حفيد ذات الهمة يحكم الأندلس

كان موت الأميرة ذات الهمة شهيدة تحت تأثير جراحها الغائرة وسط لهيب المعارك داميًا فاجعًا، وقد وصل خبر مَنِيَّتها إلى عاصمة الخلافة بغداد، فانقلبت المدينة التي كثيرًا ما فتحت لها كل ذراعيها مُكبِّرة مستقبلة راياتها الخفاقة هي وابنها الأمير عبد الوهاب.

وباتت بغداد الرشيد تنتظر وصول جثمانها المضمخ بدمائها القانية التي سفحتها المعارك على تخوم القسطنطينية، التي سبق أن شهدت أمجادها أعوامًا إثر أعوام.

بغداد والحجاز ومكة المكرمة تنازعت السبق على المطالبة بجثمان ذات الهمة ومواراته الثرى عندها، بالإضافة إلى ما كان يستجد من صراعات بين المدن والعواصم والكيانات والقبائل العربية حول من منها أحق بدفن جثمانها، إلى أن حسم الأمير عبد الوهاب الأمر حسب وصيتها، وذلك بأن تُوارَى التراب إلى جانب جدها الصحصاح.

وهكذا أقيمت لها قبة عظيمة من الرخام الأحمر الضارب إلى الحمرة؛ ليهدأ الجثمان تحتها الذي طالما اقتنص النصر، وحقق الأمان والأمن للمسلمين، حفاظًا على حرمات ثغورهم.

وبمواراة ذات الهمة الثرى تجددت واشتعلت مواجع عبد الوهاب وأحزانه الدفينة من جديد، وهو الذي حالت ضراوة المعارك القارية دون البقاء إلى جانبها جريحة تنزف.

بل إن المعارك لم تتح له بعد ذلك فرصة معاودتها وهي مسجاة على فراش الموت، تبعث له بأكاذيبها البيضاء حول استردادها لكل عافيتها، وكيف أنها لا تكف عن متابعة أخبار جهاده ومطاردته للأعداء؛ حيث إنها في القريب العاجل سيُفاجأ بها الجميع في موقع الرأس من الجيش بلباسها الأبيض محرضة على القتال الضاري كعادتها.

وكان عبد الوهاب كلما تسلَّم رسائلها التي كانت تصله تباعًا، حتى كان يعيد قراءتها على أمراء الجيش وقواده مطمئنًا الجميع بعودة «الدلهمة»، إن لم يكن اليوم فغدًا؛ للقتال إلى جانبهم، وهو الوحيد القادر والمستشف لما حاق بذات الهمة من كمائن الأعداء الأروام المسمومة التي ألهبتها أحقادهم عليها أعوامًا، لحين حلول فرصتهم، حين طالت حرابهم الجسد الزكي فنفثت فيه بليغ السموم.

هو الوحيد الذي لم تمكنه المعارك من مجرد لثم فمها الحازم المطبق، وتشمم عطر جراحها القانية.

بل إن أبا محمد الطبال تمكن من زيارتها سرًّا قبل أن تفارق الحياة فقبلت جبينه، مومئة إليه بموتها المحقق، موصية بإخفاء أمر موتها عن ابنها عبد الوهاب.

إلا أن أبا محمد البطال الذي اعتاد ممازحتها وهم في أشد المواقف خطرًا، راح يضاحكها على طريقته دون حرج، ذاكرًا بأن «عمر الشقي بقي»، ولا يزال أمامهم الكثير لتحقيقه على يديها وحدها دون غيرها من نساء العالمين.

واندفع يعيد عليها وهي غائبة في سباتها ما وقع له من مآزق وأخطار، سواء حين تخطى بها عتبات بوابات عاصمة الإفرنج أسيرة تحبو على أربع وهو يلهب ظهرها بسياطه، أو حين حط عليهما متسللًا مطمورتهما — هي والأمير عبد الوهاب — بعد أن دفع بجميع حراس سجن أمير المؤمنين هارون الرشيد إلى سابع درجات النوم والكوابيس.

وكانت ذات الهمة تستعذب قفشات البطال، فتضيء الابتسامات الوادعة صفاء وجهها المسجى البريء، دون أن تقوى على النطق والضحك.

وطاف بها الأمير البطال طويلًا وهو يروي لها المآزق الضاحكة، بينما هي تضغط كف يده بيدها الواهنة ألمًا وتمزقًا.

وبدا كما لو كان البطال يعيد إلى مخيلتها أمجادها السالفة، سواء وهي تقتحم المعارك على رأس جيش المسلمين كمثل نمر متوثب بالنصر، أو وهي تصل إلى غاياتها لتحقيق نصر العرب بالحيلة والمكيدة، أو وهي سجينة بمقر الخلافة، أو وهي ترفل في أصفاد الأعداء ومعسكراتهم، أو وهي تعتلي عرش أباطرة الأروام، كل هذا أعاده البطال إلى مخيلتها التي أوهنتها الجراح، بينما قبضة الموت تدنو منها رويدًا رويدًا.

إلى أن وصل بها أبو محمد البطال إلى غايته؛ أي أن تغيب في النوم الطويل مخلفة ذكراها العطرة كأمٍّ للمجاهدين.

كان الأمير عبد الوهاب بعد مواراة ذات الهمة التراب لا يزال غارقًا في أحزانه، حين عاد راجعًا بأولاده إلى جبهة القتال، موقنًا بأن في القتال واقتناص كل نصر تأكيدًا لوصايا ذات الهمة، التي نقلها بكل الحرص إلى أولاده، وخاصة ابنه «سيف الموحدين»، الذي كان قد تسلم راياته ورايات جده الصحصاح وذات الهمة من أجل مواصلة الجهاد، وتأمين حماية المسلمين، وهي نفس الوصايا التي التزم بها ابنه الثاني الأمير ظالم، الذي أخذ مكان أبيه عبد الوهاب بعد أن تقدمت به السنون، وحطت عليه الجراح الغائرة التي لم يسلم منها ساعد من ساعديه الضاربين.

ذلك أن الأمير عبد الوهاب «الشيخ» استدعى ولده ظالمًا مُوصِيًا:

اعلم أنني أصبحت بعد وفاة جدتك ذات الهمة شيخًا كبيرًا، ولم يعد لي صبر على فراقك، ولا جلد على وداعك، فما قولك في المضي إلى أرض العراق لنجاهد معًا هناك في حماية عاصمة خلافة المسلمين، وتكون أنت المقدم على بني كليب من بعدي، والمؤتمن على بقية إخوتك إبراهيم وضيغم وقشعم وسيف الموحدين، الذي هو ثمرة الفؤاد.

وعلى هذا النحو تصدر الأمير ظالم قيادة الأحداث المستجدة، بعد أن حطت الشيخوخة على الأمير عبد الوهاب … وبعد أن أخذ مكان أبيه.

وهكذا تسلم الأمير ظالم رايات عبد الوهاب مواصلات فتوحاته التي لم تقتصر على المشرق العربي وجزر بحر إيجه، بقدر ما إنَّ ظالمًا والأمير أبو محمد البطال يمما وجههما باتجاه المغرب العربي عبر مصر وليبيا وتونس إلى مراكش والجزائر، عبورًا إلى الأندلس التي كانت تحت حكم الأمويين.

فحارب ظالم والبطال بلاد البربر وملكاها إلى أن دان لهما المغرب العربي الكبير «والمعامد والأندلس، وحملت إليهم الأموال والأسلاب من جميع الجهات».

وتم لهم ذلك بمناصرة الخليفة الأموي — الذي تلقبه السيرة «بهشام المؤيد»، وكان من أئمة المهديين الذين تمكنوا من الفرار من دمشق هربًا من بطش العباسيين بهم، وذلك عقب هروب آخر خلفائهم مروان بن محمد إلى مصر الوسطى؛ فرارًا من مطاردة أبي مسلم الخراساني له، إلى أن لحق به عبد الله بن علي، الذي أرسله الخليفة السفاح في إثره، فقتله ﺑ «أبي صير الملأ»، ودُفِن بها.

وهكذا لعب آخر قواد بني أمية دوره في مناصرة الأميرين ظالم والبطال ضد الإفرنج، إلى أن استقر لهما الأمر بحكم «قابس» والمغرب الكبير، خاصة وأن الخليفة الأموي هشام المؤيد كان يعاني الأمرين في صد هجمات الإفرنج، إلى أن تناقص جيشه وانحسرت عنه كل الإمدادات.

لذا رأى هشام المؤيد في تعاظم قوة الأميرين أبي محمد البطال وظالم بن عبد الوهاب ابن ذات الهمة تعزيزًا لقوته، فقربهما وكرَّمهما وفتح لهما أبواب المغرب الكبير والأندلس، حتى إذا ما استقرت دولتهما إلى جانب بقية الدويلات العربية في الأندلس، وجدا فيها بغيتهما من حيث مواصلة بنائها على أنقاض الأساسات العربية من قلاع وحصون وقصور، وإخصاب وثراء، حتى إن البطال بدا كما لو كان يولد من جديد على هذه الأرض الجزيلة العطاء، وقال قولته الشهيرة فيها: «لو أنني حكمت هذه البلاد لهان عندي حكم بني العباس وملك الروم.»

وبعث البطال من فوره برسائله يخبر صديق الصبا ورفيق الجهاد الأمير عبد الوهاب بالحجاز، طالبًا منه شد الهمة والمجيء لزيارة الأندلس التي ستعيد إليه شبابه وفتوته.

وكان الأمير عبد الوهاب بدوره لا يكف عن مراسلة ابنه ظالم، وصفيه ورفيق جهاده أبي محمد البطال، حتى وهو في أقسى حالات مرضه وملازمته الفراش، ورفضه على عادة جده «جندبة» السماح للأطباء بمعاودته ومعالجته إلا في النادر.

كان الأمير عبد الوهاب لا يكف عن مكاتبة ابنه ظالم والأمير البطال، وتلقى هداياهما الطريفة التي لم يكن يسمع بها، والتي ازدهرت بالأندلس، وعمرت بها قرطبة وغرناطة وطليطلة ودولة بني الأحمر في الحمراء، وبني الزيري — الفلسطينيين — والعامريين، وبقية دويلات ملوك الطوائف بالأندلس، هدايا من نفيس المصنوعات والإبداعات العربية بالأندلس، والتي اشتهرت أيضًا بموسيقاها وطربها وعمارتها، وأنهارها السخية، وعلومها في مختلف المناحي، في العمارة الإسلامية والفلك والطب والكيمياء والهندسة، وخاصة العلوم البحرية التي استهوت الأمير عبد الوهاب فانقطع لها منذ الصبا مثله مثل جده الأمير الصحصاح، وأمه ذات الهمة.

فظل يراسل ولده ظالمًا ويكاتبه بما يستجد من أمور، ويطالبه بإرسال كل ما يستجد من نفيس العلم في البحر ومخاطره، وكذلك ما يستجد في مجال اختراعات وتطوير مختلف شئون الحياة التي كانت تعن له، وخاصة أسلحة الحرب ووسائل تطويرها.

إلى أن وافته المنية، فمات بالحجاز، وضم رفاته إلى رفات أمه الأميرة ذات الهمة وجده الأعلى الصحصاح بن الحارث الكلبي، أول فاتح لعاصمة تحالف الأروام «القسطنطينية» في عهد سليمان بن عبد الملك بن مروان.

شوقي عبد الحكيم
لندن

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤