المحاورة الثالثة

٢٤ من يناير ١٩٣٥م

انتقل آل هوايتهد من كانتون عائدين إلى مسكنهم السابق في راندون هول عند «مموريال درايف» المُطِل على نهر تشارلز بكمبردج.

وكان اليوم التالي لهبوب عاصفة ثلجية شديدة. وصفا الجو، وهبَّت ريح شديدة البرودة من الشمال الغربي، وتكدَّست الثلوج في الطُّرقات على عمق قدمَين أو ثلاث، ولم تُمهَّد الطرق بين ميدان هارفارد وتشارلز، فخُضت فيها وتعثَّرت، وتذكَّرت ما قاله دافيد ماكورد على نهج روبرت لويس ستيفنسن:

في بوسطن عندما يتساقط الثلج في المساء،
يُزيلونه في أضواء الشموع،
والأمر على نقيض ذلك في كمبردج؛
يتساقط الثلج، فيتركونه مُكدَّسًا في مكانه.

وكان العشاء في الساعة السابعة والربع، ولم يحضر سوى أفراد الأسرة؛ الأستاذ هوايتهد وزوجه، ومارجوت زوجة ولدهما (مسز نورث هوايتهد)، وأريك حفيدهما، وهو صبي أشقر اللون، أزرق العينَين، في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة من عمره. وكانت مسز هوايتهد أوفر نشاطًا، فرأيناها تدخل وتخرج من المكتبة عدة مرات.

وكان حديث المائدة عن حياتهم في كمبردج بإنجلترا، بالموازنة مع حياتهم في كمبردج بماساشوست، وعن المسرح الإنجليزي كما عرفوه في لندن، وقد شاهدوا حفلة من أولى الحفلات التي مُثِّلت فيها «مسز تانكري الثانية» لبنرو، وفيها مسز باترك كامبل التي قامت بالطبع بدور بولا ثانكري في فاتحة المسرحية، وقالوا إن كل من شاهد المسرحية خرج من المسرح مذهولًا، ويكاد ينعقد لسانه مما عُد في ذلك الحين صراحة مكشوفة، وبرغم هذا، فإنه منذ ست سنوات، عندما بُعِثت المسرحية من جديد، وأجادت تمثيلَها فرقة ممتازة، فترت حرارتها، وسخر منها النظارة فعلًا. فيمَ كان كل ما ثار من ضجيج؟ وماذا في الموقف لا يمكن بسطه في حديث ساعتَين مع طبيب نفساني خبير؟

وتفرَّقنا بعد العشاء، فاتجهت السيدات إلى المكتبة، وانصرفت مع الأستاذ هوايتهد إلى غرفة الجلوس، حيث تناولنا القهوة، وتحدَّث قليلًا عن الصحافة، وتعرَّضنا لموضوع الشهرة التي يجلبها النشر الآلي، ولماذا باتت كنباتٍ صيفي سريع النمو بعدما كانت كشجرة من أشجار البلوط تحتاج لنموها إلى ثمانين عامًا.

وتساءلت: «هل هناك قانون روحاني يُعوِّض عازف البيان الصادق المُجيد الذي لا يُقيم غير حفلَين في العام إزاء العازف المُحترِف الذي يُقيم مائتَي حفل في العام؟»

فقال: «إنني أميل إلى الاعتقاد بأن من المآسي الدائمة في الحياة أن الصفة الجيدة لا تتغلب على ما يتلوها في الجودة.»

ثم سأل: «لماذا تكون عناوين الصحافة مُثيرة للحس؟»

– «إنها إعلانات لبيع المقالات.»

– «إنها كثيرًا ما تُعطي القارئ فكرة خاطئة عما تحتويه الصحيفة.»

– «هل تظن ذلك؟ إنني أتصور في بعض الأيام أنها تعويض مُستحدَث عن الملاعب الرياضية الكبرى التي كانت معروفة أيام الرومان، والتي كان يُصارِع فيها اللاعبون المستشهدون الحيوانات المُفترِسة.»

وبدا عليه الجِد ولم يُجادِل الرأي.

وعُدنا إلى المكتبة، وقد سُحِبت الستائر الثقيلة المصنوعة من القطيفة السوداء فوق النوافذ الطويلة التي كانت تُطِل على النهر وعلى «ميدان الجند»، وكانت نار الحطب تشتعل في المَوقد، تعلوها مَدخنة سوداء من الخشب المنقوش على طراز كلاسيكي، وكانت حوائط الحجرة الطويلة الفسيحة مُغطَّاة بالكتب من ثلاث جهات، والحجرة مُضاءة بالمصابيح بصورة بهيجة. هذه هي غرفة الدراسة الخاصة بالفيلسوف، وله فيها مقعد للقراءة ومكتب في زاوية مُريحة من زواياها.

ولما دار الحديث سنحت الفرصة للسؤال إن كان الحاضرون قد لاحظوا عقمًا في الفنون المُبدَعة بين أهل بوسطن. وسرعان ما تبيَّن أنهم قد لاحظوا ذلك.

وطرحت مسز هوايتهد هذا السؤال في شيء من الحياء: «هل لذلك علاقة بفقدانهم سيطرتهم السياسية؟»

قلت: «لقد عالج هذا الموضوعَ فردريك ستمسن، وهو مُحامٍ من بوسطن، وروائي، وكان في وقت من الأوقات سفيرًا لنا في الأرجنتين، في سيرة حياته بقلمه التي كتبها تحت عنوان «بلادي الولايات المتحدة». وقد نُشِر الكتاب منذ نحو أربعة أعوام، وجاء فيه أن ثروة طائلة قد جُمِعت في بوسطن في الستين سنة الأولى للجمهورية، ولكن الأثرياء بدلًا من أن يثقوا في أبنائهم ويزجُّوا بهم مُخاطِرين بأنفسهم في بحار الحياة، كما فعل آباؤهم من قبلهم، حبسوا أموالهم في الأسهم والسندات حتى لا يُبدِّدها ورثتهم من بعدهم؛ وكان من أثر ذلك أن قتلوا في أبنائهم القدرة على الابتكار.»

فقال الأستاذ: «إنني أجد بين الأثرياء القلائل الذين التقيت بهم حالة من الذعر مما تقوم به إدارة روزفلت — بحكمة على ما أظن — ولا أجد لديهم استعدادًا لفهمه.»

قلت: «تبيَّن ذلك عندما داهمَتنا حرب الطبقات في عام ١٩١٢م عند إضراب لورنس الأول، كانت ثورة كبرى، وقعد بهم الخوف عن إدراكها.»

وقالت مسز هوايتهد: «إن نساءهم جبَانات، وإن ذلك ليبدو في بيوتهن، فإن كل بيت يُشبِه الآخر في أثاثه، ولا تجرؤ إحداهن على المُخالَفة، والتشابه مُميت حتى إني كلما زرت بيتًا من هذه البيوت كدت أصرخ.»

ووافق على ذلك قائلًا: «إن أمثلة الذوق المُبتذَل في البيوت في إنجلترا أكثر منها هنا، ولكنها على الأقل فانية فريدة، وداخلها ينم عن شخصية أصحابها، كما أن المحلات التجارية هنا لا تعرض الأشياء التي تُقابِل اختلاف الأذواق، وعلى المرء أن يأخذ ما يجد.»

وقالت: «الاستثناء الملحوظ هو بيت جريس دي فريز؛ ففيه ذوق وشخصية فردية.»

ثم أُثيرَ السؤال عما إذا كانت اللغة المشتركة تُعِين أو تعوق التفاهم بين الإنجليز والأمريكان، وقد عبَّر هوايتهد منذ قدومه إلى هارفارد، وجلبرت مري عندما كان هنا أخيرًا قادمًا من أكسفورد في عام ١٩٢٦م، عبَّرا عن رأيهما بأن اللغة المشتركة تخدع الشعبَين؛ إذ يحسبان أنهما مُتشابِهان، في حين أن الخلاف بينهما بعيد المدى، ويُؤدِّي ذلك فعلًا إلى سوء التفاهم.

وقال: «كنت أقرأ كتاب «كرمويل» لجون بكان، والرأي الذي يُصِر عليه هو أن كرمويل وشارل الأول كلاهما قد هُزِم، ثم كانت فترة انتقال ما بين عام ١٦٨٠م وعام ١٧٣٧م حينما كان هناك فراغ ثقافي يكاد يكون تامًّا، ثم وقفت إنجلترا على قدمَيها مرة أخرى، وانطلقت في القرن الثامن عشر، ولكنها سارت في طريق الأرستقراطية وملكية الأرض، التي امتدت حتى الانقلاب الصناعي في القرن التاسع عشر وتداخلت فيه، فاختلطت الأرستقراطية القديمة بالأرستقراطية الحديثة، ولكن تاريخكم الأمريكي ينبع من المُنشقين من الطبقة الوسطى البيوريتانية المُصطبِغة بصبغة ديموقراطية قوية. إن ثورة كرمويل لم تُهزَم في أمريكا؛ ومن أجل هذا تطوَّر القطران في اتجاهَين مختلفَين جِد الاختلاف. ومع ذلك فما أعجب علم الاجتماع! فإنه بالنسبة إلى الصعوبة التي تُلاقيها المواهب الفردية في إنجلترا في شق طريقها صعودًا إلى الطبقات العليا، نجد أن الناس يلزمون طبقاتهم، ويرتفعون بها، حتى إنا لنجد حركة عمالية يقودها رجال من طبقة العمال قيادة قديرة. فلما تولى حزب العمال الحكم في عام ١٩٢٤م، وفي عام ١٩٢٩م كانوا مُؤهَّلين غاية التأهيل لحمل أعباء جميع الوزارات الإمبراطورية، بما فيها وزارة الشئون الخارجية.»

– «إن حركتنا العمالية ما زالت بعيدة عن ذلك جدًّا.»

فقال هوايتهد: «نعم. أوَليس ذلك من الأسباب التي تُمكِّن أصحاب المواهب الاستثنائية عندكم من سرعة الارتفاع خلال الطبقات العليا؟ إنهم يرتفعون أفرادًا، ولكنهم يُخلِّفون طبقاتهم وراءهم؛ ومن ثَم فإن الأرستقراطية الإنجليزية تخلق ديموقراطية حقيقية، في حين أن الديمقراطية الأمريكية تخلق نوعًا من أنواع الأرستقراطية.»

وقال إن طالبًا جامعيًّا شابًّا في مدرسة اللاهوت قد استشاره فيمن يقرأ من آباء الكنيسة الأوائل.

– «وسألته: كم لبث أسلافه في هذه البلاد؟ فأجاب بأنه أتى إلى هنا من النرويج وهو في الثالثة عشرة من عمره، وكان أبوه قسيسًا ريفيًّا، أفقر من أن يُعلِّمه تعليمًا ثانويًّا، فأرسله إلى وسكنسن أو منيسوتا إلى أحد المعارف، الذي أوجد له عملًا في مزرعة لمدة عام، ثم التحق بمدرسة عالية، ونجح فيها، وشق طريقه إلى كلية صغيرة، وحصل على منحة علمية، ثم جاء إلى هارفارد، وهنا أخذ يبحث في أوريجن وتوماس أكويناس. وعرفت أنهم ينظرون في أمر تعيينه مُعلِّمًا بالجامعة، ولا شك في أنه كان محظوظًا في ذلك؛ فإن عنصر الحظ قوي في مصائر الناس، ولكن لا بد أيضًا أن يكون قد عُومِل معاملة تنطوي على عطف شديد، وأود أن أخلص من ذلك إلى أنني لا أعرف مكانًا آخر في الدنيا يمكن أن يحدث فيه مثل ذلك.»

وقال إن من رأيه أننا لم نستكشف بعد في جلاء قدرة الأديرة على إبراز العناصر الحساسة وذات الخيال القوي من البشر، وذلك بحمايتها في العصور الوسطى. كان العالم الخارجي عنيفًا، ولكن هنا كان عالم الفكر يسير معه جنبًا إلى جنب، وكان له نفوذ عظيم. وقد وجد العلماء المُتواضِعون الفقراء في هذه الأديرة ملجأً لهم، ثم أُلاحِظ بعد ذلك كيف سارت الدراسة في المعاهد؛ فمنذ فترة الانتقال من القرن الخامس إلى القرن السادس، حينما أسَّس القديس بندكت نظامه الديني، حتى القرن الرابع عشر — أي ما يقرب من ألف عام — كان كل عمل عقلي لا يمكن أن يُؤدَّى إلا في حماية الأديرة، ولكن إذا ما بلغنا عهد إرازمس، نجد أنه لا يكاد يذكر راهبًا دون أن ينحرف وينعته بصفة تنم عن الازدراء. ولست أعرف إلى متى تحتفظ جامعاتنا بقوَّتها، إنها اليوم ذائعة الصيت ولها نفوذ عظيم، لكن التعليم قد يبلغ حدًّا من الإجادة أبعد مما نطلب، إنه يستطيع أن يُثبِت فينا التقاليد ويُفقِدنا الروح، وفي ظني أن جامعة كمبردج التي أتقنت تدريس الرياضيات، هي التي أخرجت من بين طلابها كثرة من الشعراء الإنجليز، في حين أن أكسفورد التي تخصَّصت في دراسة العلوم الإنسانية، قد أخرجت كُتابًا بلغوا في جملتهم حدًّا عاليًا من التوسط، وأعتقد أن المرء إذا بحث في الأدب مع أستاذ عالم ذكي مرتَين أو ثلاث مرات كل أسبوع لعدة سنوات، تحدَّث عنه من جميع نواحيه ولا يرى داعيًا للكتابة فيه، إنه عندئذٍ يُدرِك فوق ما ينبغي العمل الجيد الذي تم أداؤه في وفرة وبإتقان، فيُقدِّسه أكثر مما يستحق ثم يقول: «من أكون حتى أبزَّ هؤلاء؟»

وأخذنا نتلهى مُحاوِلين أن نتبين هل الشعراء الإنجليز قد نشئوا في قطاعات بذاتها، فسادوا في بقاع جغرافية مُعيَّنة، والظاهر أن خط سيرهم قد امتد من البحيرات جنوبًا إلى وسط الجزيرة شرقيَّ محور رأسي متوسط، ثم إلى أنجليا الشرقية؛ لكي يتركزوا بطبيعة الحال في لندن.

ثم أخذ يتحدث عن الجامعات الأمريكية مُتعرِّضًا لوظائفها العامة، وقال: «إنني لا أتفق مع أبراهام فلكسز في رأيه بضرورة وجود مَعاهد مُستقِلة مُوزَّعة في أنحاء البلاد كل منها يُقدِّم لونًا مُعيَّنًا من التدريب،١ ويبدو لي أنه من الخير لنا أن نتبع نظامًا أكثر من ذلك مرونة، نظامًا يستطيع فيه الطالب الذي يتلقى تدريبًا فنيًّا أن يحصل على دراسات ثقافية أيضًا إذا أراد وإذا أحس الحاجة إليها، ويُخيَّل إليَّ أن جامعاتكم الكبرى في الوسط الغربي تفعل ذلك بصورة مقبولة، وهذه المرونة تُمكِّن الطالب من التلفُّت حوالَيه واستنشاق الهواء. إن العقول لا تنقسم أنواعًا مُعيَّنة بالسهولة التي يراها بعض زملائي فيما يبدو لي، وأنا قوي الشك في الرجل الذي يصفونه بأنه من طراز «أ»؛ أنه يستطيع أن يستعيد ما تريد أن تسمعه منه في امتحان، ولما كان الامتحان وسيلة تقريبية من وسائل الاختبار، فلا بد لك أن تمنحه درجة «أ» التي يستحقها إذا استعاد لك ما تريد، ولكن القدرة — ولا أقول الإرادة — على استعادة ما ينتظر منه تبعث الشك في ضآلتها وسطحيتها. أما الرجل من طراز «ب» فقد يكون مُهوَّش التفكير إلى حدٍّ ما، بيدَ أن تهويش التفكير شرط سابق لاستقلال الرأي، وقد يُكوِّن فعلًا رأيًا مُستقِلًّا مُبكِّرًا في أُولى مراحله، وربما لا يتجاوز — بطبيعة الحال — مرحلة التهويش، ولكن حينما يُعقِّب عليَّ زملائي لأني أمنح درجة «أ» لأكثر مما يحبون، ويصمونني برقة القلب، أقول إنني لا أود أن ينسب إليَّ أنني كنت الأستاذ الذي ثبَّط الهمة لدى شاب ذي موهبة ناشئة.»
١  راجع ما كتبه في «الجامعة في الحياة الأمريكية» في مجلة أتلانتك الشهرية، مايو سنة ١٩٣٢م، الجزء رقم ١٤٩، وفي «عيوب مدارسنا العليا» في نفس المجلة، أبريل سنة ١٩٣٢م، الجزء رقم ١٤٩، وما كتبه في «الجامعات الأمريكية والإنجليزية والألمانية» طبعة جامعة أكسفورد في عام ١٩٣٠م.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠