فاتحة الكتاب

بقلم  محمد زكي عبد السلام مبارك

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على جميع الأنبياء والمرسلين. وبعد فهذا هو الكتاب الذي نلت به إجازة الدكتوراه من الجامعة المصرية، والذي سلقني العلماء من أجله بألسنة حداد.

هذا هو كتاب «الأخلاق عند الغزالي» أقدمه للجمهور، ليكون المرجع لمن يريد أن يتبين مبلغ المغرضين من الصدق، وحظ المرجفين من الصواب.

هذا هو الكتاب الذي رميت من أجله بالكفر والزندقة، والذي فجر لحسادي ينبوعًا من اللغو والثرثرة لا ينضب ولا يغيض. وما أنا والله بنادم على رأي رأيته، أو قول جهرت به، فلست ممن يخافون في الحق لومة لائم، أو يقيمون وزنًا لكيد الحاسدين، ولغو اللاغين، من مرضى القلوب، وضعاف العقول، وصغار النفوس، وإنما يحزنني ما يلاقي أصدقائي من العنت في دفع ما يفتري الكاذبون، ويختلق المفسدون.

على أن الغزالي رحمه الله عانى من حاسديه مثل ما عانيت، ولاقى ضعف ما لاقيت، حتى لنجده يطمئن أحد أخوانه بقوله: «رأيتك الأخ المشفق موغر الصدر، مقسم الفكر، لما قرع سمعك من طعن طائفة من الحسدة على بعض كتبنا المصنفة في أسرار معاملات الدين، وزعمهم أن فيها ما يخالف مذهب الأصحاب المتقدمين، والمشايخ المتكلمين، وإن العدول عن مذهب الأشعري ولو في قيد شبر كفر، ومباينته ولو في شيء نزر ضلال وخسر، فهون أيها الأخ المشفق على نفسك، لا تضيق به صدرك وفل من غربك قليلًا، وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا،١ واستحقر من لا يحسد ولا يقذف، واستصغر من بالكفر والضلال لا يعرف، فأي داعٍ أكمل وأعقل من سيد المرسلين ، وقد قالوا إنه مجنون من المجانين، وأي كلام أجل وأصدق من كلام رب العالمين، وقد قالوا إنه أساطير الأولين، وإياك أن تشتغل بخصامهم، وتطمع في إفحامهم، فتطمع في غير مطمع، وتصوت في غير مسمع، أما سمعت ما قيل:
كل العداوة قد ترجى إزالتها
إلا عداوة من عاداك عن حسد
ولو كان فيه مطمع لأحد من الناس، لما تلي على أجلهم رتبة آيات اليأس، أَوَما سمعت قوله تعالى: وَإِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُم بِآيَةٍ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّـهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ ۚ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ.٢
وقوله تعالى: وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ *لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ.٣
وقوله تعالى: وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَـٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينُ.٤
وقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّـهُ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ.٥

وقد صار الغزالي بعد ذلك حجة الإسلام. ونحن لا نريد أن يفتن الناس بنا كما فتنوا به، فهل نرجو أن نظفر فقط بالسلامة من تقول المفترين، وتزيد المعتدين؟

«على الله توكلنا، ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين».

١  سورة المزمل: آية ١٠.
٢  سورة الأنعام: ٣٥ كبر: شق. النفق: سرب في الأرض.
٣  سورة الحجر: ١٤. يعرجون: يصعدون. سكرت: حبست عن النظر.
٤  سورة الأنعام: ٧.
٥  سورة الأنعام: ١١١ قبلًا: عيانًا ومقابلة، وأخطأ النسفي حين ظنها جمع قبيل بمعنى كفيل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠