المحاورة الحادية والثلاثون

٢٧ من يوليو ١٩٤٣م

بعدما قضيت يومًا حارًّا في العمل بالمدينة كان من الترفيه أن أتوجَّه إلى كمبردج؛ لأتناول العشاء مع آل هوايتهد في الساعة السادسة والنصف، ولم يكن هناك أحدٌ غيري، وقد هبَّ النسيم العليل، وتخلَّل نوافذَهم المفتوحة في الطابَق الخامس، المطِلةَ على الحقول والأشجار.

وتبادَلْنا النِّكات عن العشاء؛ قالت مسز هوايتهد: «أشك أننا نستطيع أن نُقدِّم إليك ما يكفي لطعامك، أمَّا نحن فنتعشَّى بخمس لقمات، ونجد فيها الكفاية.» فقلتُ لها: يَكفيني ثلاث لقمات في الجو الحار.

وكان الأستاذ هوايتهد في مكتبه، فدخَلْنا عليه، وكان يرتدي لباسًا أبيضَ ويخلع سترته (وقد طلب إليَّ أن أخلع سُترتي كذلك، ففعَلْت). فبدا عليه الارتياحُ إلى الجو، كما بدَت عليه صحةٌ غير عادية، وكان مسوليني قد سقط من عهد قريب جدًّا، وتذكرتُ أن هوايتهد منذ صيفين مضَيَا في نفس هذه الحجرة قد قال لي: «لقد دوَّن مكيافلي قواعدَ النجاح قصيرِ الأمد، الذي يمتد من خمسةَ عشر إلى عشرين عامًا تقريبًا، وتذكرتُ أيضًا أنه كان هناك رجل روماني في الزمان القديم بُعث سفيرًا إلى ألمانيا العُليا في عهد الإمبراطورية دومتيان، وقد هدَّه الألم وأعياه، وتعلق برغم ذلك بالحياة «حتى أعيش على الأقل يومًا واحدًا بعد وفاة هذا القاطع للطريق.» فقلت: إنه مما يُريح النفس ولو قليلًا أن يَشهد المرء سقوط مسوليني.

فقال هوايتهد: «هذا أمر جميل.»

وقالت: «أتسميه قاطع طريق! إنه عقرب قذر.»

وسألت مستر هوايتهد إن كان يكتب شيئًا ما.

فقال: «ولكني كنتُ أقرأ ما كتبتَ.»

ولم أستطع أولَ الأمر إدراكَ ما يعني؛ لأني كتبتُ مقالاتٍ صحفيةً قصيرة منذ إبريل، ثم تذكرت أن مجلة الأطلنطيق لشهر أغسطس، والتي صدرَت منذ وقت قريب قد نشَرت لي «مركز الإعصار».

وقد انعقَد مؤتمرٌ يضم نُظارًا عديدين لمدارس إنجلترا الجديدة الإعدادية وأعضاء هيئة التحرير بمجلة «جلوب»؛ لبحث موضوع التربية الحرة في زمن الحرب، وأثرها في الأولاد ممن هم دون سنِّ التجنيد، وهي الثامنةَ عشرة. وموضع الخطر أن يَتركوا تربيتهم هذه ليتَّجِهوا، إن لم يكن كليةً إلى العلوم الحربية؛ فمن المؤكَّد إلى العلوم على حِساب المواد الإنسانية. ولم يَعلم أحد إلى أي مدًى تدوم الحرب. وإذا حُرِمت عدة أجيال متعاقبة من المراهقين من سبيلها الوحيد إلى التربية العامة وإلى العادات المدَنية للعقل التي اعتمَد عليها مجتمعنا في نقل تقاليده الحرة، إذا حدث ذلك فقد تكون حربُنا كسِباق الزَّوارق على نهر المسيسبي؛ تُوقَد فيه النار بشِحْنة الزورق وأثاث الحجرات؛ لكي ينتهيَ بنصر يكسبه بعدما يصبح هيكلًا يَفرُغ من كل شيء سوى المواقد والآلات الحربية.

فقال هوايتهد: «إنك تثير كل الموضوعات الصحيحة، ولكني لا أستطيع أن أتفق معك في كل نتائجك. لو أخَذتم على عاتقكم في أمريكا — على خلاف إنجلترا وبعض بلدان القارة الأوروبية — أن تُقدِّموا تعليمًا ممتازًا، لا إلى القلة ولكن لكل أفراد الشعب؛ فإن الصيغة التي يتخذها هذا التعليمُ تحتاج إلى تعديل! إنني أميل إلى القول بالحاجة إلى التعليم العامِّ حتى سن السادسةَ عشرة تقريبًا، ثم — فيما بين السادسة عشرة والتاسعة عشرة — أُدخِل فيه العناصر العمَلية، وبعد ذلك لا بد من إتاحة أكثر الفرص للدراسة، سواءٌ في داخل المعاهد وفي خارجها، بالمحاضرات العامة الجامعية مثلًا؛ حتى يستطيع الناس أن يُشبِعوا شغفهم بكل أنواع الموضوعات، ويجد كلٌّ منهم مجالًا لاستعداده الخاص، وأرى أيضًا أن تُصبح قراءاتهم حية باتصالهم الشخصيِّ بالمحاضِرين، ولو كان بيدي الأمرُ لجعَلتُ بعض هذا التعليم المتقدِّم إجباريًّا، وأبقيتُ على عملية التعلم حتى سن التسعين.» وقد قال هذه العبارةَ الأخيرة وهو يبتسم، ولكنه — برغم هذا — كان يقصد ما تمنَّى.

واستطرد قائلًا: «ولاحِظْ أني أشك في أن هذه الجامعاتِ العظيمة بما فيها من تخصص في العلوم يبلغ غاية التركيز، وبمَن فيها من جماعات الأساتذة الذين ينعَزلون عن الحياة اليومية لأوساط الناس، أشك في أن مِثل هذه الجامعات تكون شيئًا حسنًا على إطلاقه.»

قلتُ: «لقد طرأَتْ لي مثلُ هذه الفكرة مرارًا، ووَصْفي الخاص لها هو أن المتعلمين على هذه الصورة يصبحون متأنِّقين من الناحية العقلية.»

– «هناك جماعات عديدة لأصحاب المِهَن الرفيعة في هذه المدينة — بل في أيِّ مدينة — تعليمهم له ما لأساتذة الجامعة من قيمة بالنسبة إلى الجمهور» (وهنا دُعِينا لتناول العَشاء، وكنَّا في طريقنا إلى مائدة الطعام) «وإحدى هذه الجماعات رجالُ الصحافة، وينبغي لهم أن يُحاضِروا أكثر مما يفعلون.»

– «من الألغاز عندي» (وقد صممتُ أن أبوح بما في نفسي) «أن هارفارد ظلت ثلاثة قرون تُمِد مدينة بوسطن برجال متعلِّمين فرضًا، وحقيقة في كثير من الأحيان، ومع ذلك فالعائد أقل مما كان يُنتظَر، ألم يكن من الواجب على المدينة أن تؤدِّيَ عملًا أفضلَ مما فعلَت؟!»

وأجاب مؤكدًا: «لقد أحسنَت أداء واجبها، بل لقد أدَّتْه بدرجة لم يألَفْها أحد من قبل. وهل تستطيع أن تُسمِّيَ مدينة أمريكية قامت بأفضلَ مما قامت به؟! إن أصحاب المهن العالية عندكم يحتَفِظون — على وجه الجُملة — بمستوًى رفيع جدًّا، وبخاصة أصحاب المهن الطبِّية. ماذا كنت تتوقع؟»

– «أعتقد أن ما يُرضيني هو اشتعال العبقرية على الدوام، ثم إني ربما كنت أعرف من خفايا المدينة أكثرَ مما ينبغي.»

وجلَسْنا إلى مائدة صغيرة جميلة من طراز دنكان فايف، أُعِدَّت لثلاثة أشخاص، وقد تسرَّب ضوء شمس الأصيل الأصفرُ من ناحية الغرب خلال الستائر البندقية التي فُتِحت شرائحها قليلًا، والتي رفعَتْها كلها مسز هوايتهد، بعدما غربَت الشمس خلف برج مموريال هول، فسمحَت لضوء الشفق — الذي ما بَرِح قويًّا صافيًا، وإن يكن أشد شحوبًا — بالدخول، وقد سقَط بأكمله على وجه الفيلسوف الرزين. ومن المؤكد أن خمسَ لقمات للعشاء كان تقديرًا خاطئًا؛ لأننا تناوَلْنا في العشاء — فيما أظن — طعامًا فاخرًا (وإن كانت مسز هوايتهد قد وصفَته بالبساطة) وقد وضَعت إلى جوار الأطباق زجاجات الشراب المثلَّج، وشرحَت لنا كيف طهَت الطيور، والسلَطة، وفطيرة التفاح. وقد جاءت «روعةُ» الطعام من اللمسات الماهرة في الطهو، ثم ذكرَت لي هذه اللمسات، وأضافت إلى ذلك قولها: «إن الطهو واجب من الواجبات التي لا تُحتمَل إلا إذا كان لقوم يُحبهم الطاهي، ولولا ذلك لآثَرتُ أنا نفسي أن أعيش على الخبز والجبن، وفضلتُ ذلك كثيرًا.»

وقال هوايتهد: «لا يُحتمَل أن يجد المرء طعامًا جيدًا، مهما يكن عنده من طُهاة ماهرين، ومهما يكن ما يُدفَع لهم من أجور، إلا إذا كان الطهاة يُحبون مَن يطهون له.»

وقلتُ: إن أحسن طاهيِتَين عرَفتُهما في حياتي؛ إحداهما امرأة من يوركشير، والأخرى من أيرلندا، تندرجان تمامًا تحت هذا التقسيم، ويُضاف إلى ذلك أنهما كانتا متدينتَين؛ إحداهما بروتستانتية، والأخرى كاثوليكية.

وأجاب هوايتهد فى احتشام: «الطهو أحد تلك الفنون التى تتطلَّب الأداء من أشحاص لهم طبيعة دينية إلى حد كبير.»

وأضافت إلى ذلك زوجته: «والطاهي الماهر يَطهو لمجد الإله.»

وتلَكَّأنا على مائدة الطعام في ضوء الشفق الذي أخذ في الزوال، وقد أمسى النسيم الذي هب خلال النافذة الكبرى باردًا ممتعًا منعشًا. وفي ذلك الضوءِ الهادئ كان المساء من تلك الأمسيات الصيفية التي تبدو كالخلود البهيج.

وانتقلنا إلى حجرة الجلوس، فتغير المنظر، وكان هوايتهد يقول: إن تركه كمبردج في سن الخمسين وذَهابه إلى لندن كان أحدَ العوامل التي حددَت مصير تطوره: «فقد زَج بي ذلك في المشكلات العمَلية للتربية؛ في كمبردج اكتسبتُ خبرة في العمل السياسي وفي التنظيم، ولكن حقائق الحياة في لندن كانت أوسعَ من ذلك بكثير.» وذكَر لنا كثيرًا من الأشياء التي كانت يتَحتَّم عليه أداؤها، وكيف ساقَته إلى جميع الطبقات، وقال: «إن مدارسنا الفنِّية مثال لما قصَدتُ إليه حينما كنَّا في بداية هذا المساء نتناقش في التعليم العام، وأنا أعرف أن نظام التعليم الشعبي في لندن قد وُصِم بالنقص، ولكني وجدتُه رائعًا بعدما خبَرتُه عن كَثَب؛ إنه يُيسِّر لجميع أنواع الناس الدراساتِ التي تنفعهم في الحياة العملية، وفي الفنون كذلك، وإنك لتجد الناس من جميع الطبقات وجميع الأعمار باحثين عنها.»

وقالت مسز هوايتهد: «ومما يدل على أن هذه الدراسة لا تَنتمي إلى طبقة بعينها أن شابًّا ممن نَعرِف عظيمَ الثراء؛ تلقى أحسن تعليم في التصوير في القارة الأوروبية مما يمكن أن يُحصَل عليه بالمال، هذا الشاب وجَد عند عودته إلى الوطن أن أحسن تعليم تلقَّاه في أي مكان يمكن الحصول عليه في إحدى مدارس لندن الفنية هذه.»

– «إنني أستمع مرةً أخرى إلى تفسير جزئي لشيء حيَّرني بشأنكما منذ عرَفتُكما؛ فإنكما قد امتزَجتُما بمجتمع يهتم بالتمييز بين الناس طوال حياتكما تقريبًا، ولكنكما — برغم هذا — أقلُّ الممتازين اعتبارًا للامتياز.»

وسألَت مسز هوايتهد: «في أي جانب لاحظتَ ذلك؟»

– «فَهمُكما للحياة العامة. ولأحصر كلامي في عطفكما على الطبقة العاملة؛ وذلك شيء علَّمَتني التجرِبة ألا أجده قطعًا في أوساط أساتذة الكلمات، في هارفارد أوف في أي مكان آخر، وقد أجده هنا أو هناك لدى أحد الإخصائيين، أجل، وربما صحَّ ذلك في علماء الاجتماع، وقد لانوا شيئًا ما في السنوات القلائل الماضية، وربما يرجع السبب في ذلك إلى أن شعورهم بالأمن قد تعرَّض للخطر.»

قال هوايتهد: «إن من الأخطاء الكبرى في التفكير الأمريكي أن مجموعة معينة من الاستعدادات التي تؤدي إلى التقدم الاقتصادي، هي التي تحدد القيمة الإنسانية! وليس هذا حقًّا على الإطلاق؛ إن ثُلثَي الناس الذين يستطيعون كسب المال من المتوسطين، ونصفهم على الأقل في مستوًى منحطٍّ من الناحية الخلقية؛ إنهم على الجملة أحطُّ بكثير من الأنواع الأخرى التي لا تدفعها العوامل الاقتصادية، وأقصد الفنانين والمعلِّمين، وأصحابَ المهن الذين يؤدون عملًا لأنهم يحبونه لذاته، ويَكسبون ما يكفي ليُقيموا به أوْدَهم فحسب. وهذا التقدير السامي الذي اعتدتم أن تَنسبوه لنوع القدرة الذي يؤدي إلى التقدم الاقتصادي من أفحش الأخطاء في تفكيركم الأمريكي، وهو بحاجة إلى التصحيح دائمًا وبغير انقطاع من الأفراد الذين يخاطبون الجمهور، كما تفعل أنت.»

قلتُ: إن بعض ذلك متخلف من أيام المهاجرين الأوائل حينما كان إخضاع هذه القارة يحتاج إلى الشجاعة وإلى القدرة العمَلية.

وقالت مسز هوايتهد: «أجل، ولكن حتى في هذه الحالة ينبغي أن نُلاحِظ هذا الفارق الدقيق؛ فإن المهاجرين الأوائل قلَّما كانوا يجمعون الثروات الطائلة، إنما كان يجمعها أولئك الذين أتَوا مِن بعدهم.»

وقال هوايتهد: «إن الضرر الذي يَنجم عن رفع مكانة تلك الفئة من الناس التي تتميز بالقدرة على التقدم الاقتصادي، هو إنكار الصور الرفيعة من القدرات التي تُوجَد لدى أفرادٍ غايةٍ في البساطة؛ من ذا الذي يقول: إن المرء إذا عاش عيشة رفيقة نبيلة ولاقى مُشكِلاتِه بشجاعة من يوم إلى يوم لا يكون ذلك فنًّا عظيمًا، أو أن أولئك الذين يستطيعون ذلك ليسوا فنانين عِظامًا؟! إنَّا نَفهم علم الجمال بمعنًى ضيق جدًّا؛ إن الناس الذين يستطيعون أن يَعيشوا عيشًا جميلًا في ظروف متواضعة يَفهمون الجمال فهمًا عميقًا، فهمًا إذا قِيسَت إليه القدرة على رسم الصورة على اللوحات (ومثل هذا العمل تمثيلًا صامتًا) مهما تَكُن هذه القدرة رائعة، كانت هذه القدرة الأخيرة صيغة بدائية.»

– «إنك تؤيدني في تلك النشوة التي كثيرًا ما أشعر بها حينما ألتقي بجيراني في طرقات القرية؛ النجار، وساعي البريد، وصائد السمك؛ إن نفوسهم الطيبة ولُطْف عشرتهم تُدفئني حتى أعماق قلبي، وأبتسم في دَخيلة نفسي، ذاكرًا أن الحياة تَسبق الأدب.»

وقال هوايتهد: «منذ خمسين ألف عام أو خمسمائة ألف عام — لست أدري كم طول الزمن — حينما اتجه الإنسانُ في تطوره — وربما كان ذلك فجأة — اتِّجاهًا نشأَت عنه قدرته على الاستمتاع؛ منذ ذلك التاريخِ استحدَث الإنسان شيئًا إمكانياته لا حصر لها، إن الكائن البشري — أنت، أو أفلن، أو أنا — عنده قدرات معينة على الاستمتاع تطورَت لديه؛ لأنها فطرية من ناحية، ومن أثر التربية من ناحية أخرى. والحظ يلعب دورًا كبيرًا في ذلك.

أنت، مثلًا، إلى جانب استمتاعك بالأدب، لديك القدرة والتدريب على الاستمتاع بالموسيقى.

ومن الناس مَن لديه القدرة على الاستمتاع بالرياضيات، ولكنها كامِنة، وبحاجة إلى إبرازها بالدراسة؛ إننا لم «نُولَد» بالقدرة على الاستمتاع بالرياضيات. وآخرون، وإن كانوا قد وُلِدوا بقدرة كامنة على الاستمتاع بالموسيقى، إمَّا كمُستمِعين أو عازفين، لم «يُولَدوا» عازفين أو مستمعين على درجةٍ عالية من التمييز؛ إنما هذا وذاك بحاجة إلى التطوير. إن مدى قدراتنا على الاستمتاع واسعٌ، ولم نستكشف منه بعدُ سِوى الأطراف، إنها قدرة لا بد أن تكون كذلك لدى الحشرات، وإن كنتُ لا أعرف عنها ما يُمكِّنني من تقدير أي أنواع الاستمتاع عندهم … والعجيب أن الإنسان — في نُظمه الاجتماعية — لم يُهيِّئ حتى الآن إلا فرصة ضئيلة لتطوير قدراتنا على الاستمتاع، وقد مرَّت عصور عديدة كانت في ذلك محظوظة؛ فبالرغم مما كانت عليه المدن الإيطالية من الاضطراب في عهد النهضة؛ فقد كان يَسودها أحيانًا حكام ذَوو حس دقيق بأنواع المتع البشرية المتعددة المستحدَثة، وكذلك كان حُكام بعض الإمارات الألمانية الصغيرة في أواخر القرن الثامنَ عشر وأوائل القرن التاسع عشر يَشتهِرون برعاية صور مختلفة من المتع، وبخاصة الموسيقى والمسرح. وأعتقد أن الدول الصغرى أنجحُ في ذلك من الدول الكبرى؛ كانت الولايات الألمانية الصغرى قادرةً على إنتاج الأوبرات الريفية الرائعة خلال القرن التاسع عشر، في حين أن الحكومة الفرنسية مالت إلى الجمود الكلاسيكي، بالرغم من امتلاكها لمسرح ممتاز.»

– «هذا «التخلف الزمني» بين الفرد ونظامه الاجتماعي يُعيد إلى ذاكرتي ملاحظتَك التي أبدَيتها في العام الماضي عن العلاقة بين إمكانيات الإنسان التي لا حصر لها، والقيود ذات الحدود الضيقة. إن الدول تهتم بتنظيم الوجود المادي، وهو أمر محدود جدًّا، وقد تذكر كيف تحدثنا مرة، حينما كنتَ تقطُن في «التلال الزرقاء» عن هذه الحقيقة؛ وهي أنه لم تُوجَد في التاريخ — اللهم إلا إذا كان ذلك عرَضًا — دولة ثقافية، إنما وُجِدت دول قوية على هامشها قليلٌ من الابتداع، وقد أبديتَ شكَّك في أن الدولة هي أفضل الحالات التي تُعين على رعاية الفنون الخلَّاقة.»

قال: «حينما تُحاول ذلك الدولُ الكبرى، تَميل إلى أن تصبَّ قدرات الناس على الاستمتاع وعلى الابتكار في قالَبٍ معين، ويميل ذلك نحو الجمود. وإني أشك في أن رقابة الدولة في صالح الفنون في أمريكا؛ إن حيوية التفكير في المغامرة، وذلك ما بشَّرتُ به طوال حياتي، وقلَّ بعد ذلك ما بَشرتُ به! إن الأفكار لا تدوم، ولا بد أن يتَناولها التغيير، والفكرة يجب أن تُرى دائمًا في صورة جديدة، ولا بد أن يُمازِجها عنصر من عناصر الجِدَّة غضًّا من حين إلى آخر، وحينما ينتهي عصر الجِدة تنتهي الفكرة؛ إن معنى الحياة هو المغامرة.»

فقالت مسز هوايتهد جادة: «من المغامرة أن يُولَد الإنسان، بل هي مغامرة خَطِرة جدًّا!»

وتكلمَت وهي واقفة، وخلفها حائطٌ طُلي بلون عجيب يكاد يكون سوادًا، وكانت تلبس رداءً أسودَ بتطريز أبيض عند الرقبة، وشعرها أبيض. وفي شفق الصيف الهادئ، كانت تبدو بصورة رائعة رسمها على لوحة مصوِّر ذائع الصيت، ولم يَدُم هذا المنظر إلا لحظة، وذلك حينما تهيَّأَت لتُبديَ ملاحظتها، ثم انصرفَت إلى غرفة الطعام.

وسألت: «وما رأيك في المغامرين الذين يُخطئون المغامرةَ ويُسببون الأضرار برغم ما عندهم من حسن النية.»

فقال هوايتهد مؤكدًا: «يا لهم من حمقى! وهنا يأتي دور المعرفة؛ لا بد للمغامرين من استخدام عقولهم، ولا بد لهم مِن معرفة الماضي؛ لكيلا يَستمروا في تَكرار أخطاء التاريخ، إن مِن بين مَخاوفي من هذه الحرب أن يُفرَض على الإنسان نظام صارم، وأن تتجمَّد تلك الصفة الرفيقة، أعني قدرته على استحداث الآراء، وعلى إيجاد الأوجُه الجديدة للآراء القديمة، ثم يطوي السنين قرنًا بعد قرن، وهو يشتد غباءً، وتمسكًا بالقواعد، حتى يبلغ هو ومجتمعُه مستوى الحشرات الراكد، وقد عرَفَت آسيا شيئًا من ذلك. وليس من شكٍّ في أن أقوالًا جميلةً قد قِيلَت في الصين منذ ألف عام، بيْدَ أن كل قرن — لمدة ألفَيْ عام على الأقل — كان أقلَّ مما سبَقه تشويقًا. وإذا أراد الناس أن يَذكروا لي ما تَدين به المدنَية للهند كان لا بد لهم من العودة إلى حوالي عام ٥٠٠ق.م وربما تعجَّبتَ لشعوري البارد، لا نحو جون ديوي شخصيًّا — الذي أُجِلُّه كرجل، والذي أُعجَب ببعض أوجه مؤلفاته — ولكن نحو تفكيره. ويرجع السبب في ذلك إلى أنه يهتم في تفكيره بالأمان، في حين أن حيوية عقل الإنسان في المغامرة؛ كان للمصريِّين في عام ٥٠٠ق. … من غير شك تاريخٌ جليل وراءهم، ولكنه يخلو من المغامرة، وقارن بالقليل الذي ورَّثوه للرجل الغربي تلك الوَفْرةَ من علوم الجمال وقواعد الأخلاق التي وَرِثناها عن الإغريق والعبرانيِّين.»

كنتُ أقوم بهذه المقارنة وأنت تتحدث! إن ذلك الكاهن المصري القديم في قصة أفلاطون كان يُدرك لا شعوريًّا شيئًا من هذه الموازنة، حينما كان يقول لسولون: «أنتم أيها الهلينيون لستم إلا صِبيانًا … إنكم جميعًا شباب في عقولكم، والصبي مغامر.»

وأجاب هوايتهد قائلًا: «أملي أن تتسلم أمريكا قيادة البشرية بعد هذه الحرب؛ إن أمريكا — كما أرها — هي الأمل الوحيد. هنا مغامرة، وترحيبٌ بالجديد، وتستطيعون أن تفعلوا لمستقبل البشرية ما فعلَت اليونان وأرض الميعاد للعالم الحديث، مقابل ما تفعله آسيا وأوروبا. لقد كانت لليهود بعضُ الآراء الخلقية، ولكنها ما كانت لِتُثمِر لولا الإغريق.»

– «ما هو فضل الإغريق في رأيك؟»

– «النظرة الجمالية إلى الحياة.»

– «لاحظتُ منذ لحظة وأن تستخدم هاتَين اللفظتَين: «الجمال» والأخلاق في مَعرِض الكلام عن الهلينيين والإسرائيليِّين؛ أنك تُقدِّم الجمال.»

قال: «هذا صحيح.»

– «هل ترى أن الجمال فكرةٌ أوسع وأعمقُ جذورًا من الحق؟»

– «أجل؛ فإن الحق — إذا انفصل عن الجمال — لا يكون خيرًا ولا شرًّا.»

قالت مسز هوايتهد التي عادَت أثناء المناقشة: «وهذا ما وقَع فيه البيورتان؛ نبَذوا الجمال، وقد بدأوا بداية حسنة، حينما اعتقَدوا أنهم خُلِقوا في صورة الله، ولكنهم انتهَوْا بأن جعَلوا الله في صورة الإنسان.»

– «وبأية سرعة يَخثُر هذا اللبن، أو تَفسد الأمور! لقد انقضى أقلُّ من عام ما بين مستعمَرة بلبموث ووليم برادفورد، وبين كوتون ماثر.»

قال هوايتهد: «كانت الفكرة تَفقد حيويتها؛ لقد كَفَّت عن المغامرة، وورَثتُها يرثون الفكرة دون وراثة حرارتها! كان السلف لا يمتنعون عن الموت في سبيلها، وقد فعَل بعضهم، وربما لم يَعُد أمام الخلَف ما يموتون من أجله، لقد عرَفوا قوة الإيمان عند أسلافهم، وشعَروا أنه لا بد لهم من الإحساس بالحرارة القديمة، وحاولوا أو تظاهروا بذلك، ومن ثَم أعطَوا عن أنفسهم فكرة المنافقين.»

وذكَّرَته مسز هوايتهد بقولها: «إن أبوَيْك نفسَيْهما لم يَعتقدا بقوة كما حسبا.»

واستطرد قائلًا: لقد «حسبا» أنهما ما زالا يعتقدان بقوة، وكان «أبواهما» من المؤمِنين بشدة، ولكن لما جاء أبوايَ، كانت الفكرة قد برزَت إلى درجة ربما اعتُبِر معها موقفُ أبوَيَّ اليوم موقفَ نفاق! وأوَد أن أنبه إلى أني لم أقل: إن موقفهما كان موقفَ نفاق؛ بل لقد كانا مُخلِصَين، ولكن الموقف تغير، فعرَضا علينا ديانتهما باعتبارها أساسًا وسيلةً لحفظ النظام، في الأسرة وفي المجتمع. ولكن ذلك أمرٌ يختلف كل الاختلاف عن العقيدة الدينية.»

وعلقتُ بقولي: «إن المرء يَلحَظ تغيرًا شبيهًا بهذا في كتدرائية ستراسبرج؛ إن أحدًا لم يُعِدَّني لها من قبل، وكانت مفاجأة لي؛ صحن الكنيسة وأجنحتها غوطية من عصر متأخر، خفيفة لطيفة في كمالها المنطقي الرشيق، أمَّا الأجزاء القديمة في ركن المذبح فهي رومانسيكية، من عصر الإيمان الشديد، وتأثيرها من العنف بحيث يُضعف قوة الصحن، برغم جماله.»

قال هوايتهد: «إن فن العمارة مثالٌ طيب لدورة الحياة في مغامرات الأفكار، وهو من الصور الفنية التي أهتمُّ بها أشد الاهتمام، ولأضرب مثلًا بالفن الغوطي الإنجليزي؛ إنه يبدأ بالنورماندي الرومانسيكي القديم، ثم يستمرُّ قرنًا بعد قرن، مجتازًا الأساليب الأربعة المتتالية تقريبًا حتى القرن الخامس عشر، حيث يبلغ نهايته. إن ما كان يحدث في ذلك القرون الأربعة المتتالية هو أن الأوجُه الجديدة للفكرة كانت تُستكشَف وتتطور، وكانت عناصرُ متتابعة من الجِدة تظهر وتَدخل الفن، مثل كثرة النوافذ، وارتفاع الأعمدة، وجمال القِطَع الحجرية المتشابكة التي تُزخرَف بها النوافذ الغوطية، وما إلى ذلك، حتى بدا كأنه لم تَعُد هناك زيادةٌ لمستزيد! إن إمكانَ ظهور وجه جديد قد نَفِد، وبلغَت الفكرةُ الغوطية نهايتها، فكفَّت عن التطور، وتوقفت وقوفًا تامًّا، فتراهم يعودون إلى فن البناء اليونانيِّ والروماني، ويُطبقونه على عالم النهضة المتغيِّر، فترى كنيسة سنت بول مكان الدير الغوطي، بيدَ أن الأسلوب الكلاسيكي لفنِّ البناء القديم الذي أُدخِل على العالم الحديث كانت له — فيما أظن — هذه الخاصية العجيبة، بالرغم من أنه يؤدي أغراضًا عدةً بدرجة تدعو إلى العجَب، ويمكن — على وجه العموم — أن يَظهر بمظهر الجمال إن تناوَلَته يدُ صَناع ماهرة، بالرغم من ذلك فإنه ينقصه ذلك … ذلك الشيء النهائي … ماذا أسميه …؟»

واقترحَت مسز هوايتهد أن يُسمِّيه «التجاوز».

وقَبِل هذا التعبيرَ وقال: «أجل، هذا التجاوز النهائي؛ أقصد أنه لا يُقيم ذلك البناء الذي أقطع في سبيل رؤيته رحلةً تستغرق أربع ساعات بالقطار.» واستطرَد قائلًا: «إن المادة الجديدة، والزاوية الجديدة للنظر إلى الفكرة، قد يُعطيها المعنى السعيد، كما فعل النازحون الأوائلُ إلى إنجلترا الجديدة عندكم حينما أدخلوا البيت الإنجليزي إلى هذه السواحل، ولكنهم اضطُرُّوا إلى بنائه من الخشب، لقد كان على نفس الأسلوب، ولكن مع تعديل جديد بهيج، وأشك في أنكم بلَغتُم هذا الإتقان في بيوتكم الحجَرية …»

– «إننا لم نُقِمها حتى بعد ١٨٤٠م وما بعد ١٨٥٠م، وكان «إحياءً غوطيًّا» وأنت تعلم مدى قِصَر الوقت الذي استغرقه …»

– «لا أظن أنها تُعتبَر ناجحة.»

– «كانت محاولةً للعودة إلى الأسلوب الغوطي دون التقاليد الغوطية.»

ووجه هوايتهد بَغْتة فكرته الخاصة وِجهةً جديدة حين قال: «إن عظَمة لورنس لول تضمَّنَت هذا الإدراكَ لصعوبة الاحتفاظ بالفكرة حية، ولم تُقدَّر بعدُ هذه الصورة من صور عظمته بوجه عام؛ رأى أن المطلوب هو فترة معينة من التعليم المنظم للشباب، ثم يُسمَح لهم بعد ذاك بأن يَكشِفوا بأنفسهم — بإرشاد الأساتذة أو بغير إرشادهم — ميادينَ متنوِّعةً من العلم أو العمل، وإلى جانب ذلك رأى الحاجة إلى إضافة أقدم صورة من صور التسلية والتعليم عُرِفت للجنس البشري، وهي المحادثة. وتلاحظ أن تأسيسه «للزملاء الصغار» يَقوم على هذه المبادئ؛ إنهم يُختارون لجدارتهم — بقدر الإمكان — من جميع أنحاء هذه القارة، ودراساتهم تتنوَّع بمقدار تنوع الفنون والعلوم، وقد ظفروا بقدرٍ معين من التدريب المنظم، ومن العمل الذي يميزهم. وقد نُظِّمت جمعيتهم بحيث يجتمعون على العشاء، ويَقضون معًا على الأقل ليلةً كل أسبوع يُنفِقونها في تبادل الحديث بعضهم مع بعض، ومع عدد كبير من مختلِف الضيوف البارزين الذين يَنتمون إلى مختلِف المهن، ولا تقوم بينهم «عصبية علمية»، فالشباب الذي يَدرس الأدب يَلتقي بالشباب الذي يدرس الأحياء والرياضة، في حين أني أُلاحظ قدرًا كبيرًا من العصبية العِلمية بين هيئة التدريس في هارفارد ذاتها. ويُخيَّل إليك أن الشباب في قسم من الأقسام لا يتعلم شيئًا من زملائهم في قسم آخر، بل لقد يُخيل إليك» (وهنا ظهر الاستياء في نظرته) «أنهم يَقون أنفسهم من الفساد، وأعتقد أنه من الخطأ الفاحش أن يَزعم المحاضرون الجامعيون أنهم قادرون على توجيه الكلام عامًا بعد عام إلى الشباب، إلى الطلاب، مع ابتعادهم عن فرصة التعلم من الشباب المتحمِّس، وهو مِن أثمن الأشياء في هذه الدنيا …»

وأبدَت مسز هوايتهد هذه الملاحظة: «كأنَّ المحاضِرين قد رُخِّص لهم بالغرور!»

– «إنك تصف «الشباب المتحمس» بأنه من «أثمن الأشياء في هذه الدنيا»، وأرجو أن تشرح، في وضوح أشد، ما تَعني بذلك.»

«أعني» (وهنا تردد، وفكَّر في التعريف) «وَميض الشاب، (وأخشى أني سأُضطرُّ إلى استخدام تعبير ضخم، ولكني لا أعني به الضخامة) إنما أعني وميض الشاب الذي كشَف لتوِّه عملًا أدبيًّا عظيمًا؛ ليس المهم هو الكتاب الذي استكشَفه، إنما هو ما يُلقي عليه من ضوء. هنا تجد معنى المغامرة والجِدة، وتجد أن الفكرة القديمة تُرى من جديد من زاوية جديدة، وهذا هو ما يَنبغي لمعلِّمي الجامعة أن يَرقُبوه في يقظة شديدة، وما يَنبغي لهم احترامه كلما ظهر، بدلًا من أن يُحِسوا بشيء من السخط على الشبان الذين تشتد بهم حماستهم.»

– «لما كنتُ من القادِمين من الغرب الأوسط، فقد أحسستُ بأن الحماسة في إنجلترا الجديدة غيرُ مستحَبة، وقد لاحظ ذلك أيضًا هارفي كوشنج الذي قَدِم كذلك من الغرب الأوسط، وقال بأن مقاومة العقل الجامد والمادة جامدة — فيما يَختص به — لأيِّ تجديد، سواءٌ في الجراحة أو في غيرها، هذه المقاومة تَشُق على امرئ لديه — مثله — أمرٌ جديد عسير لا بد من أدائه، حتى إنه ليَتحتَّم أن تتوافر لديه حماسة شديدة تكون له بمثابة العجَلة التي تدفع فِكرته وسط المشاقِّ وكأنها المنشار الذي يَشق عقدًا من الكتل الخشبية.»

وقالت مسز هوايتهد: «كلُّ مَن قَدِم من إنجلترا إلى إنجلترا الجديدة — مثلَنا — لا يُحِس هبوطًا في درجة الحرارة كما أحسستَ لقدومك من الغرب الأوسط، بل يُحس بارتفاع فيها؛ بعد الجو الاجتماعي الذي لمسناه في إنجلترا أحسَسنا كأن الجوَّ في إنجلترا الجديدة لهيبٌ يندلع من نار.»

قلتُ: «إن العقل في إنجلترا الجديدة (كما لاحظ ذلك كثيرٌ من الأجانب) كثيرًا ما يَترك في أول الأمر أثرًا أطيب مما يتركه القلب في إنجلترا الجديدة.»

وسألت مسز هوايتهد: «هل طرَأ لك أن سكان إنجلترا الجديدة قد يَكونون من الجبناء؟»

– «كلا، لم يطرأ لي ذلك، ولكنهم كثيرًا ما يكونون كذلك، حتى خيارهم، وإذا كنت لم أحبَّهم، فلماذا لبثت بينهم؟ إنني أعجب بالناس وبالمناظر، وبالثقافة الناضجة، وبالمكتبات، والأركسترا. وأكاد لا أذكر أني استمعتُ إلى محادثة طيِّبة بين الشباب من قبل حتى أتيتُ إلى هنا.»

وقال هوايتهد: «في كمبردج نادٍ كنتُ أروده في شبابي، وكان تنيسون وصديقه هلام، الذي مات في ريعان شبابه، من بين مؤسسيه. وكانا يُطلِقان على نفسَيْهما اسم «الرسولين»، أمَّا الأعضاء فطلاب، وبعد تخرجهم تكون لهم «أجنحة» ويصبحون من الملائكة، وكان الأعضاء الجدد يُختارون جميعًا بوساطة هؤلاء الطلاب، وعلى أساس أنه يُحتمَل أن يُثبِتوا أنهم من الأشخاص الممتعين، وفي كل اجتماع — وكانت الاجتماعات تُعقَد مساء السبت دائمًا — كان يتقدم أحد الأعضاء ببحث يُقدِّم فيه بعض الأفكار للنقاش، ويَستغرق ذلك ما يَقرب من عشرين دقيقة، وقد سبَق للأعضاء إجراءُ الاقتراع لترتيبهم في الكلام بعد التقديم الأوَّلي للفكرة، ويُنتظَر من كل فرد منهم — في دوره — أن يَقف عند الموقد ويُدلِيَ بما يَعِن له، والمفهوم بينهم ألا يُذاع في الخارج شيء مما يُقال هنا على اعتبار صدوره من أي عضو من الأعضاء. والواقع أنه من المفروض ألا يَعرف أحدٌ مَن هم الأعضاء، وإن كان يُصيب الحَدْس في حقيقة الأمر، وكم من عضو من الرجال البارزين قد مر «بالرسل»! وكانوا يتناولون العشاء في لندن مرة كل عام يحضره «الملائكة». ويَرأس الاجتماعَ أحدُ «الملائكة» ويجلس على قمة المائدة، وينوب عنه في الرياسة آخِرُ مَن اختِيرَ ليكون «رسولًا»، ويجلس على الطرف الآخر للمائدة، ولا يُسمَح لأعضاء كليات كمبردج بالدخول في كلية أخرى بعد العاشرة مساءً، ولكنا كنَّا نجتمع قُبيل العاشرة، ونُحدِّد عدد المجتمِعين باثنَي عشر، ويستمر النقاش بيننا حتى الفجر، وكان مستوى النقاش عاليًا إلى درجةٍ مذهلة، على الأقل حتى نشوبِ الحرب.»

وتحول الشفَق إلى الغسَق، ثم إلى الظلام، وكانت الحجرة باردة بهيجة يهب عليها نسيم المساء خلال النوافذ، مما أغرانا باستمرار الجلوس في الظلام، الذي دفَعَنا — إن كان له أثر — إلى رفع مستوى الحديث، وواصَلْنا الكلام تحت هذه الظلال المريحة.

وقالت مسز هوايتهد: «لقد ذكَرَت الصحف بطبيعة الحال تأسيسَ مستر لول لجماعة صغار الزملاء، بيدَ أن ذِكرها لها لا يَدنو من مقدار أهميتها للمستقبل التي تستحقها؛ ما هو الخبرُ لو أن مسز لول هرَبَت مع السائق، أو لو أن مستر لول أساء الاتصال بالخادمة؟ لما خصصت الصحف مثل هذا الحيز الضيق كما فعلت في موضوع صغار الزملاء.»

قلت: «إنك تسألين على مَن تقع الملامة؟ إن ذلك يتوقَّف على مَن توجِّهين إليه السؤال؛ ولو سألتِني قلتُ: إني أعتقد أن وراء ذلك أن الصحيفة كالسلعة التجارية؛ لا بد أن تَجلب الرِّبح مضافًا إلى تكاليف إنتاجها، إن ما تحتاج إليه هو قسَم أبقراطي لرجال الصِّحافة! كيف تكون الجامعة لو عاشت على ما يَدفعه الطلبة من نفقات؟!»

قال هوايتهد: «إنها لا يمكن أن يكون لها وجود.»

واستطردَت مسز هوايتهد قائلةً: «في جنوبي إنجلترا قليل جدًّا من الموسيقى، وكان من المفروض أن السكان هناك غيرُ موسيقيين بفطرتهم، وأخيرًا منذ أن أخذَت مِحطة الإذاعة البريطانية تُذيع الموسيقى الجيدة فقط، نما في الناس هناك حبُّ الموسيقى، وتكونَت لديهم الجماعات الموسيقية في القرى، ولا يريدون إلا أحسنَ الموسيقى لأنفسهم. إن كل مَن يملك جهازًا للراديو في إنجلترا يَدفع ضريبة صغيرة، وذلك يَسُد نفقات محطة الإذاعة البريطانية، ولا يُسمَح بالإعلان على أمواج الأثير. ومن التخريف الشديد أن نَظن أن الناس لا يريدون أحسن الأشياء، وعلى هذا الزعم تُقدَّم إليهم المادة المنحطَّة التي يُنتظَر أن تجد في السوق رَواجًا، وتَميل هذه المادة إلى الهبوط تدريجًا.»

– «بعد مقاومة هذه الخرافة الكبرى داخِلَ مكتب الصحيفة لفترة تَربو على نصف العُمر، وبعدما أثبَتْنا أنها بالفعل خُرافة — ومن الإنصاف أن أقول: إن ذلك لم يكن دون بعض المعونة من إدارة الجريدة ومن أصحابها — بعد ذلك، ما زلت أدهَش حينما أرى أفرادًا عليهم سِيما الاحترام في العرَبات العامة يقرأون الخط الدقيق في الأسطر التي تُدرَج تحت العناوين المبتذَلة إلى درجة فاضحة! ولا يبدو عليهم أنهم أناسٌ يهتمون بهذا اللون من الأخبار.»

وعلَّقَت مسز هوايتهد بقولها: «وقد يُذعِنون في نهاية الأمر، ويتعلَّمون استساغة السُّم بعدما يتَناولون منه قدرًا كافيًا» …

وقال هوايتهد: «ومن الإنصاف أن أذكر أن جانبًا كبيرًا مما يُكتَب للمقالات الجديدة في صُحفِكم يضَع أمام القراء مسئوليتَهم عن الاحتفاظ بالنظام الاجتماعي. وأوجهُ ذلك متنوعة، ولكنها جميعًا تنتهي إلى هذه الغاية: تذكير القراء بأن الاحتفاظ بالنظام الاجتماعي يتوقَّف عليهم. والمسئولية عن أي نظام اجتماعي هي أساس الحضارة؛ فإذا لم يكن هناك مجتمع يأمَن فيه المرءُ على حياته ومِلكه، لا يمكن أن تستمر الحياة إلا على أحطِّ المستويات؛ لا يمكن أن تُوفِّر حياة طيبة لأولئك الذين تحبهم، ولا يمكنك أن تُكرِّس جهودك لنشاط على مستوًى أرفع. ومن ثَم فإن الإحساس بالمسئولية عن استمرار نظام اجتماعيٍّ ما أساسٌ لأي نظام أخلاقي، وهذه الصورة من صور المسئولية تَنتفي بتاتًا من المسيحية، ويَكاد يسوع ألا يَذكُرها، اللهم إلا في عبارة واحدة أو عبارتَين.»

وقالت مسز هوايتهد: «وإحدى هاتَين العبارتَين (أعطِ ما لقيصر …) فيها مراوغة.»

واستطرَد قائلًا: «أوَد أن أَذكر أنه كانت هناك أسبابٌ تاريخية لهذا النقص؛ فلم يكن لليهود دولةٌ مستقلة يحكمونها، ولا يمكن أن نُلقِيَ اللوم على امرئ لأنه قصَّر في اعتبارِ ما لم يكن هناك في عصره فرصةٌ لاعتباره! لقد قال ما كان يُنتظَر من مفكر قدير أن يقوله؛ إن ظروف التاريخية لم تَستنبِط قانونًا أخلاقيًّا يتعلَّق بالمسئولية عن النظام الاجتماعي، بيدَ أن انتفاء مثل هذه المسئولية كان خاصية من خواصِّ اليهود لعدة قرون، وهذا سببٌ من أسباب عدم محبة الناس لهم. وقد تقول: إن الطريقة التي عُومِلوا بها في كثير من البلدان التي نزَحوا إليها لم تَسمح لهم بالإسهام في هذه المسئولية. وأنا أوافقك على ذلك كلَّ الموافقة، ولكن هذا الانتفاء قد أوقَع المسيحيةَ في تناقض يكاد أن يكون دائمًا؛ إنها تقول بأن مظاهر الحياة الخارجية لا تَستحق الاهتمام، وهي تُصرُّ في الوقت عينِه على ضروب من السلوك الخلقي التي لا يُمكن مراعاتها — بغير هلاك — إلا إذا نَظمَت مظاهر الحياة الخارجية تنظيمًا حسنًا كافيًا. إن مجتمعًا يَسير على مبادئَ مسيحيةٍ بحت لا يمكن له البتة أن يعيش!»

وعلقتُ بقولي: «لقد ظهَر ذلك في أحيانٍ كثيرة في النقد الاجتماعي للقرن التاسع عشر، وبخاصة بين الروس، أمثال تولستوي وكروبتكن: فوضوي مسيحي، وفوضوي فلسفي. أمَّا بين النقَّاد الاجتماعيين في البلدان الأوروبية (والأمريكية) الأخرى؛ فإن المرء لا يَفتأ يُقابِل هذا الإحساسَ بالسخط والحيرة؛ إنكم تُسمون أنفسكم مسيحيِّين، ومجتمعَكم مجتمعًا مسيحيًّا، إذن فلماذا لا …؟ وما ظهر لنا اليوم — مما لم يَظهر في ذلك الحين — هو أن الاستقرار الاجتماعي النسبي في القرن الذي يقع بين عام ١٨١٥م وعام ١٩١٤م قد خدَع حتى الكثيرين من أقدر المفكرين، فظنُّوا أن النظام الاجتماعي المستقر أمر مؤكد.»

فأجاب بقوله: «لم يدرك الناسُ أن الاستقرار الاجتماعي من متطلَّبات السلوك الخلقي إلا بعد توحيد العالم الحديث بالوسائل الفنية العلمية، وقد أرغمَنا على ذلك أنماطُ الرجال الذين يتولَّون قيادة الأداة الحكومية في بعض البلدان، وهم الذين أجبَرونا على مقاومتهم حتى نستطيعَ أن نحتفظ بأي نوع من أنواع حُسن المعاملة الاجتماعية.»

وأثَرتُ هذا السؤال: «وإذا ما اعترَفْنا بذلك، فأيَّ نوع من أنواع الأخلاق تريد أن يحتفظ به النظامُ الاجتماعي المستقر؟ منذ بضع ليال راعَني أن أستمع إلى أحد المؤلفين — وهو رجل أحترمه كثيرًا — استمعتُ إليه وهو يشير إلى شخص ما، في كتاب أو في خطاب عام، (يشيد بالفضائل البرجوازية). والآن أراني أستمع إلى نقد البرجوازية نقدًا مرًّا، وأعرف بعض الأسباب التي يقوم عليها هذا النقد، ولكن هل لا يستطيع عالمنا أن يُفيد من بعض الفضائل البرجوازية؟»

قال هوايتهد: «إن إحدى فضائلهم أنهم يَدفعون دُيونهم، وهي فضيلة كبرى، ولن يستقرَّ المجتمع بدونها.»

وقد دقَّت ساعة مموريال هول العاشرة، ولما كانت مسز هوايتهد تعلم أن عليَّ أن ألْحَق بالقطار؛ فقد نهَضت في أدب جمٍّ وأشعلَت أحد الأنوار. وكنَّا قد جلَسنا في الظلام قرابة الساعة.

وخرَج معي مستر هوايتهد إلى المصعد، وقال: «أشعر دائمًا أن عليَّ واجبَين لا بد من أدائهما للضيف الراحل؛ أحدهما أن أتأكد من أنه لم ينسَ شيئًا مما يملك، والآخر أن أتأكد من أنه لم يَحمِل معه شيئًا مما أملك.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠