محمد المبارك الحَسني الجزائري

١٢٦٣–١٣٣٠ﻫ

وقفتُ له على ترجمة بخط العلَّامة الشيخ طاهر ابن الشيخ صالح الجزائري السمعوني، قال:

وُلِد رحمه الله تعالى في مدينة بيروت على رأس سنة ١٢٦٣ﻫ، كان والدُه السيد المبارك أولَ المهاجرين إليها من الجزائريين.

وتُوفي رحمه الله تعالى يوم الثلاثاء خامس جمادى الآخرة سنة ١٣٣٠ﻫ، وبقي حتى وفاته مجموع الحواس، يؤانس أصحابَه، ويُرسل خلف من لم يحضر، وكان يودِّعهم واحدًا بعد واحد، وقد استحضر كلمة الشهادة ونطق بها مادًّا بمسبحته ومشيرًا بها، وذلك بحضور أصحابه.

وخرجت جنازتُه رحمه الله على هيئة السُّنة حسب وصيته، كما أنه أوصى أن يُدفن في الصالحية في سفح جبل قاسيون ويُنزل على والده، واشترك في تشييع جنازته كثيرٌ من الناس، وصُلِّي عليه في جامع الشيخ الأكبر بعد صلاة العصر، ثم صُعد بجنازته إلى الجبل ونُزل على والده العارف بالله تعالى السيد المبارك المتوفى سنة ١٢٦٨ﻫ، في المقبرة المسماة بالروضة، بين ضريح سيدنا ذي الكفل عليه السلام وبين قبر جدِّه لأُمِّه الإمام الكبير الصوفي الشيخ محمد المهدي، رحمه الله رحمة واسعة.

وقد كتب إليه الأمير عبد القادر الحسني الجزائري قدَّس الله سرَّه مُلغزًا في الهَرَم [أي الشيخوخة]:

أقول على صدْقٍ لأهل النُّهى طُرًّا
ولستُ بمستثنٍ لئيمًا ولا حُرَّا
ألا خبِّروني أين ضلَّت عقولُكم
وكلُّكمُ يستهجن الشرَّ والضرَّا
ويغفل عنه وهو منتبهٌ له
ويطلب هذا الشر أعظِم به شرَّا
وحينئذٍ يقلوه كلُّ مُوَادِدٍ
ومن مسَّ هذا الضر هيهات أن يبرا

فأجابه الشيخ محمد المبارك الجزائري بإشارة منه رضي الله عنه:

أيا جهبذًا رقَّت معاني رموزه
ودقَّت فلم يدرك لها ذو الحجا سرَّا
لقد ضلَّ فِكري في مهامه لُغزِكم
ولم يلفِ مَن يوليه من طيِّه نشرَا
وما هو إلا كنزُ درٍّ معارفٌ
له رصَدٌ يحمي جواهره قسرَا
فحاولت أن أجلو براقع وجهه
وأكشف عن معنى بلاغته السرَّا
فخُيِّل لي أن الرياسة سرُّه
وخِلتُ إذن أني أحطتُ بها خُبرا
ولا ريب أن الجاه أعظمُ مشتهى
على أنه شرٌّ وأعظِم به شرَّا
ومن بعد ذا أمعنتُ فكري فلاحَ لي
هو الكبر المستلزم البأس والضرَّا
وهذا لعَمري ليس يرقى سليمه
ولكن ينال الأجر إن أحرز الصبرا
فأسأل ربَّ العرش يحفظ ذاتَكم
بجاه ختام الرسل خير الورى طرَّا
وقد وقفت للشيخ محمد المبارك١ الحسني الجزائري على ترجمة أخرى بخط الأستاذ العالِم السيد عيسى إسكندر المعلوف عضو المجمع العلمي العربي بدمشق الشام، قال فيها:

هو الشيخ محمد بن الشيخ محمد المبارك المغربي الجزائري الدلسي الحسني المالكي الدمشقي، وُلِد في بيروت سنة ١٢٦٣ﻫ في أثناء هجرتهم من المغرب؛ لأن أمَّه كانت حاملًا به، فنُقل طفلًا مع أُسرته إلى دمشق، فوصل إليها قبل دخولِ الأمير الجزائري إليها، فكان أولَ مهاجر مغربي وصل إلى دمشق في القرن الماضي ومعه كثيرٌ من طلبته.

وقرأ على علماء دمشق؛ كالشيخ الطنطاوي، والشيخ الجزائري، واتصل بالأمير عبد القادر الجزائري الحسني وخصَّه بشعره فلم يمدح أحدًا غيرَه به، وكان يُقرئ مقامات الحريري لأولاده، وحضر دروسه الأخرى السيد عبد الباقي الجزائري الحسني ابن أخي الأمير عبد القادر، وهو الذي تولَّى إفتاء المالكية في دمشق، والشيخ محمد الحكيم، والأستاذ محمد كرد علي رئيس المجمع العلمي العربي في دمشق، وكانت مجالسُه عامرةً بالأدباء، ومالَ إلى الأدب والتصوف، وله حواشٍ وتعاليق على ما قرأه من الكتب ولا سيما على تفسير ابن جرير الطبري.

وكان يُصرِّح أن مبدأه ليس تأليفَ الكتب، ولكن تصحيح كُتُب السلف وضبطها؛ فلهذا لم يَكْلَف بالتأليف كلَفَه‎ بالضبط والتصحيح، فترى في مكتبته كُتبًا كثيرة محشوة بالفوائد، مثل: «سيرة ابن هشام»، و«نوادر الأصول» للترمذي الحكيم، و«الذريعة إلى مكارم الشريعة»، و«مقامات الزمخشري»، وكثيرًا من كُتب التصوف والأدب عليها تقارير ومقابلات، وجمع في مكتبته مخطوطاتٍ نفيسة آلتْ من بعده إلى ولده الشيخ عبد القادر.

وله قصائدُ تملأُ ديوانًا مجموعًا بخطه، ورسائل ست أشبه بالمقامات طُبِعت في دمشق، وهي:
  • (١)
    «غناء الهزار٢ ونضرة البهار في محاورة الليل والنهار».
  • (٢)

    «أبهى مقامة في المفاخرة بين الغربة والإقامة» ذكر فيها الأمير عبد القادر ورحلته إلى بعلبك وهو يرافقه.

  • (٣)

    «المقالة اللغزية والمقالة الأدبية».

  • (٤)

    «بهجة الرائح والغادي في أحاسن محاسن الوادي» ضمَّنها رحلتَه إلى غوطة دمشق.

  • (٥)

    «غريب الأنباء في مناظرة الأرض والسماء» طُبِعت بدمشق سنة ١٣٠٢ﻫ.

ولقد نال رتبة «قاضي أزمير»، وأقطعته الحكومة أرضًا في «حوران» فلم يقبل القطيعة، ولا حضر مجالس الرتبة الرسمية.

وكانت أخلاقُه رضية، وله إحسانات للمحاويج، وتُوفي سنة ١٣٣٠ﻫ.

ومن شعره قوله في مدح الأمير عبد القادر الجزائري من قصيدة رائعة:

قد أسفرتْ بين العذيب وحاجر
خَودٌ سبتْ أهل الهوى بمحاجرِ
هيفاء طُرَّتُها غدتْ تحكي دجَى
ليلٍ، وغُرَّتُها‎ كصبح زاهرِ
يفترُّ جوهر ثغرها عن لؤلؤ
أجريت منه عقيق دمع هامرِ

إلى أن قال متخلصًا لمدحه:

يصفو بطيب وصالها وقتي كما
يحلو المديح بذكر عبد القادر
مولى حكت أخلاقُه في لطفها
مسرى النسائم في رياض أزاهر
بزغت به شمسُ المعارف بعدما
أفلت فأرشد كل لاهٍ حائر

وختمها مؤرخًا سنة ١٢٩٥ﻫ بقوله:

ما قال ممتدحًا مؤرِّخ شكره
هام الوجود بسرِّ عبد القادر
١  ترجمه الشيخ البيطار ترجمة مختصرة لأنه كان حيًّا، ولم يذكر وفاته، فزدتُ على الترجمة ما في كتاب «مغاوص الدرر» وما تلقيته من ولده صديقي الشيخ عبد القادر المبارك.
٢  جاءت الفقرة «غناء الهزار» والتي تليها تاريخًا بحساب الجمل لسنة إنشائها وهي سنة ١٢٩٥ بحساب التاء المربوطة هاء، وقد نقل الشيخ البيطار في ترجمته هذه المقامة برُمَّتها (٣: ٣٣٧).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠