المحاورة الثامنة والعشرون

٣ من يونيو ١٩٤٣م

عدتُ وإدوارد ويكس إلى لقاء آل هوايتهد، وكان يومًا من أيام الصيف الحار، حلَّ بنا بغتةً بعدما نَعِمنا بربيع باردِ النَّسمات امتدَّ بنا أمدًا طويلًا، وكان بيت ويكس غيرَ مُعد للإقامة فيه — وهو يقع في ٥٣ شارع تشتنت — واستعدَّ ويكس وأسرتُه للرحيل؛ لقضاء فصل الصيف في مزارع بفرلي في صبيحة اليوم التالي.

ويبدو تل بيكن في يونيو كأنه في موكب عرس؛ الأزهار تتفتح في المساحات الصغيرة بين الأسوار الحديدية، وجدران المنازل المشيَّدة من الطوب الأحمر، والعليق والنباتات ذات الأزهار البنفسجيَّة تتسلَّق واجهاتِ المنازل، وكنت ترى أوراق الأشجار اليانعة والبقع المُعْشوشِبة في أفْنِية المنازل وفي ميدان لويزبرج، وما تكاد المدينة ترتدي حُلةَ جمالها حتى نَتركها ونرحَل.

وتغيَّر المنظر تغيرًا سريعًا من بوسطن إلى كمبردج، ولكي نبلغ بيت آل هوايتهد في الموعد الذي ضرَبْناه؛ ركبنا سيارة أجرة، وكانت الستائر التي تَحجب الضوء مُسدَلة في بيتهم، ولما كانت جميع النوافذ في جميع الحجرات مُفتَّحة؛ فقد هبَّت نَسْمة لطيفة منعِشة. وقد امتلأَت أواني الزهر في حجرة الجلوس بأزهار السَّوسن وعود الصليب والزَّنْبق الأصفر، التي أمَدَّتها بها حديقة من حدائق يونيو.

ولم تكن هناك مقدمات.

قال هوايتهد لويكس: «إن عدد شهر يونيو من مجلتك «الأطلنطيق» عددٌ ممتاز.»

فقال متواضعًا: «إنه الحظ، وإني لأحمد الله عليه؛ إن الموضوعات المناسبة وصلَتْني في الوقت المناسب.»

– وكان من بين الموضوعات المناسبة «عودوا إلى الفنون الحرة» الذي كتبه أ. ك. راند، و«أمريكا التي لم يتصورها العقل» الذي كتبه أرشيولد ماك ليس، و«النجم الغربي» لستيفن فنسان بنيه، و«تكوين عقل هوفر» لربكا وست.

والظاهر أن مستر ويكس كان في واشنطن (حيث تحدثتُ ساعة مع ويفل، أو لعله من الأصح أن أقول: إن ويفل قد تحدثَ إليَّ ساعة من الزمان).

– «وكيف بدأ؟»

– «كان الحديث عن طبرق وكريت والهند، ولم يكن فيه ما يَبعث على الابتهاج، وبدا عليها الإنهاكُ والتعب، لم يكن متخاذلًا، ولكنه منهوك القوى.» (كان ويكس يُخفِّف وقْع النبأ؛ فقد نمى إلى مكتب الصحيفة أن الأثر الذي ترَكه ويفل في واشنطن هو أنه لم يكن قطُّ منهوكًا) «وكان حديثه شائقًا، وقد تولَّى القيادة في أفريقيا في وقتٍ دب فيه اليأس في النفوس، وقد دهشوا — كما دهش كل إنسان — لِسُرعة مسيرهم وللمَدى الذي بلَغوه.»

وانحرَف الحديث نحو الموقف في الهند، وقالوا: إن روزفلت حرَص على ألا يتدخَّل في الشئون الاستعمارية البريطانية.

وقالت مسز هوايتهد: «إني مُعجَبة به من أجل هذا، ويعلم الله أننا أخطأنا كثيرًا، وعلينا أن نُصحِّح أخطاءنا بأنفُسِنا؛ هل أنت في جانب روزفلت؟ …» وتردَّدَت قليلًا وهمَّت بالانسحاب.

وقال ويكس: «إنني أؤيِّده كل التأييد؛ فأنا من الحزب الديمقراطي.»

قالت: «حسنًا، إن المرء لا يَعرف قطُّ أيَّ سبيل يسلك الناس في هذا الموضوع؛ إننا نعتاد الإحساس بالأرض التي نقف عليها أوَّلًا، يجب أن تكون هناك شارةٌ نستطيع لباسها كي يَعرف أحدُنا الآخر.»

واقترح مستر ويكس: «أن تكون شارةً من شارات الحملات نضعُه في العُروة، ولكن ربما كان ذلك أسوأَ من عدمه.»

وقلت: إن من الناس مَن لقي حظًّا سعيدًا في بعض الأحيان؛ لأن مذهبه السياسي لم يكن معروفًا، وبخاصة في الأوقات العصيبة.

وقال هوايتهد باسمًا: «هذا حق، وقد كان مِن حُسن حظنا أنَّ مَلِكَينا الأوَّلَين من أسرة هانوفر لم يَستطيعا أن يتكلَّما الإنجليزية، فلما تولى علينا ثالثٌ يستطيع الكلام بها، أوقعَنا في هذه المتاعب معكم، التي لم نتَخلَّص منها كليةً حتى الآن، ومما زاد الطينَ بِلةً أن جورج الثالث كان رجلًا عائليًّا مثاليًّا، يحبه الناس حبًّا جمًّا، يُلقِّبونه «جورج الفلاح»، والزوج الطيب، والأب الشفيق، وما إلى ذلك. كانت لديه كلُّ الفضائل العائلية التي رجحَت كِفةَ خرقه السياسي المريع.»

وقالت مسز هوايتهد: «وحتى المنشقِّين على العقائد السائدة كانوا يُبجِّلونه.»

وسألته: «ألم تقل: إن أسرة هانوفر لم تُحتمَل إلا لِحُسن مسلكها؟»

وقال هوايتهد: «لقد أتت بهم زمرةٌ من النبلاء الأحرار، وتألَّف من هؤلاء النبلاء «المجلس»، ولو أثبت الملِكان الأولان جورج الأوَّل وجورج الثاني أنهما يتدخَّلان، فربما أُعيدا إلى وطنهما. وفي رأيي أن جورج الثالث هو الذي دعانا إلى أن نقف في الجانب الخاطئ حينما جاءت الثورة الفرنسية، وإلا لأمكَنَنا — في ظني — أن نضع في عام ١٧٨٩م قوانينَ الإصلاح التي صدرَت فيما بين عام ١٨٣٠م و١٨٤٠م. ولو فعَلْنا ذلك لحَسُنت علاقتنا بالفرنسيين، ولاجتَزْنا عصر التصنيع في القرن التالي دون تلك الأحياء الشعبية المريعة.»

ثم اتجه الحديث إلى فن الأدب، وسأل ويكس هوايتهد عن الصورة التي يَعتقد أن الأدب سوف يتَّخِذها بعد انتهاء الحرب.

وعند الإجابة، تحدَّث هوايتهد عن الميل نحو السخرية بعد الحروب، وضرَب لذلك مثلًا لتن ستراتشي بعد الحرب الماضية، غير أنه قال: إن أمثال هؤلاء الرجال — مهما كانوا ممتِعين — عقيمون، والراجح أن يكون إنتاجهم — بِناءً على ذلك — هزيلًا.

وسأل مستر ويكس: «وهل تعتقد أن أتباع فرويد سيتسلَّطون على أدبنا مرة أخرى؟»

قال هوايتهد: «إنهم مثالٌ لما أعني بقَبول جانبٍ من الحق على أنه كلُّ الحق في سذاجة! إن آراء فرويد أشاعَها قومٌ لم يفهَموه إلا فَهمًا ناقصًا، وعجزوا عن بذل المجهود الضخم اللازم لإدراكها من حيث علاقتُها بالحقائق الأكبر، فنسَبوا إليها — من أجل ذلك — أهميةً لا تتفق البتة وأهميتَها الحقيقية.»

وقال ويكس: «أضف إلى ذلك شيوعَها بين جيلِ ما بعد الحرب، الذي كان بحاجة إلى أن يُذكَر له على وجه الدقة ما تَعني هذه التفسيراتُ الناقصة لفرويد.»

وقد كتمتُ في صدري هذا السؤال فترة، ثم وجَّهتُه قائلًا: «لقد قلتَ مرة: إن بين الوقت الذي نمارس فيه التجرِبة، والوقتِ الذي نُعبِّر فيه عنها ثانيةً بالقول أو بالفعل، فجوةً لا نعلم عنها شيئًا؛ هل تطورَت هذه الفكرة لديك بعد هذا؟»

وأجاب هوايتهد قائلًا: «في الأسبوع الماضي، في حفل توزيع الدرجات العلمية، كان هناك أخصائي في الذهن. قال: إن خبرتنا البدنية تنتقل إلى الذهن عن طريق العمود الفقري، وبخاصة إلى ذلك الجزء من الذهن الذي يقَع خلف رءوسنا، وكثيرًا ما رأيتُ أفرادًا لهم خلف جماجمهم نتوءٌ ضخم، وقلت: «أليس مما يدعو إلى الحسرة ألا يكون هذا النتوءُ في مقدمة الجمجمة حيث يمكن أن يؤدِّي لهم عملًا نافعًا؟!» ولكن يظهر أني كنتُ على خطأ شديد، وقال لي هذا الجرَّاح: «إنه من الممكن نقلُ جزء كبير من ذهن الإنسان من هنا إلى هنا» (مشيرًا إلى عارِضَيه الأيمن والأيسر) «ويستمر على حاله كما كان، أمَّا إذا حدث انفصالٌ خطير في خلف الرقبة، بات المرء معتوهًا. وقد عرَف الفلاسفة منذ قرون أن حَواسَّنا ليست دليلًا قاطعًا على وجود العالم الخارجي، ولم يُعرَف ذلك منذ القرنَين السابعَ عشر والثامن عشر، وإنما عُرف من عهد اليونان. لم يكن هناك البتةَ سببٌ لكي نستنتج وجود الحقيقة الخارجية من أيِّ دليل يأتينا عن طريق الحواس، إن كلَّ شيء ذاتي، والعالم الخارجي قد لا يكون هناك البتة! وبرغم هذا، فالواقع أن الأفراد الذين لا يَفترِضون وجود هذا العالم الخارجي حقيقةً من الحقائق، يُزَج بهم في مستشفَيات المجانين، ولكن عِلْمنا به يأتينا في كل وقت عن طريق العمود الفقري بوساطة خبراتنا البدَنية، وتأدية أعضائنا لوظائفها أداءً سارًّا؛ لأن أبداننا جزءٌ من هذا العالم الخارجي، كهذا المقعد تمامًا الذي يستقرُّ فيه جسمي في الوقت الحاضر؛ ولذا فأنا أنصحك ألا تُحْدث في خلف رقبتك شيئًا خطيرًا، أمَّا مقدمة رأسك، فلك أن تُهمِلها كما تشاء، ولا تتأثر في شيء، أمَّا إذا تخلخلَت مؤخرة رأسك، فأنت في خطر.»

وأدى بنا هذا الحديثُ إلى التندُّر على المشتغِلين بالتدليك. ولما عاد النِّقاش إلى رزانته ذكَرْنا تلك العبارةَ التي وردَت في صفحة ٣٥٥ من كتاب «مغامرات الأفكار» والتي جاءت فيها جملةٌ تَسترعي الانتباهَ، تتعلق بهذا الموضوع الغامض الذي يتَّصل بما يَحدث بين الوقت الذي تقع فيه الخبرةُ الخارجية على الجسم والعمود الفقري والذِّهن، والوقت الذي تَخرج فيه ثانية. وهذه الجملة هي: «إن العملية في ذاتها هي الواقع.»

ذكَرْنا هذه الجملة له، وعلَّقت عليها بقولي: إن «الناس يقولون: إنها بمجرَّد دخولها في رءوسهم لا تَخرج ثانية. وأعتقد أني أعرف ما تَعني، أو أنا على الأقل أعرِف ما تَعني بالنسبة إليَّ، ولكن هلا قلتَ لنا: ما معناها لديك؟»

قال: «لقد استغرَق الفلاسفة وقتًا طويلًا؛ قرونًا في الواقع، لكي يتَجاوزوا فكرة المادة الثابتة. إن بعض المواد — كالماء أو النار — يمكن مُشاهدتها وهي تتغير بسرعة، وبعضها الآخَر — كالصخر — ثابتٌ لا يتغير، ونحن نعلم الآن أن قِطعة الجرانيت كتلة من الحركة الدائبة، وأنها تتغيَّر بسرعة مُريعة، ولكن إلى أن عرَفنا ذلك، كان الصخر يبدو كأنه قليل الحياة أو بغير حياة، وإن كان يظهر في ثبات هائل، ولما كان من الواضح فيما مَضى أن التفكير القائم ضئيل جدًّا فقد جاء به الفلاسفة القدامى من الخارج، وكانت تبدو هناك فواصلُ بين جزء من الكون وجزءٍ آخر منه. أمَّا في ضوءِ ما نعرف الآن، فليس هناك خطٌّ فاصل بين ما لا نهاية لاتِّساعه وما لا نهاية لِضَآلته، وعنصر الوقت له أثرُه كذلك. إن أجسامنا البشريَّة تتغير من يوم إلى يوم، إن بعض مظاهرها الخارجية لا يتبدَّل، ولكن التغيُّر دائم، وأحيانًا يُرى، والمجموعات الكوكبية تبدو كأنها لا تتغيَّر البتة، وإن كُنَّا نعلم أنها تتغير، كما نعلم أن السُّدم قد اتَّخذَت شكلها الراهن، ولكنها تتحول إلى أشكال أخرى، وسواء كان التغير يَحدث في لحظة أم في بَلايين السنين، فليس ذلك إلا قياسًا إنسانيًّا. إن حقيقة التغيُّر لا تتأثر باستخدامنا — كبشرٍ — المعاييرَ الوحيدة التي لدينا، والتي تتأثر حتمًا بحدود حياتنا، إننا موجودون هنا في ظروف معيَّنة من المكان والزمان، علينا أن نؤديَ وظائفنا في حدودها، وهذه الظروف تُلوِّن أحكامنا ما لم نُراقِبْها … إن هذه المائدة الصغيرة القائمة إلى جانبي — وقرَعَها بأصابعه — في حالةِ تغير، ولو أنك خزنتَها في مكانٍ ما عشَرةَ آلاف عام ثم عُدتَ لمشاهدتها، فربما بلَغ بها التغيرُ مدًى يتعذر عليه معك أن تَعرف أنها كانت مائدة! ومع ذلك فإن العملية التي تؤدي إلى هذا التغير الملموس إلى درجةٍ قُصوى مستمرةٌ بها الآن، وإن تكن — في جميع الأغراض العمَلية الإنسانية — هي بعينها المائدةَ التي رأيتَها المرة الماضية عندما كنتَ هنا، وهي بعينها المائدة التي رأيتها بجانبي مدةَ أربعين عامًا. إن التغير دائم، سواءٌ قِسْناه بالدقائق أو بآلاف السنين، ونحن أنفسنا جزءٌ منه؛ لقد جئنا إلى الوجود في ركن معيَّن من الكون نتيجةً لعمليات التغير، وليس هناك ما يَدعو إلى الظن بأن أنواعًا أخرى من الحياة لم يوجَد مثيل لها في الكون، وإن كان يَشقُّ علينا أن نتصور ذلك. وهذه الحيَواتُ الأخرى تختلف عَنَّا فيما نرى أكثرَ مما نَعلم الآن عما بيننا وبين أسلافِنا من خلاف. إن بعض أسلافنا المباشِرين يَبْدون من نفس جنسِنا، ولكن كلما بَعُد السلَف كان مخلوقات أشك في أننا نُشبِهها البتة.»

(وكان يحدثنا في عبارة بسيطة أن أحكامنا تتأثَّر تأثرًا شديدًا بالزمان والمكان، في حينِ أن الحقائق تخرج عن نطاق الزمان والمكان، وأن التغير هو العملية المستمرة، وهو بعينه الحقيقة.)

وسألتُه: «إلى أيِّ حد أدَّت بك الرياضةُ إلى هذه الأسرار؟»

وأجاب قائلًا: «إن الرياضة بطبيعتها هي دراسةُ الأنواع في أي نظامٍ من النظُم. وكانت في صورتها الأولى تتعلَّق بالعدد والكم، وهذا هو منشؤها التاريخي، أمَّا فكرة المنطق الرياضي فهي حديثةٌ نسبيًّا، ولكن قد تكون الرياضةُ نافعةً في رَبْط أنواع معينة في نظام من النظُم بإدراكنا، إلا أنها لا تُعطينا أيةَ فكرة عن حقيقتها، كما كان يُظَن فيما سبق، وربما درستُ هندسة إقليدس، ولكني أشك في أنها قد حلَّت لك أيَّ لغز من ألغاز الحياة.»

واعترفتُ ﺑ«أني درَستُ هندسة إقليدس، ولما كنتُ غيرَ بارع في الرياضة فقد زادت ألغاز الحياة تعقيدًا.»

– «كانت هندسة إقليدس تُعَد في وقت من الأوقات وصفًا دقيقًا للعالم الخارجي، ولكن العالم الوحيد الذي يصح أن تكون وصفًا دقيقًا له هو عالم هندسة إقليدس، ولما بدأَت معارضتها في القرن الثامنَ عشر، اعتُبِرت تَفاريعها المؤكَّدة في أول الأمر — حتى من جانب مُستكشِفيها أنفسِهم — من الأخطاء.»

«لقد قلتُ مرة: إنه في الوقت الذي بلَغ فيه كشفُ الإبرة المغناطيسية أوروبا (كانت الرياضة عديمةَ الفائدة تقريبًا منذ ألف عام) كيف كانت عديمةَ الفائدة؟»

كان أرشميدس — حينما طعَنه الجنديُّ الروماني — يَعرف من علوم الرياضة ما عُرِف في أي وقت من الأوقات حتى القرنِ الرابعَ عشر تقريبًا، حينما عادت الرياضة إلى مواصلة التقدم.»

«أوَليست عندنا رقابة على الطريقة التي تتقدم بها الفنون والعلوم، أو تتأخر في عصر من العصور؟»

وأجاب عن السؤال مِن خِبرته قائلًا: «لنأخُذْ عصرنا مثلًا؛ كنتُ في كمبردج فيما بين عام ١٨٨٠م و١٨٩٠م أوَّلًا طالبًا، ثم عضوًا في هيئة التدريس، وقد انقضى زُهاءُ مائتَيْ عام أو مائتَيْن وخمسين عامًا منذ اندفعَت الرياضةُ دَفْعة جديدة من رجال من أمثال ديكارت وسر إسحق نيوتن، وكانت هناك مَواضعُ غامضة كانت قواعدُ هذا العلم تُعَد فيها غيرَ محدودة، ولكن الطبيعة الرياضية كانت تَبدو في جملتها سليمةً قوية ثابتة … ولما تَصرَّم القرن، لم يبقَ البتة أمرٌ من الأمور لم يتعرَّض للنقد، بل لم يهتزَّ من أساسه! ولم تَسلم من ذلك فكرةٌ رئيسية واحدة، وإني أعدُّ ذلك حقيقةً من الحقائق العظمى التي وقعَت في دائرة خبراتي.»

قلت: «وهل نستطيع أن نُطبِّق هذا القولَ على الدين والأخلاق؟»

– «نعم، مع هذا الفارق، وهو أن الفلسفة والعلم رحَّبا بهذه النظريات الجديدة التي هدَمَت النظريات القديمة، ومن ثَم انتفعَت بها، في حين أن الدِّين قاوم الآراء الجديدة ومن ثَم كابَد كثيرًا.»

وسأل ويكس: «وهل يُنتظَر أن تَستمر هذه السرعةُ في التغير؟»

«إن نتائجَ هذه الآراء الجديدة في العالم ستستمرُّ في التأثير في حياتنا تأثيرًا عميقًا، وبخاصةٍ في مجال الحِيَل الفنية، إننا نتكلَّم عن التغيُّرات التي حدثَت في المجتمع من جراء الثورة الصناعية منذ نحوِ قرن تقريبًا، التي بدأَت حوالَي عام ١٧٩٠م، وامتدَّت إلى القرن التاسعَ عشر؛ إنها لا تكاد تُذكَر إذا قِيسَت إلى الثورة العِلمية التي استمرَّت في الخمسين سنةً الماضية، منذ نحو عام ١٨٩٠م. بَيْد أن الحيل الفنية الجديدة أيسرُ في إدراكها وأقلُّ أهميةً في نتائجها من المستكشَفات الجديدة، وهي فوق ذلك وهمية؛ لأنها توهم الناس أن التقدُّم مستمر، في حين أن الدافع إليه في الواقع قد استنفَد أغراضَه من قبل.»

وقال ويكس: «نظرًا لبعض المنافع التي تَعود علينا من الحِيَل الفنِّية الجديدة ربما استطَعْنا أن نتوقَّف قليلًا؛ حتى يتمكَّن الإنسان من اللَّحاق بها اجتماعيًّا.»

وقال هوايتهد: «إنه مِن طبيعة الأشياء فيما أظن أن تقع هذه الحيل الفنية الجديدة في أيدي الرجال الأشرار … ثم إن هذه الحيل الفنية — بدَورها — عاونَت على ظهور مستكشَفات جديدة، ولكن بعد تجرِبة واحدة من هذا القبيل في حياة المرء، تجرِبة تدل على عدم ثبات أشَد الأفكار صَلابة في مظهرها، بعد هذا لا بد أن يحرص المرء من شدة الثقة. وفي الكلمات الأخيرة التي كتبتُها (في نهاية ذلك المقال الذي يختتم مجلدًا عن فلسفتي) قلتُ: «إن الدقة أكذوبة.»

وعلَّق على ذلك ويكس قائلًا: «ذلك حكمٌ سيِّئ لرئيس تحرير مجلة، ما مقدار الدقة في صفحاتنا؟» وأضفتُ في صراحة مماثلة: «إنه أسوأُ في صحيفة يومية.»

واقترَح علينا هوايتهد لكي يُهدِّئ من رَوعنا قائلًا: «تستطيعون أن تُعلِّقوا بالهوامش في أذيال مقالاتكم الافتتاحية، شارِحين للقراء أن ذلك ما يبدو اليوم صِدقًا، ولكنه قد يكون شيئًا آخرَ في الغد.»

– «إن ذلك يَقرُب من الاتجاه العقلي الذي أكتب به «مقالاتي الافتتاحية» وقد قال نيتشه: إن المرءَ لا يَعرف أي الأنباء هامة إلا بعد مائة عام.»

وفي هذا الصدد قال هوايتهد: «إن حياة الفكرة تَختلف اختلافًا شاسعًا؛ بعضها يَعيش مائتَي عام، وبعضها يعيش ألفَين، وبعضها لا يَبقى أكثرَ من عام أو عامَين، في حين أن بعضها الآخر ينتظر قرونًا قبل أن يَستجيب لها أحدٌ ويضعَها موضع التنفيذ! وهنا كذلك يكون عنصر الزمن متقلبًا، ولكني لا أظن أن عصرًا من العصور قد شهد انقلابًا شاملًا في طرائق التفكير السائدة كما شهد نصفُ القرن الأخير، وهناك فيلسوفٌ واحد ما كان هذا لِيَدهشه؛ إننا حينما نقرأ أفلاطون نقول من حينٍ إلى آخر: مسكين! إنه لم يَعرف كذا أو كذا … ولكنه — بوجهٍ عام — قد توقَّع أكثرَ هذه الاحتمالات، ونحن نلتمس له المعاذيرَ — على وجه الجملة — أقلَّ مما نلتمسها لأيِّ فرد آخر. إن أرسطو لو بُعِث اليوم لفزع … لأنه قسَّم وصنَّف إلى أجناس وأنواع منفصِلة، أمَّا أفلاطون فمتماسِك، وأجِدُني أشدَّ انغماسًا في مؤلَّفه الأخير، الذي يشتمل على الآراء الميتافيزيقية — مثل ثيتيتس — مني في مؤلَّفاته الأولى، التي يَشتد فيها اهتمامه بالاجتماع، الذي نرى أن بعض نظرياته لا يَستقيم تمامًا.»

واشتركنا في الموازنة بين ذلك وما يحدث غالبًا بعد دراسة مستفيضة لأحد الفنَّانين الكبار، كيف نجد تدريجًا أن مؤلَّفاته الأخيرة هي مَدار إيثارنا، كما يَحدث في حُكمنا على ألحان بيتهوفن الأخيرة.

وقال هوايتهد: «إن مؤلَّفات أفلاطون التي أرجِع إليها من حينٍ إلى آخر هي تلك التي وضَعها بعد «الجمهورية». وطريقته أن يُعلن موضوعه، ثم يُقدِّمه على عجَل من أوجُهٍ متعددة، قلَّ منها ما طرأ لأي إنسان آخر، وهي تُثير نشاطًا حماسيًّا في عقل القارئ، وتلك الآراء يُلقَى بها جزافًا إلى حد كبير، وبعدما ينتهي من ذلك يَشرع في ربطها بأولئك الناس الذين يعيشون في عصره والذين هم أقربُ ما يكونون إلى فَهم مرماه. وكلما تقدَّم «أشاع» هذه الأفكارَ حتى تبدوَ كأنها تدخل في دائرة إدراك الجمهور، بيدَ أني أودُّ أن أُنبِّهك إلى أن كثيرًا من مزايا الأفكار يتبدَّد بإشاعتها.»

– «لقد أطلعتَني مرة على مقال في «تيميوس» يُمثِّل تمامًا هذه العملية التي وصَفْت.»

– «إن الأفكار حينما تَشيع تميل إلى أن تَفقد قوتها! إن ما يَربطها بصور الحياة المعيَّنة في أي عصر من العصور سريع الزوال، وجانبٌ من هذه السرعة في الزوال نجده في الآراء ذاتها، حتى في أنقى صورها وأقواها، وقد حاولتُ أن أضع هذه الحقيقةَ في اعتباري كلما عالجتُ آراء الفلاسفة في العصور الأخرى. ومن الواضح أن تفكيرَهم — مهما يكن مجرَّدًا — كان يتلوَّن إلى حدٍّ ما بالمكان والزمان اللَّذَين عاشوا فيهما، وبالقُوى التاريخية الفعالة، وبالجو العقلي، وبكل الظروف الخاصة التي كانت تتحكم في الحياة حينما كانوا يُفكِّرون ويكتبون، وقد فاتت هذه النقطةُ — فيما يبدو لي — كلَّ مَن كتب عن مؤلفاتي، أو أكثرَهم، وهي تجعل كثيرًا مما قالوا بعيدًا عن الصواب، ولقد وضَّحت رأيي في الكلام وفي الكتابة، فإذا لم يكن مفهومًا فلا حيلة لي؛ فالمرء لا يستطيع أن يُعيد ويُكرِّر إلى ما لا نهاية، وفي المحاضرتَين الأخيرتَين في ختام المجلد الذي ذكَرتُ مثالٌ لما أعني. إن إله أفلاطون إلهٌ لهذا العالم، وقد جمع أغسطين بين إله أفلاطون وإله القديس بوليس، وخرَج بنتيجة مزعجة. ومنذ ذلك الحين اتسعَت فكرتنا عن هذا العالم حتى شملت الكون كله، وقد تصوَّرتُ اتحادًا بين إله أفلاطون وإله الكون.»

ودق جرس الساعة الضخمة في برج مموريال هول معلِنًا الساعة، فكان ذلك مذكِّرًا لنا ومنبِّهًا إلى الوقت وسط هذا التأمل في الأبدية، وهبَّت النسمات العليلة لمساء شهر يونيو الرطب الحار خلال النوافذ المفتحة، وخرجتُ مع مسز هوايتهد إلى المطبخ الصغير لكي نأتيَ بطبق من البسكويت والويسكي والماء، أمَّا شرابهما فكان معتدلًا؛ فهي لا تتناول إلا الماء بغير ثلج، وهو يتناول الماء القُراح بالثلج.

وبينما كُنَّا نكسر قِطَع الثلج سمعنا ضحكًا عاليًا منبعثًا من حجرة الجلوس.

قلتُ: «لقد فاتَتنا هذه.»

وهروَلْنا قافِلين.

وقال ويكس: «كان يتحدث عن الفجوة الحديثة بين السياسة والتخصص في العلم. وذكَّرتُه بأن مجلة الأطلنطيق قد نشرَت بحثه في هذا الموضوع.»

وقال هوايتهد متلطفًا: «وذكَّرته بأنه حذَف الصفحات الأربع الأولى.»

فقالت، وقد وقفَت تجاهه وهزَّت سبَّابتها متهِمة إياه: «نعم، وقد أخطأتَ فيما فعلت؛ إننا أسِفْنا منذ ذلك الحين على موافقتِنا على ذلك!»

وبات تحت رحمتهما، وغطى رأسه بالشال الحريريِّ متظاهرًا بالفزع! وضحكنا، وأمست القصة كأنها مسرحية هَزْلية.

واستطرَد هوايتهد قائلًا: «كنتُ أعتبر تلك الصفحاتِ الافتتاحيةَ ضرورية في بحثي؛ ففيها ميَّزتُ بين الفنون والعلوم، وبين الأدب والتاريخ، وبين النظام الاجتماعيِّ الجامد والنظام الاجتماعي الناشط، ولكني كبير النفس، فأنا أعفو عنك، حتى إن كنتُ قد أخفيت فكري؛ لأني لا أستطيع أن أطبَع هذه الآراءَ الآن في أي مكان آخر.»

قلت: «لقد طُبِعت كاملةً في ٧٥–١، من محاضر المجمع العلميِّ الأمريكي للفنون والعلوم حيث ألقيتَ المحاضرة، وقد طلبتَ اثنتَيْ عشرة نسخة من السكرتير لكي أرسلها إلى الأصدقاء.»

– «وهل بقِيَت لديك منها واحدة؟»

– «نعم.»

– «هل أستطيع أن أحصل عليها؟»

– «سوف تكون عندك في الغد.»

وبقي أمامنا ربع ساعة قبل أن ننصرف، وفي خلاله عُدنا بالحديث عن الأمور الكونية إلى أمور الساعة؛ كإضراب عمَّال الفحم المحدِّق بنا، وماذا يُصيب من يحاول أن ينشر وصفًا محايدًا للقضية، ثم انصرَفْنا بعد العاشرة بقليل.

وفي سيارة الأجرة شرح لي ويكس لماذا حذَف الصفحات الافتتاحية، قال: «إنها تبين أنها أُلْقِيت في محاضرة، والناس يؤْثِرون أن يقرأوا ما يَظهر لهم أنه يُوجَّه إليهم مكتوبًا لأول مرة.»

وفي اليوم التالي أعَدت قراءة الصفحات الافتتاحية للمحاضرة كما نشَرها المجمع العلمي، ويبدو أن هوايتهد قد قال في الأعمدة الثلاثة الأولى من تلك العُجالة أكثرَ مما يستطيع أكثرُ الناس أن يقولوا في ثلاثين.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠