المحاورة الخامسة والعشرون

١٠ من ديسمبر ١٩٤١م

كان ذلك بعد هجوم اليابانيِّين المفاجئ على أسطولنا في بيرل هاربر بيومَين. وبعد العشاء في نادي الأساتذة حيث كنتُ برُفْقة لويس ليونز الذي عاد لتوِّه من واشنطن وفي جَعْبته أنباء لا تَسُر (وهو وكيل مؤسسة نيمان بهارفارد) سألتُ آل هوايتهد بالتليفون: أأستطيع أن أزورهم نصف ساعة.

ولحُسن حظي لم يكن عندهم غيري. ولما كان لا يَشغل أذهانَنا سوى بيرل هاربر خلال اليومَين السابقَين، كان بيننا اتفاقٌ مكتوم على أن نتحاشى الخوض في هذا الموضوع.

وجلس هوايتهد ومعه ظرف يحتوي على مجموعة الصحائف التي طبَعتُها على الآلة الكاتبة حتى ذلك الحين، وارتدى نظارته، واستغرق في الأوراق يُصححها هنا وهناك.

قال: «من غير المألوف أن نجد سجلًّا معتمَدًا للأحاديث في وقتٍ من أوقات الماضي.»

وأجبتُ بقولي: لا أذكر في الوقت الحاضر إلا «جونسن» لبزول وأحاديث أكرمان مع جيته. وأحاديث أكرمان قلَّما تكون مُحاوراتٍ عامةً بمقدار ما هي أحاديثُ فردية يُلقيها جيته، وإن تكن لها قيمتها.»

قال: «إن الروائيين لا يَضرِبون بسهم وافرٍ في هذا السبيل؛ لأنهم يهتمون دائمًا بتطوُّر القصة. وإن كُنَّا بين الحين والآخر نجد روائيًّا متوسطًا مثل أنتوني ترولوب يُعيد بدقة نوعَ الكلام الذي كنت أسمعه مِن أصدقاء أبي حينما كنتُ صبيًّا، قسيس القرية ومعه في بعض الأحيان القُمص والأسْقُف.»

قالت: «وبعد ذلك، استمرَّت هذه الأحاديث حينما جئت إلى بيتكم، وإني لأذكر ذلك جيدًا.»

قال: «إن رسائل المؤلفين قلَّما تُقدمها إليك؛ لأنهم يعرفون دائمًا — سواءٌ أقَروا بذلك أم لم يُقِروا — أن رسائلهم ستُطبَع. وما تريد الأجيال القادمة أن تعرفه حقًّا هو ما كان يتحدث فيه الناس عند اجتماعهم، وهم لا يَجدون من ذلك إلا القليل. وأعتقد أن صحائفك هذه ستكون أعلى قيمةً بعد مائة عام منها اليوم.»

وقالت مسز هوايتهد وهي تبتسم: «ولا بد قبل طبعِها من انتقالها بالوراثة من يدٍ إلى يد بضعَ مرات، وستكون المرةُ الأولى من لدُنَّا. إننا نتحدث معك دون أي تحفُّظ.»

«أنا أعلم ذلك، ومن ثَم لم يطَّلع على هذه الأحاديث أحدٌ سوى أختي، التي قامت بطبعها على الآلة الكاتبة. وقالت: إنها تصلح «مقدمة لهوايتهد»، وإن الأفكار المجردة التي قد يشق على القارئ المتوسط أن يُدرِكها من كتبك المنشورة، تَظهر هنا في حديث طارئ، سهلةَ المنال. إن كثيرًا من مادته — فيما يبدو لي — جديد، ولست أذكر كثيرًا، بل لعلي لا أذكر شيئًا منه، في كتبك.»

– «كلا، إنك لا تجده في أي كتاب من كتبي … كنتُ أحاول أن أتذكر اسم ذلك المالي الروماني الذي كان شيشرون يُراسله — هو أتيكس. إنك تجد فيما بينهما مثالًا من الحديث في العالم القديم — تجد على الأقل الموضوعاتِ التي كانت تُهِم المتعلمين، كما تجد بعضها عند أفلاطون، وإن الرجل المتعلم نفسَه في أثينا لم يَبلغ بطبيعة الحال ما بلَغ أفلاطون خلال محاوراته كلها أو حتى أكثرها.»

قلت: «يحدث ذلك أحيانًا، وإن كنت تجد أن بعض ما ذكر أفلاطون يَصدُر عن الحياة مباشرة. وتَحضرني الآن تلك الحكايةُ الهزلية التي وردَت في «لا كيز» عن معركةٍ بحرية كان يُحارب فيها أحدُ الملاحين بحَرْبة مسنونة، سدَّدها في حبال سفينة أخرى ولم يَستطع انتزاعها. ولكي تسير السفينتان كلٌّ منهما بحِذاء الأخرى؛ انطلق على ظهر سفينته متعلقًا بطرَف مقبض الحربَة حتى اضطُرَّ إلى تركها في النهاية. وقد كف بَحَّارة السفينتين عن القتال؛ كي يَضحكوا ويُظهِروا إعجابهم بهذا العمل. وكانت حَربتُه تهتز في الهواء معلَّقة بالسفينة لأخرى. وليس من شكٍّ في أن هذه القصة قد انتشرَت في كل أنحاء أثينا.»

فقال هوايتهد: «إنك تجد هذه اللمسات الحية في «المحاورات الأولى»، وقد استعاد إلى ذهنه تلك المحاوراتِ وهو سعيدٌ بذِكراها، وأخذ يَروي لنا قصةً أو قصتين أُخرَيَين من هذا الطراز.» ثم واصل حديثه قائلًا: «إن الكتابة لا تُبرِز إلا الخبرات السطحية نسبيًّا، كما أن الإنسان لم يَستخدمها إلا وقتًا قصيرًا نسبيًّا — نحوًا من أربعة آلاف عام تقريبًا — أوَّلًا في صورة قِطَع حجرية منحوتة، يعلن فيها الملوكُ قراراتِهم وأمجادَهم، ثم على أوراق البردي. إن الناس لم يُدوِّنوا أفكارهم إلا منذ نحو ثلاثة آلاف عام أو أقلَّ من ذلك، من عهد هومر على وجه التقريب. أمَّا قبل ذلك بأجيال عديدة فقد كان هناك مقدارٌ ضخم من التجارِب البشرية، متجسِّدةً في أجسام الناس؛ فقد كان الجسم — ولا يزال — تجرِبةً كبرى. إن مجرد الانسجام بين أعضائه التي تؤدي وظائفها أداءً صحيحًا يُمِدنا بفيض من المتعة اللاشعورية. إنها متعة لا يمكن التعبير عنها، وليست بها حاجةٌ إلى التعبير عنها، ولكنها في مقدارها — بل وفي دلالتها — تشمل أفقًا أكثرَ اتساعًا بدرجة كبيرة من أفق الكلام المكتوب؛ فهذا الأخير — بالقياس — تافه في أكثر الأحيان.»

فعلَّقت على ذلك بقولي: «حتى مع أعظم كتاب الكلام المكتوب، من أمثال دانتي وجيته وأيسكلس، يرى المرءُ أن عباراتهم فاترة إذا قُورِنَت بالخبرة نفسها. إن جيته لم يَستطِع إلا أن يُشير إلى التعاسة والفزَع في مأساة جرتشن. ولا يمكن أن يكون «جحيم دانتي» إلا صورةً ضعيفة لما كان في خياله، أو مقتل أجاممنون، وما سبقه وما لحقه من آلام؛ أين هو في الصورة منه في الواقع؟! ربما كان ما تستطيعه الكلمة المكتوبة أن تُعيدَ إلينا خبراتنا الخاصة، أو تُعطيَنا لمحاتٍ عن خبرات يحتمل أن نمارسها. وما دمتَ تقول: إن الكلمة المكتوبة سطحيةٌ نسبيًّا، فما الذي يأتي أوَّلًا كخبرة واعية عميقة، بعد هذا الفيض من مجرد المتعة الذاتية البدنية؟»

فأجاب قائلًا بعد فترة طويلة من التفكير: «المعايير الخلقية فيما أظن. وحتى الكلاب عندها هذه المعايير، في شكل محبة ساذجة وولاء.»

قلت: «حتى ذلك العالم النفساني رقيق الحاشية وليم جيمس كان شديدَ الاهتمام بسلوك الكلاب، عظيمَ التأثُّر بمحبتها. وكان أحيانًا يستخدمها أمثلةً توضيحية أثناء محاضراته.»

ولاحظَت مسز هوايتهد «أن الكلاب في هذا خيرٌ من القطط؛ هل لاحظتم كيف ينقسم الناس في ميولهم؛ ففريق يميل إلى القطط، وفريق آخر يميل إلى الكلاب؟ إن القطط مُحبة لذاتها، لا تفكر إلا في نفسها.»

قالت ذلك، وقد ترَكَت للسامع أن يستنبط الحكم على الكلام، بَيْد أن هوايتهد نطق به، فقال باسمًا: «إذا وثب الكلب في حجرك فذلك لأنه مُغرَم بك، وإذا فعل القطُّ ذلك فلأن حجْرك أشدُّ دفئًا.»

وسألت: «هل عرفت فيما مضى أن مِن الناس مَن تَغلِب فيهم صفاتُ القطط، ومنهم مَن تغلب فيهم صفات الكلاب؟! فهناك شخصيات كلبية تتميز عن الشخصيات القِطِّية، ومن الشخصيات القطية أولئك الذين «لا يحبون الناس». وماذا تَعني بالضبط هذه العبارة؟»

ورأت مسز هوايتهد «أن معناها تركيز اهتمام المرء في نفسه. تلك الطبيعة التي ترى دائمًا [أنها لم تنَلْ قط ما تستحق]. والصفة الأولى فيما أعتقد تُولِّد الصفة الثانية.»

ثم وجَّهتُ هذا السؤال: «بعدما تطورَت القيم الخُلقية عند الإنسان الأوَّل (ما دمنا نفكر في الأصول الأولى) ما الذي جاء بعد ذلك في ظنِّك؟»

قال هوايتهد: «القيم الجمالية؛ حينما يَسهر البلبل طَوال الليل يُغنِّي لأنثاه — ويجيد الغناء — لا يمكن لأحد أن يُقنِعني أن القيم الجمالية من الطراز الأوَّل معدومة.»

وسارعَت مسز هوايتهد تقول: «اذكر له قصة بلبلنا المسكين في سَرِي.» ولما بدا عليه أنه لا يعرف ماذا يقول في هذه القصة، شرعَت تتحدث فقالت: «كان لنا كوخ في أوائل الربيع. وفي أول مايو بعد وصول البلابل، تساقط الثليج، صدَّقتَ ذلك أم لا تصدق. وأُصيبَ البلبل المسكين بالبرد، ولكنه واصل الغناء، ولم يَستطع أن يعود إلى النغمة الصحيحة طوال الصيف.»

وقال هوايتهد باسمًا: «نعم، لقد كان مِن خبرتنا الاستماعُ إلى بلبل يُغنِّي غناءً لا ينسجم مع النغم.»

قلت: «إني لأُوثِر أن أستمع إلى أداء يضَع فيه صاحبُه قلبَه، على أداءٍ تُراعَى فيه الأصول ويُتنزَّه عن الأخطاء.»

فقال هوايتهد: «والأمر صحيح بالنسبة إلى الأشخاص؛ فهم أقوى أثرًا إذا كانوا على طبائعهم منهم بما يَرِد على ألسِنَتهم مهما يكن. وحتى حينما تُستخدَم الكلمات للتأثير بها، فإنها تَكتسب الكثير من الوجود المادي للمتكلم؛ فالحرارة والنبرة والتأكيد إنما تَصدر عن الجسم والروح.»

– «إنَّ أحسن الكتابة بطبيعة الحال هي محاولةُ نقل بعض تلك النغمات التي يرنُّ بها الصوت، وتَصدُر عن الشخصية المادية؛ محاوِلةً نقلها إلى كلمات مكتوبة.»

فقال: «نعم، ويتم ذلك أحيانًا بنجاح يدعو إلى الدهشة، وهذه خصيصة من خصائص الكتابة الممتازة.»

قلت: «إنك فيما ذكرتَ الآن تؤيد صورة في خاطري عن الغُرباء أدركتُها منذ سنوات، وهي ليست دائمًا صورةً عما عندهم من خير أو جمال، وإن كانت كثيرًا ما تتأثر بالخير والجمال، إنما هي أشبهُ بإشعاع ينبعث لا شعوريًّا عن وجه الغريب وبدَنِه وروحه؛ ذلك الغريب الذي لم يُعرَف من قبل قط، وكأنَّ حاسةً لاسلكية عند الرائي تلتقط هذا الإشعاع، فتُشير بطريقة ما إلى أن لدى هذا الشخص الغريب ما يُثير الاهتمام، ويدل على الحيوية.»

فقالت مسز هوايتهد: «ليس في هذا ما يدهشني، وقد كُنا منذ بُرهة نقرأ سيرة مسز مارجريت دلاند بقلمها: «وإنك لتجد الكتاب على النضد الصغير عند مرفقك.» هل تعرف هذه السيدة؟»

«كلا، لم يسعدني الحظ بمعرفتها؛ كانت إحدى المؤلِّفات المعاصِرات لأمي، والمحبَّبات إلى نفسها. ألم تبتعد هي وزوجُها قليلًا عن الحياة الاجتماعية في بوسطن؟»

قالت: «ذلك ما قصدتُ إليه … إيواؤهما في بيتهما للأمهات اللائي لم يتزوجن، وإنقاذهما لهن من الانتحار والسقوط، وحملهما لهن على الاستقامة؛ وذلك بإتاحة الفرصة لهن لكي يُعِدن تنظيم حياتهن حول محبة الطفل؛ حتى يَستطعن أن يقفن على أقدامهن. وفي مثل هذا العمل تجد معنى قيمة الغريب وما يُثيره من اهتمام حتى في ظل السحب القاتمة.» واسترسلَت في حديثها عن خبرةٍ لها في إنقاذ فتاة جميلة: «… تبدو عليها أعراضُ السل، فسقَتها إلى أحد عشر مكانًا في لندن قبل أن أجد مكانًا يقبل إيواءها. ذهبت أوَّلًا إلى بيت من بيوت الكنيسة الإنجليزية، فقيل لي: [إننا لا نؤوي الطبقة الثانية من مرتكِبي الآثام] … وهكذا حتى بلَغْنا. إلى أين تظن؟»

– «إلى جيش الخلاص.»

– «أجل، وهناك استقبَلونا كأنَّا أصدقاءُ طال انتظارهم إياهم، وآوَوْنا كأنَّا ضيوف حلَلْنا بهم في نهاية الأسبوع. وسألتُ: كم يُكلِّف بقاؤها هناك؟ فأجابوني: «لا شيء.» ثم قالوا: «إذا استطعتَ الدفع فنحن بالطبع نتوقع منك ذلك، ولكنَّا لا نتقبل ما تدفعين إلا لكي نستطيع أن نُؤويَ شخصًا آخر.» ولَبِثت الفتاةُ هناك خمسةَ عشرَ شهرًا باختيارها، وكانت في منتهى السعادة.»

– «وماذا حدث لها في النهاية؟»

– «تزوَّجَت من بائع خضراوات، ولما كانت مصابةً بالسُّل فقد لبَّت نداء ربها في شبابها.»

وسألت هوايتهد: «في أية مرتبة تضع جيشَ الخلاص باعتبارهم مسيحيين؟»

قال: «في مرتبة ممتازة؛ إنهم يأخذون دينَهم المسيحي في بساطة.»

– «في بساطة سرِّ فرانسس الأسيسي؟»

– «بل أبسط منه بكثير؛ فإن علوم الدين السيئة لا تُعرقل سلوكهم كما كانت تفعل معه.»

وأثَرْتُه بقولي: «أنت إذن ترى علوم الدين أمرًا سيئًا؟»

فقال: «إن المشكلة تنشأ عن التفكير في الدين بالعقل؛ لم يكن المسيحُ عميقًا في تفكيره العقلي، إنما كانت لديه البصيرة النافذة، وقد بدأت الإنسانية في شرق البحر المتوسط فيما بين عامي ٥٠٠ق.م و٢٠٠ بعد الميلاد تكتب ما يتردَّد في صدرها من أفكار. فنجَم عن ذلك عصرٌ عظيم. وإنني أشير هنا بطبيعة الحال إلى الرجال الموهوبين بدرجة استثنائية الذين دوَّنوا أفكارهم. إن بولس يهبط هبوطًا شديدًا عن مستوى يسوع، وبالرغم من أن من بين تابعيه أشخاصًا لهم قدرُهم، إلا أنهم يُصورون الله — فيما أرى — كما يُصوِّرون الشيطان.»

– «وما رأيك في البوذية؟»

– «إنها دين الهاربين؛ ينطوي المرء على نفسه، ويدَعُ الأمور الخارجية تسير على مشيئتها، وليس فيها تصميمٌ على مقاومة الشر، إن البوذية لا ترتبط بالمدَنية المتقدمة.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠