الفصل الثاني عشر

الحقد على الشرائع

في ٧ أبريل سنة …

اتكأت في سريري في آخر الليل الفائت، ولم أستطع أن أكفكف دموعي؛ لأني بعد ما تركت القلم جعلت أفتكر بأعمالك، فأجد أنها محزنة جدًّا ومنذرة بإخفاق سعيي إلى الغاية التي أتوخاها، وستعلمها في حينها من كتابي هذا.

وجدت أن فكرك ضال فخفت أن يتطوح ضلاله في، اصطحبت أمس المدموازيل ميراي والمدموازيل روشل لكي تغيظني، وقد بالغت في تمثيل دور غيظي يا موريس، ما كنت أظنك قاسيًا بهذا المقدار يستحيل أن تكون هذه فكرتك؛ لأني أعهد أنك رقيق القلب جدًّا، هل توهمت أني أذنبت لك ذبنًا من نوع عملك حتى تعاقبني هذا العقاب الشديد؟

لا أنكر أن قلبي انسحق حين كنت تأمرني أن أقدم كأسًا لميراي وأخرى لروشل، ولكني كنت أعتصم بما وهبني الله من الحكمة والصبر في ذلك الحين، وبقهر عواطفي لكيلا أنقض عهدًا مقدسًا عقدته لأجلك.

ولكني كنت أخاف جدًّا أن تستسلم لميراي، وتزيغ عن السبيل الذي كنت أنوي أن أردك إليه هذا التخوف هو الذي أحزنني جدًّا؛ ولذلك خلوت في غرفتي وأطلقت لعبراتي العنان، وطلبت إلى الله أن يسدد خطواتك ويقيك شر الغواية، ولما رأيت أن ذلك النحيب لا يمكن أن يكون له آخر استلهمت الله أن أضع حدًّا له، فألهمني أن أشغل وقتي في عزلتي بكتابة هذا الكتاب لك.

أعود إلى قص حكايتي لك:

خرج ذلك الفتى من منزلي الحقير، ولم يعد، كأنه كان ينتظر داعيًا لهجري كذلك الداعي.

لا بد أن تتصور يا موريس شقاء حفَّ بي في ذلك الحين، ويأسًا خيم على قلبي، ولكني أؤكد لك أن ما تتصوره إنما هو ظل الحقيقة، استسهلت الانتحار جدًّا حينئذٍ، ولولا ما طبعت عليه نفسي من الشمم لأتيته، ولكني أنفت أن أفترق عن الناس مخلفة ذكرًا مذمومًا، فوضعت نصب عينيَّ أن أسترد الشرف الذي فقدته، وأستعيد المقام الذي نفيت منه قبل أن أموت.

تراءى لي حينئذٍ أن جرمي عظيم جدًّا، وأن سواد عاري حالك، حكمت نفسي في أمر إثمي فوجدت أن لي شركاء فيه، أولهم ذلك الفتى؛ لأنه غرر بي وأغواني إلى حد الإكراه، وأراني أن هذا الإثم عرضي يمحى بزواجنا، ثم أمي وأخي؛ لأنهما فسحا السبيل لذلك الوغد وأخليا له الجو، وما أوجسا منه شرًّا عليَّ في حين أني حديثة السن ضعيفة القلب والعقل والإرادة، ومن مظالم البشر أن يتعمد الأهل زج الفتيات بين الفتيان، وتعريضهن لفخاخ غوايتهن يعاقبونهن على وقوعهن في تلك الفخاخ.

حذِّر الفتيات يا موريس من وعود الفتيان، فإنها مهما كانت صادقة لا يستحيل أن ينقضوها، فعليهن أن يعتصمن بعفافهن؛ لأنهن وحدهن مسئولات عنه، وإن كان لهن شركاء فيه، لا يرحمهن ولا يعذرهن أحد.

مع أن لي شركاء في إثمي فقد وقع العقاب عليَّ وحدي، ذلك الفتى تركني وعاد إلى مكانته في العالم كأنه لم يأت أمرًا منكرًا، وأهلي أنكروني والناس احتقروني.

قضيت بضعة أيام أفكر في ماذا أفعل لأعيش؛ ولأرقى من وهدة حطتي إلى مقام سيدة بين الناس، فأغلق عليَّ لا أعرف صناعة أسترزق منها وطفلتي غل ليدي، كادت النقود التي بقيت معي بعد فرار ذلك الخئون تفرغ من جيبي، ولا يبقى عندي بعدها سوى خاتم حفظته تذكارًا لحبه، وما هو إلا تذكار لشقائي.

خطر لي أن أطالب ذلك الغادر بحق الزوجية مطالبة قانونية، فتحمست وقصدت إلى محامٍ أستشيره في قضيتي، وقصصت عليه موجز قصتي فسألني: هل عندك دلالة كتابية، أو شهود على أنه وعدك بأن يتزوجك؟

– كلا ولكنه ساكنني أشهرًا كمساكنة الزوج للزوجة.

– ولكنك رضيت بهذه المساكنة فلم يعد لك أقل حق عليه.

– لقد شاركني في إثمي وأنا وحدي أعاقب.

– الشريعة لم تعاقبك.

– ولكن الناس يعاقبونني؛ لأنهم يسلبون حياتي الأدبية بل سعادتي، أفلا حق لي بتعويض من خسارتي هذه؟

– ليس في الشريعة نص على ذلك يا سيدتي.

– إذن الشريعة ناقصة أو غير عادلة.

– الشريعة المدنية يا سيدتي غير الشريعة الأدبية، أنا أرى أن ذلك الفتى ظلمك وغبنك ولكن القضاء يبرِّره.

فتنهدتُ وقلت: آه والشريعة الأدبية برَّرته أيضًا؛ لأن الناس ضربوا صفحًا عن جريمته، وقبلوه في عداد الأفاضل، وبقيت أنا وحدي ملتحفة بهذا العار، ويلي أنا الشقية! إلى أي محكمة ألتجئ؟

وحينئذٍ شرقتُ بدموعي واسترسلت في نحيبي، فلم يتمالك ذلك المحامي أن يغرورق بالدمع أيضًا.

لو كنت معي حينئذٍ يا موريس لوثبتَ من مكانك كالأسد الهائج، وأسرعت إلى ذلك الغادر، وأنشبت أظفارك في عنقه؛ لأني أعلم أنك وحدك تنصفني، على أن المحامي رثى لي قائلًا: ليس لك يا سيدتي إلا محكمة العدل الإلهي، فلا بد أن تنتقم لك من ذلك الغادر وتعاقبه شر عقاب.

فقلت: أليست المحاكم الأدبية والمدنية تمثل محكمة الله على الأرض، وشرائعها مستمدة من شرائعه تعالى؟

– كذا يدعي المشترعون، ولكن الحقيقة أن تلك الشرائع الأدبية والمدنية، وضعها الأقوياء مراعين فيها مصلحتهم وحدهم.

فاستشطتُ غيظًا وزمجرت كالوحش الثائر قائلة: إذن أشقى؛ لأني ضعيفة لا لأني أثيمة، رحماك يا رباه خذ بيدي، ألا تقيم عدلك في هذا العالم الظالم! ألا تصلح هذه البشرية الفاسدة؟

موريس موريس، ألا تستطيع أن تجند من ذوي العقول الثاقبة والقلوب الصالحة جنودًا يناضلون معك عن الإنسانية، ويدكون أركان تلك الشرائع الجائرة والمحاكم الظالمة، ويفسقون دعاوي الأقوياء الكاذبة؟ هؤلاء هم الفريسيون المراءون.

إني أرى هذا العالم جبلة شر، وليس فيه إلا الرذيلة مموهة بطلاء الفضيلة الكاذبة، إن لم تستطع أن تضع أساسًا للفضيلة الحقيقية، وتبني عليها العدل الحقيقي، فكن بين الناس شرًّا منهم، واهجم على ضميرك بنبل النقمة واطعنه في قلبه طعنة قاضية؛ لأنه بقي حيًّا يجرك إلى الشقاء الدائم إذ لا تقدر أن تستوفي حقوقك من سواك بموجب هذه الشرائع البشرية، بل بالقوة والقساوة والطمع والغدر تستحوز على أمانيك، فلماذا تسكت عن حقك إذ كانت الشرائع لا تنصفك، والناس لا يعدلون.

أنا ضعيفة وذلك الوغد قوي، فلا الشرائع تنصفني منه ولا الناس يرثون لي، ولا حول لي ولا قوة على أخذ حقي، فماذا أفعل؟

وهت قوتي يا موريس حتى إن القلم يضطرب في يدي، إني أستسلم لحكم الهيئة الاجتماعية مكرهة؛ وألزم الفضيلة لأنها معزية لضميري وإن تكن عاجزة عن حفظ حقوقي أقضي الحياة شقية، ولكني أموت متعزية بتوبتي، هذا جل ما أستطيعه في هذا العالم المتعب.

خرجت من عند ذلك المحامي وصدري مرجل يغلي فيه الحقد على هذه النظامات البشرية الظالمة، خطر لي أن أنتحر ولكن لم يصدني عن الانتحار الخوف من الموت، بل الأمل بأن أسترد حياتي الأدبية، وأبرهن للملأ أن الزلة الواحدة لا تسقط المرأة إلى الأبد.

رجعت إلى بيتي فاستقبلتني الخادمة في الباب، وهمست في أذني قائلة: «إن سيدة هنا تنتظرك»؛ فعجبت لأني أعلم أن الناس وخصوصًا السيدات يبتعدون عني ابتعادهم عن الحية الرقطاء، ويتجنبونني تجنب السليمِ الأجربَ؛ لأني ساقطة دنسة في اعتبارهم؛ ولأنهم في الرأي العام صالحون أبرار، قضيت تلك الأشهر في منزل فلم تدخل إليه إلا واحدة من جاراتي، إذ عرفن حقيقة أمري، بل حاول صاحب المنزل أن يخرجني من قبل أن تنقضي المدة المعينة في صك الإيجار، صادفت مرة إحدى صاحباتي عابرة أمام منزلي فأغضت نظرها عني لا تريد أن تعرفني، فمن ترى تلك المرأة التي تنتظرني في بيتي؟

دخلت فدهشت إذ وجدت أمي حاضنة طفلتي وعيناها مقرحتان، فانطرحت عند قدميها أبلهما بدموعي قائلة: أماه! إن العالم كله يعاديني وينتقم مني؛ لأني أذنبت ذنبًا لم يؤذ به أحد سواي، فهل لي منك رحمة لا أستحقها؟

فقبلتني قبلة شعرت أنها باردة، ولكني لا أدري إن كانت بالحقيقة هكذا، أو أن يأسي أوهمني أنها كذلك، قالت: اجلسي يا بنيتي لنبحث في أمرك.

فجلست وقد تجسم الرجاء أمامي، وقلت: عسى أن تكوني قد أتيت إليَّ بما ينفس كربي يا أماه.

– أتيت إليك بالرغم من رضاء أخيك؛ لأنه يخجل أن يعرفك.

– ويلاه أيشارك أخي سائر الناس في الحكم عليَّ؟

– أنسيت يا إيفون أنك ربيت في بيت أساسه الفضيلة وجدرانه التقوى، فكيف لا نقفل بابنا في وجه العار الهاجم علينا بسبب جرمك العظيم! من كان يظن أن فلانة ابنة فلان ربيبة الفضيلة والأدب والتقى تفرُّ من بين أهلها؛ لتبذل عفافها في مرقد الدنس، لم نعد نستطيع أن نرفع أعيننا إلى الناس من الخجل والحياء، وأخوك لم يعد يجسر أن يلتمس من المسيو (…) يد ابنته؛ لأنه لم يعد يتوقع إلا الخزي بسببك.

فتململتُ وتنهدتُ وقلت غاصة بكل لفظة: أماه لا تدينيني فقد دنت نفسي، وحكمت على نفسي وحسبي ما أقاسيه من أساي وشقائي، الآن وقت الرحمة فارحميني بأي فرج أتيتني؟

– قولي لي أولًا على أي حال تركك ذلك النذل؟

– تركني إلى الأبد بلا رحمة ولا شفقة.

– كنت أستقصي أخبارك فأعلم أنه كان يجتهد في إقناع أهله أن يقترن بك اقترانًا شرعيًّا؛ ولهذا آثرنا إهمالك لكي يعلم هو وأهله أنهم ملزمون بك، وقد استخدمنا كل الوسائل الممكنة لاسترضائهم فلم نفلح؛ لأن أباه كان يرفض كل الرفض قرانكما لاعتباره إياك دنسة لا تليقين أن تكوني كنة له.

– ويلاه ما أشقى الفتاة؟ أليس ابنه مدنِّسي وشريكي في دنسي؟ فهل برَّأه؟

– ألا تعلمين يا ابنتي أن هذا الدنس لا يلصق منه شيء بالشاب إلا إلى حين قصير؟ فقد تناسى الناس عمل ذلك الخئون، وعاد يطوف في بيوتهم ينتخب زوجة منها، وكلهم يتمنون أن يزوجوه!

– لم أكن أعلم ذلك من قبل يا أمي فلا أدري من ألوم على جهلي هذا، ومع ذلك لا أظن أن أهله وحدهم السبب في تركي، فقد كان في وسع ذلك الغادر أن يعصاهم لأجل من غرَّر بها، وبنى لها من الوعود قصورًا وعلالي.

– لا ريب أنه نذل، خاف من تهديد أبيه أن يحرمه نصيبه من ميراثه الطائل.

– إنه جبان، كنت حديثة جاهلة لا أفهم إلى أين أصل، والآن لات ساعة مندم، فماذا ترين الآن يا أمي؟

– فاوضت أخاك طويلًا بأمرك فوعد أن يمدَّك بالمال على قدر طاقته، وإذا شئت أن تعملي عملًا تستفيدين منه لمعيشتك، فضعي طفلتك هذه عندنا فأربيها، وأنت تكونين مطلقة اليدين للعمل.

– إذن لا يقبلني أخي في منزله!

– ليته يقدر يا ابنتي! فإنه مضطر أن يتزوج ووجودك في بيته عقبة في سبيل زواجه، وإن تسامح مصاهروه بذلك، فأنت لا تستطيعين احتمال إمرة زوجته عليك، ولا تأمنين أنها تجرح عواطفك حينًا بعد آخر مهما كانت طيبة القلب ورقيقة العواطف، فالأفضل أن تعيشي مستقلة ونحن لا نضن عليكِ بكل ما نستطيعه من إمدادك بالنقود.

– ويلاه حتى أهلي يتحاشونني ويخافون أن يتدنسوا بدنسي؟ ألأجل زلة واحدة أسام كل هذا الهوان؟ ويلاه! أوحدي أنا أثيمة والناس كلهم أبرار؟

وطفقتُ وأمي نبكي البكاء المر، وبعد هنيهة قالت: صبرًا يا بنيتي صبرًا، ليكن الله معك، إن ما ارتأيناه بشأنك حسن لك.

– لا لا، لا أكلفك وأخي شيئًا يا أماه، الله يدبرني.

عند ذلك أخرجت أمي من جيبها بضع جنيهات، ودفعتها لي فلم أمدد لها يدًا فوضعتها على المقعد إلى جانبي، ثم قالت: متى تريدين أن آخذ الطفلة؟ أو تريدين أن تبقيها معك إلى أن تُفطم.

– لن أفارق ابنتي يا أماه، ورزقي على الله.

– لا تيأسي يا ابنتي، إني أمك، أبقى لك كل حياتي، ليكن الله معك، أودعك إلى حين قريب.

ثم نهضت ونفحت الخادمة جنيهًا، وقالت لها: ألا تحبين سيدتك؟ ساعديها يا بنيتي وسرِّيها.

ثم خرجت وتركت مهجتي تتردد بين ترقوتي، وجعلت أفكر فيما آلت إليه حالي فصغرت الحياة في عيني، ولكني ما عتمت أن استرددت أنفتي واستنجدت بتجلدي، فأخذت ورقة وكتبت:

سيدتي الأم الحنون

أعيد إليك مع خادمتي الجنيهات التي تركتها هنا، إني إلى الآن في غنًى عنها ولي الأمل أن لا أكلف أخي شيئًا بشأني، أقبل يديك ويدي أخي.

(…)

وأرسلت النقود والرسالة كما كتبت.

وفي يوم التالي وافت أمي إليَّ، وقالت: لماذا فعلتِ هكذا يا ابنتي؟ إنك سخيفة العقل أتردِّين عطية أخيك؟ ليس متصدِّقًا عليك، إنما هو يفعل الواجب عليه.

وبَّختني كثيرًا على هذه الأنفة وقبلتني مرارًا وأرغمتني على قبول النقود، وكانت كل مدة بعد أخرى تزورني، وأحيانًا تدفع لي نقودًا فكنت أعيش بها عيشة بسيطة.

اقتنيت آلة للخياطة وكنت ألتمس من خياطة مجاورة لي أن تعطيني بعض قطع قطنية، فأخيطها بأجرة زهيدة حين تكون طفلتي نائمة، أو على يدي خادمتي، على أن الخياطة لم تتكل عليَّ أن أخيط القطع الحريرية وغيرها مما هو ثمين؛ لأني لم أكن أحسن الخياطة جيدًا.

وبعد بضعة أشهر قالت لي أمي إذ كانت زائرتي — ولم يحو بيتي زائرة سواها: إن أخاك راحلٌ إلى باريس؛ لكي يطلب عروسًا ولعله يقيم هناك، والآن صار يمكنك أن تفطمي ابنتك وتطرحيها عن يديك، وتتفرغي لشغلك، فدعيني آخذها معنًا فنربيها ونعدها لمستقبل حسن؛ لأنها إن بقيت عندك ظلت غلا ليديك، وكان مستقبلها مظلمًا وتعسًا بلا إثم منها ولا حرج.

فشقَّ عليَّ جدًّا أن أفارق ابنتي؛ لأنها كانت تعزيتي الوحيدة، ولكني عدت إلى عقلي وتأملت الأمر جيدًا، فرأيت أن من الحكمة أن أطاوع أمي وأقاوم قلبي فأفك يدي من أغلال تلك الطفلة، وأتفرغ للعمل لكي أعدَّ لنفسي مستقبلًا حسنًا وأجدِّد حياة شريفة، سرَّني هذا الفكر بقدر ما آلمني تصور فراق ابنتي، وأخيرًا قلت: «من لي مثل أمي مربية لطفلتي؟ وماذا لي مثل بيت أخي منزل لها؟» فقبلتها مرارًا بدموع غزيرة وسلمتها لأمي وقلبي يتقطع.

آه يا موريس، ندمت جدًّا على تسليم ابنتي فلذة كبدي؛ لأنه بعد برهة ورد إليَّ كتاب من أمي تنعيها إليَّ وتعزيني بها؛ فلطمت خدي وقرعت أسناني ندمًا على تركها؛ لأني تصوَّرت أنها ماتت من جراء الإهمال، وأنها لو بقيت معي لظلت حية، وكانت تعزية عظمى لي وحارسًا على حياتي الأدبية، ولكن الشقاء كالمال يجر بعضه بعضًا حسب قول المسيح: «مَنْ له يعطى ويزاد»، فأنا كان لي الشقاء فأعطيت منه وزيد لي.

كتبت كثيرًا اليوم وأنا أشعر بلذة فائقة في كتابة هذه الرسالة، الآن تعبت وقارب المساء وصرت أتوقع قدوم زائرين، وأهيئ نفسي لتحمل فظاظة البعض منهم؛ لأنهم سافلو المبادئ، بعض زائري حانتي لطفاء أشعر أنهم يجلونني، فهؤلاء أحادثهم بمواضيع اجتماعية وأصرف نظرهم عن الغايات السافلة، مع ذلك أشعر بسآمة من هذا العمل الشاق على النفس، أحب أن أعدل عنه؛ لأني لا أقدر أن أكسب منه كسواي، ولكن كيف أسترزق؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤