المحاورة الثامنة والثلاثون

٢٩ من مايو ١٩٤٥م

أقام مستر ومسز وليام چيمز حفلًا لآل هوايتهد، في ٩٥ شارع أيرفنج، في البيت الكبير المُريح الذي بناه الأستاذ جيمز فيما بين عام ١٨٩٠–١٩٠٠م، وحيث عاش حتى وفاته في عام ١٩١٠م. وأنا أذكر حجرة الدرس لأني زرتها وأنا طالب في الجامعة لكي أستشيره في موضوع رسالة.

وقد دعا الضيوف للحضور «في أي وقت بعد الثامنة والنصف». وكان مساءً لطيفًا من شهر مايو، وكمبردج في هدوء. والمروج النضرة من أشجار الدردار واللبلاب في فناء الكلية كانت تُغري بالتلكؤ. ولما وصلت وجدت أن آل هوايتهد وضيوفًا آخرين عديدين قد سبقوني إلى حجرة الدرس. والتفت جماعة حول الموقد حيث كانت نار الحطب تشتعل، وأخذ الآخرون يتواترون حتى كان بالغرفة ثلاثون أو أربعون شخصًا، وجلس الضيوف، ولكن المجموعات كانت في تغيُّر مُستمِر. ولاحظت أن التئام الجماعات كان يتم في مهارة ولباقة شديدة.

واستطعت من حين إلى آخر أن أُجدِّد عهدي بهذه الغرفة، وكانت جدرانها لا تزال مليئة بالكتب، ولكن وليام جيمز — وهو أكبر الأبناء — الذي سرعان ما اتصل بي في حديث مُنفرِد في إحدى الزوايا إلى جوار مكتب أبيه قال: «ليست هذه كل الكتب، ولا كل كتبه، وقد رُتِّبت إلى حد كبير وفقًا للأحجام والمجموعات. كانت مكتبته مكتبة باحث، رُصَّت فيها الكتب من كل الأحجام وكل الأشكال جنبًا إلى جنب وفقًا للموضوعات.»

– «إنها تبدو كما أذكرها إلى حد كبير؛ فهناك المجلدات ذات القصاصات الورقية في ظهرها، وهناك النشرات … وأرى هناك في الرف الذي يلي القمة مجموعة كاملة من جورج مرديث، طبعة أدنبرة، كنستابل وشركاه.»

– «إنها مجموعة العم هنري، وكانت هدية من مرديث.»

وكانت على الرف الذي يعلو موقد النار صورة فوتوغرافية رائعة؛ أربع بوصات في ثمانٍ تقريبًا، في إطار مُغطًّى بالزجاج، للأخوَين وليام وهنري. وقد اختفى النضد الذي كان يتوسط الحجرة، وكذلك اختفى مصباح القراءة الغازي المُظلَّل باللون الأخضر الذي كان هناك في السنين الخوالي، ولكن بقي المكتب الكبير المصنوع من شجر الجوز الأسود، وقد بلغ من الطول ما يسمح لرجل طويل يتمطى عليه كأنه سرير خلوي، ويقوم على قاعدتَين ذواتَي أدراج من شجر الجوز الأسود. وقد بدا في الواقع كأنه سبق في تاريخه استئجار الأستاذ جيمز للمكان، وربما كان ملكًا لأبيه.

وقال الابن: «كان أبي يجلس للعمل في الجانب الآخر منه، في ذلك الركن.»

وشعرت بميل شديد إلى تجاهُل الحافلين وإنعام النظر في تلك الرفوف وتسجيل مذكرات عن العناوين والمؤلفين، كما استطعت أن أفعل مرة أو مرتَين في مكتبة هوايتهد. وقد اشتغل الأستاذ رالف بارتن بري — راوي سيرة وليام جيمز — في حديث مع هوايتهد إلى جوار الموقد.

وكان يتحتم عليَّ أن أُغادِر الحفل مُبكِّرًا. ولما خرجت إلى الردهة لأسترد سترتي وقبعتي، وجَّهت ملاحظة إلى مُضيفي الذي رافقني إلى الخارج.

قلت: «ماذا نصنع لنرسم صورة زيتية لهوايتهد؟»

قال: «لقد رسم شارلز هبكتسن تخطيطَين بالزيت؛ أحدهما لم يبلغ حد الإجادة، أما الآخر فجيد جدًّا. ثم — كما يحدث لنا كثيرًا نحن المُصوِّرين — أخذها إلى مَرسمه لكي يضع فيها اللمسات الأخيرة، ويظن بعض الناس أنه أتلفها.»

– «رأيت التخطيطَين في مَرسمه، وأحدهما شديد الشَّبه بالصورة، وقد تحدَّثت عنه منذ بضعة أيام مع شارلز، وقال لي، في تواضع يدعو إلى الإعجاب: «أشك في أني كفء لرسم هوايتهد.» … ولكن هل نسمح لهوايتهد أن يُغادِرنا دون صورة جيدة له؟ أنت مَدين لنفسك برسم صورة لهوايتهد.»

فأجاب ضاحكًا: «كنت في شبابي أطلب إلى أي فرد أن يجلس أمامي لتصويره. أما الآن فإني حينما أُحاوِل أن أتعلم لغة أتردد في أن أطلب إلى شخص أن يجلس للتصوير حتى أتعلم الحديث بهذه اللغة.»

ولما أُغلِق الباب الخارجي للمنزل رقم ٩٥ بشارع أيرفنج خلفي، وخرجت مرة أخرى في ليلة من ليالي شهر مايو، رأيت في لمحة خاطفة ذلك الفناء الفسيح الذي يقع جنوبيَّ المنزل، والذي تُطِل عليه نوافذ حجرة الدرس. وهناك، في يوم من أيام سبتمبر بعد الظهر من عام ١٩٠٣م، كنت قد رأيت وليام جيمز لأول مرة، وكنت قد أدَّيت امتحان القبول بنجاح، ولم ألتحق بالجامعة بعد، ولكني سألتحق بها بعد يومَين. وقد انقضى عامان منذ شرعت أقرأ ما كتب وليام جيمز، ولما كنت صبيًّا في السابعة عشرة من عمري في مدينة صغيرة بالغرب الأوسط، فقد وضع مقالان من مقالاته خاصة في قلبي بأسًا وشجاعة، وكنت عارفًا بفضله، وقد أحببته غيبًا. ولما التحقت أخيرًا بكمبردج، طرأ لي فجأة أني — بعدما توجَّهت إلى كنكورد وشهدت أين كان يقطن أمرسن وهوثورن — أستطيع أن أطوف لأشهد أين كان يسكن وليام جيمز، وقد عرفت من دليل الكلية اسم الشارع ورقم المنزل، وكان الصيد في هذه المرة أفضل بكثير من البيت نفسه. فهناك في فناء البيت كان وليام جيمز جالسًا فوق مقعد في الحديقة يتحدث مع بعض زائريه. ولم أشك قط في أنه هو! فلقد رأيت له من قبل صورًا فوتوغرافية. وبلغت الممرات الخارجية نغمات صوته، وهي نغمات عذبة عالية الرنين، وإن لم تبلغها كلماته. وكانت هذه — فيما أظن — أول مرة أشهد فيها رجلًا مُبرِّزًا بشخصه. إنه مشهد يفتح العيون، لا يستطيع المرء أن يتخيله إلا إذا قيل له عنه، وما أيسرَ أن تظن أنه لا يختلف كثيرًا عن غيره، وهذا حق من ناحية، وباطل من ناحية أخرى. ومهما يكن من أمر، فهناك كان يجلس وليام جيمز فوق مقعد بالحديقة يتحدث إلى أصدقائه وديعًا كالملاك. ولو خُيِّرت بين أن أشهد ملاكًا أو وليام جيمز لاخترت بالتأكيد وليام جيمز. وما زلت أعتقد أن الاختيار صحيح.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠