المحاورة الحادية والأربعون

في أغسطس من عام ١٩٤٥م

كانت حرب ١٩٣٩–١٩٤٥م في شهر أغسطس تسير مسرعة نحو نهايتها. ومن بين الانفجارات التي حدثت القنابل الذرية التي أُلقيت في مكانَين؛ الأول في هيروشيما في ٦ من أغسطس، والثاني في نجازاكي في ٩ من أغسطس. وقد شغلت الأحداث العامة الأذهان إلى درجة قصوى حتى باتت الشئون الشخصية الخاصة لكل فرد وكأنها حُلم يقظان. وفي المساء الذي تلا إلقاء القنبلة الذرية الأولى كنت عند آل هوايتهد، وكان هناك أيضًا الأستاذ هنري موريس شفر من قسم الفلسفة بهارفارد، وكنت أتوقع أن يتحدث هوايتهد في النتائج الاجتماعية للتفجير الذري، غير أنه استمع إلى الموضوع في أدب جم ثم رفض أن يتحدث فيه. ولم يُناقِشه إلا بعد عام أو عامَين، ولكنه حينئذٍ كان من القلائل الذين يعرفون ما يكفي لكي يُدرِكوا ماذا يمكن أن يُخبِّئه المجهول.

وكان شارلز هبكنسن يرسم له صورة زيتية، وقد انتهى من تخطيطَين تجريبيَّين، وكان على هوايتهد الآن أن يجلس سبع مرات؛ كل جلسة منها ساعتان، من الساعة الحادية عشرة صباحًا حتى الساعة الأولى من بعد الظهر، وهي أطول مدة يمكن أن يحتمل هوايتهد فيها الجلوس. وكانت الجلسات تُخفِّف بقدر المستطاع بالحديث بين أربعتنا. وأكثر هذا الحديث لم يُسجَّل بسبب ضغط الحوادث العامة، ولكني احتفظت بأجزاء منه. ولما سُئل هوايتهد: «أيهما أهم: الوقائع أو الأفكار؟»

تدبَّر الأمر قليلًا ثم قال: «الأفكار التي تتعلق بالوقائع.»

وفي خلال الحديث عن كتاب «تنوع الخبرات الدينية» لوليام جيمز، قال: «قلَّ من يُدرِك صعوبة التفاهم باللفظ. ولو أني أردت أن أكتب شيئًا عن شخصيتك، لاستطعت بطبيعة الحال، ولكن ما أكثر ما يبقى مما لم يمكن صياغته في كلمات؛ ومن ثَم فإنه عندما يظهر التوازن النادر للمعرفة والإدراك، كما ظهر عند وليام جيمز — وهو من أولئك الذين يستطيعون أكثر من سواهم أن ينقلوا الكثير من أفكارهم — كان من مميزات نظامه الفلسفي أنه بقي ناقصًا، ولو سد هذا النقص لقلَّ شأن هذا النظام. إن في محاورات أفلاطون ثروة من الفكر والإيحاء والتلميحات التي ترمي إلى بعيد، ولكنه حينما أراد فيما بعدُ أن يكون أشد صراحة فيما يتعلق ببعض هذه التلميحات، تقلَّصت أفكاره.»

– «ويمكن أن يحدث مثل ذلك في البحث العلمي، وللبحث العلمي بطبيعة الحال أهمية عظمى، وهو يتطلب المعرفة الدقيقة والتعليل، ولكن كثيرًا من كبار الباحثين يهبطون بالعباقرة إلى المستوى العادي.»

– «خُذ مثالًا لذلك جون ديوي؛ إنه عندما نقل فلسفة وليام جيمز ضيَّق نطاقها كثيرًا فيما أظن. إن الوعي بالمركبات والإمكانيات الماثلة دائمًا في خبرة الإنسان مضمون في كل ما يكتب جيمز، ولكن ديوي من ذلك. وإدراك وليام جيمز بالمدى الفسيح وبتشابك العلاقات في كل موضوع جعله من أصحاب العقول الفلسفية الكبرى التي عرفها التاريخ. وهذا الإدراك — فوق هذا — فيه من الإحساس وهزة الشعور ما يضمن لوليام جيمز البقاء كرجل من رجال الأدب، إن لم يُكتَب له الخلود كفيلسوف؛ ولكن لتفكيره الفلسفي صفة البقاء. عندما كنت أُؤدِّي الامتحانات للحصول على درجتي الجامعية في الرياضة، كنا نحسب أن الأوجه الطبيعية والميكانيكية للعالم معروفة كلها مستقرة، مع استثناء بعض المشكلات التي لا تعترض طريقنا والتي كان يشتغل بها أشخاص كفاة، والتي لا بد أن تُحَل في وقت قريب؛ ثم تقوَّض كل شيء. ولكن عقل وليام جيمز كان من النوع الذي يستطيع أن يُواجِه صدمة الانفجار، التي أودَت بالكثيرين غيره.»

كانت الأحاديث التي تدور أثناء جلساته للتصوير مرِحة أحيانًا، جادَّة أحيانًا أخرى؛ لأننا بِتنا على علم بأن مذبحة الحرب قد قاربت نهايتها، مُؤقَّتًا على الأقل. وكان هوايتهد وزوجته يُرفِّهان عنا بقصص عن حياتهما الزوجية أيام الشباب في رامزجيت وفي كمبردج. ومن تلك القصص ما رُوي لنا عن ليدي جب وزوجها سر رتشارد الغضوب.

روت لنا مسز هوايتهد: «أنها كانت تلعب الشطرنج في المكتبة مع الشاب آرثر جيمس بلفور، وظل سر رتشارد يدخل ويخرج من الغرفة فيقطع عليهما اللعب، وأخيرًا نهضت ليدي جب وأغلقت الباب بعد خروجه؛ فعاد، وحاوَل الدخول، وخشخش القفل، ثم بدأ يركل الباب؛ فصاحت ليدي جب عندئذٍ وقالت له: «اركل ما شئت يا عزيزي، فالباب بابك وطلاؤه طلاؤك.»»

وروى لنا هوايتهد كذلك قصصًا أخرى.

قال: «كانت كنيسة أبي في رامزجيت بناءً نورمانديًّا قديمًا مُسقَّفًا بقبة كالبرميل، وكانت من حيث فن البناء قوية الأثر، في حين أن الاستماع فيها لم يكن سهلًا؛ فإن جلست في نهاية الكنيسة شق عليك أن تسمع كلمة واحدة من كل عشر كلمات، ولكن حينما كان أبي يعظ، لم تكن هناك مشكلة، فقد كان صوته قويًّا رنانًا، يسري في كل الأرجاء ويتردد صداه على طول القبة، مُحمَّلًا بالجِد والحكمة الخلقية، وكان ممن يؤمنون بالعهد القديم. أما العهد الجديد فلم يَعنِ عنده كثيرًا، وكانت عنده حماسة الأنبياء القدامى، وإن استمعت إليه لمست في نغماته عمق الشعور، ولم يكن السامع بحاجة إلى أن يتبين الكلمات؛ ففي نغماته ما يكفي، وأشد ما كان يهز المشاعرَ صدق صوته الوقور. أليس كذلك يا أفلن؟»

فوافقت على ذلك وقالت: «كل ما ذكرت صحيح! ونقيضه أيضًا صحيح. لقد كنت تُصِر في وقت خطبتنا أن تصحبني إلى صلاة المساء في كنيسة سنت ماري في كمبردج، وكنت أرتدي خير ما عندي من ثياب؛ لأني كنت أُدرِك تمامًا أني سوف أكون محطًّا للأنظار، كما كنا نُدعى — وكنت أخشى ذلك — قبل الأوان لاعتلاء المذبح، ونجلس في المقدمة حيث لم تكن هناك صعوبة في الاستماع.»

ثم وجَّهت سؤالها إليَّ قائلةً: «ثم ماذا تظن قد حدث؟»

– «شيء مُقبِّض أو شيء مُمتِع، ولا أعتقد أن الأمر كان وسطًا.»

فقالت في حزم: «بل كان هذا وذاك؛ قام بالوعظ قسيس شابٌّ، وفي نهاية موعظته قال — وكان ذلك في مرة من المرات التي لم تُسعِف فيها كلماته صوته — قال: «وأخيرًا، أيها الأخوة، أقول لكم إن الحياة لا تَخلُق المشكلات لمن يُحسِن السلوك.»»

– «لم يقُل ذلك!»

– «بل قال. وكانت لي ولألفرد قدرة مثالية على التحكم في عضلات الوجه، ولكن لما انصرفنا وأصبحنا بعيدَين عن الأسماع قلت له: «قد تكون للكاثوليكية عيوبها، ولكنك في الكنيسة الكاثوليكية على الأقل لا تجد مثل هذا قط.»»

وأجاب ألفرد بقوله: «حتى في الكنيسة البروتستانتية يا عزيزتي لا يسمع المرء كثيرًا في مثل هذه الجودة.»

اعتاد هوايتهد إبان إقامته في لندن، حينما كان يضطر إلى ركوب الأتوبيس أن يصطحب — كما قال — شخصية من الشخصيات التاريخية، ويضعها إلى جواره، وهو في أكثر الأحيان في الطابق الثاني من الأتوبيس، وكان يتبادل الأحاديث الحية مع صاحبه، ويشرح له معنى ما يشهدانه من أعلى الأتوبيس، ثم يُصغي إلى تعليق صاحبه. من كان هؤلاء الصحاب؟ كثيرًا ما كان يصحب إسحاق نيوتن، أو أرسطو، أو أرشميدس، ولكنه لم يصحب أفلاطون قط. لماذا لم يصحبه؟ إنه لم يرضَ مطلقًا أن يذكر السبب، وربما كان هو نفسه لا يعرف السبب، ولكن أفلاطون لم يكن قط من رفاق الطريق.

وأدَّى بنا ذلك إلى شيء من المزاح عن الأوروبيين الذين يأتون إلى هذه البلاد في رحلة عابرة ثم يعودون إلى بلادهم ويُؤلِّفون الكتب عن كل شئوننا.

فقال هوايتهد: «هذه هي الطريقة الوحيدة للقيام بهذا العمل. إنني بعدما أقمت هنا أكثر من عشرين عامًا لا أحلم بأن أكتب مثل هذا الآن، ولكني لو دوَّنت انطباعاتي عن أمريكا بعد إقامتي فيها ثلاثة أشهر، لكان هذا الكتاب هو كتاب الكتب!»

وذات صباح كنا نتحدث عن الثورات، وبخاصة في فرنسا وروسيا.

فقال هوايتهد: «إن التحطيم الحقيقي في الثورات ليس في إطاحتها بطبقة حاكمة أو بإعدامها ملكًا؛ فقد كانت إنجلترا تسير سيرًا حسنًا بدون شارل الأول، واستطاعت فرنسا أن تستغني عن لويس السادس عشر، ولم يكن آل هوهنزلرن خسارة كبرى لألمانيا، ولم يكن آل هابسبرج خسارة للنمسا، دع عنك آل رومانوف بالنسبة لروسيا؛ وحتى حينما تُطيح الثورات بالطبقات الحاكمة، فإن التخلخل الاجتماعي قد لا يكون خطيرًا. كانت الحياة في باريس إبان الثورة الفرنسية — حتى في عهد الإرهاب — على مدى شوارع قليلة من ميدان الكنكورد والمقصلة تسير سيرها الطبيعي، إنما يكون تحطيم الثورات الحقيقي في إزالة أفراد الشعب الذين يقومون بالخدمات الاجتماعية الصغرى، أولئك الذين يقومون بالعمل اليومي الذي يسير قدمًا بعمليات الحياة المُتمدِّنة العادية، ولا أعني ما يُسمُّونه المهن العلمية كالقانون والطب وأعمال القسس، بل أعني المعلمين وصغار الموظفين والعمال المَهرة، أولئك الذين يعرفون كيف يقومون بالأعمال الضرورية التي ليس لها مظهر، هؤلاء هم النسيج الذي يفصل قشرة الشجرة عن لحائها، الذي لو تخلخلت لذوت الشجرة.»

•••

كان لا بد لإحضار شارلز هبكنسن — وهو آنئذٍ في السبعين من عمره — إلى تلك الجلسات التصويرية من بعض الحِيَل؛ فهو في الصيف يقطن في شاركسموث، وهي مقره في مانشستر على الساحل الشمالي، وركوب القطار إلى بوسطن والرحلة التي تتلو ذلك في الممرات التحتية إلى كمبردج لكي يبلغ مكان التصوير تُرهِقه أشد الإرهاق في جو أغسطس المُضني. ومن حسن الحظ أن لجنة التموين في ماريلهد قد استنارت وتكرَّمت بمنح الغاز الإضافي الذي يلزم لنقله من محطة سالم للسكة الحديدية إلى كمبردج ذهابًا وإيابًا. واستمرت الحال كذلك حتى منتصف أغسطس، وبعدئذٍ أدَّى استسلام اليابان إلى إطلاق إمداد الغاز إلى ما كان عليه من فيض.

وقد كان من المعروف — إلى جانب ذلك — من أمدٍ بعيد أن تموين الغاز لم يكن يُقصَد منه الاقتصاد في الغاز، إنما يُقصَد منه اقتصاد المطاط للعجلات.

وتمَّت الصورة في أول سبتمبر تقريبًا، وركبت السيارة مع المُصوِّر في يوم عاصف إلى متحف بوسطن للفنون الجميلة؛ لكي نُطلِع عليها مستر كونستابل، أمين متحف الصور. ودخل كونستابل وهوبكنسن في جدل عويص حول مزايا الصورة. وعُرِضت فيما بعد في حجرات جمعية الزملاء في بيت إليوت.

وكلما تقدَّم الشهر كان هوايتهد يطلب إلينا الوعد الصادق للاحتفاظ بكل موعد قادم لجلسة من الجلسات: «هل ننتظركم يوم الخميس المُقبِل بعد الظهر في الساعة الحادية عشرة تمامًا حينما يدق جرس مموريال هول الساعة؟»

– «ولمَ لا؟»

– «إن الحرب قد تنتهي في أي يوم من الأيام، ولو حدث ذلك رقصتم في الشوارع، أو وقفتم على رءوسكم.»

وفي يوم ١٤ من أغسطس سلَّمت اليابان، وكان الابتهاج جنونيًّا، ولو أن بعض أولئك الذين شهدوا هدنة عام ١٩١٨م لم يكونوا بالغِي الحماسة. ووضعت الحرب أوزارها فعلًا في الثاني من شهر سبتمبر باستسلام رسمي. ومنذ ذلك الحين عرَّفنا السلام بأنه فترة سكون بين حربَين لكي نتعرف العدو.

وكان شهر أغسطس هذا — برغم ذلك، وتلك الأصائل الهادئة التي كان يتم فيها التصوير ويدور الحديث في حجرة جلوس آل هوايتهد، والشمس تُرسِل ضوءها فوق قِمَم الأشجار تحت نوافذهم، والجو الرطب الساكن يفوح بعبق الزهر المُتنوِّع اللون المحفوظ في الأواني المصنوعة من الميناء السوداء اللامعة، وجرس مموريال هول ذو الصوت العميق يعترض حديث هوايتهد أولًا عندما يدق الثانية عشرة، ثم عندما يدق الواحدة، وكل ذلك مسبوق بالركوب من سالم إلى كمبردج خلال أرض زراعية تبتسم من بهجة الصيف، حيث الأزهار الأرجوانية اللون تترعرع في المَراعي المُبتَلة على طول الطريق — أقول كان شهر أغسطس هذا ما برح كأنشودة السلام في عالم الحرب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠