المحاورة التاسعة

١٩ من أبريل ١٩٣٧م

ظهرت في خلال عام واحد ثلاث روايات عن بوسطن، آخرها العنبر رقم ٨، من تأليف جوزيف دنين، وهي دراسة سياسة البلدية، مع رسم صورة حية لمارتن لومازني، وهو رجل وسط بين أن يكون حارسًا أو قيصرًا في «الحي الغربي». وتُعالِج الرواية الأحياء الثلاثة الأخرى بالمدينة التي لم تتعرض لها رواية المرحوم جورج أبلي من تأليف جون ماركاند، وإن لم تُغفِلها كل الإغفال. أما قصة سانتايانا «آخر بيوريتاني» — وهي أوسع انتشارًا — فكأنها تنتهي قبل القصتَين الأخريَين بفترة مداها عشرون عامًا.

وكان هوايتهد وزوجه يقرآن في ذلك الحين قصة العنبر رقم ٨، فسألوني: «هل تعرف المؤلف؟»

– «بالتأكيد. وهو مراسل لجريدة جلوب.»

فتهافتا سائلَين: «زدنا به علمًا. كم يبلغ من العمر؟»

– «حوالي الأربعين.»

– «هل ولد في بوسطن؟»

– «نعم ويعرفها جيدًا من الداخل.»

فقال هوايتهد وهو يبتسم مُبتهِجًا: «لقد عرفنا ذلك من قبل، ولكنا لم ندرِ أهو قد أُرغِم على الإحساس بالقلق على أثر صدور كتابه؟»

– «قابلته بالأمس في الطابق العلوي في حجرة المُراسِلين، ووجَّهت إليه نفس السؤال، فأجابني بقوله: «في أماكن مُعيَّنة تستطيع أن تُقدِّرها أضطر إلى الإحساس كأني رجل أبرص في مرحلة من المرض مُتقدِّمة.» بيدَ أن ذلك لم يُؤثِّر البتة في ظهوره بمظهر اليائس.»

وقالت مسز هوايتهد، وهي أيرلندية الأصل: «ما أشد فهمه لشعبه!»

– «هذا بعض تهمته، بيدَ أن الحكم ليس إجماعيًّا.»

– «هل تستطيع أن تأتي به إلينا؟ وهل يقبل الحضور؟»

– «لا أستطيع أن أتعهد بذلك، ولكني سوف أحاول.»

وكان الأمر أيسر مما توقعت. وذهبنا، وكان هوايتهد وزوجه كلاهما في أحسن حالاتهما، فاستقبلانا أحسن استقبال؛ في لطف ورعاية واشتياق، ولكن في غير استسلام، وسرَّني أن أرى جو وقد خرج على ما اعتاد من عدم المبالاة، وبدأ بدفاع عام عن طريقته، وعملا على هدمها بطريقة سقراط في السؤال: أية خدمة يُؤدِّيها الرئيس؟ هل هو وكيل لتوريد العمال؟ نعم. هل يُدخِل الروح الإنسانية في العنبر؟ نعم. ولكن أليست الجزية التي يفرضها باهظة؟ وما رأيك في بيع أصواتهم بعد أن يدفعوا له مبلغًا نظير توفير العمل لهم؟ هل تستطيع أن تُدافِع عن الغرض من ذلك؟

وتناوَل دنين الموضوع بروح طيبة، وكان فوق ذلك يعلم أن مسز هوايتهد تعطف عليه، وأنها وزوجها يُعجَبان بالرواية، وأخذ يشرح لهم مشكلات المجتمع في اتحادات العمال، الاتحادات التي تتوقع أن يبيعها وكلاؤها المُنتِجون، الذين يُبرِّرون عملهم هذا صراحة بحجة مُقتضيات السياسة، كما شرح لهم مشكلات المجتمع في الأعمال التجارية والمالية والصحافة، وقال إنه جو عام يُحيط بنا.

وانتقل الحديث إلى الموازنة بين النظام الاجتماعي في أمريكا والنظام الاجتماعي في إنجلترا، وقال هوايتهد: «عندنا في إنجلترا نظام فاسد ورثناه من نظام الإقطاع في العصور الوسطى، وهو نظام ما كان ينبغي أن يُطبَّق، ولكنه في الواقع يُطبَّق بنجاح لا بأس به، في حين أنكم هنا في أمريكا لديكم نظام ممتاز ينبغي أن يُطبَّق بنجاح تام، ولكنه في الواقع يُطبَّق تطبيقًا فاشلًا إلى حدٍّ ما.»

قلت: «إن نظامكم يُبقي كل فرد ينتمي إلى طبقة مُعيَّنة في طبقته، ولكن بذلك يمدها بقادة قادرين، مما يرفع الطبقة كلها تدريجًا. أما نظامنا فيسمح للفرد بالارتفاع، ولكنه بذلك يحرم طبقته من قادتها الطبيعيين؛ ويترتب على ذلك أن تبقى الطبقة مُنحَطة في جملتها.»

فقال دنين: «هذا أمر عجيب لم يطرأ على ذهني من قبل.»

– «ولم يطرأ على ذهني أنا أيضًا يا جوزيف حتى نبَّهني إليه مستر هوايتهد منذ عام، ومن ذلك الحين وأنا أفكر فيه.»

وعاد هوايتهد إلى الحديث، وقال عن نظام الطبقات في إنجلترا: «هناك، حيث يكون إدراك نظام الطبقات أشد وضوحًا، وحيث السكان يتجانسون نسبيًّا، يعرف الناس أنهم يكونون محل الرعاية عند الاضطرار. وأنا أتحدث الآن عن القرية والريف، حيث يأخذ العمدة والأعيان على عواتقهم مسئوليات مُعيَّنة عن الأمراض والكوارث. وبعد الإصلاحات التي تمَّت عام ١٨٣٠م مثلًا حينما استولت الطبقات المتوسطة على الحكم قبل ذلك بوقت قصير، نرى أن هذه الطبقات الحاكمة قد زادت قانون الفقراء قسوة وشدة، في حين أن أعيان المُحافِظين (التوري) هم الذين وقفوا موقف المقاومة العنيفة، بالرغم من أن القانون الجديد يُخفِّف من أعبائهم المالية عن ذي قبل. أما هنا فالأجور قد تكون أكثر ارتفاعًا، وقد تتوافر الراحة، وتسير الأمور في يسر، غير أن ما يترتب على انحراف الحظ أو على كارثة من الكوارث مُزعِج شنيع، وكأن مصير الفقراء لا يهم أي إنسان. إن فوارق الطبقات في إنجلترا قد تكون صارمة في العلاقات الاجتماعية الكبرى، ولكنها هيِّنة ليِّنة في العلاقات الصغرى. إن أبناء الفلاحين يلعبون الكريكت مع أبناء الأعيان. أما هنا فإن أخوتنا السطحية بين الطبقات تُعمي أبصارنا عن الفجوات العميقة التي تفصل بينها، حتى يقع الصدام.»

وقال دنين: «وما رأيك في التجاء أصحاب الأعمال في متشجن إلى القضاء حينما تقاعَد العمال مُضرِبين؟»

– «طبقًا للقانون الحالي هذا النوع من الإضراب غير شرعي على الأرجح. إنهم إذا مكثوا في المباني وامتنعوا عن العمل كانوا مُعتدِين على ملك غيرهم. أما إذا كان ذلك هو الموقف الذي ينبغي أن يقفه القانون فأمر آخر. إن التطبيق الصارم للفكرة الحالية من حقوق الملكية (وهي أن يفعل المرء ما يريد بما يملك) قد ينفع في الوحدات الصغيرة كالحوانيت الكائنة بشارع جبل أوبرن التي لا تستخدم إلا نفرًا قليلًا من الناس. أما في الصناعات الجماعية الكبرى التي تُؤثِّر في حيات مئات الألوف من الناس، فيبدو لي أن الحكومة يجب أن تتدخل — إذا دعت الضرورة — للتوجيه كي تضمن سير الإدارة في خدمة مصالح الكثيرين، وخير وسيلة لذلك — في ظني — أن تترك الإدارة الفعلية للعمل الحر حتى لا تُفسِد عامل الابتكار، ولا تُمارِس الحكومة إلا سلطة عامة للإشراف وتلك هي الفرصة الوحيدة التي تكفل للنظام الرأسمالي البقاء فيما أحسب.»

– «وليست الرأسمالية كما تعلم قديمة العهد، فتاريخها يرجع إلى ثلاثمائة عام على الأكثر. وكثيرًا ما يتراءى لي أن آدم سمث قد أخطأ في حقنا خطأً جسيمًا حينما أكَّد الدافع الاقتصادي. إنه دافع هام من غير شك، فنحن لا بد أن نأكل، ولكنه ليس مهمًّا إلى هذا الحد. تصوَّروا ما يمكن أداؤه بتأكيد دوافع تقدير الجمال، إني أستطيع أن أتصور حال مجتمع — حتى في ظل نظامنا القائم — لا يُساوِر فيه القلق الشديد نفوس الآباء على كسب أبنائهم للمال الوافر، كما نراهم الآن؛ أعني ذلك الكفاح الذي يُرهِق الأعصاب الذي يقوم به الآباء الأمريكان في سبيل رفع أبنائهم بأي ثمن إلى طبقة أعلى من طبقتهم من حيث الدخل، وهو ما يُعبِّرون عنه بقولهم: «أن أُعطي أبنائي فرصة أحسن من فرصتي.» ولكن فرصة لأي غرض؟ هل لزيادة المال أو للأمور التي تتعلق بالذهن والروح؟»

– «وأستطيع أن أتصور مجتمعًا — حتى في ظل الرأسمالية — لا يهم فيه كثيرًا إن كانت الأسرة تملك مالًا كثيرًا؛ فهناك الموسيقى، والفرق المجانية، وهناك الراديو، (وأنا أعرف أن الراديو لا يبلغ من الجودة مبلغ صالات الموسيقى، فالمرء لا يريد أن تأتيه الموسيقى من اتجاه واحد وصادرة عن صندوق، وإنما يريدها محيطة له من كل جانب، وبرغم ذلك فالراديو يصلنا بالموسيقى الجيدة.) وهناك الصالات التي يعرض فيها الناس مسرحياتهم، وهناك المحاضرات، والندوات التي ربما يعرض المشكلةَ فيها مُتحدِّث في الإذاعة ثم يُتابِع النقاش فيها جمهور المُستمِعين، وهناك روايات السينما التي تُقدِّمها الدولة للجمهور بالمجان على نطاق واسع حقًّا، وهناك الملاعب لضروب الرياضة المختلفة، وهناك المكتبات العامة التي هي لدينا بالفعل. وأرجو ألا تفهم من ذلك أني أعني أن يكون ذلك كله سمجًا ثقيلًا؛ فهناك الموسيقى الخفيفة، والمباريات الودية، والمسرحيات المسلية، ولكن في مثل هذه الظروف يستطيع الفرد العادي أن يكفل لنفسه حياة طيبة دون مال كثير.»

وفي الساعة العاشرة قُدِّمت لنا الشوكولاتة الساخنة، وانصرفنا في منتصف الساعة الحادية عشرة، واضطر دنين إلى العودة إلى مكتب صحيفة «جلوب»، ولما كان قد نقلني إلى كمبردج في عربته، فقد حملني في العودة إلى تل بيكن. وفي الطريق كنا نتناقش في رواية «المرحوم جورج آبلي» التي اطلع عليها كلانا، وفي خلال المناقشة أخذنا نسرد ما أفدناه في هذا المساء.

وقال دفين: «إنني لا أعرف أين أبحث عن أي أمر في مدينة بوسطن بعيدًا عن آل آبلي.»

– «إنهم — برغم هذا — أصدقاء أوفياء لكثير من آل آبلي، ويُقدِّرون صفاتهم الطيبة.»

ووافقني على ذلك جوزيف في شيء من شرود الذهن قائلًا: «ربما كان ذلك صحيحًا.» ثم انفجر — والسيارة تندفع بنا — قائلًا: «إنني خرجت بهذه النتيجة، إنه مُستعِد للإجابة عن كل سؤال، أكثر من أي شخص آخر قابلته في حياتي. ألم تقل لي إن مادته كانت في الأصل علوم الرياضة؟»

– «نعم.»

فقال دفين: «إنه عالم بالرياضيات العليا.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠