المحاورة التاسعة عشرة

٢ من نوفمبر ١٩٤٠م

قضيت المساء مع آل هوايتهد في فندق أمباسادور، وكنت ضيفهم الوحيد، وكان وقع الحرب ثقيلًا عليهم، ولما وصلت في منتصف التاسعة كان هوايتهد في إغفاءة بسيطة في مكتبه، وذكرت لي مسز هوايتهد أنهما يتلقيان أحيانًا برقيات مسز نورث، الذي يعمل في وزارة الخارجية في هوايتهول، وهو المبنى الذي أُلقِيت فوقه القنابل مرتَين.

وقالت: «إننا نحيا حياة مُزدوَجة؛ حينما نستقبل الضيوف نعيش في هذا البلد، وبعد انصرافهم نعيش في الحرب.»

وبعد لحظات خرج هوايتهد، وبدا عليه شيء من الاكتئاب بادئَ الأمر، وقد اشتد احديدابه وضعفه، ولكن بعدما قضينا في الحديث نصف ساعة، عادت إليه حرارته المعهودة.

وقلت له: «إن قُراء بوسطن جلوب منذ سبتمبر الماضي يطَّلعون — على غير وعي منهم — على «العلم والعالم الحديث» صباحًا، وظهرًا، ومساءً.»

– «قُل له كيف ألَّفت الكتاب يا أولتي.»

– «كنت مُحاضِرًا في علوم الرياضة طوال حياتي، منذ شبابي الباكر في كمبردج ثم في لندن. وفي سن الثالثة والستين في عام ١٩٢٤م أتيت إلى هارفارد لِكي أُحاضِر في الفلسفة لأول مرة. وكنت بطبيعة الحال — فيما تخلَّل ذلك من سنوات — أستمع إلى المناقشات الفلسفية في كمبردج وفي لندن وأُسهِم فيها، كما كنت أقرأ بين الحين والحين بحثًا في الجمعية الملكية؛ ومن ثَم فقد كانت الفلسفة ماثلة في ذهني بدرجة عظيمة. وفي خريف عام ١٩٢٤م طُلِب إليَّ أن أُلقي محاضرات لول، بالإضافة إلى جميع محاضراتي النظامية التي كانت جديدة بمعنًى من المعاني. وثلاثة أرباع الكتاب كما هو عبارة عن محاضرات لول التي ألقيتها، وقد كتبت كل محاضرة منها في أسبوع كما كان يتطلب ذلك الإلقاء.»

وقاطعته مسز هوايتهد بقولها: «وكانت في حرارة التهابها.»

– «ولم أسبق في كتابتها إلقاءها بأكثر من أسبوع.»

– «هل تُعيد الكتابة كثيرًا؟»

– «كلا، ولكني أكتب في بطء شديد وأحذف كثيرًا.»

– «هل أكون على صواب إذا قلت إن أمثال هذه العبارات لا يكتبها إلا رياضي؟ إن نثرك يختلف كل الاختلاف عن كل نثر آخر.»

– «أنا لا أفكر في ألفاظ، إنما أبدأ بالتصوُّر، ثم أُكسِبه اللفظ، وكثيرًا ما يشق عليَّ الأمر.»

– «إن القارئ ينطبع بأثر مُماثِل؛ فبعدما يُدرِك معنى اللفظ، يبدو بعد ذلك كأن فحواه يُؤدِّي إلى وجود مُستقِل عن الصفحة المطبوعة، وهو وجود يكاد يكون محسوسًا، ولكن كيف حوى عقلك هذه المادة التي تتمثل في ذلك الرتل العجيب من عظماء الرجال في أوائل القرن السابع عشر، والتي نلمسها في مُؤلَّفك «قرن من العباقرة»؟»

وضحك ثم قال: «كنت منذ شبابي — وما زلت كما تُلاحِظ — كلما ذكرت أمامي اسم عظيم لم أعهده، أبحث عنه، وأحفظ تواريخه عن ظهر قلب كما أحفظ نوع نشاطه؛ ومن ثَم فإن لكل عصر من عصور التاريخ في ذهني صورة عن لون النشاط الذي كان يسوده في ذلك الوقت وذلك المكان، وأُؤكِّد لك ضرورة هذه الدقة، ومن الأفضل أن تعرف على وجه الدقة أكان مارلو أكبر من شكسبير سنًّا؟ وبكم سنة كان يكبره؟ وقد عرفت على سبيل المثال أن خمسة من ذوي الشخصيات الرئيسية في التاريخ الإنجليزي تتداخل أطوال أعمارهم، وهم إليزابث، وكرمويل، وبت، وولنجتن، وفكتوريا.»

وسارعت مسز هوايتهد إلى قولها: «أرِه كتابك الصغير يا أولتي.»

ودخل مكتبه وعاد بكتاب صغير مجلد بلون بُنِّي من جلد العجل، وينقصه الغلاف الخلفي، وقدَّمه إليَّ وعلى وجهه سيما العُجب.

قال: «وجدت هذا الكتاب في مكتبة بكمبردج أيام الشباب، ونقدي الوحيد له أنه يحوي أسماءً لرجال من الإنجليز من الطبقة الثانية، أكثر مما ينبغي.»

وقرأت العنوان: «معجم مختصر للسير» من تأليف القس شارلز هول، طبعة مكملان وشركاه سنة ١٨٦٦م، وليس في صفحاته سوى الأسماء كاملة، والعناوين وتواريخ الميلاد والوفاة. واستل من داخل الكتاب صُحفًا من الورق الأصفر دُوِّن عليها الفلاسفة من أيونيا إلى العهد الحديث والأباطرة الرومان ثم قال: «وإليك قائمةً بالملوك الإنجليز.»

– «هل تشترون الكتب من قوائم أُعدَّت بأسمائها أو بعد مشاهدتها؟»

قالت مسز هوايتهد: «يدخل الواحد منا المكتبة ويخرج منها بكتاب.»

وروى لنا قصة وقعت لهما في بداية حياتهما الزوجية حينما كانا يقرآن عددًا كبيرًا من الكتب في اللاهوت، وقد دامت هذه الدراسة عدة سنوات، أذكر أنه حدَّدها بثمانية أعوام. وبعدما انتهى من الموضوع — وقد انتهى منه فعلًا — استدعى صاحب مكتبة في كمبردج وسأله بكم يشتري المجموعة كلها. فقدَّم مبلغًا طيبًا حتى لقد أحسَّا بالثراء، حتى بلغ الباب وقال: «سأضم هذا المبلغ بطبيعة الحال لحسابكما.» ولذا فقد استرسلا في شراء الكتب وأدركا بعد برهة أنهما أنفقا نحو ضعف ما قيَّده بائع الكتب لحسابهما!

وهذا البائع واحد من أولئك الأفذاذ الذين ما تزال المدن العلمية تُؤْويهم، كان رجلًا قديرًا، ولكنه مغرور إلى درجة تُثير الضحك، وقد قال لهما مرة: «لقد زرت أكسفورد حديثًا، ولا أعتقد أن مكتباتهم تبلغ ما بلغته مكتباتنا، وقد طُفت بها، وتفقَّدتها جميعًا، مُتخفيًا بطبيعة الحال!»

وتناوَل هوايتهد الحديث وقال: «إذا كان بين الناس في هذه الأيام مُنحرِف، أبعِدوه وأطلِقوا عليه أسماءً شبيهة بالعلمية، ولكنا اعتدنا أن يكون بيننا أفراد من ذوي الأطوار العجيبة، وكنا نُسمِّيهم «شخصيات»، وكنا نفخر بهم. خُذ مثالًا لذلك فلانًا الذي اعتاد دائمًا أن يسير على أحد جانبَي الطريق ويقفز، ثم يلتقط ورقة من أوراق الشجر، ويشرع في قرضها.» ثم نهض وأخذ يُقلِّد هذا الشخص ويفعل مثلما كان يفعل، ثم قال: «لو أنَّا أبعدناه لَفقدنا كتابًا من خير ما لدينا من كتب دراسية في علم الفلك.»

وأدَّى بنا هذا إلى موضوع القوى الخارقة لدى بعض العامة من الناس.

قال: «إنك تعلم أنني أُعجَب بديمقراطيتكم الأمريكية، وأعتقد أن فوارق الطبقات في إنجلترا من الشرور العظيمة، بيدَ أن التطبيق يسير على عكس ما يتوقع الإنسان؛ فأنا أعتقد أن بين الأشخاص من الطبقات المختلفة في إنجلترا (إذا استثنينا الطبقة الوسطى التجارية الطموح، والأفراد الذين يثبون فوق سُلم المجتمع) من الاحترام الصادق أكثر مما في أمريكا؛ لأنك هناك تعلم أن البستاني — أو خادمة البيت — ليست لديه فرصة في الدنيا للارتفاع. أما هنا فقد ألفتم الرأي القائل بأن لكل فرد فرصة مُتساوِية، سواء كانت لديه الفرصة أم لم تكن (وغالبًا لا تكون) حتى إنكم تفترضون قطعًا — ما لم تكونوا حذِرين في تصوُّركم — عندما تزِنون رجلًا تصفونه بالنقص «أنه إذا كان فيه خير لأجاد كما أجدت». وهو ما يُخالِف الواقع كل المخالفة. إن ما يرفع المرء إلى ما يُعرَف بين الناس ﺑ «القمة» كثيرًا ما يكون قدرًا ضئيلًا من المقدرة يكون بالمصادفة مطلوبًا في وقت مُعيَّن أو زمان مُعيَّن، فيلقى صاحبه طبقًا لذلك ما يُجزيه، غير أن ذلك قد يكون قليل الصلة — أو عديم الصلة — بالكفايات العليا للإنسان، أو حتى بما عند هذا الفرد المُرتفِع من قدرات أفضل. وقلَّ من الناس من يبرز بروزًا كافيًا، وبعضهم لا يبرز البتة، ويبقى مُتخلِّفًا من جميع الوجوه، بالرغم من أن لهم قدرات كامنة لا يعلم بها أحد، وبعض الناس يبرز إلى منتصف الطريق تقريبًا، يُصادِفهم لقاء سعيد، أو ظرف مُلائم يستخرج ما عندهم من كفايات خاصة، غير أن الكفايات المُضيَّعة التي لم تُستغَل لا بد أن تكون هائلة؛ لأن قدرات الفرد قد لا يمكن التنبؤ بها. وقد كان ذلك أحد مُكتشَفات الجنس البشري العظيمة، ولا يزال هذا الكشف يسير في بطء شديد، كان غامضًا في ذهن أفلاطون، ثم قام به اليهود القدامى، وعبَّرت عنه المسيحية، بيدَ أن المسيحيين لم يُفيدوا منه كثيرًا لمدة ألف عام؛ لأنهم حسبوا أن عددًا كبيرًا من الناس مصيرهم جهنم نتيجة لسير الأمور الطبيعي، فأصبح الأمر لا يهمهم كثيرًا؛ ومن ثَم أخفقوا في إدراك كل ما تنطوي عليه الفكرة.»

قلت: «إن الفكرة العظيمة تُذكِّرنا بسرعتها وقوتها بالجبال الثلجية.»

قال: «إن متوسط الزمن الذي يستغرقه أي كشف عظيم في عالم الأفكار لكي يعم استخدامه، أو لكي يكون له أي أثر عملي، هو ألف عام، وإن فكرة القيمة الفذة للفرد لم يكن لها — إلى حد كبير — أي مظهر سياسي حتى القرن الثامن عشر، وعندئذٍ أعطاها هذا المظهر واضعو دستوركم الأمريكي، وأمست — فيما أعتقد — الفكرة الأساسية التي تُوحِّد صفوف أمتكم. وقد كانت الكتابة اختراعًا استغرق ألفَي عام تقريبًا حتى أصبح أثرها محسوسًا. ألا تذكر أن المناقشات — حتى في محاورات أفلاطون — قلما تكون حول ما قرأه أصحاب الجوار، بل هي لا تكون حول ذلك إطلاقًا، ولكنها تكاد تدور دائمًا بغير إخلال حول ما «يتذكرون»؟ لا بد أن مقدار التذكر كان عظيمًا، وأن أحد أسباب شيوع النَّظم هو أن نغمة الموسيقى مُعِين على التذكر، ولكن إلى ما بعد اختراع الكتابة بزمن طويل، لم تُستخدَم الكتابة إلا في القليل سوى في تدوين الحسابات؛ فقد كانت من شئون المُلاك وأصحاب المصارف، تُستخدَم في إصدار الأوامر وحساب المال. ولم يبدأ الإحساس بأثر الكلمة المكتوبة في التقدُّم العقلي للبشر إلا بعدما شرع الإنسان يُسجِّل آراءه وأفكاره.»

– «إن الظلام الذي ساد بعد سقوط روما يدل على أننا أصبحنا نعتمد على الألفاظ المكتوبة إلى حد كبير، وقد استغرقت استعادة بعضها ما يقرب من ألف عام.»

فقال هوايتهد: «كان لا بد من نقد نصوص التراث الكلاسيكي منذ بداية النهضة وما بعدها لكي يسترد العالم الحديث امتلاكه لثقافة العالم القديم، وقد تم ذلك في الخمسمائة العام التي تلت عام ١٤٠٠م … بغض النظر عن استعمال سوفوكليز للضمائر. أما عن نقل هذا التراث، فقد اعتدت في لندن بين الحين والحين أن أحضر اجتماعات الجمعية الملكية، وأستطيع يقينًا أن أقول إني حسبتها معادلة في العصر الحديث لبحوث العلماء الدارسين في العصور الوسطى.»

ولما تقدَّم المساء شيئًا ما، وحينما كنا نتحدث عن الجمهورية الرومانية إبان الحروب الأهلية. قال هوايتهد: «لا جدال في أن ذلك المجتمع كان يسير في طريق الانحلال. ولو أن إنسانًا لا يعرف مُجرَيات الحوادث، كان بسبيل البحث عن عصر للدراسة تكون فيه المدنية مُتصدِّعة، لَبدا له أن هذا العصر يُمثِّل كل الأعراض، وبالرغم من هذا فقد ظهر أغسطس الذي استطاع أن يُلِم شمله، عرف أن الطبقة الوحيدة التي ما برحت تحتفظ بقدرتها على إدارة الأمور، هي طبقة صغار الأعيان، ولم يكن من اليسير تجنيدهم، أو أن يرضى عنهم النبلاء القدامى، ولكنه استطاع أن يُحقِّق الأمرَين.»

قلت: «أليس من العجيب أن القرون التي تلت ذلك كانت أكثر هدوءًا، ولكنها برغم هذا كانت ضعيفة من الناحية الثقافية. ألم يكن تاستس على التقريب هو آخر اسم عظيم؟

ربما كان العالم تحت حكم أسرة أنطوني أفضل في إدارته من أي عهد سبق أو لحق، غير أنه كان فقيرًا فيما أداه من عمل مُبتكَر. أعتقد أن الحرية لم تكن مُتوافِرة.»

قال هوايتهد: «إن عصور الهدوء قلَّما تُولِّد الأعمال المبتكرة؛ فإن إثارة الإنسانية أمر لا بد منه.»

وفي الحادية عشرة أو ما يقرب منها تناوَلنا الشوكولاتة، وعندما هممنا بالانصراف قالا لنا: «أكثروا من زيارتنا.»

وقضينا مساءً بأكمله في متعة شائقة دون أن نفكر في الحرب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠