الفصل العاشر

اتخاذ قرارات عقلانية

الاحتمال وقاعدة بايز

حين كان هيرمان فون هلمهولتز طفلًا صغيرًا في بروسيا في أوائل القرن التاسع عشر، أخذ جولة في بوتسدام، مسقط رأسه، برفقة أمه. وعند المرور على حائل يحتوي على دُمًى مصطفَّة بجوار بعضها، طلب من أمه مدَّ يدها والحصول على واحدة له. لم تستجب أمه لطلبه، لكن هذا لم يكن بدافع الإهمال أو التأديب. بل لأنه لا يمكنها الحصول على الدمى؛ لأنه لم تكن هناك أي دُمًى. ما حدث للصغير هلمهولتز هو أنه كان يتوهم؛ فالدمى التي رآها بالقرب منه لم تكن في الواقع سوى أشخاص على مسافة بعيدة، أعلى برج كنيسة المدينة. كتب هلمهولتز يقول: «لقد طُبِعَت ملابسات هذا الموقف في ذاكرتي؛ فبفضل هذا الخطأ تعلمت فَهْم قانون التقصير في المنظور أو التشوُّه المنظوري».

مضى هلمهولتز قُدمًا ليصبح طبيبًا وعالم وظائف أعضاء وفيزيائيًّا بارزًا. تمثَّل أحد أعظم إسهاماته في منظار العين، وهي أداة تُستخدَم للنظر داخل العين إلى يومنا هذا. كما عزَّز من فهم رؤية الألوان من خلال عمله على «نظرية ثلاثية الألوان» — وهي الفكرة التي تفيد بوجود ثلاثة أنواع من الخلايا في العين، يستجيب كلٌّ منها لأطوال مَوجية مختلفة من الضوء — التي استنتج من خلالها أنه لا بد أن مرضى عَمى الألوان يفتقرون إلى أحد أنواع الخلايا هذه. وبعيدًا عن العين، نشر هلمهولتز مجلدًا عن علم الصوتيات والتعرض للنغمات، وكيفية انتقال الصوت عبر الأذن، والطريقة التي تحفز بها الأعصاب. بتحويل تفكُّره اللافت ودقته إلى دراسة الأعضاء الحِسية، سلَّط هلمهولتز الضوء على الآليات الفيزيائية التي تدخل من خلالها المعلومات من العالم إلى العقل.

لكن السؤال الأعمق المتعلق بكيفية استخدام العقل لهذه المعلومات ظل يحوم في عقله. ورث هلمهولتز اهتمامًا شديدًا بالفلسفة عن والده، وقد تأثرت رؤيته الكونية، بعدة طرق، بأفكار الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط. في فلسفة كانط، يشير مفهوم Ding an sich بالألمانية، أو «الشيء في ذاته، أو جوهر الشيء» إلى الأشياء الحقيقية في العالم — أي الأشياء التي لا يمكن إدراكها مباشرة، لكن من خلال الانطباعات التي تتركها على أعضائنا الحسية. لكن إذا كانت هناك حالتان مختلفتان في العالم — دُمية قريبة أو شخص بعيد — يمكن أن ينتج عنهما نفس نمط الضوء الساقط على العين، فكيف يقرر العقل الحالة الصحيحة التي يتعين عليه إدراكها؟ أراد هلمهولتز معرفة كيف ينشأ الإدراك عن مُدخلات غامضة أو غير مؤكدة؟
بعد تفكير عميق في هذا السؤال، استنتج هلمهولتز أنه لا بد أن تستمر كمية كبيرة من المعالجة ما بين النقطة التي يتلقَّى فيها الفرد المعلومات الحسية، والنقطة التي تصبح فيها هذه المعلومات تجربةً واعية. وقد أوضح أن ناتج هذه المعالجة «يعادل استنتاجًا، لدرجة أن المثيرات أو الأفعال التي ندركها بالحواس تمكننا من تكوين فكرة عن السبب المحتمل وراء حدوث هذا الفعل.» أصبحت الفكرة تُعرف باسم «الاستدلال اللاواعي»؛ وذلك لأن الأشياء الموجودة في العالم لا بد أن يُستدَل عليها من خلال تأثيراتها على الأعضاء الحسية. باستلهام المزيد من كانط، افترض هلمهولتز أن هذا الاستدلال يحدث من خلال تفسير المدخلات الحسية الحالية، في ضوء المعرفة الموجودة مُسبقًا عن العالم. على وجه التحديد، مثلما أن خطأه المتعلق بالدُّمى علَّمه شيئًا عن المنظور، اعتقد هلمهولتز أن خبرات الماضي يمكنها التأثير على التصوُّرات في الوقت الحالي.١

على الرغم من كون هلمهولتز واحدًا من أكثر علماء وظائف الأعضاء براعة في الرياضيات في كل العصور، لم يعرِّف هلمهولتز الاستدلال اللاواعي رياضيًّا مطلقًا. ظلت ملاحظاته حول الموضوع، على دقتها، كيفية وتخمينية على أغلب الظن. كما أنها قوبلت بالرفض. شعر العلماء آنذاك أن مفهوم «الاستدلال اللاواعي» متناقضٌ من حيث المصطلحات. الاستدلال، أو اتخاذ القرار، هو عمليةٌ واعيةٌ بطبيعة الحال؛ ومن ثم لا يمكنها أن تحدث بشكلٍ غير واعٍ.

إلا أن هلمهولتز وجد من يدافع عنه بعد نحو ١٠٠ عام من موته؛ إذ دافع عنه علماء نفس يستخدمون مفاهيم رياضية، طوِّرت في الأساس قبل ميلاده بأكثر من ٥٠ عامًا. سيُمثِّل الاستدلال اللاواعي في النهاية الكيفية التي يدرك بها البشر ويتخذون القرار ويتصرفون، بعد وضعه في ثوب معادلات الاحتمال.

•••

ليس من غير المألوف أن تعود أُصول موضوعات الرياضيات، حتى بعض الموضوعات الأكثر تجريدًا، إلى مِهن عملية للغاية. نشأت أدوات الهندسة عن البناء والمسح الأرضي، وقد شارك علماء الفلك القُدامى في جعل الصفر مفهومًا شائعًا، كما أن مجال الاحتمال يعود منشؤه للعبة القمار.

كان جيرولامو كاردانو طبيبًا إيطاليًّا، لكن، شأنه شأن الكثير من الرجال المثقفين في القرن السادس عشر، أراحه الانغماس في الكثير من المواد. حسب إحصائه، كتب ما يزيد عن ١٠٠ كتاب — معظم هذه الكتب ضاعت مع مرور الوقت — بعنوانَين، تعكس موضوعاتٍ متباينةً؛ مثل: «عن الكواكب السبعة»، و«عن خلود الروح»، و«عن البول». وفيما يلي ما كتبه كاردانو عن أحد كُتبه التي ظلت تحظى بأهمية وتأثير في المستقبل: «ألَّفت أيضًا كتاب «عن ألعاب الحظ»؛ ما المانع أن يكتب شخص مُقامرٌ أو لاعب نَرد وفي الوقت نفسه كاتبٌ كتابًا عن لعب القِمار؟» ونظرًا لكون كاردانو مقامرًا، بدا الكتاب كُتيبًا عن الألعاب نتج عن تجربة شخصية أكثر من كونه كتابًا تعليميًّا. ومع ذلك، كان في ذلك الوقت يُعد المعالجة الأكثر دقةً لقوانين الاحتمال المتاحة.

ركَّز كاردانو معظم أبحاثه في الرياضيات على رَمْي النرد. أقرَّ سريعًا بأن احتمال ظهور أي وجه من الأوجه الستة للنرد نظريًّا يعادل احتمال ظهور الأوجه الأخرى، لكن من الناحية العملية لن تكون النتائج متساوية دائمًا: «عند رمي النرد ست مرات، لا بد أن يظهر كل وجه من الأوجه مرة واحدة، لكن نظرًا لأن بعض الأوجه ستتكرر، فسيترتب على ذلك عدم ظهور الأوجه الأخرى.» بعد العمل على أمثلة تتعلق بما يمكن توقعُه عند رمي حجَر نردٍ أو اثنين أو ثلاثة، استنتجَ ما يأتي: «ثمة قاعدة واحدة، وهي أنه ينبغي الأخذ في الاعتبار إجمالي عدد النتائج المحتملة، وتحديد عدد مرات الرمي التي تُمثِّل عدد التجميعات المختلفة التي يمكن أن تؤدي إلى النتيجة المرجوة، ومقارنة هذا العدد بما تبقى من إجمالي النتائج المحتملة.» بعبارة أخرى، يمكن حساب احتمال حدوث نتيجة معينة، على أساس عدد النتائج التي تؤدي إلى هذه النتيجة مقسومًا على عدد النتائج المحتملة.

افترض رمْيَ حجرَي نردٍ على سبيل المثال. إذا كان رمي حجر نرد واحد له ست نتائج محتملة، فإن رمي حجرَي نرد يتضمن ٦ × ٦ = ٣٦ نتيجة محتملة. إذا قلنا إن النتيجة التي نرغب في الحصول عليها هي وجهان مجموعهما يساوي ثلاثة عند رمي حجرَي النرد، فسيكون هناك ناتجان محتملان يقودان إلى هذه النتيجة: (١) أن يُظهر النرد الأول العدد واحدًا والثاني العدد اثنين، (٢) أن يُظهر النرد الأول اثنين والثاني العدد واحدًا. ومن ثم، فإن احتمال الحصول على النتيجة المرغوبة تساوي ٢ / ٣٦ أو ١ / ١٨.

وفقًا لكاردانو: «ما القمار إلا احتيال وعدد وحظ.» لذا، بالإضافة إلى مناقشة الأعداد، حرص على تخصيص أكثر من فصلَين لموضوع الاحتيال. كان القدر الأكبر من التركيز مُنصبًّا على كيفية ملاحظة الغش: «قد يكون حجر النرد مضللًا، إما نتيجةً لصقل الحواف، أو لكون الحواف غير منتظمة (وهي حيلة يمكن ملاحظتها بسهولة).» قدَّم الكتاب أيضًا نصائح حول كيفية التعامل مع حالة الغش عند اكتشافها «عندما يساورك الشك في وجود احتيال، جازف بمبالغ صغيرة، واحرص على وجود متفرجين.» إلا أنه من الجدير بالملاحظة أن السيرة الذاتية لكاردانو قدمت رؤية مختلفة عن كيفية التصرف. ففي فصل بعنوان «المخاطر والحوادث والخيانات المستمرة»، استحضر أنه ذات مرة لاحظ أن بطاقات أحد الرجال كانت محددة بعلامات، وعندئذٍ «جرحتُ وجهه بخِنجري، لكن ليس بعمق».

الأمر المهم هو أن كاردانو أوضح أن معظم العمليات الحسابية الخاصة بالاحتمالات، تنطبق فقط إذا كانت أحجار النرد المستخدمة نزيهةً، وليس إذا كان يلعب في «منزل غشاش محترف» (كما وصف في الحادثة المذكورة أعلاه). في هذه الحالة، سيتعين على الاحتمالات أن «تُعدَّل، إما بالزيادة أو النقصان بناءً على مدى انحراف النرد عن المساواة الحقيقية».

عمل حساب لتغيُّر الاحتمالات بتغيُّر الظروف — كما في حالة وجود لاعب غشاش — سيُطلَق عليه فيما بعد اسم الاحتمال الشرطي. يمكن أن يُنظر إلى الاحتمال الشرطي باعتباره عبارة شرطية. إذا علمت أن «س» صحيحة، فما فرصة أن تكون «ص» صحيحة أيضًا؟ على سبيل المثال، بمعلومية أن حجر النرد يخلو من التلاعب، احتمال أن ينتج عن رمي حجر النرد العدد اثنان يساوي ١ / ٦. بدلًا من ذلك، سيكون الاحتمال ١ / ٣ مثلًا عند معرفة أنك تلعب مع شخصٍ محتالٍ تلاعب بحجر النرد، بحيث تزداد فرصة الحصول على اثنين. وعليه، فإن احتمال وقوع حدث يعتمد على الشروط التي يقع بموجبها الحدث.

تَمثَّل أحد الموضوعات الذي حير علماء الرياضيات لقرون بعد كاردانو في السؤال المتعلق بالاحتمال العكسي. قد يكون الاحتمال القياسي قادرًا على توضيح كيف تخلق أحجار النرد المختلفة فرصًا مختلفة، لكن الهدف من الاحتمال العكسي كان على النقيض من ذلك؛ أي عكس عملية التفكير وإيجاد السبب وراء التأثيرات.٢ على سبيل المثال، إذا كاردانو يعلم ما إذا كان يلعب مع شخص محتال أم لا، يمكنه ملاحظة رميات حجر النرد ليحاول تحديد ما إذا كان النرد مُتحيزًا. إذا أسفر رمي حجر النرد عن العدد اثنين كثيرًا، فربما كان سيشك في أن ثمة خطأً ما (إلا أننا نأمل أن يكون هذا الشخص قد احتفظ بخنجره لنفسه).

أجرى عالم الرياضيات الفرنسي بيير سيمون لابلاس أبحاثًا على مشكلة الاحتمال العكسي، على فتراتٍ متقطعة، على مدار ٤٠ سنة من مسيرته المهنية. وقد بلغ عمله الذروة عام ١٨١٢ مع نَشْر كتاب «النظرية التحليلية للاحتمالات». أوضح لابلاس قاعدة بسيطة كانت في طريقها لأن تصبح واحدة من أهم الاستنتاجات، وأكثرها تأثيرًا في مجال الرياضيات.

تنص القاعدة على أنه إذا أردت معرفة احتمال أن يكون حجر النرد تعرضَ للتلاعب، فسيَتعيَّن عليك دمج أمرين مختلفين. الأول: هو احتمال أن تكون رميات النرد التي رأيتها ناتجة عن التلاعب بالنرد، والثاني: احتمال أن يكون حجر النرد قد جرى التلاعب به منذ البداية. بشكلٍ أكثر تقنية، يمكننا التعبير عن هذا على النحو الآتي: احتمال صحة فرضيتك («أنه جرى التلاعب بحجر النرد») بمعلومية الدليل الموجود لديك (عدد مرات الرمي التي رأيتها) يتناسب طرديًّا مع احتمال أن تجد دليلًا يؤيد صحة فرضيتك (أي احتمال ملاحظة نتائج معينة إذا جرى التلاعب بحجر النرد) مضروبًا في فرضيتك (الاحتمال الأوَّلي أن حجر النرد جرى التلاعب به قبل وجود دليل).

لنقُل إن النرد أظهر العدد «اثنين» ثلاث مرات على التوالي، وأردت أن تعرف ما إذا كان هناك تلاعب. بفرض أن حجر النرد نزيه، فإن احتمال الحصول على هذه النتائج يساوي ١ / ٦ × ١ / ٦ × ١ / ٦ = ١ / ٢١٦. تمثل هذه القيمة احتمال ظهور العدد اثنين ثلاث مرات (الدليل) بفرض أن حجر النرد نزيه. في المقابل، قد يجري التلاعُب بحجر النرد ليُظهر العدد اثنين عند رميه، لنقل ثُلث عدد المرات. بهذه الطريقة، فإن احتمال ملاحظة دليل يؤيد أن حجر النرد جرى التلاعب به يساوي ١ / ٣ × ١ / ٣ × ١ / ٣ = ١ / ٢٧. بمقارنة هذَين العددَين، يتضح أن احتمالَ ظهور العدد اثنين ثلاث مرات على التوالي عند استخدام حجر نرد تعرَّض للتلاعُب؛ أكبر بكثيرٍ منه عند استخدام حجر نرد نزيه، وهو ما يفيد بوجود غشٍّ في اللعب.

ومع ذلك، فإن هذه الأعداد غير كافية. للوصول إلى استنتاج صحيح، تخبرنا القاعدة بأنه يتعين علينا دمج ذلك مع مزيد من المعلومات. على وجه التحديد، يتعين علينا ضرب هذه الأعداد في احتمال أن يكون حجر النرد تعرَّض للتلاعب، أم لم يتعرض للتلاعب بشكل عام.

لنقُل في هذه الحالة إن شريكك هو صديقك المفضل لسنوات. لنفترض أنك ستضع احتمالًا بأن صديقك سيستخدم حجرَ نردٍ متلاعَبًا به ١ في المائة فقط. بضرب احتمال الحصول على العدد اثنين ثلاث مرات، عند استخدام حجر نرد متلاعَب به، عند استخدام احتمالٍ منخفضٍ بأن يكون حجر النرد جرى التلاعب به، نحصل على ١ / ٢٧ × ١ / ١٠٠ = ١ / ٢٧٠٠ أو ٠٫٠٠٠٣٧. بفعل ذلك باستخدام الفرضية الأخرى — أن حجر النرد لم يتعرَّض لأي تلاعب — نحصل على ١ / ٢١٦ × ١ / ٩٩ / ١٠٠ = ٠,٠٠٤٥. ونظرًا لكون لعدد الثاني أكبر من الأول، فسيكون من الإنصاف استنتاج أن صديقك ليس في الواقع محتالًا.

ما يوضحه هذا المثال هو قوة الافتراض المبدئي. و«الاحتمال القبلي» هو اسم يُطلق على احتمال صحة الفرضية؛ في هذه الحالة احتمال أن صديقك تلاعب بالنرد. بتطبيق المعادلات نفسها، لكن مع افتراض أنك مع شخص غريب، يتساوى احتمال أن يغشَّ مع احتمال ألَّا يغش (أي إن احتمال الغش يساوي ٠٫٥)، يكون الناتج مختلفًا: مقارنة ٠٫٠١٩ مقابل ٠٫٠٠٢٣ تكون مؤيدة لتعرض النرد للتلاعب. بهذه الطريقة، يمكن أن يكون الاحتمال القبلي القوي عاملًا حاسمًا.

يُطلَق على المصطلح الآخر — أي الاحتمال المتعلق بملاحظة عدد مرات رمي النرد في حال ما إذا كانت الفرضية صحيحة — «الأَرجحية». يشير هذا المفهوم إلى مدى احتمال ملاحظة ما لاحظته، إذا كانت فرضيتك عن العالم صحيحة. دوره في الاحتمال العكسي يعكس حقيقة أنه لتحديد السبب وراء أي تأثير، يجب على الشخص أولًا معرفة التأثيرات الناتجة عن كل سبب.

كلٌّ من الأرجحية والاحتمال القبلي يكون ناقصًا بمعزل عن الآخر. وهما يُمثِّلان مصدرَين مختلفين من المعرفة؛ الدليل الآني لديك مقابل الفهم الذي تراكم بمرور الزمن. عندما يتفقان تصبح النتيجة سهلة. خلافًا لذلك، سيؤثران بما يتناسب مع مدى تأكيدها. في ظل غياب المعرفة المبدئية الواضحة، يسيطر الاحتمال المرجَّح على القرارات. وعندما يكون تأثير المعرفة المبدئية كبيرًا بالكاد تصدق عينيك. في وجود معرفة قبلية قوية، لا يمكن تصديق الادعاءات الاستثنائية إلا بأدلة استثنائية.

عبارة «عندما تسمع وقع الحوافر، فكِّر في الأحصنة لا في الحمر الوحشية» هي نصيحة تُقدَّم لطلاب كلية الطب باستمرار. الهدف من هذه النصيحة هو تذكيره بأنه من بين مرضَين لهما أعراض متشابهة، لا بد أن يكون المرض الأكثر شيوعًا هو تخمينهم الأول. وهو أيضًا مثالٌ عمليٌّ ممتاز على قاعدة الاحتمال العكسي. سواء أكنت على مقربة من حصان أو حمار وحشي، فسيكون لديك نفس فرصة سماع وقع حوافر؛ لذا فمن الناحية التقنية، فإن الأرجحية متماثلة في الحالتين. ونظرًا لهذا الدليل الغامض، يقع القرار في أيدي المعرفة القبلية، وفي هذه الحالة تفيد المعرفة القبلية بأن الأحصنة أكثر شيوعًا؛ ومن ثم تكون التخمينَ الأفضل.

fig22
شكل ١٠-١
على مدار ٢٠٠ عام منذ نشره للكتاب، أشير لمعادلة الاحتمال العكسي التي وضعها لابلاس في كلٍّ من الأوراق البحثية، والكتب الدراسية، وعلى سبُّورات الفصول باسم «قاعدة بايز». كان توماس بايز قِسيسًا بالكنيسة المشيخية الإنجليزية في القرن الثامن عشر. ولكونه عالم رياضيات هاويًا، بحث في مسألة الاحتمال العكسي وتمكَّن من حل نسخةٍ محددة منها. إلا أن كل تفكيره وحساباته لم يُفضِ به أبدًا إلى صيغة قاعدة بايز التي نعرفها الآن. علاوة على ذلك، لم ينشر بايز نفسه عمله البحثي. في النهاية، أُرسِلت مقالة تتضمن أفكاره حول «مشكلة في مذهب الفرص» إلى الجمعية الملكية على يد أحد أصدقائه، وهو قسيس آخر يُدعى ريتشارد برايس، عام ١٧٦٣، أي بعد عامَين من وفاة بايز. بذل برايس مجهودًا كبيرًا في تحويل ملاحظات بايز إلى مقالة مناسبة؛ كتب مقدمة يثير فيها المشكلة ثم أضاف ملحقًا فنيًّا إضافيًّا (لسوء الحظ لم يحُل ذلك دون الإشارة إلى المقالة بوصفها «واحدة من أكثر الأعمال التي تصعب قراءتها في تاريخ الإحصاء»).٣ وعلى الرغم من أن لابلاس كان حيًّا في الوقت الذي نُشرت فيه مقالة بايز، يتضح أنه لم يكن على درايةٍ به إلا بعد أن حقَّق تقدمًا كبيرًا بنفسه.

ومن ثم، يمكن القول إن القسَّ بايز لا يستحق كل هذه الإمبراطورية التي وُهِبت له بعد وفاته. وعلى أي حال، من غير الواضح أنه أرادها من الأساس. لم تلقَ قاعدة بايز استحسانًا من العلماء والفلاسفة طوال الوقت. وكما هي الحال في أبحاث هلمهولتز حول الاستدلال اللاواعي، لم تُستخدم المعادلة بشكلٍ كافٍ كما أسيء فهمها على نحو متفاوت. رجع ذلك في البداية إلى صعوبة تطبيقها. حتى إن لابلاس بنفسه تمكن من استخدام القاعدة لحل بعض المسائل المتعلقة بالقياس في الفلك، وأيضًا لتدعيم الفرضية القائلة بأن عدد المواليد الذكور أكثر من عدد المواليد الإناث في المتوسط. لكن، بناءً على المسألة المعنية، قد ينطوي تطبيق قاعدة بايز على بعض العمليات الحسابية المعقدة، وهو ما جعل منه منظورًا شاقًّا، وذلك قبل أن يلوح الكمبيوتر الحديث في الأفق لتقديم يد العون.

ومع ذلك، ظهرت الصعوبة الحقيقية لقاعدة بايز فيما بعد، وأصبح لها تأثير أعمق. في حين كانت صِحة معادلة لابلاس أمرًا غير قابل للنقاش؛ فإن كيفية تطبيق هذه المعادلة شغل تفكير علماء الإحصاء وقسَّمهم لعقود. وفقًا لفيلسوف العلم دونالد جيليس: «كان الخلاف بين مؤيدي ومناهضي مفاهيم بايز أحد الخلافات الفكرية الرئيسية في القرن العشرين.» كان الافتراضُ المبدئي النقطةَ المحورية للنقد لدى المناهضين لمفاهيم بايز. أرادوا معرفة من أين تأتي هذه المعلومات؟ إنها معرفة عامة من الناحية النظرية. إلا أنها معرفة شخصية من الناحية العملية. على حد تعبير رونالد فيشر أحد عمالقة الإحصاء في القرن العشرين، الافتراضات التي ينطوي عليها اختيار الافتراض المبدئي «تعسُّفية بالكامل، ولم تُطرح أي طريقة يمكن من خلالها وضع مثل هذه الافتراضات بطريقة مُتَّسقة وفريدة من نوعها.» في حالة عدم وجود طريقة غير متحيِّزة ومُتَّسقة للوصول إلى نتيجة، لا تكون قاعدة بايز قاعدةً على الإطلاق. ونظرًا لهذا، استُبعِدت هذه الطريقة، وروِّج لها باعتبارها «ذاتية» — بطريقة أحبطت العلماء الجادِّين من استخدامها.

ومع ذلك، فإن المخاوف المرتبطة بالمفاهيم تتبدَّد عادة عند تعريضها لضوء الإثبات العملي. في الجزء الأخير من القرن العشرين، كانت قاعدة بايز تُثبت قيمتها. على سبيل المثال، بدأ الأكتواريون إدراك أن الأسعار التي يضعونها تُحسب بشكلٍ أفضل من خلال مبادئ الاحتمال العكسي. في علم الأوبئة، ساعد بايز على توضيح العلاقة بين التدخين وسرطان الرئة. وفي الحرب ضد النازيين، لجأ آلان تورينج المتخصِّص في فك الشفرات سيئ السمعة إلى مبادئ بايز، بهدف كشف الرسائل المكتوبة بجهاز التشفير «إنيجما» التي يستحيل فك شفرتها. أخذت قاعدة بايز تبرُز بوصفها أداةً لتخفيف حدة عدم اليقين أينما لاح في الأفق. من الناحية العملية، لم يُمثِّل الاحتمال السابق أو القَبلي عقبةً كبيرة. إذ يمكن بَدْؤه بتَخمينٍ مدروسٍ وتحديثه في ضوء الدليل الجديد (أو في حالة عدم وجود أي معرفة سابقة على الإطلاق، تكون فرص حدوث كل فرضية مساوية لفرص حدوث الفرضيات الأخرى). ومع النجاح المتكرر لقاعدة بايز، على الرغم من الحركة النشطة المناهضة لها، كان من المنطقي أن تكسب اللقب الذي خلعته عليها شارون ماكجرين في كتابها: «النظرية التي لن تموت».

•••

عندما دخلت قاعدة بايز إلى علم النفس لم تلقَ ترحيبًا بقدر ما لاقت مناهضة. ولم يحمل مؤلَّف واحد بين طياته هذه النظرية. لكن مع ظهور المجال الخاص بنظرية القرار في ستينيات القرن العشرين، بدأ العديد من مناطق البحث يوظِّف نظرية بايز ويستكشفها، إلى أن ازدهرت الفكرة التي تُفيد بأن الدماغ يعمل وفقًا لقاعدة بايز في مطلع القرن الحادي والعشرين.

بعض الأبحاث المبكرة التي أُجرِيَت بشأن تطبيق مبادئ بايز على الدماغ، انبثقت من منطلَقٍ غير متوقَّع؛ ألَا وهو الفضاء. أدركت الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء (ناسا)، في مهمَّتها المتمثلة في إطلاق رحلات إلى الفضاء، أنه سيتعيَّن عليها القيام بما هو أكبر من مجرد تصميم بذلات للطيران ومحركات نفاثة. كما بحثت في مسألة «العوامل البشرية» المتعلقة بالطيران، مثل كيفية تفسير الطيارين لمعدات الطيران، واستشعار البيئة المحيطة بهم، والتفاعل مع الضوابط. بالبحث في هذه المسألة، كتب رينويك كاري واحدةً من أقدم الأوراق البحثية التي تُعبِّر عن الإدراك البشري، باستخدام المصطلحات المتعلقة بقاعدة بايز. على وجه التحديد، استخدم قاعدة بايز لشرح أنماطٍ متعلقةٍ بكيفية إدراك البشر للحركة. لكن نظرًا لأن القيود الأكاديمية باقيةٌ على حالها، سمع القليل من علماء النفس عنها.

قدَّم علم الاقتصاد طريقة أخرى، كي تشُقَّ قاعدة بايز طريقها لعلم الاقتصاد. لجأ علماء الاقتصاد، المتعطِّشون لوصف السلوك البشري في صورة رياضية مُحكمة، إلى قاعدة بايز في وقت مبكر من ثمانينيات القرن العشرين. في ورقة بحثية بعنوان «هل الأفراد صُناع قرار مستندين لمبادئ بايز؟» كتبها وليام فيسكوسي عام ١٩٨٥، تبين أن العاملين إما يبالغون في تقييم مخاطر بعض الوظائف المحددة، وإما يقلِّلون منها بناءً على معرفتهم السابقة بمدى خطورة الوظائف بشكلٍ عام.

لاحظ علماء النفس أيضًا دخول قاعدة بايز إلى المشهد، من خلال أحد مصادر الإلهام القديمة لديهم. كما رأينا في الفصل الثالث، تأثرت دراسة الدماغ بمجال المنطق الشكلي. بنهاية القرن العشرين، أصبحت الاحتمالات، في العديد من الجوانب، المنطق الجديد؛ فهي طريقة متطورة لفهم كيفية تفكير الإنسان. بدلًا من تقسيم القيم بشكل صارم إلى صحيحة وخاطئة كما يفعل المنطق البولياني، يتعامل الاحتمال مع نطاق واسع من القيم، بما في ذلك المنطقة الرمادية التي تقع بين النقيضين. ومن ثم فإنها تتماشى جيدًا مع حدسنا حول معتقداتنا. وهو ما عبر عنه لابلاس على النحو الآتي: «ما نظرية الاحتمال إلا حسٌّ سليم اختُزل في صورة عمليات حسابية».

الاحتمال أفضل من هذا بقليل بالطبع؛ فقد صِيغَت قواعد الاحتمال في صورة رياضية كي تكون أفضل صورة للحس السليم، كما أن قاعدة بايز على وجه التحديد أشبه بدليل استرشادي لأفضل طريقة للتفكير.

استنادًا لهذا، أدخل جون أندرسون منهجًا يستند إلى قواعد بايز إلى علم النفس، ضمن طريقةٍ أشار إليها باسم «التحليل المنطقي». كانت مجرد فكرة أتته عام ١٩٨٧، حين كان في أستراليا في إجازة تفرُّغٍ علمي من وظيفة أستاذ علم النفس وعلم الكمبيوتر، التي كان يشغلها في جامعة كارنيجي ميلون. ينبثق التحليل المنطقي، وفقًا لأندرسون، من الاعتقاد بأنه «يوجد سببٌ لما هو عليه العقل الآن». على وجه التحديد، تفترض الفكرة أن فَهْم آلية عمل الدماغ سينشأ عن فَهْم من أين تأتي هذه الآلية. فيما يتعلق ببايز، يبدأ الفهم المنطقي بحقيقة أن البشر يعيشون في عالَم فوضوي غير مؤكد. إلا أن البشر، وفقًا لأندرسون، تطوروا داخل هذا العالَم؛ بحيث يتصرَّفون بأقصى قدرٍ ممكنٍ من العقلانية. تُعَد قاعدة بايز وصفًا لكيفية التفكير بعقلانيةٍ في ظل ظروف عدم اليقين. ومن ثم، لا بد أن البشر يستخدمون قاعدة بايز. ببساطة، إذا حدث التطور، فلا بد أن نرى قاعدة بايز في الدماغ.

التفاصيل المتعلقة بكلٍّ من كيفية تطبيق القاعدة والمشكلات التي تساعد فيها؛ تعتمد على سمات أكثر تحديدًا للبيئة المحيطة. على سبيل المثال، قدَّم أندرسون نظرية تستند إلى قواعد بايز تتعلق باسترجاع الذكريات. تنص على أن إيجاد احتمال أن تكون ذكرى معينة مفيدة في موقفٍ معين يكون من خلال دَمْج النقطة الأولى بالثانية: (١) احتمالية أن تجدَ نفسك في موقفٍ محدَّدٍ إذا كانت الذكرى مفيدة، (٢) افتراض مبدئي يقضي بأن الذكريات الأحدث تكون مفيدةً على الأرجح. الهدف من اختيار المعرفة المبدئية في النقطة الثانية، يعكس بدوره حقيقة أن البشر جاءوا من عالمٍ تكون فيه المعلومات لها مدة صلاحية، وعليه فإنه من المرجح أن تكون الذكريات الأحدث لها قيمة أكبر.

جدير بالملاحظة أنه في إطار التحليل المنطقي، قد يكون المنطق بعيدًا عن المثالية. فالذاكرة، على سبيل المثال، قد تخذلنا. لكن وفقًا لوجهة نظره، إذا نسينا حقيقةً من المرحلة الابتدائية، أي منذ ٢٠ سنة أو ما يزيد على ذلك، فلن نصبح غير عقلانيين. نظرًا لأن سعة الذاكرة محدودة والعالم الذي نعيش فيه دائم التغير، من المنطقي أن نتخلى عن المعلومات القديمة القليلة الاستخدام. بهذه الطريقة، يمكن النظر إلى المعرفة السابقة في نموذج بايز بوصفها طريقًا مختصرًا مُخزَّنًا في الدماغ. والمعرفة السابقة عبارة عن حالة تشفير المعلومات الأساسية عن العالم، التي من شأنها أن تجعل عملية اتخاذ القرار أسهل، وفي الكثير من الحالات تجعلها أكثرَ دقة. ولكن، إذا وجدنا أنفسنا في عالمٍ بعيدٍ تمامًا عن العالم الذي نمَونا وترعرعنا فيه، يمكن أن تكون معارفنا السابقة مضلِّلة. «التفكير في الأحصنة» (في المثال الذي ذُكِر آنفًا) لا تكون نصيحة جيدة إلا في مكان يحتوي على أحصنة أكثر من الحُمُر الوحشية.

•••

في بدايات عام ١٩٩٣ التقت مجموعة من الباحثين في نُزُل «شاتم بارز إن»، في شاتم، ماساتشوستس. شملت المجموعة عالِمَي النفس ديفيد نيل (أستاذ في جامعة بنسلفانيا، وعمل منظمًا)، وويتمان ريتشاردز (أستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، كان جزءًا من أول مجموعة من طلاب الدكتوراه في قسم علم النفس هناك، في ستينيات القرن العشرين). ضم اللقاء أيضًا علماء مدرَّبين في علم وظائف الأعضاء وعلم الأعصاب؛ مثل هاينريش بولتهوف، الذي كان يبحث الجهاز البصري لذبابة الفاكهة، وكذلك مهندسون وعلماء رياضيات مثل آلان يوولي، تلميذ ستيفن هوكينج.

جاء ضمن جدول أعمال هذه المجموعة المنتقاة البحث عن نظرية رسمية جديدة للإدراك؛ نظرية مثالية يمكنها الإلمام بتعقيدات الحواس مع تقديم فرضيات جديدة قابلة للاختبار. تمثلت صعوبة المشكلة المحددة في أن الحواس يمكن أن تتأثر بأكثر من مجرد المدخلات الحِسية التي تتلقاها العين أو الأذن أو الأنف. بمعنى أن المعلومات الحسية الواردة تختلط بمجموعةٍ ثَرية من المعلومات الأساسية، قبل أن يكتمل الإدراك. وفقًا لنِيل، لم تتمكَّن أي نظريةٍ آنذاك من تحديد «كيف يمكن الاستفادة من المعرفة المبدئية لتأويل البيانات الحسية».٤

أثمر هذا اللقاء عن كتابٍ نُشر عام ١٩٩٦، وقد كشف عنوانه عن الحل الذي استقر عليه الحضور: «الإدراك بوصفه استدلالًا بايزيًّا». نُثرت بذور هذه الفكرة، كما رأينا، في جميع الأنحاء لفترة، لتنمو وتثمر بأشكال مختلفة في حقول مختلفة. كانت هذه فرصة لجمعها معًا. عرض الكتاب منهجًا موحدًا وواضحًا لدراسة الإدراك من منطلق الاستدلال البايزي، مرتكزًا فقط على حاسة الإبصار. وقد أثمر عن نجاح الكتاب عدد غيرُ محدود من الأوراق البحثية في السنوات اللاحقة. وإذا كان بحث أندرسون حول «التحليل المنطقي» قد وضع قواعد بايز على خارطة علم النفس، فإن هذا الكتاب خصَّص لها بلدًا بالكامل.

لفهم مبادئ الإدراك البايزي، لنتناولْ مثالًا. انعكس شعاع من الضوء من زهرة وسقط على العين. الطول المَوجي لشعاع الضوء يبلغ نحو ٦٧٠ نانومترًا. تتمثل مهمة الدماغ في تحديد ماهية الشيء وجوهره، أو ما يحدث بالفعل في العالم وفقًا للطول الموجي الذي تتلقَّاه. من المنظور البايزي، يشير هذا إلى احتمال وجود زهرة معينة، علمًا بأن ثمة شعاعَ ضوءٍ يبلغ طوله الموجي ٦٧٠ نانومترًا يسقط على العين.

تخبرنا قاعدة بايز عما يتعيَّن علينا فعله. أولًا: يتعيَّن علينا إيجادُ مدى إمكانية رؤيتنا لهذا الطول الموجي في ظل ظروفٍ مختلفة. احتمال رؤية ضوءٍ طوله الموجيُّ يساوي ٦٧٠ نانومترًا، إذا كانت الزهرة زرقاء ومضاءة بضوءٍ أبيض ضئيل جدًّا (يقع الضوء الأزرق ما بين ٤٥٠ و٤٨٠ نانومترًا). احتمالُ رؤية ضوء طوله الموجي يساوي ٦٧٠ نانومترًا، إذا كانت الزهرة حمراء ومُضاءةً بضوء أبيض، مرتفعٌ بعض الشيء؛ فالطول الموجي البالغ ٦٧٠ نانومترًا يقع في منتصف الطيف الأحمر. ومع ذلك، فإن احتمالَ رؤية ضوءٍ طوله الموجي ٦٧٠ نانومترًا مُضاء بضوء أحمر؛ مرتفعٌ أيضًا. ونظرًا لأنه من المحتمل أن ينتج عن كلا السيناريوهَين ضوء طوله الموجي يساوي ٦٧٠ نانومترًا، إذا توقفنا عند هذا الحد، فقد نكون غير متأكدين تمامًا من أيهما هو التفسير الأفضل.

لكن نظرًا لالتزامنا بمبادئ بايز، نتذكر أهمية الاحتمال القَبْلي أو المُسبق. احتمال أن يُضاء العالَم بضوء أحمر ضئيل جدًّا بمعظم المقاييس. في حين أن الضوء الأبيض تشيع ملاحظته. وعليه، فإن احتمال السيناريوهات التي تفترض أن الضوء أبيض أعلاه أكبر. بضرب الاحتمال المسبق لكل سيناريو من السيناريوهات المختلفة، في احتمال رؤية ضوء طولُه الموجيُّ ٦٧٠ نانومترًا في ذلك السيناريو، نجد واحدًا فقط يحرز درجاتٍ عاليةً باستخدام هذَين الإجراءَين كلَيهما. وعليه نستنتج وجود زهرة حمراء مضاءة بضوء أبيض.

بالطبع، نحن لا نصل إلى هذا الاستنتاج بطريقة ملموسة في الواقع. فهذه العملية على حد استنتاج هلمهولتز تحدث بشكلٍ غير واعٍ. فهي تحسب الاحتمالات بعيدًا عن ناظِرينا، ولا نعلم إلا النتيجة النهائية. ومن ثم، فهي إجراء مستمر لتكوين الإدراك أشبه بخط إنتاجٍ خفي داخل العقل. في كل لحظة، تُحسب الاحتمالات وتقارَن، وكل عملية إدراك هي جزء من عملية حسابية وفقًا لقاعدة بايز.

مع المجهود الكبير الذي تبذله الدماغ خلال عملية الإدراك، لا عجب في أن تخرج الدماغ بنتائج غريبة وغير متوقعة. في عام ٢٠٠٢ صنَّف فريق من الباحثين من كلٍّ من الولايات المتحدة وإسرائيل سلسلةً بالخدع البصرية الشائعة، التي يقع الأشخاص ضحيةً لها عندما يحاولون تقدير حركة جسم. تضمَّنت حقيقة أن شكل الجسم يؤثر على الاتجاه الذي نظن أنه يتحرك فيه، لدرجة أنه قد يبدو جسمان وكأنهما جسم واحد، رغم أنهما يتحركان في اتجاهَين مختلفَين، كما تبدو الأجسام الباهتة وكأنها تتحرك ببطءٍ أكبر.

قد يبدو هذا ببساطة أشبه بقائمة إخفاقاتنا، إلا أن الباحثين وجدوا أنه يمكن تفسير كل هذه الهفوات من خلال نموذج بايزيٍّ بسيط. على وجه التحديد، هذه الأنماط تسقط من حساباتنا إذا تبنَّينا احتمالًا مُسبقًا محددًا: أن احتمال أن تكون هذه الحركة بطيئة أكبر من احتمال كونها سريعة. لنتناول الخدعة البصرية الأخيرة. عندما تتعذر رؤية جسم، يكون الدليل الذي يوفره حول حركته ضعيفًا. وفي ظل غياب الدليل، تعتمد قاعدة بايز على الاحتمال المسبق، والاحتمال المسبق يخبرنا بأن الأشياء تتحرك بسرعة. قد يشرح هذا القدر القليل من الرياضيات السبب في مَيل السائقين إلى زيادة السرعة في حالة الضباب، ففي ظل وجود معلومات شحيحة عن حركتهم، يفترض السائقون أن سرعتهم بطيئة جدًّا. جدير بالملاحظة أن منهج بايز يُعيد صياغة حِيَل العقل هذه باعتبارها من سمات الحساب المنطقي. فهو يعرض أيضًا كيف تكون بعض الأخطاء تخمينات منطقية في عالم من الشكوك.

ومع هذا، ثمة جزء آخر من عملية الإدراك. حتى الآن، افترضنا أن التصوُّر الذي نختبره لا بد أن يكون الافتراض الذي له أعلى احتمال. هذا هو الاختيار المعقول، إلا أنه مجرد اختيار، وهو ما يعني احتمالية وجود خيارات بديلة.

fig23
شكل ١٠-٢

لنتناولْ مكعَّبَ نيكر. هذه الخدعة البصرية تقبل أكثر من تفسير: يمكننا رؤية الوجه السفلي يتجه إلى الأمام، وكأن المكعب عبارة عن صندوق يميل للأسفل قليلًا، أو يمكننا رؤية الوجه السفلي في خلفية الصورة، وهو ما يشير إلى أن الصندوق موجهٌ نحو الأعلى. من المرجح أن ينتج عن هذَين الصندوقَين كلَيهما هذا النمطُ من الخطوط؛ لذا سيتأثر القرار بشأن وضع الصندوق بشدة بالاحتمال المسبق. لنفترض أن الصناديق الموجهة إلى الأسفل أكثر شيوعًا بشكلٍ عام. بناءً على هذا الافتراض، وبعد تطبيق قاعدة بايز، فإن احتمال أن يكون الصندوق موجهًا إلى الأسفل عند رؤية هذه الخطوط يساوي ٠٫٥١، واحتمال أن يكون الصندوق موجهًا إلى أعلى يساوي ٠٫٤٩. باتباع المنهج القياسي لربط ذلك بالإدراك، يمكننا القول إن الاحتمال الأكبر من بين الاحتمالَين هو الفائز، في هذه الحالة نجد أن الاحتمال الأكبر هو أن يكون الصندوق موجهًا إلى الأسفل، وينتهي النقاش عندئذٍ!

على الجانب الآخر، فإن الدماغ، بدلًا من اختيار تفسير واحد والتشبث به، من الممكن أن يختار التبديل ما بين التفسيرَين. ومن ثم، قد يبدو الصندوق موجهًا إلى الأسفل في لحظة، وموجهًا إلى الأعلى في أخرى، ويظل إدراك الصندوق مُذَبذبًا ما بين هذا وذاك على نحوٍ متكرر. في هذه الحالة، لا تخبرنا الاحتمالات عن التفسير الذي يتعيَّن علينا الالتزام به، بل تخبرنا عن مقدار الوقت المخصَّص لإدراك كلٍّ منهما.

هذا التبديل هو تحديدًا ما رآه الباحثون في جامعة روتشستر (بما فيهم ديفيد نيل) في تجربة أجريت عام ٢٠١١. دمج القائمون على التجربة نمطَين بصريَّين بحيث لا يتضح ما إذا كان النمط الأول يقع فوق الثاني أم العكس، أي إنه يمكن تفسير الصورة بطريقتَين مختلفتَين. بمطالبة الأشخاص بتوضيح متى تَبدَّل إدراكهم للصورة من تفسير لآخر للمشهد، بمقدورهم تحديد مقدار الزمن الذي استغرقه الأشخاص في تفسير الصورة بكل طريقة. بافتراض أن احتمال أن يكون أحد النمطَين في الأعلى مساويًا لاحتمال كون النمط الثاني في الأعلى (أي إن الاحتمالات المسبقة متساوية)، فإن قاعدة بايز تنص على أن الأشخاص سيرَون النمط الأول يقع فوق الثاني ٥٠ في المائة من الوقت، ويرون النمط الثاني يقع فوق الأول ٥٠ في المائة من الوقت. وهذا بالضبط ما توصلوا إليه. لكن، لاختبار قدرة قاعدة بايز على التنبُّؤ حقًّا، تعين على العلماء الابتعاد عن السيناريو الذي تتساوى فيه الاحتمالات المسبقة. في سبيل ذلك، تلاعبوا بالصورة بحيث يبدو للعيان أحدُ الأنماط في الأعلى أكثر بقليل من النمط الآخر. أدى هذا إلى تغيير الترجيح، أي احتمال رؤية هذه الصورة بطريقة معينة، بناءً على النمط الموجود بالأعلى بالفعل. وكلَّما غيَّروا الصورة بهذه الطريقة، قضى المساهمون وقتًا أطول في رؤية النمط المفضل في الأعلى، وهو ما يتفق تمامًا مع قاعدة بايز.

حسبما أوضحت هذه الدراسة، يمكن ربط الاحتمالات بالإدراك بطُرق ممتعة، ويُعرف هذا التوصيل بين العلماء باسم «وظيفة اتخاذ القرار». قاعدة بايز نفسها لم تخبرنا عن القرار الذي يتعين علينا اتخاذه؛ فهي تقدم فقط الاحتمالات. قد يُلخَّص إدراكنا في أنه التأويل الأعلى ترجيحًا وقد لا يعتمد على ذلك. قد يكون الإدراك عبارة عن عينات تؤخذ من التأويلات بمرور الوقت وفقًا لاحتمالاتها، وقد لا يكون كذلك. بشكلٍ عام، يمكن أن يكون الإدراك نتاجًا لأي تجميعات معقدة من الاحتمالات. ومن ثم، فإن ناتج قاعدة بايز يُقدِّم تجسيدًا ثريًّا للمعلومات الحسية، تجسيدًا يمكن للدماغ استخدامه بأي طريقة تبدو أكثر منطقية. بهذه الطريقة، فإن الاحتمالات عبارة عن الخيارات الممكنة.

تتمثل إحدى ميزات التفكير في العقل باعتباره يتعامل مع الاحتمالات في أنه يفتح الباب أمام التحديد الكَمي لمفهومٍ صعب المنال: الثقة. ترتبط الثقة بشكلٍ بديهي بالدليل واليقين. عند التجول في غرفة مظلمة، يكون فيها الدليل البصري ضعيفًا، نتحرك ببطء لأننا غير واثقين من أننا لن نصطدم بجدار أو طاولة. في الغرف الساطعة الإضاءة، تأثير الدليل البصري الواضح يزيل الشكوك. صاغت فرضية الثقة البايزية هذا الحدث، من خلال افتراض أن مدى ثقة الشخص في تأويله للعالَم يرتبط ارتباطًا مباشرًا باحتمال صحة هذا التأويل بمعلومية الدليل، أي ناتج قاعدة بايز. في الغرفة المظلمة التي يكون فيها الدليل محدودًا، يكون احتمال صحة أيِّ تأويلٍ للغرفة محدودًا أيضًا، وكذلك الثقة.

اختبر باحثون من المملكة المتحدة مدى مطابقة هذه الفرضية البايزية للبيانات في عام ٢٠١٥. لفعل هذا، طلبوا من الأشخاص البحث عن نمطٍ محدد في صورتَين مختلفتَين تُعرض الواحدة خلف الأخرى مباشرةً وبسرعة. بعد ذلك أوضح الأشخاص الذين أُجريَت عليهم التجربة أيُّ الصورتَين تحتوي على النمط، والأهم مدى ثقتهم في قرارهم. قُورِنت قرارات الأشخاص وثقتهم بتنبؤات نموذج بايز، كما قورنت بالتنبؤات من النموذجَين الحسابيَّين الأبسط. كان نموذج بايز الأكثر ملاءمةً للغالبية العظمى من البيانات، وهو ما يَدعم فرضية الثقة البايزية.

•••

ذكرت دورا أنجيلاكي في حوار أُجرِيَ عام ٢٠١٤: «في المختبر، نفضِّل تبسيط مهمة فهم آلية عمل الدماغ المعقدة. يدرس علم الأعصاب عادة نظامًا حِسيًّا واحدًا في المرة الواحدة. إلا أن هذا لا يحدث في العالم الواقعي».

أنجيلاكي، التي يرجع منشؤها إلى جزيرة كريت، هي أستاذة علم الأعصاب في جامعة نيويورك. وتعزو خلفيتها المعرفية في الهندسة الكهربية إلى رغبتها في البحث عن المبادئ الأساسية لكيفية عمل الأشياء. وكجزء من مجهودها البحثي، تحاول تصحيح انحياز علم الأعصاب إلى البساطة من خلال دراسة كيفية تفاعل الحواس.

الحواس المحددة التي تسعى أنجيلاكي لدمجها هي النظام البصري والدهليزي. يُعد الجهاز الدهليزي مسئولًا عن حاسة سادسة غير شائعة، ألا وهي التوازُن. يتألف الجهاز الدهليزي، الذي يقع عميقًا في الأذن، من مجموعة من الأنابيب الصغيرة وأكياسٍ ممتلئة بالكريستالات. من خلال تناثر السوائل في الأنابيب وحركة الكريستالات، يتيح النظام فرصة قياس مَيل الرأس والتسارع مثل سائلٍ في وعاء مدرَّج. يعمل هذا النظام بالتناغُم مع النظام البصري لتوفير إحساس عام بالمكان والاتجاهات والحركة. عندما يخرج هذان النظامان عن حدود السيطرة، قد ينتاب الفرد شعورٌ غير محبب؛ كدُوارِ الحركة.

وخلال المجهود الذي بذلَتْه لفهم النظام الدهليزي، استعانت أنجيلاكي بطُرق من مصدر غير معروف: تدريب الطيَّارين. يُربط الأشخاص الذين تُجرى عليهم التجربة في كرسي مثبَّت على قاعدة متحركة أشبه بالمستخدم في الأجهزة المحاكية للطيران. يمكن أن تُعطيهم القاعدة دَفعة من السرعة في اتجاهات مختلفة. وفي الوقت نفسه، تمنحهم الشاشة الموجودة أمامهم الشعور البصري بالحركة في صورة نقاط من الضوء تتدفَّق أمامهم، وهي صورة مرئية لا تختلف عما يحدث في «الانطلاق بسرعة الضوء» في سلسلة «حرب النجوم» (ستار وارز). بينما يجعل تدريب الطيارين الحركة الجسدية متماشية مع الحركة البصرية، فإن أنجيلاكي تستخدم هذه الأعداد لمعرفة ما يفعله الدماغ عندما تتعارضان.

قدمت قاعدة بايز تخمينًا بشأن ذلك. نظرًا لأن رياضيات الاحتمالات تتعامل مع المدخلات البصرية والمدخلات الدهليزية، باعتبارهما مصدرَين منفصلين للمعلومات عن العالم الخارجي نفسه، فإنها تقدِّم وسائل بسيطة لدمجهما. وبدلًا من وجود حدٍّ واحد للاحتمال المرجَّح — كما في قاعدة بايز القياسية — يُضرب الاحتمالان المرجحان (واحد من كل حاسة) معًا. لنفترض أن مهمتك هي تحديد ما إذا كنت تتحرك بالفعل نحو اليسار أم نحو اليمين. لحساب احتمال أنك بالفعل تتحرك جهة اليمين — بمعلومية بعض المدخلات الدهليزية والبصرية — سيُضرب الاحتمال المرجح بأنك سترى هذه المدخلات البصرية، إذا كنت تتحرَّك نحو اليمين، في الاحتمال المرجح بأنك ستستقبل هذه المدخلات الدهليزية إذا كنت تتحرك نحو اليمين. لإتمام العملية، ستُضرب هذه القيمة بعد ذلك في الافتراض المبدئي بأنك تتحرك نحو اليمين. يمكن تطبيق العملية نفسها على الحركة نحو اليسار، والمقارنة بين الاثنين.

وكما تتحول الشائعة إلى حقيقة حين تسمعها من الكثير من الأشخاص المختلفين، فإن الحصول على المعلومات نفسها من العديد من الحواس في حالة قاعدة بايز؛ يُرسِّخ الاعتقاد بصحة تلك المعلومات. عندما تتناغم حركة القاعدة المتحركة وشاشة العرض مع الحركة جهة اليمين، فإن الاحتمال المرجح المرتبط بكلٍّ من المدخلات البصرية والدهليزية يكون مرتفعًا، وكذلك سيكون حاصل ضرب الاحتمالَين المرجحَين أيضًا. وهو ما يجعلك أكثر ثقةً في أنك تتحرك نحو اليمين. أما إذا كانت حركة القاعدة والنقاط متعارضة — بمعنى أن القاعدة تتحرك نحو اليمين في حين تتحرك النقاط نحو اليسار — فإن البيانات الخاصة بالنظام الدهليزي ستظل تشير إلى أن احتمال أن الحركة تتجه نحو اليمين مرتفعٌ، أما النظام البصري فسيوضح أن احتمال أن الحركة متجهة نحو اليمين منخفض. ينتج عن ضرب القيمتَين نتيجة متوسطة ومقدارٌ معتدل من الثقة بطريقةٍ أو بأخرى.

لكن، كما في حالة الشائعات، موثوقية المصدر تعني الكثير. يمكن لأنجيلاكي خلال تجاربها تخفيض ثقة الأشخاص الخاضعين للتجربة في أحد المدخلات الحسية أو الأخرى. لجعل المدخلات البصرية أقل موثوقية، جعلَتْها ببساطة أكثرَ فوضوية. أي إنها بدلًا من أن تجعل النقاط تتحرَّك معًا لتعطيَ إحساسًا قويًّا بأنها تتحرَّك في اتجاهٍ محدَّد، سارت بعض النقاط بعشوائية. كلما زادت النقاط العشوائية، أصبحت المعلومات البصرية أقلَّ موثوقية.

بتطبيق ذلك على الاحتمالات، نرى أن قاعدة بايز تُعدِّل بشكل آلي درجة الاعتماد على المصدر وفقًا لمدى موثوقيته. إذا كانت النقاط تتحرك بشكلٍ عشوائي تمامًا، فلن تُقدِّم المدخلات البصرية أي معلومات حول اتجاه الحركة. في هذه الحالة، يكون احتمال رؤية مدخلاتٍ بصرية عند التحرُّك نحو اليمين، مساويًا لاحتمال رؤية مدخلات حِسية عند التحرك نحو اليسار. ومع تساوي الاحتمالات على الجانبَين، لن تؤثر المدخلات البصرية على القرار في أيٍّ من الحالتَين. وعليه، فإن اتخاذ القرار سيعتمد على المدخلات الدهليزية (والافتراض المبدئي). أما إذا تحركت ٩٠ في المائة من النقاط حركة عشوائية، و١٠ في المائة أشارت إلى الحركة نحو اليمين، فإن احتمال أن تشير المدخلات البصرية إلى أن الحركة نحو اليمين أعلى بقليل من احتمال كونها نحو اليسار. في هذه الحالة، سيكون للمدخلات البصرية دور في اتخاذ القرار، لكن تأثيرها سيكون طفيفًا. ومع زيادة موثوقية المدخلات البصرية تصبح أكثر تأثيرًا على عملية اتخاذ القرار. بهذه الطريقة، فإن قاعدة بايز تعطي أهمية أكبر للمصدر وفقًا لمدى موثوقيته.

ببحث الاستنتاجات التي توصَّل إليها الأشخاص بشأن حركتهم في هذه التجارب، أوضحت أنجيلاكي ومختبرها مرة أخرى أن تصرُّفات البشر في الغالب تتوافق مع ما جاء في قواعد بايز. عندما يكون الدليل البصري ضعيفًا، فإنهم يعتمدون أكثر على الجهاز الدهليزي. ومع ذلك، ثمة نقطة علينا ملاحظتها، وهي أنه كلما اعتمد الأشخاص على المعلومات البصرية أكثر، كانت أكثر موثوقية، رغم أنهم لا يزالون لا يستخدمونها بالقدر الذي تتوقعه منهم قاعدة بايز. وهو ما يعني أن المدخلات الدهليزية يُعتمد عليها بشكلٍ زائد دائمًا، وهو تأثير رُصِد لدى القرود أيضًا. وقد يكون ذلك نتيجةً لحقيقة أن المدخلات البصرية تكون دائمًا غير واضحة: رؤية النقاط تتحرك قد يكون تأثيرًا ناتجًا عن حركتك أنت، وقد يكون ناتجًا عن حركة النقاط بالفعل. وعليه، فإن المدخلات الدهليزية تُعد بشكلٍ عام مصدرًا أكثر موثوقية؛ ومن ثم تستحق مزيدًا من الأهمية.

•••

بمجرد أن أطلِق العنان لنَهج بايز في الإدراك، انتشر كالنار في الهشيم في جميع جوانب علم النفس. مثلما يحدث في حالة الخدع البصرية، فإن التحديق في البيانات وفحصها لفترة كافية يجعلان تركيب قاعدة بايز يتجلَّى بوضوح. نتيجة لذلك، تكثر الافتراضات المبدئية والاحتمالات المرجَّحة في سياق دراسة الدماغ.

كما رأينا بالفعل، استُحضرت قاعدة بايز لشرح إدراك الحركة، والانتقال ما بين التأويلات المختلفة للخُدع البصرية الغامضة؛ كما في حالة مكعب نيكر، والثقة، والمزج ما بين المدخلات البصرية والدهليزية. وقد طُوِّعت أيضًا لتفسير كيف نتعرض للخداع من جانب الممارسين لفن التكلُّم من البطن، وشعورنا بمرور الزمن، وقدرتنا على اكتشاف الأنماط الشاذة. حتى إنه يمكن تمديدها وتوسيعها لتشمل مهامَّ مِثل تعلُّم المهارات الحركية، وفهم اللغة وقدرتنا على التعميم. مثل هذا الإطار الموحِّد لوصف الكثير من الأنشطة العقلية يبدو نجاحًا ساحقًا. وبالفعل، يُعَد المنهج البايزيُّ، وَفقًا لفيلسوف العقل مايكل ريسكورلا، «أفضل عِلم لدينا حاليًّا للإدراك».

ومع ذلك، لا يمكن أن يُنظَر إلى جميع علماء النفس باعتبارهم من التلاميذ المخلِصين للقسِّ بايز.

بالنسبة للبعض، النظرية التي تدَّعي أنها تُفسِّر كل شيء معرضةٌ لخطر فقدان قدرتها على شرح أي شيء على الإطلاق. يتمثل الوجه الآخر لمرونة المنهج البايزي في أنه يمكن اتهامه أيضًا بأنه يتضمن الكثير من «البارامترات الحرة». البارامترات الحرة بالنموذج هي كل أجزائه المتغيرة، أي كل الخيارات التي يمكن للباحث اتخاذها عند استخدامه. كما أن وجود عدد كافٍ من الضربات من شأنه أن يجعل أسوأ لاعبي الجولف يتمكن في النهاية من وضع الكرة في الحفرة، فإن وجود بارامترات حرة كافية يجعل أي نموذج مناسبًا لأي بيانات. إذا تعارض استنتاج مِن تجربةٍ جديدة مع استنتاج قديم على سبيل المثال، فإن النموذج المفرِط في البارامترات سيتحايل ليشمل الاستنتاجين. إذا كانت مسألة جعل النموذج ملائمًا للبيانات سهلةً، بالقدر نفسه الذي يسهُل به على صراف البنك إعطاؤك الباقي، فهذا يعني أن نجاحه ليس بالأمر الباهر. فالنموذج الذي يمكنه قول أي شيء لا يمكنه أن يخطئ أبدًا. وقد ذكر عالِما النفس جيفري باورز وكولين ديفيس في نقدٍ لمنهج بايز نُشر عام ٢٠١٢: «هذه القُدرة على وصف البيانات بدقةٍ تأتي على حساب قابلية الخطأ».

يوجد بالفعل عدة طرق لدمج جوانب الإدراك في إطار قاعدة بايز. لنأخذ، على سبيل المثال، حساب الاحتمال المرجح. حساب كمية مثل «احتمال رؤية ضوء طوله الموجي ٦٧٠ نانومترًا» مع العلم بوجود زهرة حمراء؛ يتطلَّب بعض المعرفة والافتراضات حول انعكاس الضوء من المواد المختلفة وكيفية امتصاص العين له. دون الفهم الكامل للعالم المادي، سيطرح واضع النموذج لا محالة بعض افتراضاته هنا. ومن ثم سيتمكن من تعديل هذه الافتراضات وتطويعها كي تتطابق مع البيانات. المصدر الآخر للاختيار هو دالَّة القرار. كما رأينا من قبل، يمكن ربط مخرجات قاعدة بايز بالإدراك وقرار الحيوان بأي عدد من الطرق. لهذا الخيار أيضًا القدرة على جعل أي فعل يمكن تفسيره في ضوء قاعدة بايز. وعليه، توجد بالطبع افتراضات مبدئية مزعجة.

كما استوقفت هذه الاحتمالات المسبقة علماء الإحصاء في القرن العشرين، فقد ثبت أنها تمثل تحديًا لعلماء النفس في القرن الحادي والعشرين. إذا كان افتراض صحة احتمال مُسبق، لنقُل احتمال أن تكون حركة الأجسام بطيئة، يساعد على تفسير ظاهرة نفسية، فيمكن أخذ هذا باعتباره دليلًا جيدًا على أن الدماغ يستخدم هذا الاحتمال المسبق بالفعل. لكن ماذا لو فُسرت ظاهرة مختلفة وفقًا لاحتمال مسبق مختلف، لنقُل الاحتمال القائل بأن حركة الأجسام سريعة؟ هل ينبغي لنا افتراض أن الاحتمالات المسبقة في عقولنا ثابتة بصرف النظر عن الزمن والمهمَّة؟ أم هي مرنة وسلسة؟ وكيف يمكننا معرفة ذلك؟

نتيجة لبواعث القلق هذه، عكف بعض الباحثين على دراسة خواص الاحتمالات المسبقة. عمل عالِم الإدراك الفَرنسي باسكال ماماسيان على بحث احتمال مسبق شائع، على وجه التحديد: افتراض أن الضوء يأتي من الأعلى. لأكثر من قرنَين، وجدت التجارب والأوهام أن البشر احتفظوا بهذا الاعتقاد الضمني عن مصدر الإضاءة في عقولهم، أثناء محاولتهم فَهْم الظلال في أي مشهد. يُعد هذا التخمين منطقيًّا بالنظر إلى موضع مصدر الضوء السائد لدينا، ألا وهو الشمس. في الآونة الأخيرة، راجعت التجارب هذا الاستنتاج بشكلٍ طفيف، ووجدت أن البشر يفترضون بالفعل أن الضوء يأتي من الأعلى ومن ناحية اليسار قليلًا. أجرى ماماسيان اختباراتٍ تكشف عن هذا التحيُّز في المختبر، لكنه وجد أيضًا طريقةً أكثر إبداعًا لبحثه والتحقُّق منه. بتحليل ٦٥٩ لوحةً من متحف اللوفر في باريس، وجد أنه في نطاق ٨٤ في المائة من لوحات البورتريه، و٦٧ في المائة من اللوحات التي لا تجسد أشخاصًا، اتضح أن مصدر الضوء في اللوحات يأتي من ناحية اليسار. ربما أصبح الفنانون يفضلون إعداد الإضاءة بهذه الطريقة لأنها تتماشى مع حدسنا، الأمر الذي يخلق لوحة أكثر إمتاعًا وقابلية للتفسير.

أحد الأسئلة المفتوحة بشأن الاحتمالات المسبقة يتمثل في مَنشئها. يمكن أن تكون الاحتمالات المسبقة طريقة فعالة لترسيخ حقائق حول العالم في أذهاننا، لكن هل هذه الحقائق وُهِبت لنا من الأجيال السابقة من خلال جيناتنا، أم نحن من نكتسبها ونكوِّنها في حياتنا؟ للإجابة عن هذا، عمد القائمون على دراسة أُجريت عام ١٩٧٠ إلى تربية دجاج في بيئة يكون فيها الضوء بالكامل قادمًا من الأسفل. إذا كان الافتراض المسبق أن الضوء يأتي من الأعلى يُكتسب خلال حياتهم، فهذا يعني أن الطيور لن يكون لديها هذا الافتراض. إلا أن الطريقة التي تفاعلت بها الطيور مع المثير البصري، أظهرت أنها لا تزال تعتقد أن الضوء يأتي حتمًا من الأعلى. وهو ما عضَّد من فرضية توارُث الاحتمالات المسبقة.

البشر بالطبع ليسوا كالدجاج، فتطور جهازنا العصبي قد يتيح مزيدًا من المرونة. ببحث تحيُّز أطفال من مختلف الأعمار لمفاهيم مسبقة، وجد عالم النفس جيمس ستون في عام ٢٠١٠، أن الأطفال الذين تقِل أعمارهم عن أربع سنوات أظهروا تحيُّزًا تجاه فرضية أن الضوء يأتي من الأعلى، إلا أن هذا التحيز أضعفُ من التحيز لدى البالغين. ينمو هذا التحيز تدريجيًّا على مدار السنوات ليصل إلى نفس مستوى القوة لدى البالغين، ما يشير إلى أن الافتراض المسبق الذي يكون فطريًّا بشكلٍ جزئي يُصقَل عن طريق الخبرة. ولمزيدٍ من الدعم لهذه المرونة، أظهر فريق من المملكة المتحدة وألمانيا عام ٢٠٠٤ أن اعتقادنا الراسخ بشأن مصدر الضوء يمكن أن يضعُف. من خلال التدريب، كان المشاركون قادرين على تغيير معتقداتهم المسبقة حول مصدر الضوء بعدة درجات.

أَخْذ احتمال مسبق محدد واختباره من اتجاهات مختلفة عبر العديد من التجارب؛ يساعدان على التأكد من كونه تأثيرًا مرنًا وموثوقًا به. مع خضوع كل اعتقاد مسبق للاختبار يصبح أقل مرونة في النموذج وأكثر جمودًا.

السؤال الآخر الذي تعيَّن على المؤيدين للفرضية القائلة إن الدماغ يعالج المعلومات ويتَّخذ القرارات وفقًا لقاعدة بايز؛ التعاملُ معه، يتعلق بكيفية حدوث ذلك.

في حين أن هناك أسبابًا للاعتقاد بأن الدماغ لا بد أن يستخدم قاعدة بايز، وهناك دليل على ذلك، يظلُّ السؤال حول كيفية حدوث ذلك في الخلية العصبية منطقةً حيوية من مناطق البحث.

حين يتعلق الأمر بالافتراضات المبدئية، يبحث العلماء عن الخزانة التي تُخزن فيها الأجزاء المعرفية الأساسية هذه، وكيفية دمجها في عملية اتخاذ القرار. تُفيد إحدى الفرضيَّات بأنها لعبة أعدادٍ بسيطة. عندما تُكلَّف مجموعة من الخلايا العصبية بتمثيل شيء عن العالم، لنقُل المصدر الذي يأتي منه الصوت في البيئة، فقد يكون لكل خلية عصبية موقعٌ مفضَّل خاص بها. هذا يعني أنها تستجيب بشكلٍ أكبر عندما يأتي الصوت من هذا الموقع. إذا كان الدماغ يحدد مصدر الصوت من خلال تجميع أنشطة كل الخلايا العصبية التي تفضل الموقع نفسه، فإن المواقع التي يفضلها عدد أكبر من الخلايا العصبية يكون لها الأفضلية. إذن، إذا أفاد الافتراض المبدئي بأن الصوت من المرجح أن يأتي من مواقع مركزيةٍ أكثر من الأطراف، يمكن تحقيق ذلك ببساطة من خلال زيادة عدد الخلايا العصبية التي تفضِّل المركز. كما يتضح، اكتشف عالِما الأعصاب براين فيشر وخوسيه لويس بِينْيا هذا المخطط الدقيق في أدمغة البُوم في عام ٢٠١١. تعريف البصمة العصبية للافتراضات المبدئية بهذه الطريقة من شأنه أن يعطي رؤًى بشأن منشأ هذه الافتراضات المبدئية وآلية عملها.

يبني واضعو النظريات العديد من الفرضيات حول آلية عمل قاعدة بايز في الدماغ، ويعمل التجريبيون على اختبارها. ثمة العديد من الطرق التي يمكن للخلايا العصبية التعاون من خلالها؛ لدمج الاحتمالات المرجحة والافتراضات المبدئية. يجب ألَّا ننظر لهذه الافتراضات المختلفة على أنها في منافسةٍ مع بعضها، وألَّا نتوقَّع أن يُتوَّج افتراضٌ واحدٌ بعينه بالفوز في النهاية. على الرغم من أنه يمكن استخدام قاعدة بايز لتفسير العديد من الجوانب المتعددة للإدراك، فإن التطبيق العملي للقاعدة قد يتخذ العديد من الأشكال والأنماط.

١  بهذه الطريقة انحرف هلمهولتز عن كانط، الذي اعتقد أن معظم معرفة العالم هذه فطرية وليست مكتسبة.
٢  في هذه الحالة، لم يكن الحديث عن الاحتمال، من حيث السبب والتأثير غير شائع في ذلك الوقت. إلا أنه لن يكون من الحكمة فعل ذلك عمومًا. فاحتمال أنك تحمل مظلةً بمعلومية أن الشخص الموجود بجوارك في الشارع يحمل مظلةً؛ قد يكون عاليًا، إلا أن أحدهما ليس سببًا في الآخر.
٣  كان الإحصائي والمؤرخ ستيفن ستيجلر المسئول عن هذا التقييم، معروفًا أيضًا باسم «قانون ستيجلر للتسمية»، الذي يدعي بأن القانون العلمي لا يُسمى باسم صاحبه أبدًا. ويُعتقد أن عالم الاجتماع روبرت ميرتون هو من ابتكر هذا القانون.
٤  تضمنت بعض النظريات التي كانت موجودة في ذلك الوقت، وأخفقت في فعل هذا، نماذجَ النظام البصري التي تناولناها في الفصل السادس.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤