المحاورة الرابعة

٢٥ من مارس ١٩٣٥م

تناولت الشاي مع الأستاذ هوايتهد وزوجه في كمبردج، ولم يُثمِر بعدُ شجر الجميز الذي يمتد في صفَّين على طول طريق «مموريال درايف»، ولكن شمس الربيع الباكر قد أرسلت ضوءها الذهبي الفاتر، والهواء برغم برودته الخفيفة ساكن لطيف، والنهر أزرق صقيل، لا يهز سكونَه طلبة الكلية بمجاديفهم.

وقُدِّم لنا الشاي في حجرة جلوسهما، ثم أخرجا مجلدَين قديمَين من الرسائل، عنوانهما «ثلاثة أجيال من النساء الإنجليزيات»؛ مسز جون تيلر، ومسز سارة أوستن، والسيدة دف جوردن. جمعتها جانت دف جوردن.

وقال الأستاذ: «أعتقد أن الصورة التي تحصل عليها عن عصر من العصور من الرسائل الخاصة التي كتبها أصحابها تلقائيًّا ودون التفكير في نشرها، أصدق من الصورة التي تحصل عليها من القصص في ذلك العصر وأحسن في أكثر الحالات مما تحصل عليه من مُؤرِّخين.»

وقالت زوجته: «وفي هذا الباب تفضُل السيدات الرجال.»

فوافقها قائلًا: «أفضل بالتأكيد من المُؤلِّفين الذين يتبادلون الرسائل بنية نشرها في المستقبل.»

– «كان أدمندجوس يشكو من أن الرسائل التي كان يكتبها إليه روبرت لويس ستيفنسن لا تُنبِئه بشيء عما كان يود أن يعرفه عن صديقه، ولو أنها كانت قطعًا من الفن والأدب؛ مما حفَّز كارولين ولز إلى تأليف تلك القصة الشعرية التي ردَّد فيها قوله: «لا بد أن يظهر المرء بمظهر حسن فيما يُطبَع.»»

وقرأ الأستاذ جهرًا قطعة كتبتها سارة أوستن إلى م. ب. سنت هيلير في ٧ يوليو من عام ١٨٥٦م (الجزء الثاني، صفحة ٤٢) عن بسمارك فيها تنبؤ يدعو إلى العجَب، قالت:

… لأن هذه الممالك الجرمانية الصغيرة، التي تحكم حكمًا يدعو إلى الإعجاب، لا بد أن تختفي، وسيعم قريبًا حكم القوة المسلحة التي بدأته الثورة الفرنسية والحروب التي أعقبتها، وسوف تهزمكم بسلاحكم تلميذتكم بروسيا، ولن يتردد م. دي بسمارك في استخدام العنف والخداع والوسائل الوضيعة، وسوف يُصبِح كفئًا على الأقل لكل ما تملكون. إن أحرارنا الأغبياء يُصِرون على رؤية الحرية في بروسيا، والاستبداد في النمسا، ولكن هؤلاء القوم لهم كلمة واحدة، واسم واحد.

ويُؤسِفني أن تنبؤاتي قد صدقت، وسوف يمحو الوحوش الذين لا يعرفون غير قانون القوة الولايات المستقلة الصغيرة ويبتلعونها ابتلاعًا.

ثم ألقى الكتاب وقال: «وقد صدق ذلك كله في دقة بالغة، ولم يكن مجرد تنبؤ غامض بالكارثة، وإنما كان تنبؤًا بالحوادث مُحدَّدًا من عضو من الأحرار في أعلى قمة الحرية في القرن التاسع عشر. إن عكس ما حدث في عام ٤٨ قد وقع، ولكن قلَّ من أدرك مقدار ما كان ينطوي عليه من جِد.»

وعلَّقت على ذلك بقولي: «إن جانت دف جوردن روس التي جمعت هذه الرسائل تبدو كأنها من معارفنا القدامى؛ كانت صديقة صغيرة لجورج مرديث، وهي السيدة في قصة «الحب الحديث»، وهي روز جوسلن في قصة «إيفان هارنجتن»، وهي جانت إلشستر في قصة «مغامرات هاري رتشمند»، بيدَ أن صفاتها أقل جاذبية من صفات أولئك البطلات في الشعر وفي القصص.»

وسألت مسز هوايتهد قائلةً: «ألم تكن لها قصة مع ويدا؟»

– «كانت تقسو على ذلك الروائي الذي أقام في شارع بوند، وكانت قطعًا إحدى تلك الشخصيات الجبارة في القرن التاسع عشر بإنجلترا التي كانت تفعل ما تشاء، فيتقبله الناس قبولًا حسنًا.»

وقالت مسز هوايتهد: «إن تلك الأسرات الحرة العظيمة لم تكن أبدًا قليلة العدد، وإن تكن فقيرة في أكثر الحالات، وكانت تستطيع أن تتجول في كل مكان في إنجلترا وفي القارة الأوروبية، وتعرف كل من ينتمي إلى حركة التحرير، وكانت الأفكار جواز المرور، وما تزال هذه الحالة قائمة إلى حدٍّ ما.»

فقال: «عندما تُقابِل رجلًا من الأحرار بارزًا، فإنك عادةً تجد من ورائه جماعة مُنشَقة على العقائد السائدة، وكثيرًا ما يكونون من صغار القوم، ومن التجار، ومن إليهم. ولننتقل الآن إلى موضوع آخر؛ لقد قرأنا لك مقالَين بسرور بالغ، أحدهما بتوقيعك في مجلة ييل عن سبيليس، والآخر من غير توقيع في مجلة جلوب عن حركة هتلر نحو إعادة التسليح، وقد أبديت في هذا المقال رأيًا معقولًا في الموضوع على ما نظن، ولستُ موسيقيًّا، وإن تكن زوجي كذلك، ولكنك استطعت أن تُثير اهتمامي بمقالك عن سبيليس إلى درجة قصوى. لقد تناولت تلك الشخصية الهامة وعرضتها في صيغة جعلتها شخصية عالمية، وتناوُلك للجانب الاجتماعي بتلك اللغة المادية جعل موضوع الدراسة كله حيًّا.»

– «إن أشد ما كان يُثيره حسه في الحديث بيننا أن كلَينا كان يعرف «أحاديث مع جيته» لمؤلفه أكرمان من أوله إلى آخره، وكان يرجع إلى هذا الكتاب يستمد منه العون.»

– «كنت تقوم بعمل شاقٍّ وأنت تجعل من شخصية مُعيَّنة رجلًا عالميًّا، ويُذكِّرني ذلك بسيادة الحس الجمالي على الحس الإداري عند سلسلة الشعوب المُتجاوِرة من البلقان، بين ألمانيا وروسيا حتى إسكنديناوة؛ باعهم في السياسة قصير، وباعهم في الفن طويل. إن تاريخ فنلندا السياسي قصير، وهي مع ذلك تُخرِج هذا الفنان العظيم. أما في أنجليا الشرقية، ذلك الجزء من إنجلترا الذي وُلِدت فيه ونشأت صبيًّا، فإن قدراتنا التنفيذية طيبة، أما قوانا الجمالية فتكاد لا تُذكَر. إن سواحلنا تُواجِه الأراضي المُنخفِضة التي انتقلت النهضة عبرها، ولكن ما انتقل كان أكثر مما يتصل بالحريات السياسية، ومن أنجليا الشرقية جاء أكثر المُستعمِرين لإنجلترا الجديدة في بلادكم. أما غرب إنجلترا فأكثره نورماندي، وهو يُواجِه فرنسا، والتقليد فيه أكثره ملكي من العهد الوسيط، وكان ملوك بلانتا جنت يتطلعون عبر المانش إلى أقاليمهم الفرنسية في أنجو وأكويتين، وكانت جامعة كمبردج قليلة الأهمية إذا قيست إلى أكسفورد لعدة أجيال بعد تأسيسها، ولا أعتقد أنه من قبيل المصادفة أن يجد شارل الأول أكسفورد الأنجليكانية ملكية موالية له، وليس من قبيل المصادفة أيضًا أن يكون كرومويل عضوًا في مجلس النواب من كمبردج. إن أنجليا الشرقية أكثرها من الدنمارك والسكسون. أما غرب إنجلترا، بين الأراضي المتوسطة وويلز، فكان أكثره من النورمان الفرنسيين، وأشد ميلًا إلى الجمال في ذوقه.»

– «إذن فإنجلترا الجديدة قد ورثت الاتجاه غير الفني من أنجليا الشرقية؟»

قال: «إنها سلسلة من الرواسب، من أنجليا الشرقية، وإنجلترا الجديدة، وغربكم الأوسط. وإن عند أهل الغرب الأوسط شيء أعتقد أنه من الخير لإنجلترا الجديدة أن تظفر منه بنصب أوفر، كما أن بلادكم إنجلترا الجديدة لديها شيء من الخير لأنجليا الشرقية أن تظفر منه اليوم بنصيب.»

– «ما أعجب ما تقول! لقد ذكر دكتور هارفي كشنج شيئًا يكاد يُطابِق ذلك تمام المطابقة، لو استبعدنا أنجليا الشرقية. في يوم من أيام الآحاد بعد الظهر في يوليو من عام ١٩٣٢م عند بروكلاين قبل أن تسمح له هارفارد بالعودة إلى ييل، كنا نتحدث عن الحماسة، وكيف أن الميل هنا يتجه إلى إحباطها، فقال: لا يمكن أن يُؤدَّى عمل جليل — قديم أو حديث — دون حماسة. وهو شديد الحماسة، ولم يستطع هذا المجتمع قط أن يُثبِّطها، ولكنه قادم من الغرب الأوسط، ولا يمكنك أن تفهمه دون أن تعلم ذلك. وقال إنه يعتقد أنه منذ عهد الاستعمار كان المهاجرون الذين وجدوا جو مُستعمَرة ماساشوست باي خانقًا بعض الشيء ينتقلون إلى كنكتكت وجزيرة رود — هارتفورد، نيوهافن، بروفدنس — وبالتالي، كان أولئك الذين يجدون كنكتكت بطيئة بعض الشيء ينتقلون بعد الثورة إلى المستعمرات الغربية في أوهايو، وهي موطنه. ثم قال إنه لحظ آثار هذه الرحلات الطويلة كذلك في بلومنجتن وأنديانا وفي مواقع أخرى في أيوا.»

فقال هوايتهد: «أظن أن حقيقة الأمر أن الشعب الحي ينتقل في المكان وفي غير المكان؛ لأن الإنسان قد يصطبغ بصبغة الزمان الوقتية، كما يصطبغ بصبغة المكان المحلية.»

– «لا بد أنهم قالوا لك عندما كنت تقطن على طريق ملتن إن إحدى حالات كامرون فوربس قالت — أو قيل إنها قالت — أثناء غيابه الطويل حاكمًا عامًّا للفلبين، إنها تأمل ألا يفقد «كام» صلته بملتن، ولا أشير بذلك إلى أنك تفقد صلتك بها، ولكن كيف أحسست عندما عدت إلى هنا وسط الحوادث؟»

قال: «لقد استنفدنا هذه التجربة، كانت مُمتِعة لما كنا نمر بها، لمدة خمس سنوات، ولكنا أحسن حالًا هنا.»

وأضافت إلى ذلك مسز هوايتهد: «قريبًا من أصدقائنا. إن سُكنى الريف حينما لا تستطيع المشي أو الخروج أمر سخيف.»

وواصل حديثه قائلًا: «أعتقد أنه من الخطأ أن تتشبث بمكان لأنه أمدَّك بخبرة بهيجة ذات يوم، إنك بذلك إنما تحتفظ بملك زائل. لا تتمسك بالقديم لأنه أدخل على نفسك السرور في وقت من الأوقات، بل انتقل إلى ما يليه، إلى الإقليم المجاور، والخبرة التالية. لقد خلَّفنا وراءنا سلسلة من المساكن البهيجة، وكلها آية في الروعة، وكان كل منها في وقت من الأوقات يعني لنا كل شيء، ولكنا لا نأسف اليوم على أي منها بعد ما تركناه.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠