«نزيب» لا «نصيبين»

عندما فكَّرتُ في كتابة رسالة ألْفِتُ فيها نظرَ الحكومة إلى الاحتفال بالذكرى المئوية لواقعة «نزيب»، راجعتُ كتبًا كثيرة عربية وفرنسية وإنجليزية، فوجدت المؤرخين الإفرنج يسمون الناحية في كتبهم وفي خرائطهم باسم «نزيب». والكتب العربية التي راجعتها صنفان: كتب قديمة كتبها المعاصرون لمحمد علي وإبراهيم، وفيها كتبوا اسم الجهة تارة «نزيب» وتارة «نزب». أما الكتب الحديثة — وأغلبها معرَّب عن الكتب الإفرنجية — فمؤلفوها اختلفوا: بعضهم كتبها «نزيب» وبعضهم كتبها «نصيبين».

حيال هذا الاختلاف في كتابة اسم الناحية سألت بعض أهالي الجهة، فاتفقوا كلمة على أن اسمها «نزيب» لا «نصيبين». لم أكتفِ بسؤال أهالي الجهة، فكتبت إلى بعض ذوي المناصب الكبيرة في بيروت وفي بغداد وفي عينتاب (الداخلة في دائرتها الناحية)، ورجوتهم التدقيق في البحث وإفادتي عن الاسم الحقيقي للجهة التي وقعت فيها المعركة، فجاءت إجابتُهم متفقةً كلُّها على أن اسم الناحية «نزيب» لا «نصيبين»، فأيقنتُ أن من كتب اسم الجهة «نصيبين» كان على خطأ، ومن كتبها «نزيب» كان على حق.

وازددت يقينًا بعدما اطلعت على الخرائط التي وضعتها حكومة تركيا الجديدة عن ولاية غازي عينتاب؛ إذ كتب فيها اسم الجهة هكذا Nezip.

ومن الكتب القديمة القيمة التي راجعتها الكتاب المخطوط الذي كتبه المرحوم الدكتور ميخائيل جرجس مشاقة «جد الدكتور خليل مشافة المعروف في مصر»، وقد عاصر محمد علي باشا وإبراهيم باشا، وصحب الجيش المصري في مواقع عدة، وورد اسمُه غيرَ مرة في كتب كثيرة كُتبت عن تاريخ حروب محمد علي باشا وإبراهيم باشا. قال في الصحيفة ٢٧٢ من كتابه المخطوط حكاية عن وقعة نزيب فقابلهم: «في أرض «نزب»، وحصلت بينهم حرب شديدة، وكاد عسكر السلطنة يفوز على المصريين، ولكن شجاعة إبراهيم باشا وكثرة ممارسته على الحروب وتدبيرها أسعفاه على الفوز بالانتصار التام على عساكر السلطنة، حيث السر عسكر اضطر للفرار بنفسه تاركًا جميعَ مهماته غنيمةً للمصريين، حتى أوراقه الخصوصية لم يقدر على الوصول إليها، فوقعت بيد إبراهيم باشا. ومما وجد بينها فرمان …»

وكتب إليَّ مستشار من مستشاري محكمة النقض والإبرام ببيروت بتاريخ ٤ أغسطس سنة ١٩٣٧، يقول إنه استفهم من عالم أخصائي متضلع في التاريخ له إلمام تام بحروب إبراهيم باشا في سوريا، فأجابه بأن «نزب قرية صغيرة على أحد روافد الفرات. والموقعة الشهيرة حدثت في نزب هذه لا في نصيبين. ونصيبين اسم لمواقع مختلفة أكثرها في شمال العراق. وقوله هذا — أي ما يتعلق بالمعركة المشهورة — يرتكز على الخرائط والتقارير التي وُضعت سنة ١٨٣٩، والتي وقفنا على مضمونها في سراي عابدين الملكية.»

وكتب إليَّ صاحب منصب كبير في بغداد بتاريخ ١٧ آب سنة ١٩٣٧ (وهو الآن في بيروت)، ويعرف ولاية عينتاب معرفة تامة، يقول: «من المؤكد بأن التحام الجيش المصري بالجيش التركي في سنة ١٨٣٩، كان في موقع يسميه الآن الأتراك Nezip، ونزب اليوم قضاء في ولاية غازي عينتاب في جنوب تركيا على حدود سوريا (ملخصًا عن تقويم الجمهورية التركية لسنة ١٩٣٧ — بالتركية). وقبل الحرب العظمى كانت نزيب قصبة في لواء أورفة من ألوية حلب، وتقع في الجنوب الغربي من أورفة، وتبعد عنها ٩٨ كليومترًا (ملخصًا عن قاموس الأعلام لشمس الدين سامي — بالتركية). وفي Eucyclopédie de I’Islam (١: ٤٧٦ في الحقل ١) يذكر أن نزيب في غرب بيرة جك. وجاء في كتاب «أعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء» لمحمد راغب الطباخ (٣: ٣٦٢) ما يلي بنصه: حرب نِزِّب (وقد شكلها بكسر النون والزاي مع تشديدها). قال في المناقب الإبراهيمية ما خلاصته: «وفي سنة ١٢٥٥ هجرية الموافقة لسنة ١٨٣٩ صدرت الإرادة السلطانية إلى حافظ باشا بأن يسير لاستخلاص بلاد سورية … وزحف بأربعين ألفًا، وما زال سائرًا حتى انتهى إلى «نزب»، وهو سهل فسيح الرحاب بين بيرة جك وعينتاب.»
وجاء أيضًا في كتاب «رسملي خريطة لي عثمانلي تاريخي» لأحمد راسم (٤: ١٩١٠) نقلًا عن «تاريخ سياسي» ما تعريبه: «وإذ كانت تلك الجيوش بصحراء نزب.» وفي الكتاب المسمى: Recueil de voyages et de mémoires publié par la Sociéte de Géographie, Paris 1825 (t. II, p. 214) جدول يحوي الأسماء الواردة في خريطة إيالات بغداد وأورفة وحلب، ومن جملتها: Nizip Mt.
لا شك إذن في أن موقع المعركة اسمه نزب أو نزيب (لا نصيبين). أما نصيبين التي يكتبها اليوم الترك Nusaybin فهي قضاء في ولاية ماردين في جنوب شرقي تركيا على حدود سوريا، وهي آخر محطة في الأراضي التركية لسكة حديد Express-Orient.
وجاء عن نصيبين في قاموس الأعلام لشمس الدين سامي — بالتركية: «نصيبين قصبة شهيرة في لواء ماردين على بُعد ٦٠ كيلومترًا منها، وهي على النهر المسمى ججحة الذي يصب في الخابور.» وفي Encyclopédie de l’Islam (٤–٩١٩) في مادة نصيبين يذكر أنها كانت وقتًا تابعة لإيالة بغداد، وحسب المعلوم كان ذلك في أوائل القرن الماضي.»

وورد في كتاب حروب إبراهيم باشا المصري للدكتور أسد رستم أستاذ التاريخ الشرقي في جامعة بيروت الأمريكية صحيفة ٦٠: «يوم الإثنين في ١١ ربيع الثاني سنة ١٢٥٥ موافق ٣٤ حزيران سنة ١٨٣٩ تحرك الركاب السامي بالسطوة والإقبال من العساكر المنصورة قاصدًا نزب …»

وورد في كتاب المناقب الإبراهيمية والمآثر الخديوية تأليف إسكندر بك إبكاريوس طبع سنة ١٢٩٩ هجرية صحيفة ١٣٥: «حرب نزب. وفي سنة ١٢٥٥ هجرية الموافقة لسنة ١٨٣٩ مسيحية صدرت الأوامر السلطانة إلى حافظ باشا أن يتجهز في الحال، ويسير بالرجال والأبطال لاستخلاص بلاد سورية من يد الدولة المصرية، فامتثل الأمر المطاع، وسار على قدم الإسراع في سبعين ألف مقاتل بين فارس وراجل قاصدًا عربستان من غير تأخير ولا توانٍ، ولما بلغ إبراهيم باشا البطل المغوار والأسد الكرار قدوم هذا العسكر الجرار، استعد لحربه وقتاله، وزحف بأربعين ألفًا من رجاله وأبطاله لملاقاته واستقباله، وما زال سائرًا بهذا الموكب حتى انتهى إلى نزب، وهو سهل فسيح الرحاب بين براجيك وعنتاب.»

وورد في كتاب تاريخ مصر الحديث صحيفة ٢٤٥: «وحصلت مواقع شديدة بين الجيوش المصرية في نزيب انتهت بانهزام الأولى إلى مرعش …»

وعقد الأستاذ سليمان بك عز الدين في كتابه «إبراهيم باشا في سوريا» فصلًا عن هذه الموقعة، وقد سماها «موقعة نزب» قال فيه: «وفي اليوم التالي ٢١ حزيران توجه إبراهيم باشا وسليمان باشا لاستكشاف مواقع العدو في «نزب»، مستصحبين ١٥٠٠ من البدو، وأربعة فرق من الخيالة، وبطاريتين من المدافع السيارة …» ثم قال: «سار متجهًا إلى الشرق على موازاة نهر مزار، ثم نهر كرزين بعد ملتقاه بنهر مزار، ثم ارتد إلى الشمال الشرقي حتى بلغ الطريق الممتد من حلب إلى البيرة، والمؤدي إلى ما وراء موقع العدو في نزب.» وانتهى بأن قال: «وفي أول تموز سنة ١٨٣٩ توفي السلطان محمود قبل ما يبلغه خبر انكسار جيشه في نزب.»

•••

وقد كتب حضرة عبد الله كاروف أحد أهالي نزيب في جريدة «الأهرام» يقول: «نحن ننطق اسم البلدة نزب (بكسر النون وتشديد الزاي)، والأتراك ينطقونها: «نزيب»، وجميع مراسلاتي وجميع الرسائل الواردة إليَّ من أهالي هذه الجهة مكتوب فيها اسم البلدة «نزب». ونزب هذه تبعد عن براجيك ٧ كيلومترات، وعن عينتاب ٧٠ كيلومترًا تقريبًا، ونزب هذه آخر حدود سوريا، وكانت تابعة في الأصل لسوريا، وألحقت بالجمهورية التركية الجديدة.»

بعد هذا لم يبقَ شكٌّ في أن اسم الناحية التي وقعت فيها الواقعة «نزب» أو «نزيب» لا نصيبين.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠