الفصل الثاني

الباطنية

في الوقت الذي كان فيه السلاجقة يبسطون سلطانهم على فارس والعراق والجزيرة إلى آخر ما استولت عليه تلك البيوتات التي أجملنا حالها في الفصل الماضي، كان الفاطميون يسيطرون على المغرب، وعلى مصر، ويهمون ببسط سلطاتهم على أقطار المشرق، بعناية الدعاة.

والذي يعنيني الآن هو إجمال دعوة الباطنية، لأن الغزالي شغل بهم، وكتب في الرد عليهم، وإن لم تصلنا كتبه في هذا الباب، وسترى حين نتكلم عن خطته في التأليف كيف اتهم بالميل إليهم، إذ شرح آراءهم عند نقدها بطريقة تقربها من متناول العقول.

وأحب أن يعرف القارئ أن أكثر ما يحتل رءوس المسلمين من الأفكار والعقائد، ليس إلا أثرًا للدعوات المتعددة التي قام بها العباسيون في الشرق، والفاطميون في الغرب، وكُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ.

والواقع أن الدعاة كانوا غاية في المكر والدهاء، فقد عرفوا كيف يملئون تلك الرءوس الجوفاء بالخرافات، والوساوس والأضاليل، وهذه القاهرة لا تزال سماء مسكونة بالمعبودات الصغيرة؛ كسيدنا الحسين، والسيدة زينب، والسيدة فاطمة النبوية، ومن إليهم من الأولياء، فيما زعم الفاطميون ومن لف لفهم من علماء الإسلام!

ولولا خوف الإطالة لشرحت للقارئ طرائق الباطنية في نشر الدعوة Propaganda فقد كانوا أمهر من الإنكليز والفرنسيين، والأمريكان في العصر الحديث، وكانت جنايتهم شديدة الخطر في مسخ عقول الأمم الإسلامية المسكينة، التي قيدها الجهل، ثم رماها بين أيدي طلاب الملك من العباسيين والفاطميين، فلم يرحمها أولئك ولا هؤلاء.

كان دعاة الباطنية لمكرهم ينتقلون بالطالب من حال إلى حال، فيفهمونه أولًا أن الآفة التي نزلت بالأمة فشتتت شملها، وفرقت جمعها، ليس لها من سبب إلا ذهاب الناس عن أئمتهم الذين يعرفون بواطن الشريعة، لأن دين محمد — فيما يزعمون — ليس هو ما يعرفه العامة، بل هو علم خفي غامض، ستره الله في حجبه، وعظمه عن ابتذال أسراره، فلا يطيق حمله، ولا يقوم بأعبائه إلا ملك مقرب، أو نبي مرسل، أو عبد مؤمن امتحن قلبه بالتقوى. ثم يتوغلون مع الطالب مجاهل من ظلمات الآراء والأهواء، بعضها خاص بتقديس أئمتهم، ورفعهم إلى الاختصاص بفهم أسرار التشريع، وبعضها خاص بتنظيم الدعوة ونشرها بين الناس.

وأشهر دعاة الباطنية في الشرق هو الحسن بن الصباح، الذي رحل إلى مصر، فلقي فيها الخليفة المستنصر، وتلقى بها الدعوة الباطنية، ثم عاد إلى مروة لنصرة هذا المذهب بقلمه وسيفه، فكان أول ما فعله أن استولى على قلعة (الموت) وتحصن بها، ثم ثبت قدمه في الأقطار الفارسية، بحيث كان يحسب له ولأتباعه ألف حساب، ونشبت بينه وبين السلاجقة عدة حروب.

ومن شاء الزيادة على هذا القدر من أمر الباطنية فليرجع إلى كتب التاريخ، ثم ليرجع إلى تفصيل آرائهم إن شاء في كتاب الملل والنحل للشهرستاني، فإن في آرائهم غرائب وأعاجيب، وقد ورد ذكرهم في عدة مواطن من كتب الغزالي، وعلى الأخص كتابه «فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة»، فليعد إليه من أراد أن يرى مناقشته لبعض ما يقولون.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠