما كان فكله سوء تفاهم.

– وأين ذهبت ألوف الجنيهات التي اختلسها؟

– لم يختلس شيئًا؛ فقد عاد أو سيعود كل ريال لصاحبه.

– والعشرة آلاف التي بيني وبين بكاروف؟

– ستُرَدُّ له بعد الغد؛ إذ كنتم تتعهدون أنكم تكفون من مطاردة هوكر، وإن كان هوكر لم يرَ بكاروف ولا أخذ منه تحويلًا ولا ريالًا.

– لا أفهم ماذا تعنين يا مس كروس؟

– لا تهتم بماذا أعني يا مستر شفلر، أرجو أن تكفوا عن الرجل؛ فإنه بريء وسليم النية وطيب القلب ومظلوم، والذي ضاع عليه ريال يأخذه، غدًا يصل لبكاروف ماله.

– أما أنا فلا أتنازل عن حقوقي يا سيدتي.

– ما هي حقوقك؟

– هوكر أضرَّ بي جدًّا، وكثيرون خافوا أن يعاملوني؛ لأنهم ظنوا أني هوكر أنصب عليهم، وأمس واليوم خسرت بسبب ذلك صفقتين لا يقل ربحي منهما عن ٦ آلاف ريال، فأنا أدفع الآن ألف ريال وألفين وثلاثة؛ لكي أجد هوكر ولا بد من إيجاد هوكر.

فجعلت إيفا تفكر وشفلر وقف من شدة الحدة، وجعل يتمشى، ثم قال: لا مناص يا مس كروس من إقراركِ عن مقر هوكر، لا بد أن أبلغ البوليس في الحال.

وهمَّ أن يخرج؛ فأسرعت وأمسكته قائلةً: تقول أنك خسرت بسبب هوكر ٦ آلاف ريال، فأنا أعوضها عليك.

– ولكن من يضمن لي في المستقبل أنَّ هوكر لا يرتكب الجرائم باسمي؟!

– أنا أضمن لك ذلك.

فسكت شفلر مفكرًا، ثم قال: يا سيدتي تضعين نفسك تحت مسئولية عظمى، فدعينا نسلم الرجل إلى البوليس.

– بربك لا، سترى هوكر رجلًا صالحًا، تعالَ خذ ٦ آلاف ريال، وتعهد لي أنك لا تطارده بعد.

وتقدمت إيفا إلى مكتبها لتكتب تحويلًا باسم جان شفلر بقيمة ٦ آلاف ريال، وعند ذلك دخل البواب يقول: المستر أفلن يريد مقابلتك يا سيدتي.

فقالت: ماذا يريد الآن؟ لا بأس دعه يدخل.

فقال شفلر: أمهل يا هذا ريثما أخرج من هنا؛ لأني لا أريد أن أرى هذا الإنسان.

فقالت إيفا: لماذا؟!

– أنسيتِ كيف كان يهينني أول أمس في أثناء التحقيق؟!

فقال للبواب: أدخل المستر شفلر إلى القاعة التالية ريثما يدخل المستر أفلن إلى هنا لكيلا يتصادفا.

وفي الحال أنهت كتابة التحويل، ودفعته إلى شفلر، فخرج وتبع البواب إلى القاعة المجاورة، ففتحها له، وقال: لك أن تقيم هنا ما شئت يا مستر هوكر أو يا مستر شفلر إذا لم تتنازل عن هذا الاسم.

فانتبه شفلر إلى خبث البواب، وقال: تعالَ يا هذا؛ فأدفع لك ما تريد.

وكان البواب قد خرج وابتعد وأجابه عن بعد: سبق السيف العذل يا هذا، وما فات مات.

فأطلَّ شفلر من الشباك فوجد شرذمة من الشرطة محيطين بالمنزل؛ فحار في أمره.

أما أفلن ففي الحال دخل على مس كروس وقال لها: المستر هوكر عندك فأين هو؟

فبُغِتت إيفا، وقالت: كلَّا، ليس هنا.

– دخل إلى هنا منذ ربع أو ثلث ساعة وكان هنا قبلًا مرة أخرى.

فقالت: كان المستر شفلر هنا، وأما هوكر فلم يأتِ قط.

– لا فرق بين شفلر أو هوكر، فأين شفلر؟

– خرج قبل أن دخلت، فما الخبر؟

– لا تزالين تنخدعين يا مس كروس، متى كنتِ مع هوكر يجب أن تعدِّي أصابعك؛ لئلا يختلس منك إصبعًا وأنت لا تدرين.

عند ذلك التفتت إيفا إلى أصابعها، فوجدت أن أكبر خواتمها مفقودًا، فظنت أنه سقط من إصبعها، فنظرت إلى الأرض أمامها لعلها تجده، ثم خطر لها أنه لما كان هوكر يقبل راحتها كان ضاغطًا على كفها وبالجهد خلصتها من بين كفيه، ورآها أفلن تبحث في أصابعها وفي الأرض؛ فقال: لا تزال أصابعك عشرة! لا تخافي، متى خرج هوكر؟

قالت: ويلاه! خاتمي خاتمي، أين خاتمي الجميل؟

– أظن أنَّ هوكر سرقه من إصبعك وهو يصافحك؛ فعضت إيفا على شفتيها، وقالت: لعله بين حلاي، أما هوكر فلا أدري أين هو، وأما شفلر فخرج قبيل أن دخلت، أفما التقيت به في السلم؟!

فعاد أفلن كلمح البرق ونزل فوجد غريمه بين أيدي الشرطة وهو يقول لهم: أنا شفلر ألا تصدقون؟! غدًا تندمون على هذا الاعتداء، لا بد أن يوقع الله هوكر في يدي، فأصب نقماتي عليه لأجل ما أقاسيه بسببه.

فقال أفلن: كفاك كذبًا ونفاقًا، لا يهمني إن كنت هوكر أو شفلر فأنت مختلس دبوسي، وما خطا به الشرطة بعض خطوات حتى رآهم زيمر وشفلر بينهم، فمشى نحوهم لكي يلتقي بهم وهو يغني لنفسه أغنية «أحبك ولو كنت تجهلني.» ولما وصلوا به إلى المخفر؛ قال أفلن لمدير البوليس: ها هوكر فاحتفظ به، وإن كنت تعتقد أنه يوجد شفلر فابحث عنه واجمعه بهذا لنرى شخصين باسمين.

فقال المقبوض عليه: أنا شفلر فأطلقوني وابحثوا عن هوكر فهو غريمكم.

فقال أفلن: أنت غريمنا إلى أن يوجد شخص باسم هوكر.

فقال مدير البوليس: غدًا نرى إن كان يوجد شفلر آخر أو هوكر آخر، فإني أكاد أضيع لبي بين هذين الاسمين.

أما زيمر فمضى من هناك رأسًا إلى «تشيناتون»، ودخل إلى مجمع العصابة السري، وهم يتوقعون بفارغ الصبر وأخبرهم بمجمل ما كان، ثم قال: بما أنَّ نائب الرئيس يقوم مقام الرئيس في غيابه، فأنا أترأس الجلسة الآن، وآمر أخانا المستر «بهل» أن يبرح الآن إلى وشنطون يمثل فيها دور شفلر، ولا سيما لأن هناك شخصًا يعرفه بهذا الاسم، وبالطبع ينزل في فندق آستور ويعود حين نخبره تلفونيًّا، ولي الأمل أن يمثِّل دور شفلر جيدًا، وأما هرتمان ونوبلي فيبقيان في المكتب — كالعادة — ولا يعرفان شفلر في السجن بل يعلمان أنه في وشنطون، والباقي عليَّ.

وبعد ذلك جرى تفصيل البحث بينهم في هذه المواضيع مما لا موجب لبيانه هنا، وسيعرفه القارئ فيما بعد.

وفي صباح اليوم التالي الساعة ٨ جاء مدير البوليس بنفسه إلى مكتب شفلر، فأظهر هارتمان ونوبلي استغرابهما إذ دخل عليهما وسألهما: أين المستر شفلر، ألم يأتِ بعد؟

فقال هارتمان: ذهب أمس إلى وشنطون.

– متى يعود؟

– قد يعود غدًا أو بعد غدٍ، الله أعلم.

– أتعرف أين ينزل هناك؟

– أعهد أنه ينزل دائمًا في فندق آستور.

– مَن مِن معارفه هناك؟

– المستر هارفي سكريتير بنك سكندناشنال.

– أرجو أن تتبعاني.

– إلى أين؟

– إلى حيث أذهب؛ فلا تبطئا.

فأقفلا المكتب وتبعاه إلى أن وصلوا إلى المخفر، فاستقبل المدير سكريتيره وقال له هذا: لقد ثبت أنه هوكر بعينه؛ لأن صوته ناعم والنقطة السوداء في أيمن عنقه.

فهمس هارتمان في أذن نوبلي: هذه غلطة زيمر؛ فقد نسي أن يعطيه زجاجة يودور البوتاس.

فقال نوبلي: بل هي غلطة شفلر نفسه؛ فإنه اكتفى بالطوق العريض غير حاسب حسابًا للتقادير.

ثم استدعاهما المدير إلى رواق فيه بضعة أشخاص، وجاءَ بالمقبوض عليه إلى غرفة مظلمة يطل شباكها على ذلك الرواق، فكان المقبوض عليه يرى من في الرواق وهم لا يرونه، وقال له المدير: إن كنت شفلر — كما تزعم — فلا بد أن تعرف المستخدمين عندك، فهل ترى أحدًا منهما بين القاعدين هناك في الرواق؟

فقال: ليس أحدٌ منهم هنا.

قال: هل رأيت الكل فلم تجد أحدًا من مستخدميك بينهم؟ فأجال نظره، وقال: لا.

عند ذلك عزلهما المدير إلى مكان آخر وحدهما، وسأله: هل تعرف هذين الشخصين؟

– لا.

ثم صرفهما المدير فعادا إلى مكتبهما، وأما هو فأرسل إلى وشنطون التلغرافات التالية:

الأول: وشنطون
مدير البوليس

المرجو منكم أن تبحثوا في فندق آستور إن كان يوجد شخصٌ باسم جان شفلر، رَبعُ القامةِ، حليقُ الوجه جميلُهُ، أسودُ الشَّعَر وأسمرُ العينين، واسألوا سكريتير بنك سكندناشنال إذا كان يعرفه، وليتتبع خفيتكم خطواته سرًّا إلى أن يبرح وشنطون، وحينئذ تخبروننا إلى أين برحها؟ جاوبونا على تلغرافنا هذا في أول فرصة بعد وصوله.

بتنهام مدير بوليس نيويورك

الثاني: وشنطون
فندق آستور
جان شفلر

أرجو عودتكم من وشنطون اليوم إن أمكن أو غدًا من كل بد لأجل شغل ضروري يهمكم. جاوب.

جوزف بلاك المحامي

وأخبر مدير البوليس المحامي بلاك عن هذا التلغراف، وطلب إليه أن يدفع له الجواب إذا ورد جوابه.

ونحو الظهر ورد على مدير البوليس التلغراف التالي:

نيويورك
مدير البوليس

يوجد رجل حسب وصفكم، في فندق آستور باسم جان شفلر، سمسار في نيويورك في مكتبه في ١٦٠ برودواي، وهو هنا في شغل سمسرة على ما يقول، وقد سألنا عنه سكريتير بنك سكندناشنال؛ فقال إنه يعرفه وإنه قابله اليوم، ويظن أنه يبرح غدًا.

رافل مدير بوليس وشنطون
وورد على المحامي بلاك التلغراف التالي:

نيويورك
جوزف بلاك

أجتهد أن أبرح إلى نيويورك غدًا صباحًا.

جان شفلر

وفي الحال، أرسل هذا التلغراف إلى مدير البوليس، فقال هذا في نفسه: غدًا نستقبله ونجمعه بالسجين ونرى أيهما هوكر وأيهما شفلر.

وعند المساء، ورد تلغراف إلى مدير بوليس نيويورك من مدير بوليس وشنطون يخبره فيه أنَّ المسمى جان شفلر برح الساعة الخامسة إلى فيلادلفيا على نية أن يبرحها غدًا صباحًا إلى نيويورك.

وكان كلما أخبر مدير البوليس المستر أفلن شيئًا من أخبار جان شفلر في وشنطون يقول: إن كان يوجد جان شفلر حقيقي؛ أي إذا كان يوجد شخص آخر غير هوكر باسم جان شفلر فلا بد أن يظهر في مكتبه سواءٌ عاد من وشنطون أو من فيلادلفيا أو من السماء أو من جهنم. وحينذاك نرى المتشابهين ونحكم على الجاني من الشخصين، وما دام جان شفلر بعيدًا عن مكتبه وعن قومه؛ فنحسب جان شفلر وجاك هوكر شخصًا واحدًا سجينًا في سجن مركز البوليس.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤