محمد بدر الدين

١٢٦٧–١٣٤٤ﻫ

هو العالِم العلَّامة المحدث الكبير الشيخ محمد بدر الدين الحسني، كان والدُه الشيخ يوسف ابن الشيخ بدر الدين من علماء الأزهر الشريف، وهاجر إلى الشام، وهو من ذرية سيدنا الحسن، وكان من أعظم علماء الأزهر في عهد الشيخ إبراهيم السقا وقبله، ولما هاجر إلى الشام عمَّر «دار الحديث» بعد خرابها وجلس للتدريس فيها، وله تآليفُ عديدة في سائر العلوم، وكان معظَّمًا عند علماء مصر والشام، ثم تزوَّج من بيت الكزبري، ووُلِد له شيخنا الشيخ محمد بدر الدين، ولما أن صار عُمر المترجم سبعَ سنوات رأى والده النبي يُطعمه ثمرة، ثم رآه مرة ثانية يَسقيه حليبًا، وقال له: هذا الولد ينتفع به المسلمون.

ولما صار عُمر المترجَم عشرَ سنوات انقطع لطلب العلم إلى أن صار عمرُه ثلاث عشرة سنة، ثم تُوفي والدُه فصار يقرأ عند الشيخ أبي الخطيب، وظلَّ كذلك سنتين حفظ خلالهما ستة آلاف بيت من «متون» مختلفة في علوم القرآن الكريم والحديث الشريف، وكان يحفظ كُتب الحديث كتابًا بعد كتاب مع الإسناد، ثم صار يشرح ويُؤلِّف، وأولُ شرح هو في مصطلح الحديث، طُبِع في مصر، ثم جلس في المسجد الأموي لتدريس سائر العلوم للخاصة والعامة، ثم طاف في بلاد مختلفة، منها القاهرة والإسكندرية والحجاز والأقطار العربية الأخرى.

وكان يقرأ درسه في الحديث من البخاري بالإسناد غيبًا، ويطبِّق عليه من سائر كُتب الحديث مع الإسناد غيبًا، ويطبِّق مأخذ المذاهب والأصوليين وعلماء التوحيد على الأحاديث، ويبيِّن من الأحاديث العلوم العقلية والنقلية، حتى إن درسَه العام في المسجد الأموي كان يشتمل على علوم الطب والهندسة والجغرافية والحساب وغيرها من العلوم الرياضية، وكان يجلس لذلك الدرس بعد صلاة الجمعة من الظهر إلى العصر، ويسرد الأحاديث من سائر كُتب الحديث غيبًا مع الإسناد، ويسعى الناس من البلاد الإسلامية المختلفة لاستماع الحديث منه وأخذ الإجازة عنه، وقد أخذ هو الإجازة في الحديث عن العلَّامة الكبير المرحوم مولانا الشيخ إبراهيم السقا رفيق والده في الطلب، وصار العلماء من سائر البلاد يُرسلون إليه القصائد والمدائح، ويصفونه بأنه المجدِّد، وصاحب الوقت، وقطب الزمان، وترجَم له كثيرٌ منهم في كُتبهم ومؤلفاتهم، ومنهم العالِم الهندي الشيخ عاشق إلهي.

ولما بلغ العشرين زوَّجه ابنتَه العلَّامة الشهير شيخ الشام الشيخ محيي الدين العاني الرفاعي، وجاءه منها أولاد أكثرهم نساء، وله ولد واحد اسمه الشيخ محمد تاج الدين صار من علماء دمشق الأعلام.

وقد عُيِّن في عهد الحكومة العثمانية مفتيًا للجيوش، وفي عهد الأمير فيصل شيخًا للإسلام، وعُرِف منذ حداثته بأنه يقوم الليل ويصوم النهار، ولا يفطر إلا أيام العيدين، وجلوسه على الحصيرة، ولباسه من ثياب القطن، ولا يذهب إلى الحكام.

وقد سمع درسَه كثيرٌ من علماء مصر، منهم: الشيخ محمد بخيت، والشيخ رضوان العدل، والشيخ مصطفى الجندي، وتخرَّج عليه في «دار الحديث» كثيرٌ من علماء الشام، آخرهم الشيخ محمد المبارك، والشيخ أمين السويد، والشيخ توفيق الأيوبي، واستمر حتى بلغ الخامسة والسبعين مواظبًا على درسه الخاص يوم الثلاثاء ودرسه العام يوم الجمعة.

وحينما هاجر إلى الشام العلَّامة الكبير الشيخ الكتاني جلس في درسه وأخذ منه الإجازة في الحديث، كما طلب الإجازة منه كثيرٌ من علماء الآستانة ومصر والعراق والحجاز واليمن وغيرها من الأقطار الإسلامية.

وقد جمع مكتبة نفيسة من المخطوطات خصوصًا بعدما احترق قسم من مكتبة والده النادرة.

وللأستاذ الهلالي قصيدة طويلة في مدْح الشيخ بدر الدين يقول فيها:

يا عالِمًا جلَّ قدرُه
ومن حكى البحر صدره
الدين أعلى سماء
وأنت لا شك بدرُه

رحم الله الشيخ وأكرم مثواه جزاءً وِفاقًا.

ترجمة أخرى

ووقفتُ له على ترجمة أخرى بخطِّ السيد محمود بن رشيد العطار، قال:

وُلِد الأستاذ العلَّامة الشيخ محمد بدر الدين بدمشق سنة ١٢٦٧ﻫ، وقد مدحتُه بقصيدة طويلة قلت فيها مؤرِّخًا مولدَه:

مَن قد سما بين الأنام قدرُه
حافظ دين الله فهو بدرُه
من نشأة قد طهرت أنفاسُه
مولده تاريخه «أغراسه»
١٢٦٧

وولادتُه كانت بداره — قرب دار الحديث بالأشرفية — مقر المترجَم ومقر أئمة الحديث من سبعمائة سنة من أبوين فاضلين تقيين وَرِعين، فوالدته السيدة عائشة من أسرة الكزبري الدمشقية العريقة المشهورة بالعلم والفضل والحسَب والنسب، خصوصًا علم الحديث المنتهي رياسته إليها، وقد اعتنت بكفالته بعد وفاة والده أشدَّ الاعتناء وسلَّمتْه لشيوخ العصر للتلقِّي عنهم. أما والدُه فهو العلَّامة الإمام الشهير الشيخ يوسف ابن العلامة السيد بدر الدين ابن السيد عبد الرحمن ابن السيد عبد الوهاب ابن السيد عبد الملك ابن السيد عبد الغني المراكشي السبتي الحسني المالكي، وقد وُلِد الشيخ يوسف في محلة ورياد العروس في مراكش، وينتهي نسبُه إلى الولي الكبير الشيخ عبد العزيز التبَّاع أستاذ الولي الشيخ الجزولي صاحب دلائل الخيرات، والشيخ عبد العزيز ينتهي نسبُه إلى سيدنا الحسن رضي الله عنه، وقدِم دمشق بعدما صار العلَم الأوحد، والأستاذ المفرد، في سائر العلوم العقلية والنقلية، خصوصًا علمَ الأدب، فكان حاملَ لوائه بلا خلاف. وكان تحصيلُه العلوم بالجامع الأزهر، فأخذ عنه العلامةُ الشيخ حسن العطار شيخ الإسلام الأسبق، والعلامة الصاوي، والشيخ الفضالي، والأمير الصغير، والسيد محمد الحسيني الشهير بفتح الله، والشيخ حسن القويسني، وغيرهم من شيوخ العصر، واستجاز من الشيخ المحدث عبد الرحمن الكزبري، ومن رفقائه في الدرس: كالعلَّامتين الأشموني والطهطاوي وأضرابهما، وله مصنفات كثيرة تشهد له بالتفرُّد وطول الباع في سائر الفنون خصوصًا الأدبَ، فمنها: شرحُه على «مولد الدردير» في مجلد سمَّاه «فتح القدير»، ونظم «درة الغواص» للحريري، وهي مفيدة جدًّا، ومنظومته الشهيرة في فنِّ الرسم العربي، وشرحها المسمَّى: كشف النقاب عن وجوه مخدرات الطلاب، وهي فريدة في بابها.

أما نظمه فكثير جدًّا يكاد لا يُحصى، مع حُسن صياغة وإبداع تفرَّد بهما في عصره، وكان ينظم على البداهة، ويُكاتب أصدقاءَه الكثيرين المتفرقين في سائر الأقطار بالشعر ويجيز به أيضًا، وقد أجاز العالِم الشريف السيد أحمد عابدين صاحب المكتبة الشهيرة بالمدينة المنورة بقصيدة عصماء ساق فيها شيوخَه الكثيرين وعدَّدهم، ثم رحل إلى الآستانة واتصل بالسلطان محمود بواسطة صديقه الحميم شيخ الإسلام عارف حكمت، وبسط للسلطان قضية «دار الحديث» المشهورة مقر حفاظ الحديث وشيوخه وأئمة الدين من سبعمائة سنة إلى وقتنا هذا،١ مثل: ابن الصلاح والنووي والذهبي والمدني والسبكي وأولاده، فقام قومة الأسد الهصور، وسلَّ سيفَ الحق، وهو حامل لواء الشريعة في زمنه وحامي ذمارها، حتى أيَّده الله باستخلاص القسم المغصوب من تلك المدرسة «دار الحديث» وأتمَّ تعميرَها، وافتُتحت باحتفال كبير حضره العلماءُ والأمراء، ومنهم الأمير عبد القادر الجزائري الحسني صاحب اليد الطولى في مساعدته لاسترداد المغتصَب، وقد كان له العون الكبير بواسطة شيخ الإسلام عارف حكمت بنيل مبتغاه واختياره معلِّمًا بعد ذلك لنجلَي السلطان محمود «عبد المجيد وعبد العزيز» فعلَّمهما أصول العربية، وقد أجازهما بعد تلقِّيهما منه، كما مدح العلَّامة الشيخ يوسف بدر والد صاحب الترجمة السلطان محمود ونجلَيه في مقدمة منظومته، وكذلك شيخ الإسلام عارف حكمت بقصائد كثيرة.

وقد ترجم له المؤرِّخان: السيد مراد والسيد جميل الشطي، فقال الأخير في طبقاته بعد أن ساق نسبَه كما ذكرناه آنفًا: «هو المصري المولد، المغربي الشهرة والمحتِد، نزيل دمشق ودفينها الشيخ الإمام العلَّامة الفقيه المُحدِّث الكبير الأديب البارع الشاعر البليغ المتضلع المتفنن الهُمام الأوحد والعلَم المفرد، توطَّن دمشق بين سفر وإقامة، ولما عاد إلى دمشق الأمير عبد القادر الجزائري الحسني أحبَّه محبةً عظيمة، وقدَّره حقَّ قدره، فقد أخذ العلم في مصر عن مشايخ كثيرين، وقرأ القراءات وأتقنها، وصنَّف المصنفات الكبيرة مع الدين المتين والورَع والزهد، وأخذ عن الشيخ سعيد الحلبي والشيخ عبد الرحمن الكزبري، ودرَّس في الجامع الأموي، وحضر العلماءُ والأفاضل درسَه في مدرسة دار الحديث الشهيرة، وهي التي فتحها ودرَّس بها وأسكن بها الطلبة، وكان ذلك سنة ١٢٧٠ﻫ فصارت له أثرًا باقيًا وخيرًا جاريًا، وقد نظم فيها قصيدته المشهورة «التحديث عن نازلة دار الحديث»، وهي تزيد على أربعمائة بيت ساق فيها القصة بتمامها، وحسب المطَّلِع عليها أن يعلم ما له من القَدم الراسخة في العلم والأدب، وبالجملة كان آيةً من آيات الله ومعجزة من معجزاته، قوَّالًا بالحق، لا تأخذه في الله لومةُ لائم، كان مهيبًا تفرُّ العظماء من بين يديه مهابةً له وإجلالًا، حتى إن السيد طاهر أفندي مفتي الشام المشهور كان يتوارى منه؛ لأنه تراخى عن نصرته في قضية «دار الحديث»، ثم سكن مدة طويلة بالمدينة المنورة، وهناك نظم قصيدتَه التوسلية الشهيرة في مدح المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأولها:

إليك رسول الله وجهتُ وجهتي
لأنك بابُ الله في أيِّ محنةٍ
وأنت ملاذُ العارفين بأسرهم
إذا ما استغاثوا سيما يوم حسرةٍ

وهي قصيدة سارت بذكرها الركبان، تُقرأ عند اشتداد الكروب ونزول المصائب، ولقد أخبرنا أحدُ الثقات أنه كان إذا دخل من باب الجامع الأموي وأحسَّ به بعضُ المدرسين قام مختفيًا خشيةَ الوقوف على درسه والتكلم معه، كما أخبر بعضُ المُعمَّرين أنه كان يأتي بعضَ ضواحي دمشق وقُراها؛ كقرية دوما وكفر سوسه، فيدخل الجامع فيجتمع عليه الناس للوعظ والانتفاع بعلمه وفضله، فيقرأ أولًا عشر من القرآن الكريم بالقراءات العشر، ثم يشرع بالوعظ بلا كتاب، وقد أخبرنا الشيخ عثمان الدرماني الحنبلي الفقيه إمامُ مسجد درما أنه جلس مرة للوعظ مبتدئًا ببيت من البُردة فشرحه بأنواع الفنون، ثم توقَّف هنيهة فأنشأ عدةَ أبيات من بحر البُردة وقافيتها، كما نظم تاريخًا بديعًا منقوشًا على جدار درما الشهير.

وله مع الأمير عبد القادر الجزائري الكبير واقعةٌ مشهورة، وهي أنه في أثناء احتدام قضيته «دار الحديث» دخل على الأمير عبد القادر الجزائري وهو يقرأ البخاري لتلامذته فقال موجهًا الخطاب للأمير: أُصلِّي أربع تكبيرات على هذا الميت، فكان هذا سببًا لقيام الأمير بنصرة الشيخ، وبالجملة كان مجدِّدَ عصرِه بلا خلاف، وحاملَ لواء السُّنة بالاتفاق.

ورأيتُ بخط تلميذه الشيخ عبد السلام الشطي أنه تُوفي يوم الخميس ١٩ جمادى الآخرة سنة ١٢٧٩ﻫ في دمشق، ودُفن في تُربة باب الصغير، وقبرُه ظاهر يُزار ويُتبرَّك به.

وأعقب المترجَم نجلَيه: العلَّامة الشيخ محمد بدر الدين وأخاه المرحوم الشيخ أحمد بهاء الدين، وكان الأخيرُ من أهل العلم إمامًا في مدرسة دار الحديث، ثم صار شيخًا للتكية المجيدية يُقيم بها الذِّكْر والطريقة النقشبندية إلى أن تُوفي إلى رحمة الله، وخلَّف ولدًا دعاه يوسف ضياء الدين، وهو في كنَف عمِّه يطلب العلم أسوة بأسلافه.»

نشأة الأستاذ الأكبر الشيخ بدر الدين

وقد نشأ الأستاذ الأكبر مولانا الشيخ بدر الدين في حِجْر والده العلَّامة الشيخ يوسف المشار إليه آنفًا، وحفظ القرآن الكريم بمعونته وإرشاده، وقرأ عليه مبادئ العلوم حفظًا وفهمًا، وحينما أشرف والدُه على الموت كان يقول له: تركتُك لله يا بدر الدين، وكان لوالده شغفٌ عظيم به ومحبة شديدة له، وقد ذكره في قصيدته التوسلية، وكان غائبًا عن دار الخلافة لأجل قضية «دار الحديث»، قال:

وأما الذي قد أورث القلبَ حسرةً
ففُرقة مَن للعين أعظمُ قرَّةِ
محمدٌ ابني مَن به امتن خالقي
عليَّ عقيبَ الشَّيب إبَّان شيخةِ
ففارقتُه قهرًا ولا كافلٌ له
سوى مَن قضى بالبُعد عنه لحكمةِ
وقَولي على مَن رام لي عنه فُرقة
بمحض الأذى: اللهُ حسبي بحُرقةِ
وأُهدي صلاتي الهاشميَّ محمدًا
تُمتِّعُني قبل الممات برؤيةِ
عليه صلاة الله ما حنَّ غائب
وما اكتحلت عينٌ برؤيا الأحبَّةِ

وبمناسبة «دار الحديث» تُذكر حادثة أخرى لها وقعت خلال الحريق الهائل الذي شبَّ في دمشق والتَهم سوق الحميدية الشهير، فقد احترق قسمٌ منها، فبلغ الوالي عزت باشا العابد، الذي اعتزم عمارتَها على أحسن طراز بعد زيارته لها وتفقُّدها مع المرحوم السيد عبد الحميد الزهراري، وجدَّد العزيمة الصادقة على عمارتها، وصرف مالًا كثيرًا في هذا السبيل، وبالرغم من قيام بعض أحفاد الذين عارضوا تعميرها من قبل لصرف همته، ولكن الله أبى إلا أن تُعمَّر وتعود لِما كانت عليه، وهي بحمد الله عامرة بأهل العلم والطلبة من الصباح إلى المساء، وهي المعهد الوحيد الذي تُدرَّس فيه العلوم على اختلاف أنواعها، وتُقصد من أطراف الأرض فيزورها الجاوي والبخاري والهندي والصيني والأفغاني والمدني والمصري والداغستاني واليمني والتتري، فهي تعجُّ بالأجناس المختلفة.

وفي حقها قال «السبكي»:

وفي دار الحديث لطيفُ معنًى
أُصلِّي في جوانبها وآوي
لعلِّي أن أمسَّ بحرِّ وجهي
مكانًا مسَّه قدمُ النواوي

ويقال إن نعل المصطفى عليه الصلاة والسلام بحائطها القبلي، والله أعلم.

ولما تُوفي والدُ المترجَم كان عمره اثنتَي عشرة سنة، فقعد في غرفة والده بدار الحديث، ولها اتصالٌ بداره، وصار يُطالع الكتب التي تركها له والدُه بهمَّة عظيمة، ويحفظ المتون في أنواع الفنون بحافظة غريبة.

وقد أخبرني رجلٌ مغربي صالح ثقة اسمه الحاج أحمد، وكان مختصًّا بخدمة بيت الشيخ، أن المترجَم لما جلس مكان والده في الحجرة وصار يُطالع الدرس بالليل، كان والدُه يتجلَّى له ويُرشده بروحانيته إلى ما استعصَى عليه فهمُه من المشكلات.

وقصَّ على أُمِّه ما يرى، فقالت له: إن أرواح الصالحين تحضر وتزور مَن تُحب. وكانت من العابدات الصالحات، قلَّ مثلُها في زمنها، ثم إنها أخذت الأستاذ وذهبتْ به إلى العلَّامة أبي الخير الخطيب في دمشق وأوصتْه به خيرًا، فعامله الشيخ المذكور معاملة ولده؛ لمَا رأى عليه من سيماء النجابة والذكاء المفرط مع خُلُق كريم وورع عظيم، وشغله بحفظ المتون في الفنون المختلفة، فحفظ الألفية والشاطبية وألفية الحديث للعراقي وغيرها مما يُقدَّر بستة آلاف بيت، ثم شفَّعها بقراءة شروحها بفهم وإتقان، ولم يُكمل الثامنة عشرة من عمره، حتى نبغ نبوغًا باهرًا خارقًا للعادة، لفتَ إليه أنظارَ مشايخه، فأجازوه إجازة عامة، وأذِنوا له في التدريس والتأليف، فشرح «غرامي صحيح في مصطلح الحديث» ولمَّا يُكمل العشرين من عمره، وطبع الشرح سنة ١٢٨٦ﻫ، ثم أقبل على المطالعة لنفسه بهمَّة شمَّاء وعزيمة صحيحة، لا يفترُ عن ذلك آناءَ الليل وأطراف النهار، وحفِظ من الأحاديث بأسانيدها ما شاء الله أن يحفظ. ويقال إنه يحفظ البخاري ومسلم بأسانيدهما، ولا يغيب عنه حديثٌ قط من الكتب الستة، ومن رأى الأستاذَ في درسه العام وهو يسردُ الأحاديث بأسانيدها ويتكلَّم عليها بأنواع العلوم، علِم أن الله اختصَّه بقوة حافظة خارقة للعادة لم يُسمَع بمثلها، ثم صار يكتب على بعض المتون شروحًا؛ فشرح «الإظهار» شرحًا مفيدًا جدًّا، ومنظومة «موافقات سيدنا عمر» للسيوطي، وشرح «البيقونية»، ومتونًا كثيرة في الصرف، وكتب حاشية على «شرح المحلِّي على البُردة»، وحاشية على «الجلالين» في أربعة مجلدات، وكتب شرحًا على «مختصر ابن الحاجب»، وقد رأيتُ ذلك كلَّه بخطِّه، وله تقييداتٌ كثيرة على أطراف الكتب، ولعل له تآليفَ أُخرَ لم أطَّلع عليها؛ لأنه يريد ألا يُنسَبَ له شيءٌ منها تواضعًا، وقد محا اسمَه عنها كلَّها هضمًا لنفسه، كلُّ ذلك ولم يتجاوز العشرين من عمره، ثم صار يقرأ للطلبة في الجامع الأموي النحو والصرف والبلاغة والمنطق والفقه وغيرها.

وقرأ درسًا عامًّا بين العشاءين، وسمعتُ أنه كان يقرأ تفسير البيضاوي عن ظهر قلبه دون أن يحمل كراسًا، وكان جهوريَّ الصوت، يجتمع عليه الخلقُ الكثير صفوفًا صفوفًا، فتعطَّلت دروسُ غيرِه من الشيوخ لشدة فصاحته ولإخلاصه الخالص.

ثم اعتزل في حجرته بالمدرسة ولم يخرج منها مدةَ سبع سنوات، حتى يقال إنه ما كان يُرى أبدًا، ويصلِّي فيها حتى الجمعة لالتصاق حجرته بالمسجد من جهة الشرق، فأكبَّ خلالها على المطالعة والحفظ، مقبلًا بكليته على علم الحديث حتى صار فيه الحجةَ البالغة، ثم رحل إلى حمص، فأقبل عليه أهلُها إقبالًا عظيمًا وأخذوا عنه، وكان ذلك في سنة ١٢٩٤ﻫ، ثم رجع إلى حجرته في المدرسة حتى جاوز الثلاثين، فقرأ درسًا عامًّا في جامع السادات عن ظهر قلبه من صحيح البخاري، وقد بهرت الناسَ فصاحتُه وتكلُّمُه على الحديث الواحد من علوم شتى لم تُعرف بديار الشام، مثل الحكمة والطب والرياضيات وغيرها، وانتقل لكثرة الخلق عليه — لما ضاق بهم الجامع — إلى جامع سنان باشا، فكان يقرأ ليلتَي الجمعة والاثنين من بعد المغرب إلى العشاء، ويجتمع عليه الألوفُ من الناس، ويأتون من قبل المغرب فيصلُّون في الجامع، ويمكثون لشدة الزحام في أماكنهم لامتلاء المسجد بسدَّتَيه العليا والسفلَى حتى الرِّواق وصحن المسجد الخارجي، وكان يحضر درسَه العامَّ عزت أفندي متصرفُ دمشق التركي إذ ذاك بعد أن يُبدل ثيابَه ويَلبس جبَّةً وعِمَّة على هيئة أهل العلم، وأحبَّه محبَّةً عظيمة، وما إن اجتمع في الآستانة بالوزراء وأهل الحَلِّ والعَقد حتى أخبرهم بالأستاذ وأنه مع حداثة سنِّه من أجلِّ المحدِّثين، متكلمًا عن ظهر قلبه في سائر الفنون مع فصاحة وطلاوة تأخذان بمجامع القلوب، فأثمرت مساعيه تعيينَ عشرة ليرات معاشًا شهريًّا للأستاذ دون علمِه، حتى إن الأستاذ كان على عاداته يقرأ الدروس في الأصول والتوحيد والمعاني والوضع والمنطق كحاشية الأزميري على المرآة وحواشي التلويح والمطوَّل والأطول والخيالي وحواشيه والعصام والكفوي على الوضعية والقطب على الشمسية وشرح حكمة الإشراق وغيرها، وبينما هو يقرأ الدروس جاءه رسولُ الوالي فقدَّم له ظرفًا كبيرًا يحوي براءة سلطانية بالمعاش المذكور، فقال الأستاذ له: ليس هذا لي، وامتنع عن أخذه مع أنه كان في أشد الحاجة، ثم لم يرَ بُدًّا من قبوله.

ثم تزوج المترجم بكريمة العارف بالله ذي الكرامات الظاهرة والمناقب الفاخرة العالِم الكامل السيد الشريف محيي الدين العاني الرفاعي، ورُزق منها أولادَه، وصار أخو المترجَم الشيخ أحمد بهاء الدين يتناول المعاش ويتولَّى أمر البيت، والأستاذ مشتغل بقراءة الدروس.

وفي سنة ١٢٩٨ﻫ أُسند إليه التدريس في الجامع الأموي، فقرأه باحتفالٍ حضرَه أعيانُ العلماء والرؤساء والوالي وجماعته، وكان إذ ذاك «مدحت باشا»، فابتدأ بالحديث الأول من صحيح البخاري ذاكرًا سندَه ومشايخه، وأتى على مقدمة عظيمة في علم الحديث شارحًا منقولَه ومعقوله، وما ترك علمًا من العلوم إلا ذكَر شيئًا منها، واختتم بالدعاء بالصلاح والتوفيق لولاة الأمور، واستمرَّ كذلك في إلقاء هذا الدرس كلَّ يوم جمعة بعد صلاتها إلى أذان العصر، مبيِّنًا ما يُبنى على الحديث من الأحكام الشرعية على اختلاف مذاهب المجتهدين، مرجِّحًا الأقوى منها مأخذًا وأدلة، وقد تبلغ الأحاديثُ التي يذكرها مما يتعلق بحديث الباب مائة حديث، ويدلل على المسألة الواحدة بما يُطبِّقه من علم الأصول وآداب البلاغة في البحث والتفسير والتوحيد والأدوات كلها حتى الحكمة والفلسفة والطب والهيئة والهندسة، مما يبهر السامعين ببديع تقريره، ومن بينهم أحدُ الذين تخصَّصوا في الطب والرياضيات مثلًا فيشهد له حين يسمعه باليد العليا في هذه الفنون.

وعلى الرغم من حضور درسه الحكام والأمراء والقضاة جلوسًا جانبه وحوله، وأكثر الحاضرين وقوف، فإنه يبلغهم جميعًا صوتُه بلا توقُّف ولا تلعثم منتقلًا من البحث إلى الآخر بأدنى مناسبة، ويذكر الأحاديث المخوِّفة مشدِّدًا الأمر على مَن بيدهم أمور الناس فيُبكيهم ويُذكِّرهم بالعودة إلى الرجاء والثواب للعادلين والذين لأماناتهم وعهدهم راعون، بين ترغيب وترهيب في وصف العلاج، شأن الحكماء، مع إجابته متيسمًا متلفتًا عما يخطر ببال المتخصص بعلم من الأسئلة متكلمًا فيه مفيدًا ومجيدًا، ويختم درسَه بآيات مطبِّقًا إياها بما يُحير الألباب، ومن عادته الجلوس في مصلَّاه بعد صلاة الفجر مع الجماعة قارئًا أورادَه إلى طلوع الشمس مؤدِّيًا صلاة الضحى وما قطعها مرة حتى في الحج، فيقوم للوضوء مستقبلًا القبلةَ داعيًا ومصلِّيًا بعد عودته إلى غرفته نوافل كثيرة، فإذا أُذِّن للظهر صلَّاه مع الجماعة إلى صلاة العصر قارئًا درسًا أو أكثر إلى قُبيل المغرب فيُصلِّيه جماعةً أيضًا، ذاهبًا إلى داره بعد الصلاة، فيفطر ويجلس للدرس في بيته ويحضره الكثيرُ من الخاصة والعامة، إلى أن يصلِّيَ العشاء جماعة، ثم يذهب إلى مضجعه، علمًا بأنه لم يصلِّ إمامًا في حياته، مع كونه لم يترك صلاة الجماعة أصلًا، وكان يزور أهلَ الصلاح والتقوى والفقراء متفقِّدًا مدارس الأولاد الصغار طالبًا الدعاء منهم ومن معلِّميهم ماسحًا برءوس الأيتام، وكذلك زيارتُه المسجونين ناصحًا واعظًا متلطفًا معهم، ولم يدخل طولَ عمره دواوين الحكومة، متورِّعًا كثيرًا في الفتاوى الفقهية، وكثيرًا ما يُحيلها إلى بعض تلامذته، وقد وصفه أحدُ علماء الهند بقطب الزمان ومجدِّد الأوان، كما كان شيخ الإسلام في الآستانة يقول عنه إنه قطب العالم الإسلامي، ورحل إلى الحجاز مرتين، فقرأ بمكة المكرمة بعضَ كُتُب الحديث، كما زار مصر مجتمعًا بالشيخ الأشموني رفيقِ والده في الأزهر، وذهب إلى القدس الشريف وغيرها.

وكانت زيارتُه للروضة النبوية الشريفة في حجَّتِه الأخيرة سنة ١٣٣٣ﻫ قُبيل صلاة الجمعة، فاغتسل ولبس أحسن ثيابه، ثم توجَّه إلى الحرم النبوي، فلما دخله اجتمع عليه الخلقُ، ولكنه لم يكلم أحدًا منهم حتى خرج، ثم أخذ يستقبل أفواجًا بعد أفواج من العلماء والطلبة وغيرهم، ثم رحل إلى الآستانة مرتين، وعُيِّن أستاذًا للعلوم الدينية، وتولَّى مشيخة الإسلام في حكومة الملك فيصل الأول.

وكان رحمه الله رَبعةً، خفيف العارضين، قليلَ شعر الوجه، مرتفع الجبهة وعليها أثرُ السجود، وآيةُ المهابة والنجابة والذكاء المفرط تلمع من وجهه الأبيض وعينَيه الحادتين جاذبية، ويداه كالحرير لينًا والفضة بياضًا، يلبس الثياب البسيطة التي لا تُميِّزه عن غيره، قليل الكلام إلا في الدرس، ورِعًا، مضرب الأمثال، ما قبِل هدية قط، ولا رُئي مفطرًا فيما عدا الأيام المنهي عن صيامها، مهتمًّا بأمور الخلق أكثر من اهتمامهم بأنفسهم، حريصًا على نفعهم ومنفعتهم، شافعًا لهم عند الحكَّام فلا تُردُّ شفاعتُه، كما كتب إلى كثير من الملوك والأمراء والحكام في أقطار الأرض، حاثًّا لهم على العمل وإقامة الحق بين الخلق، فلسانُ الخلق أقلامُ الحق، رحمة الله عليه وعلى أمثاله من أهل الصدق بين العالمين.

١  في حياة المغفور له العلَّامة المحقق أحمد تيمور باشا رحمه الله.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠