الصَّهبة
خلَّف المقهى وراءه، واتجه إلى شارع سيدي نصر الدين … طال انتظاره لبدر المنشاوي … لما بدأ في لعب «عشرة» جديدة. قرر أن يذهب إلى مكان الحفل بمفرده … لا يبعد عن طريقه اليومي، بين المقهى والبيت.
ولد في السيالة … شقة تطل على مسجد المسيري … لم يتركها إلى حي آخر، إلا للمكتبة خلف المرسي أبي العباس، أو للكلية في محرم بك، أو لزيارة أخواله في العطارين، وآخر أعمامه الأحياء في اللبان … مع ذلك، فإنه لم يعرف بأمر الحفل، الصهبة، المولد، الجلوة، حلقة الذكر … لم تُسمِّه أحاديثُ المقهى على نحو محدد … المؤكد أنه قد مضى عليه أيام، وربما أسابيع. التفصيلات الدقيقة واختلاف الحكايات، وشَت باتصالٍ ما يَجري.
قال جابر محجوب: للموالد مواعيدها … أما هذه الصهبة فقد أتت في أغسطس.
مط شفتيه، واستطرد: ربما تطول حتى يُنزع النقاب عمن تطلب ذلك.
قال المنشاوي: امتنعت المرأة يومًا عن رفع نقابها فتوعدها الشيخ أن تظل عاقرًا.
سأل باستغراب: لماذا يزايدون على المرأة، ما داموا لن يدفعوا مهرًا حقيقيًّا؟
قال المنشاوي: نسيت أنها متزوجة.
قال جابر محجوب: ليست امرأة واحدة …
ولجأ إلى يديه موضحًا: كل من يشق عليها الإنجاب، تقف في المزاد، حتى يُرفع النقاب، فيزول العقم.
همس بحيرة: مجرد رفع النقاب؟
قال جابر في لهجة تسليم: هذا هو إيمانهم.
تشابكت الروايات، وامتدت، وتناقضت، وإن شكلت عالمًا غريبًا، شغله الفضول للتعرف إليه. يغير اتجاهه، لا يسير في شارع محمد كريم، إلى مستوصف الأنفوشي، ومنه إلى شارع العوامري، فالسيالة. البيت يفصل بينه وبين مسجد المسيري زقاق صغير، ويطل، من الواجهة، على شارع السيالة. يميل إلى طريق ترابي، على جانبيه بيوت ودكاكين، تنتهي إلى ساحة الصهبة.
الصهبة؟!
هذه هي التسمية، حتى يشاهد ما ملأت به أحاديث المقهى خياله.
اعتذر بدر المنشاوي لانشغاله في الطاولة. وعد بمرافقته عصر اليوم التالي. قهره فضوله، فقبل الانتظار حتى ينتهي الدور. وعندما رأى الطاولة تُطوى، وتُفتح، ويتهيأ اللاعبان لبدء «عشرة» جديدة، قام إلى الصهبة بمفرده.
•••
غلبته الدهشة.
بدا المكان — بأنواره وزيناته وأعلامه وبيارقه، والزحام الهائل — غريبًا عما ألفه في موالد أولياء الحي. تلاغطت وتداخلت الأدعية والابتهالات والأذكار. تطوحت الأجساد في حلقات متقاربة، ومتباعدة. تزاحم الكثيرون على الأرصفة، وفي مداخل البيوت والشرفات والنوافذ والشوارع الجانبية.
ظل في موضعه على الناصية. شغلته الفرجة، وامتصت الغرابة من حوله.
سيدي نصر الدين ليس وليَّ هذه الليلة، وليسوا هم أحباءَ ولا مريدين ولا محاسيب. إنما نزلوا في حضرته. أقاموا حفلهم في الساحة المقابلة لضريحه، باعتباره أحد أولياء الله. لم يدْعُهم سيدي نصر الدين. لا عمليات ختان أو باعة حلوى وحمص وفول سوداني وبخور، ولا ألعاب مولد وركوب خليفة، ولا صلة للذاكرين بصاحب الضريح: لا إبداء اشتياق، أو وصف خوارق، أو إضفاء الصفات على صاحب المقام. لم يكن مولدًا أو ما يشبهه. شاهَد موالد أبي العباس والبوصيري وياقوت العرش وعلي تمراز. يخوض — منذ طفولته — مع أبيه زحام المولد. يسلم ساعده إلى قبضة أبيه، يتحركان بصعوبة في تلاصق الأجسام والأعلام والرايات والنايات والطبول. يتمنى ركوب المراجيح، فينهره أبوه، ويسحبه بعنف. يبدي الرجل عجبه حين يراه ساكنًا، لا يتحرك لذكر الله وسماع الأناشيد:
– إما أنك بلا إيمان، أو تظن نفسك من الواصلين!
لما كبِر، تردد على الموالد مع أصدقائه، وبمفرده. تكونت في ذهنه صورة للموالد، يستدعيها إذا أتت سيرتها أمامه: المداحين، ورواة القصص، ومنشدي الأذكار، ومواكب الصوفية، وألعاب الحواة، والمراجيح، والنشان، والأعلام والمشاعل، والطبول والمزامير. اختلف المشهد أمامه عن الصورة التي ألِفها. ليسوا من طُرق أكل الزجاج، وازدراد الأفاعي، والقبض على الحديد الملتهب، وغرس الأسياخ في الخدين، وطعن الجسم بالخناجر، وابتلاع النار، ولا من الشاذلية ولا الرفاعية ولا المولوية أو الدراويش، ممن طالما تابَع مواكبهم في موالد أولياء الحي.
استند إلى الباب الحديدي لبيت، أول الميدان الصغير. أهمل — لطول قامته — وقوف العشرات أمامه، يشاركون ويشاهدون، ويعانون الزحام الذي تزايد، فصار خانقًا.
انفسح المكان، لما تشابكت أيدي الرجال. وقفوا في حلقة، متجهين إلى الداخل، وتشابكت أذرع النساء داخل الحلقة، متجهات إلى الخارج. تعالت أصوات الدفوف والمزامير والدرَبُكَّات والشخاليل، وبدأ الرقص: يتحرك الرجال إلى الداخل، وتتجه النساء إلى الخارج. يرفع الرجال أيديهم، فيسهل طريق النساء في العودة إلى الداخل، والعشرات أفسحوا للراقصين، صنعوا دائرة أوسع لِصْق الأبواب والجدران، وعلى مداخل الشوارع.
شدَّه انسجام الموسيقى مع الرقص وحركات التوقف، تبديل الأوضاع والحركات، تشابك الأيدي والأذرع وانفصالها، كأنه الذكر، وإن اختلف الذكر بتطوح الرءوس، واهتزازات الأجساد والأيدي، والدعوات الرتيبة المتتالية.
بدا كل شيء جديدًا، وغير مألوف، لكنه ظل مشغول الخاطر باللحظة المتوقعة. طالت أحاديث المقهى حولها. أطالت في روايتها. وشَتها بالألوان والظلال. ليسوا من الغجر. للغجر سَحنتهم ولهجتهم وزيهم. ولم تُشرِ الأحاديث إلى أنهم يمارسون الغناء وأعمال السحر والتنجيم والوشم وختان البنات، ولا ضُبطوا متلبسين بسرقة بيت أو دكان أو خطف طفل، ولا هم جماعة مغلقة ترفض الاختلاط. النساء المنقبات يحلُمن بالخصوبة. الجميع يشغلهم علاج العلة. من يرفع النقاب يظفر بثواب إنقاذ حياة.
تنامى في داخله فضول المشاهدة. لم يَقْوَ على كتمه، صرفه عن بقية الأحاديث، دفعه إلى مغادرة المقهى دون أن يصحبه المنشاوي. أهمل ما عُرف عنه من ميل إلى الصحبة، إذا غادر البيت أو المكتبة.
•••
حي!
أرعشته الصيحة المفاجئة. اقتحمت داخله بالخوف، أو بما هو أقسى. تلفت حوله في حيرة. رافقت عيناه اتجاه النظرات نحو مدخل البيت المواجه للمسجد. تدافع منه صغار وكبار وزغاريد وأدعية وابتهالات.
استكان الزحام في موضعه لفترة. هدأ صخب النشوة. ثم غادر البيت ثلاثةُ رجال في أواسط العمر، يرتدي أحدهم ثياب المشايخ، ويرتدي الآخران الثياب البلدية، وامرأتان سافرتان ارتدتا المُلاءة اللف، تتوسطهما امرأة ارتدت مُلاءة مماثلة، وإن أرخت على وجهها نقابًا، لا تبين منه حتى العينان.
تدافعت الأجسام لِصْق الجدران. شكلوا — وسط الساحة — ما يشبه الدائرة. اتجهت النسوة الثلاث إلى منتصف الدائرة تمامًا، واتخذ الرجال مقدمة الصفوف المحيطة. بدت التصرفات محسوبة، والجميع على معرفة بتوالي التصرفات، وما يجب اتخاذه.
استندت المرأة — في المنتصف — إلى يدَي الأُخريين باستكانة. اقترب من النسوة رجل لا يختلف — في زيه أو هيئته — عن الآخرين، فيما عدا شومة مقروطة تهزها يده.
قال الرجل: نبدأ المزاد.
تدخل الشيخ: هل يعرف الجميع ما يجب عمله؟
قال الرجل: لا غرباء بيننا.
وتعالى صوت: مائة.
تعالت من بعده الأصوات: مائتان … ثلاثمائة … أربعمائة …
تبين سهولةَ المزايدة، فعلا صوته: ألف!
ترددت الحلقة. ثم تعالى صوت: ألف ومائة!
قال مدفوعًا بجرأة لم يعهدها في نفسه: ألف وخمسمائة!
تعالت الأصوات: ألف وستمائة … وسبعمائة … وثمانمائة … ألفان …
قاطع الأصوات المزايدة: خمسة آلاف!
المزاد كلمات. يحترمون الأرقام والبداية والنهاية، حتى تنتهي الصهبة. لكنه ليس مطالبًا باحترام شيء، لا الأرقام ولا الطقوس أو الممارسات الغريبة، ولا كل هؤلاء الذين اجتذبتهم الغرابة.
أسند الرجل راحته إلى كتف المرأة، وقال: حلال عليك!
حدث ما حدث كأنه حلم. تردد في الاقتراب من المرأة المنتقبة. زاد في ارتباكه النظرات المحيطة، تنتظر، تستحثه على التقدم.
أحاديث المقهى حددت الصهبة منذ بدايتها. يرفع النقاب، ويمضي بالمرأة خطوات. تتعالى الزغاريد والتكبيرات، وتعود المرأة من حيث أتت، وينصرف الجميع. لم تشر الأحاديث إلى اللحظة التي تلي رفع النقاب: هل يتأمل الوجه، أم يَخفض نظره؟ وإن لاحظ — في وقفته — أن من سبقوه اتجهوا بأعينهم — فور نزع الحجاب — إلى بعيد.
رفع النقاب بيد مترددة. حِراب النظرات المحيطة تمنعه من التلفت. الوجه كأنه الجنة. ليست من السيالة ولا بحري، ولا من الحياة نفسها، كأنها تنتمي إلى عالم السحر الذي يجوس داخله.
نسي — في اللحظة التالية — كل ما وعاه من أحاديث المقهى. اقترب بفمه، وقبلها. سرت بعدها في داخله رغبةٌ فرضت سيطرتها، فدانت لها تصرفاته. طوَّق الجسد المنتفض بساعدَي الجنون. لا يذكر إن كانت قد حاولت التخلص منه، وإن تذكر — فيما بعد — أن نهديها اصطدما بصدره، وهو يحاول احتضانها. ربما أسكتتها المفاجأة، ولعلها حاولت إبعاده، فلم تفلح في الفِكاك من ساعديه. فرضت الرغبة نفسها، فنسي كل ما حوله. نسي اللمة المحيطة، والسكون الذي أذهلته المفاجأة. حين أعاد تذكر ما حدث، لاحظ أن المرأتين لم تمنعاه من فَعلته، ولا الرجال حاولوا دفعه بعيدًا. تركوا المرأة في حِضنه، حتى صحا على الوجوه التي لفها الذهول.
لم يدُرْ بباله، كيف يواجه اللحظة التالية، ولا ماذا يفعل إذا اصطدمت عيناه — ثانيةً — بالأعين الملتفة حوله؟
تحركت الجفون، فأيقن من زوال المفاجأة.
تراجع إلى الخلف، فأفسحوا له الطريق.
عدَّل من وِقفته، وسار إلى الأمام، فانفرجت اللمة الصامتة. سار بخطوات متثاقلة، كأنه يجر خوف الحياة كلها.
بدت المسافة من منتصف الساحة إلى أول شارع حداية، بعيدة، أو أنها المستحيل. ماذا يفعلون لمن يخالف ما توارثوه؟ ولماذا تركوه حتى أنهى ما فعل؟ ومن أين تأتيه ضربة الغضب، المقبلة؟
•••
لم يصدق — وهو يتجه إلى البحر — أنهم تركوه. لم يكن الطريق طريقه. حدث ما حدث بسرعة، أملته رغبة مفاجئة، لم يقوَ على كتمها. تصرف بعفوية، أو بما دفعه إليه الجنون.
تعثرت خطواته، لا يدري إن كان عن تعمد أم خوف. همه أن يغادر المكان، يجاوز حلقة الأعين، يبتعد ويبتعد، إلى حيث لا يكون أحد من هؤلاء الذين امتلأت بهم ساحة الصهبة.
نظر وراءه، فهدأت نفسه. تماسكت خطواته. صارت أقرب إلى الهرولة.
في اتجاه شارع قصر رأس التين إلى شاطئ الأنفوشي، أعاد التلفت. ثم مال إلى شارع بيرم التونسي. وسلك حواري وأزقة، تُفضي به إلى طريق البيت.
•••
أبدت عجبها للرجفة التي رافقت استيقاظه: خفت عليك من طول النوم.
تساءل وهو يتلفت — بعفوية — حوله: هل كنت أحلم؟
قالت بإشفاق: اللهم اجعله خيرًا!
أضافت وهي تفتح النافذة المطلة على شارع السيالة: أعددت الإفطار.
تذكَّر أنه لم يتناول طعامًا منذ صباح الأمس. تناول إفطاره في المكتبة. ثم اكتفى بأدوار الشاي، يحملها إليه عم درويش صاحب الكشك الملاصق لزاوية سيدي أبي الفتح.
قبل أن يتجه إلى الصهبة، عاد إلى البيت ونام، فلا غداء ولا عشاء، وها هو ذا نهار جديد، ونفسه مصدودة.
هل كان يحلم، أم أن الذاكرة تستعيد ما جرى؟
قال في صوت هامس: إني متعب!
قالت: نمت كثيرًا … هل أنت مريض؟
قال: ربما!
داخلها قلق: ألن تفتح المكتبة؟
وهو يعتدل في رقدته: سأظل في السرير.
ثم وهو يسحب الغطاء على وجهه: إني متعب!
غادرته بنظرة مشفقة.
تداخلت أصوات الشارع — أسفل النافذة — بدعوات الصهبة وأناشيدها وأغنياتها وأذكارها. تصور — للحظة — أن الصهبة تمر أمام البيت، لكنه اعتدل في نصف القومة، واستأنف الرقاد، لما أصاخ السمع، فتوضحت أصوات الباعة، وأصحاب الدكاكين، والمنادين من الشرفات، والمارة.
•••
في لحظة أو أقل، حدق الرجل، ومضى …
تراجع إلى الخلف …
أطال الرجل نظرته، كأنما ليتيح له التثبت من ملامحه: حلال عليك! القامة الطويلة، النحيلة، والشعر الأكرت، والبشرة السمراء، والشفة المتدلية، والعين التي تعاني سحابة بيضاء. هو الرجل نفسه، وما جرى لم يكن حُلُمًا أو ما يشبهه.
تراجعت خطواته — بتلقائية — وصعِد السُّلم.
وُلد في السيالة. تعرف إلى الوجوه، وألِفها. حتى من لم تقم بينه وبينهم صداقة أو جيرة أو معرفة، يستدل بالملامح الظاهرة، يعرف وإن لم يسلِّم أو يحادث، أن من الْتقى به هو من أبناء الحي. إذا التقيا خارج السيالة، يطيل كل منهما النظر إلى الآخر، أو يبتسم. ربما سأل بهمس: هل أنت؟ أو هز رأسه بما يعني المعرفة. التقى بالرجل للمرة الأولى في ساحة سيدي نصر الدين. لم يكن شاهده في السيالة من قبل، لا في الشوارع ولا المقاهي والمساجد القريبة.
تظاهر بالتصديق، وإن لم يطمئن إلى رأي أمه، بأن التعرف إلى الملامح لم يَعُد شرطًا لتبيُّن إن كان الشخص من بحري أو من أحياء أخرى. توافد على الحي أفراد وأسر، عشرات ومئات زحفت الغربة، فلم يعد أحد يدري مَن جاره، ولا مَن هو عابر طريق.
•••
فتح النافذة، فطار عصفور كان يقف على الحافة، وهبت — من الشرق — نَسَمة منعشة.
قال: مضى على وفاة أبي تسعة أشهر.
قالت الأم وهي تعيد ترتيب فراشه: الفاتحة له!
أنهت قراءة الفاتحة بآمين مرتفعة. ثم قالت: تعيش وتفتكر.
أضافت متسائلة: لماذا؟
قال بعصبية كأنه ينفي اتهامًا: لا شيء … تذكرت ذلك الآن!
تطلعت إلى الصورة المعلقة على الجدار: لعل روحه تطلب الرحمة.
قال: بعد أسبوعين يتخرج ماجد في كلية الهندسة، ويواجه مسئولياته.
وقفت في مكانها: ماذا تعني؟
غالَب تردده: أريد أن أكلمك في مسألة تخصني.
وهي ترمقه بنظرة متوجسة: لم تتذكر أباك مصادفة؟!
اصطنع ابتسامة: تذكرته عندما قررت أن أكلمك.
هزت رأسها تستحثه على الكلام.
قال: حياة البطالة تقتلني!
شوحت بالمِنفضة في وجهه: لو أنك أكملت تعليمك لكنت الآن في وظيفة محترمة!
تململ بضيق: لا أطلب التعديد … ولكنني أطلب رأيك.
ألِف من أمه تذمرَها على كل ما يفعله، ورفضَها لآرائه وتصرفاته، وتغيرَه منذ وفاة أبيه: انقطاعَه المفاجئ عن الدراسة؛ أحاديثَه الساخطة، الرافضةَ لما جرى؛ خروجَه إلى المقهى من الضحى، فلا يعود قبل انتصاف الليل. التذمر جسر الموافقة لكل ما يطلبه. تدهش لمجرد أن ما طلبه جال بخاطره . تُبدي غضبها، وتعيب، وربما نالته بالشتم، ثم تهز رأسها — في النهاية — بما يعني الموافقة.
قالت في نفاد صبر: ماذا تريد؟
كأنه ينتظر السؤال: المكتبة.
تقوس حاجباها: ما لها؟
قال وهو يعدل — بعفوية — ياقة البيجامة: منيرة تزوجت وماجد يستعد للوظيفة …
أضاف بسرعة كأنه يقضي على التردد داخله: حرام أن تظل المكتبة مغلقة.
حدقت فيه بنظرة غير مصدقة: إنها كل ما تركه أبوك، فهل ترثها بمفردك؟
وهو يقاوم انفعاله: ولماذا لا أديرها لحسابنا؟
اصطنعت التعجب: وتهجر المقهى؟!
شابَ صوتَه تذلُّل: أريد أن أستقل بحياتي، فساعديني!
قالت في لهجة جادة: أفضِّل أن أبيع المكتبة ليتقاسم ثمنها الجميع.
وعلا صوتها: لا تنس أني امرأة، ولا مورد لي!
قال بتعمد واضح للدهشة: أنت أمي كذلك، وأنا مسئول عنك!
غلب النشيج صوتها: من كان يتحمل مسئوليتي مات!
مع أن أباه لم يعد هائل الطول ولا الضخامة، مثلما كانت نظرته إليه وهو صغير. يأمره، فيناوله الكتب والكراسات من الأرفف العليا، لا يستخدم السُّلم مثل أبيه. وإذا وقف بجواره، تأمل الصلع الذي توسط رأسه الأشيب … مع ذلك، ظلت لأبيه مكانته القديمة؛ يهابه، وينفذ — دون أن يجرؤ على السؤال أو النقاش — كلَّ ما يراه. ربما ناقش مع أخويه آراء الأب وتصرفاته، وجدوا فيها الخطأ والصواب، ولكن ملاحظاتهم — في غياب الأب — لم تجاوز الهمس. أمهم وحدها كانت تسأله، وتناقشه، وتلاحظ، وتعيب عليه أشياء، ولكنها كانت تخضع دائمًا لآرائه، تقبلها، وتدافع عنها أمامهم: هذا رأي أبيكم … فلا تخالفوه!
كان الشعر هوايته، لكن انزعاج أبيه بدا واضحًا لما عرَف نيته: كيف تفكر في مستقبلك؟
قالت الأم: اتركه وما يفضله.
قال وهو يهز قبضة يده: حتى أموت … فأنا المسئول عن حياته.
همس بقلق: ذلك ما أحبه.
اقترب منه كأنه يهُم بضربه: لن تعرف مصلحتك أكثر مني.
سأل: ولماذا القسم العلمي؟
قال: الكليات النظرية تخرج مدرسين أو متعطلين.
أضاف وهو يضغط على الكلمات: المستقبل للكليات العملية.
رسب أول عامين في كلية العلوم، ونجح — بالخوف من أبيه — في العامين التاليين. فلما مات أبوه، هجر الدراسة بلا تردد.
لم تصدق الأم: هل يهجر الدراسة بعد أن أوشك على بلوغ الغاية؟!
أخلت وجهها للدهشة: تريد أن تصبح أقل من أخيك؟!
قال وهو يهز رأسه: لا تشغلني الكثرة ولا القلة … ما يهمني هو ما أطمئن إليه.
استطرد من بين أسنانه: كان همه أن أصبح صورة منه!
واجهته بنظرة غاضبة: كان أبوك رجلًا فاضلًا.
دون أن يجاوز هدوءه: لا أنكر! ولكنه اختار التجارة. أما أنا، فقد كان لي حياة أخرى.
قالت لتنهي المناقشة: أكمل تعليمك ثم افعل ما شئت!
زفر كأنه فقد صبره: لست ملزمًا بالسير في طريق لم أختره.
نطق في ملامحها فزع: تريد أن تترك الجامعة؟
قال وهو يتجه إلى خارج الشقة: بل تركتها فعلًا!
•••
عرَف الرجل من صوته. انشغل بفك أربطة الكتب، فولَّى ظهره لواجهة المكتبة، وللطريق.
تهلل وجهه بفرحة حقيقية.
قال الشيخ عرفة الدجيشي: كنت أُعِدُّك لأخذ العهد، لكنك خاصمتنا منذ رحيل أبيك!
لو أن الرجل يعلم ما طرأ على حياته. انقطعت عن الصلاة في المسجد. هذا ما تعلمه. فهل تعلم أني تركت الكلية، ولم أعد مشغولًا بشيء؟!
لما عرض على أبيه فكرة إلحاقه بالمعهد الديني، قال أبوه في عدم اقتناع: غاية ما يتاح له عمله بعد التخرج، واعظ أو خطيب مسجد.
وعلا صوته في حسم: المستقبل في العلم يا مولانا.
أدهشته كلمات أبيه. يرفض التعليم الديني، ويصر على الكلية العملية، ويصلي كل الأوقات حاضرًا في المسجد، ويقرأ الأوراد وكتب التراث وسير الصحابة والتابعين، ولا يمَل التحدث في كرامات الأولياء من ساكني الحي، ويحرص على زيارة الأضرحة، وتقديم الشموع، والنذور، وربما — إن ألمَّت به وعكة — لجأ إلى الوصفات الشعبية، وينزل من الجهة اليمنى للسرير، ويمتنع عن السفر يوم الجمعة، ويتشاءم حين تتحطم مرآة، ويخشى المرور من تحت سُلم خشبي، ويتفاءل إذا لمح قطًّا أسود اللون، ويحب أحاديث الغيبيات والخوارق، وأسرار السحر والجانِّ والعفاريت، والأرواح الساكنة في الطير والحيوان والزواحف، وتأويل الأحلام، ويهوى قراءة الطالع، ويثق في سُترة زواج البنات، ويحرص على ارتداء الجلباب والعباءة. وحين اختار البذلة للسفر خارج الإسكندرية، عاد فقذف بها داخل الدولاب، يسبقها قسَمُه بألا يعود لارتدائها.
كتم الشيخ حسرته، وإن ظل على رعايته له. أباح له الترددَ على غرفته بياقوت العرش، والبقاءَ في المسجد بعد إغلاق أبوابه. أعاره الكتب الدينية، وروى له قصص الأنبياء والصحابة وكرامات الأولياء.
وقال له — يومًا — بود: الزمْ حضرتي تجنِ خيرًا بإذن الله!
حين وقف خارج مسجد ياقوت العرش حتى انتهت الصلاة على أبيه، ووقف يتلقى العزاء — بين أخيه وعمه وأخواله — كان ذلك آخر عهده بالصلاة والمساجد. طال نومه إلى الضحى، ونسي وضوء الماء البارد، والسعي وراء أبيه في ظلمة ما قبل الفجر.
قال وهو يغالب الحرج: أُصلي في البيت.
قال الشيخ كالمتأمل: يومك كله في المكتبة.
واتجه إليه بنظرة حزينة: أنت تصلي قضاءً إذن؟!
خشي غضب الشيخ الدجيشي، لو أسرف في الكذب، فسكت.
قال الشيخ: سأنتظرك من غد.
استطرد بلهجة باترة: إن لم تأتِ إلى كل صلاة في موعدها، فسأعلم أنك هجرت طريق الله!
•••
أبوك مريض!
قلتِها في عدم تصديق. كأنك تعجبين لنضوب مياه البحر، شروق الشمس من الغرب، دنو معجزات الزمن الأخير.
بدا في رقدته على السرير، الملتصق بالجدار، من فوقه صورة له، بالعباءة، والعينين الحادتين، والشارب الذي أُهمل انسداله على الشفتين، كأنه ينتمي إلى عصر آخر، يختلف تمامًا عن الجسد الممدد في استرخاء ومسكنة، ولا يقوى على الحركة.
قلتُ، وأنا أنقل نظراتي بينكِ وبينه، أُشفق من الفزع الذي كسا وجهكِ، كأنك تَمرَضين بدلًا منه: ماذا به؟
– لا أعرف! شكا قبل النوم من ألم في صدره، وصحا في هذه الصورة.
جاء الطبيب، وأجرى كشفه، وهز رأسه، وكتب أدوية، ونصح — وهو يتسلم الأتعاب — بنقل المريض إلى المستشفى.
رافقناه إلى مستشفى البحرية.
أشفقتُ لخوفكِ من موت أبي، وإصرارِكِ على حياته: صليتِ ما لا يُعَد من الركعات، وأطلقتِ البَخور في البيت، وقرأتِ الفنجان، وفتحتِ المندل، وصنعتِ «عروسة» ووخزْتِها من عين أسمائنا، وأسماء الذين التقطتهم الذاكرة من الأقارب والجيران، وحتى من يترددون على البيت، ولا تعرفين أسماءهم.
قال طبيب المستشفى: لا فائدة!
نزعتِ الذهب من حول مِعصميك، وهمستِ: هل يكفي؟
أعاد الطبيب قوله في حسم: لا فائدة! الأفضل أن يموت في بيته!
ذهبنا أربعةً — أبي وأنت وماجد وأنا — لم تكن منيرة، في بيتها البعيد، قد عرَفت ما حدث — وعُدنا ثلاثة أو أقل. لم يكن ما حل بكِ مجردَ حزن، ولا حتى فزع. بدا أكبر من كل المشاعر التي يمكن وصفها. أصبحتِ — في الأيام التالية — أمًّا أخرى غيرَ التي كانت تملأ الشقة، بتنقلها بين الحجرات، وملاحظاتها وأسئلتها وشتائمها. اليد التي تُشيح — إن لم يعجبها الحال — في غضب، الفم الذي ينطق كل ما يفد إليه، الحركة التي لا تهدأ بين الصالة والحجرات والمطبخ والشرفة والنوافذ وفتح الباب للطارقين، ران عليها همود. لا تتحركين من مكانكِ في الصالة، تطيلين النظر إلى الصورة المعلقة على الجدار، تتنهدين، تستعيدين الذكريات في صمت، أو تروين ما ألِفنا سماعه، بعد أن تنظف منيرة المائدة من أثر الطعام.
اكتفيتُ بمتابعة الخطوات. فعل عمي وأخوالي كل ما يلزم: التعاقد مع «الفراشة» والحانوتي وفتح المقبرة واستخراج شهادة الوفاة. لم أكن أعرف حتى أين يُدفن أبي. لم يكن يتيح لنا السؤال أو التصرف في أي شيء. صيحة الزجر تلي الكلمة الأولى، فنسكت.
حين عدنا من مقابر العمود، لم يكن الحزن هو الذي يلفني، ولم تكن الراحة كذلك هي ما أحسست به. كأني أبدأ — متأخرًا — من جديد.
أتناول الغداء، فأعود إلى المكتبة، وأتناول العشاء، فأذهب إلى المقهى. حل ماجد مكاني في جلسة ما بعد تناول الطعام، حتى اليوم العاشر، وربما أيام بعده.
كنتِ تروين الحكاية المعادة: كيف كان أبي في حياته؟ متى وخزَته بدايات المرض؟ ماذا قال في البيت والمستشفى؟ المئات من أصدقائه وجيرانه في جنازته. حيرة الرجال بالنعش: رفض السير إلى جامع الشيخ لصلاة الميت، وتوقف عند ياقوت العرش. أدَّوا الصلاة، فطار — والمشيعون يلاحقونه — إلى مقابر العمود. ما رواه الشيخ الدجيشي عن علمه وأدبه. وقيامه بفرائض الدين.
ماجد ينصت، أو يتظاهر بالإنصات. كأنه الشريط الذي يعاد من بدايته. لم أستطع صبرًا. أعددت نفسي — قبل أن تبدأ الجلسة — لمغادرة البيت. ماجد مجامل، يظل في مكانه حتى يتغلب الملل في رواية الحكاية. تقومين — بذَهاب منيرة — إلى أمور البيت، فيغلق عليه الحجرة.
قال لماجد: افعل مثلي!
قال ماجد: تريد أن تحكيَ … فهل أغضبها؟
غالَب الدهشة: هل قالت شيئًا لم تسمعه؟!
قال ماجد بتأثر: لا أستطيع أن أغضبها!
قال وهو يغلق باب الشقة وراءه: إذن … تحمَّل!
•••
لم يسائل نفسه — وهو يغالب خطواته إلى داخل المقهى — هل اختار الجلوس فيه لأنه هو المقهى الذي كان يجلس فيه أبوه؟
كان يلمحه، في طريقه من — وإلى — ميدان أبي العباس، يجلس مع أصحابه على جانب الرصيف الموازي لطريق الترام. تسرع قدماه، فلا يبدو أنه قد لمح شيئًا.
لما وضع المعزون أيديهم في يده، تبين وجوهَ من كان يجالسهم أبوه، إلى منتصف الليل، يناقشهم ويحادثهم، وربما أفشى لهم أسراره الخاصة وأسرار البيت. ربما كلمهم عن أمه، وعن ماجد ومنيرة، وعنه. أبان لهم ما لم يكن متاحًا لكل من في البيت أن يعرفه، أو يقترب منه.
اطمأن إلى إغلاق الباب وراءه.
استقبله دفء المكان ودخان السجائر و«البواري» وأصوات النرد والنداءات ولغط الكلام.
طلب شايًا، وتشاغل بالنظر — من وراء الزجاج المغلق — إلى الميدان.
تداخلت الظلمة والبرد، والرذاذ الذي لم ينقطع النهارَ بطوله، فخلا الميدان من الحركة، ما عدا أشباحًا تعبر الطريق بسرعة، وعربات ترام تعلن عن قدومها بصرير العجلات في انحناءة نصف الدائرة، أمام مسجد البوصيري، والحديقة الصغيرة المقابلة.
تعرف إلى أصحاب أبيه في جلستهم المعتادة، وإن لم يتبينوا وجوده.
كانوا من الأفندية؛ ثلاثة أو أربعة يبدو أنهم من الموظفين، يلتقون بعد صلاة العشاء إلى ما قبل العاشرة. لاحظ أنهم لم يلعبوا الطاولة، ولا الكوتشينة، ولا أية لعبة مما يقضي بها رواد المقهى أوقاتهم. كانوا — دائمًا — يتحدثون. تظل الجلسة على حالها في طريقه إلى البيت، وعودته منه. ينقص العدد أو يزيد، ولكن المناقشات لا تنتهي.
لمحه يومًا، فناداه.
قدمه إلى أصدقاء الجلسة.
سأل أحدهم، في حوالَي الستين، بدا طربوشه مناقضًا للرءوس العارية: في أي مدرسة؟
قال أبوه: إنه يستعد للجامعة.
قال آخر، يرتدي نظارة شمسية، ويعتني بزيه عناية واضحة: عليك بكلية التجارة لتساعد أباك.
قال أبوه: مجموعه كبير، والأفضل أن يدخل الطب أو الهندسة.
قال ثالث، نسي ملامحه وهيئته، حتى تذكره برؤيته في المقهى، لف جسمه بعباءة من الصوف، أميلُ إلى القِصر، ويعاني بحة كالشرخ: المهم استعداده الشخصي، والكلية التي يحبها.
قال أبوه في حسم: مستقبل الشاب ليس هوايةً تخضع للمِزاج.
وأسرع فحادَثه فيما ناداه من أجله، ثم صرفه.
مضت ساعة أو نحوها، فأحس بوحدة قاسية تسللت إلى داخله، وسط تشاغله بالنظر إلى الميدان، وبتلقي التعليقات والنكات من الصخب حوله.
قبل أن يخلي مكانه، لحقه صوت: ممكن؟
نظر إلى الكرسي، واليد التي تناولته، والوجه الباسم، بمودة.
قال: تفضَّلْ.
بدآ بالتعليق على نوة قاسم. أخلت البحر من مراكب الصيادين، ومنعت الحياة بالقرب منه.
قال وهو يفرُك يديه: إنها بالفعل نوة قاسم … قسمت كل شيء، حتى ظهري!
عقَّبا على مشاهدات الطريق، وعلى أحاديث المقهى.
صافحه — قرب منتصف الليل — مودعًا: بدر المنشاوي.
اطمأن للعودة في الأيام التالية: منصور سطوحي.
•••
لما دخل جابر محجوب المقهى، وسأل المنشاوي: هل ستنظم أرشيف الحقانية وأنت في المقهى؟ … عرَف وظيفة المنشاوي.
ضحك المنشاوي، وصافحه، وقدمه إلى منصور: جابر محجوب، ميكانيكي سيارات بشارع قبو الملاح.
قام نصف قَومة. صافح، وقدم نفسه: منصور سطوحي طالب بكلية العلوم.
تأمل الوظيفتين، فداخله قلق. رفض أبوه صداقته من ابن عم هلول الفاكهاني: صادِقْ من هو في ثوبك.
وهو يغالب ارتباكَه: عبد الهادي في نهائي الطب.
عبَّر تدلي شفته السفلى عن استياء: يهمني أصله لا مهنته.
أردف كلماته بنظرة صاعقة، كومته في نفسه.
زار المنشاويَّ في عمله؛ مكتب منزوٍ في بدروم سراي الحقانية. من حوله عشرات الدوسيهات والأوراق.
تهلل المنشاوي لرؤيته، وصحبه إلى مقهًى قريب يطل على ميدان المنشية.
شدته العفوية في تصرفات المنشاوي. دخل رئيسه الغرفة، فواصل ما كان يتحدث فيه. يلقي العبارة البذيئة، أو النكتة، يعقبها بضحكة «مسرسعة»، مبتورة، كمن فاجأته شهقة.
كان يوزع صداقته ودعاباته على أصدقاء المقهى. وكان له أسلوبه في الصداقة. يسأل عن الأحوال، وينصت، ويعطي النصيحة. يظن كل واحد أنه له وحده، يميزه عن الآخرين. إن لاحت نُذر غضب أو مشاجرة، أنهاها بنكتة، ولحقها بضحكته «المسرسعة».
صحبه المنشاوي — في اليوم التالي — إلى بيته، على ناصية شارع أبي نواية، المتفرع من الحجاري.
شقة صغيرة بها أثاث قديم. أصغر إخوته الخمسة. ينادَى أباه بالحاج. شيخ في حوالَي الستين. عرَف مهنته لما قال بدر: إذا أردت سمكًا، اطلبه من الحاج! … بدَوا أصدقاء، حتى الشيخ كان يشارك في نكاتهم، ودخل المطبخ يُعِد الشاي بنفسه.
قال الأب وهو يدنو بالصينية: هل التقينا من قبل؟
تأمل ملامح الشيخ: ربما.
قال الأب: في حضرة الشاذلية أمام أبي العباس.
قال كالمعتذر: لست مشاركًا في الطرق الصوفية.
أطلق بدر ضحكته المسرسعة، وقال: منصور عضو جديد في طريقتنا.
استطرد وهو يمثل قذف النرد: الطريقة القهوية الطاولية المسائية!
قال له المنشاوي: أنت في المكتبة في الصباح، وفي المقهى بعد الظهر.
وفاجأه بالسؤال: ألم تعد تذهب إلى الكلية؟!
اكتفى بالقول: لم أكن أحبها.
قال جابر محجوب: تركت التعليم؟
حك أنفه بإصبعه: أنا الآن أعيد ترتيب أموري.
تكلَّم عن الشعر الذي أَحبَّه، وكلية الآداب التي تمنى دخولها، وإصرار أبيه على الكلية العملية. قرأ لهم من قصائده. أبدَوا اهتمامًا وتعاطفًا.
قال المنشاوي: لو أني مكانك ما سمحت لشيء سوى الشعر أن يشغلني.
أضاف متسائلًا: ألا تحبه؟
شابَ صوتَه توتر: ولماذا أكتبه؟
قال المنشاوي: إذن … هبه كل وقتك.
قال جابر محجوب: هل يأكل شعرًا؟!
استطرد متسائلًا: والمكتبة؟
قال منصور: أنا واحد من أربعة يملكونها.
قال المنشاوي: لست أدري إن كان شعرك مما يصلح للموالد … لكن نصيحتي لكل من يحب شيئًا أن يفعله!
•••
أثارته الضحكة المبتورة، الصادرة من المراكب المتناثرة في شاطئ الأنفوشي.
كان الجو باردًا، وشاطئ البحر خاليًا من القعود والمارة، والكبائن مغلقة، والسحب غطت الشمس تمامًا، فلا يُبين الوقتُ عن ساعة محددة، واصطدام الأمواج بالمراكب يعمق من الوحشة التي التف بها المكان.
عاد — بعفوية — ونظر …
لم يكن قد شاهد المرأة من قبل. بدت — بالمُلاءة المنسدلة على كتفيها وشعرها الذي عقصته كذيل حصان — غريبةً عن بحري. ولم يتعرف إليها في أحاديث أصدقاء المقهى.
واتته جرأة، فهمس لجابر محجوب، وهو يسحب كرسيًّا بالقرب منه: رأيتك هذا الصباح.
قال بجانب فمه: متى؟
– أنت والمُلاءة اللف!
أطلق ضحكة مجلجِلة: تتجسس عليَّ؟
دهمه ارتباك: مجرد مصادفة … كنت أتمشى على الكورنيش.
قال بدر المنشاوي: حتى البحر وصلت إليه أفعالك.
قال جابر محجوب وهو يرفع راحتيه كمن يتقي خطرًا: رآني على الشاطئ.
قال المنشاوي بجدية: البحر ملاك طاهر … لو أنك لوثته لا بد أن تبتلى.
طمأن برأسه: أعرف.
استطرد وهو يتجه إلى منصور سطوحي بعينين تدَّعِيان الغضب: اسأله أين رآني؟
قال منصور: لماذا لا تتزوج؟
قال جابر محجوب: الشاطئ في الصباح يصلح للمغامرات السريعة.
وشى صوت المنشاوي باستنكار: ماذا تعني؟
قال جابر: أجري ملاليم، والشقق كلها تمليك، فأين نسكن؟
قال منصور: مع أهلك.
قال جابر: أهلي في كفر الدوار.
قالت له أمه: لماذا لا تتزوج؟
أضافت للدهشة في وجهه: أنت الآن صاحب عمل ومقتدر.
هل كان عليه أن يرث أباه لتصح حياته؟ نصحَت بخِطبته لفاطمة، بنت عبد السلام العلوجي الموظف بهيئة الميناء. جميلة ومتعلمة وطيبة.
ضرب أبوه المائدة بقبضة يده: أزوجه لأنفق على تعليمه أم على بيته؟!
قالت مهوِّنة: مجرد خِطبة.
وشى صوته بغضب: هل أصبحتِ خاطبة؟!
وعلا صراخه: الأفضل أن تنصحيه بمذاكرة دروسه … أخوه الأصغر لحِقه في السنة نفسها.
فوجئ بما قالته أمه، وملأ غضب أبيه الصالة، فاتجه — بالخوف — إلى حجرته، وأغلقها عليه.
روى جابر محجوب عن ظروفه منذ وفد إلى الحي: سُكناه مع ثلاثة من الوافدين مثله. أحس بحاجته — بعد أشهُر — للمعيشة بمفرده. اشترى سريرًا وترابيزة صغيرة وشماعة حائط، من دكان للأثاث القديم بالعطارين. داخ حتى وجد غرفة في حَنِيَّة سُلم بيت بشارع سيدي العجمي. غالبَ تعبَه من ضيقها في البداية. حاول استكمال ما ينقصه، حتى ألِفها، وألِف الإقامة فيها.
تجرِبته الأولى مع امرأة من الغجر. تحمل «الغلق» وتنادي: «أدق واطاهر». عرَف ما لم يكن يعرف، فتساوى حبه لكل أصحاب المُلاءات.
– يبدو أني إذا تزوجت فسأتزوج من الغجر.
قال منصور: يشرفك أن يكون الزير سالم جدَّ أنسبائك!
قال جابر: إن لم أتزوج في الدنيا فسأتزوج من بنات الحور في الجنة.
قال المنشاوي: عشم إبليس!
استطرد وهو يطلق ضحكة مكتومة: لو أنك أنفقت على الزواج ما تنفقه على علاجك فأنت الرابح.
اتجه منصور إلى جابر محجوب بعينين متسائلتين.
قال جابر: أنا أكره الظلام … والمقابر!
وعرَف منصور أن جابر يعاني لمسة أرضية تعتريه، إذا دخل مكانًا مظلمًا، زقاقًا أو نفقًا أو مدخل بيت أو غرفة. لجأ إلى الوصفات والتعاويذ وأعمال السحر. تطوَّح في أذكار الحضرة بأبي العباس. زار الأضرحة، وقدم الشموع والنذور، ولكنه ظل على ابتعاده عن الأماكن المظلمة، والاكتفاء بتقديم العزاء عقب الصلاة على الميت، فلا يواصل السير إلى المنارة، أو العمود.
تأثر لكلمات جابر محجوب: كنت أُبدي ترددًا في مرافقة أبي إلى المقابر لزيارة أمي. وكان يقول لي معاتبًا: هل تريد إغضاب أمك في قبرها لو أنك لم تزرها معنا؟!
•••
مع أنه أعد نفسه للرفض. تعيب عليه أمه تصرفاته وآراءه، تبكي ذكرى أبيه، وتأخذ على أكبر أبنائه حبه لنفسه، فإن أمه واجهت فكرته بغضب لم يعهده فيها من قبل. اصطبغت عيناها بحمرة، وسرت في وجهها ارتعاشة، وتمتمت شفتاها بما لم يستطع تبينه.
قال يحاول تهدئتها: ستظل المكتبة باسم أبي … كل ما أطلبه أن نغير اسمها!
لم تُخْفِ قلقها: أنا أعرَف بك من نفسك، اليوم تغير اسم المكتبة وغدًا تصبح المكتبة باسمك.
عانى للإفلات من حصار نظرتها: ألم تقرري، وهي مغلقة، أن نعرضها للبيع؟!
وهي تقاوم الغضب: كان شَرطي أن يظل للمكتبة اسمُها: مكتبة سطوحي!
قال: أغلقناها تسعة أشهر، فتأثرت مبيعاتها، والأفضل أن نبدأ من جديد!
ضغطت على الكلمات: سيظل للمكتبة اسمها!
واستطردت وهي تولِّيه ظهرها: إن لم يعجبْك شرطي فعندي أغراب يوافقون عليه!
لاحقته أنفاس أبيه منذ اليوم الأول: إيصالات الإيجار، فواتير الكهرباء. حتى كمبيالات التجار والشركات. كأنه يديرها لحساب أبيه. ربما سأله زبون: أين أبوك؟ يهمس بوفاته قبل تسعة أشهر. يعزي الزبون، ويأخذ ما اشتراه، وينصرف. تظل صورة الأب في المكتبة، أنفاسه تلاحقه، يتصوره — أحيانًا — في مجلسه على الباب، يحادث جيرانه من أصحاب المكتبات والدكاكين المجاورة، والمقابِلة، أو يرد السلام على أصدقاء وزبائن يعبرون الطريق.
قالت وهي تمسح دمعة في طرف عينها: يجب أن تحرص على ذكرى أبيك.
قال باستهانة: على ذكراه لا على جثته!
زعَقَت: هل كنت تجرؤ على قول هذا في حياته؟
قال كمن يهمس لنفسه: كنت أتمنى أن أحب أبي، بدلًا من أن أخافه!
كانت تشقيه ملاحظات أبيه: هل تظن أنك تقوى على فعل ذلك؟ أنت تفعل ما أقرره. وظيفتك الوحيدة هي المذاكرة. دع لي الأمر ولا تفكر فيه. سأقرر الصواب فيما بعد.
وهمس — يومًا — في أذن الحلاق، وغادر المكان. جرى الحلاق بالماكينة على رأسه في منتصفها. قهرته المفاجأة، فظل صامتًا. أتم الرجل ما بدأه، وإن لم يفلح في مغالبة الدموع التي طفرت من عينيه.
تحشرج صوتها: ألم تكن تحب أباك؟
مسح الحجرة بنظرة غير واعية: كنت أحبه لكنني كنت أخافه أكثر!
استطرد وهو يغمض عينيه بتأثر: ليتني أطعته لأني اقتنعت بآرائه لا لخوفي منه!
•••
عاد إلى المقهى. يغادر المكتبة عقب أذان المغرب، لا يترك المقهى قبل انتصاف الليل. أبدت أمه غضبها في البداية، ثم ألِفت تأخره. ساعدها أن عودته إلى المكتبة لم يكن مضى عليها أيام.
قال جابر محجوب، لما سحب كرسيًّا، واقترب من لمة الأصدقاء: أهلًا بريمة!
قال بدر المنشاوي: هل حسبته أمك!
دخلَتْ به جلساتُ المقهى، منذ عرَف طريقه إليها — عقب وفاة أبيه — عوالمَ كأنها السحر. الأحاديث والمناقشات والدعابات والنكات والأسرار التي تتحدث عن أشياء لا يعرفها، ولا رآها في حياته من قبل. تفتحت عيناه ووعيه على عوالم، لم يكن اقتحامُها مما يدور بباله. تبدو مخالفة لما يدور في البيت، وما كان يشهده، أو يشارك فيه، في الكلية.
حين روى جابر محجوب عن الصهبة، في ساحة سيدي نصر الدين، ملكه الفضول، فتمنى رؤيتها. أسرف في السؤال عن البواعث والبداية والنهاية. رسم لكل شيء في ذهنه صورة محددة، وإن همه أن يطابق ما تصوره في موضع الصهبة.
•••
زاره أصدقاء المقهى.
رحبت بهم أمه في نفسها. تمنت أن يقنعوه بالخروج، ولو إلى المقهى. لزم — منذ الأصيل المشئوم — غرفته، لا يغادرها إلا إلى الصالة ودورة المياه. يتجه مع كل صوت في الشارع إلى النافذة المغلقة، يطيل التحديق من خَصاصها، يلاحظ غياب ما يريب. إذا رن جرس الباب، طلب التأكد من شخصية القادم، وأسرع إلى حجرته.
رفضت أمه نصائحه لماجد: دعه يذهب إلى عمله، حتى لا أشقى به أيضًا.
قال محذرًا: مكتبه في مجلس الحي قريب من البيت.
واستطرد بنبرة مشفقة: لا بأس إن اصطحب زملاء له في الذَّهاب والعودة.
قال بدر المنشاوي: أنت أخطأت … ولكن الموضوع انتهى!
هذا ما تظنه! لكن الملامح التي التقيت بها في الصهبة تلاحقني، تبين عن نفسها — عمدًا — أسفل النافذة. حتى المرأتان اللتان رافقتا المنتقبة. غالبتُ صيحة فزع لما أطالت إحداهما التحديق من الرصيف المقابل، والابتسامة الغريبة تشي بمعرفتها أني أقف وراء النافذة المغلقة.
قال: وهؤلاء الذين يمرون أسفل البيت.
قال المنشاوي: إنهم من أبناء السيالة. طبيعي أن يسيروا فيها!
قال في تأكيد: ما أعلمه أنهم ليسوا من الحي ولا من الأحياء المجاورة.
قال جابر محجوب: هل أصبحت شيخ حارة؟
أضاف المنشاوي في إشفاق: الناس يلهون، وقد شاركتهم لهوهم.
هز رأسه بعصبية: النظام الدقيق ينفي أن ما رأيته كان مجرد لهو!
وشى صوت المنشاوي بسخرية واضحة: هل ترى أنهم يُعِدون لقلب نظام الحكم؟!
عندما قرر أن يصارحهم بما يعانيه، تصور أنهم سيُشغَلون بأمره، يأخذون ويعطون، يشيرون بما يجب فعله. أدهشته البساطة التي تلقَّوا بها حيرته.
فوت ملاحظة المنشاوي، وقال: إنهم طريقة صوفية ترفض تسلل الغرباء إليها!
قال المنشاوي: هذا ما تصورناه، فلا تجعلْه تصورك!
قال جابر محجوب: لو أنهم شاءوا أذيتك، لفعلوا ذلك قبل أن تغادر المكان.
قال مذكرًا: خشُوا إفساد الطقوس!
قال المنشاوي: أية طقوس؟!
وشوح في الهواء بيده: إنها مجرد لعبة سخيفة!
افتعل جابر محجوب ضحكة مبتورة: لعل المرأة تعاني الآن عذاب الشوق لقبلاتك.
أضاف حسن الهن، الموظف بقصر ثقافة الأنفوشي: أو لعلها تتحسس بطنها وتدعو لك بطول العمر!
المطاردة التي لاحقته ثاني يوم، أنسته دنيا جديدة لم يكن دخلها من قبل. لمح أبوه نظرته المتسللة إلى فتاة في الطريق، دفعه بيد غاضبة: أنْهِ تعليمك أولًا! حتى زميلاته في الكلية، كان شبح أبيه يرقبه وهو يتبادل معهن الأحاديث العادية. ولمَّحت أمه ثانيةً — بعد زواج منيرة — بحقه في الزواج. صرخ أبوه: لن أزوج تلميذًا!
قال المنشاوي وهو يعيد فنجان القهوة إلى الترابيزة: لو أنهم يريدون إيذاءك فلن يصعب عليهم اقتحام بيتك!
واستطرد وهو يتهيأ للقيام: ليتك تفتح المكتبة وتنسى ما فات كأنه لم يكن!
•••
لما علا صوت أمي بالفرحة، عرَفت أنكِ أنتِ. غابت أصوات زوجك والأبناء، وخفَت حديثكما، صار كالوشوشة، أو كالهمس، فعرَفت أني أنا المقصود بالزيارة.
لم أبرح مكاني في السرير. تعلقت عيناي بباب الحجرة المغلق. غلب الهم شوقي لرؤيتكِ، فانتظرت، حتى نقرتِ الباب، وأدرتِ الأكرة. استنكرت من نفسي — فيما بعد — أني ظللت في مكاني، واكتفيت بالقول، ربما دون أن أنظر ناحيتكِ: أهلًا!
اصطنعتِ ابتسامة. ليست الابتسامة التي ألِفتُها منكِ. بدا في إقبالكِ ناحيتي ما يشبه الإشفاق، أو الارتباك.
تمنيت أن تسَلِّمي، وتتركي الغرفة، فأخلوَ — من جديد — إلى نفسي. لكنكِ أطلتِ النظر إلى أكداس الكتب التي اشتراها لي ماجد، منذ لزمت البيت. أقرأ وأقرأ وأقرأ. جزرٌ أفرُّ إليها، بعيدًا عن المنتقبة والصهبة والمزاد والزغاريد والأدعية والابتهالات، والمطاردة التي لا تنتهي.
– متى تعود إلينا؟
– وأين أنا الآن؟
– أنت مع الكتب.
– القراءة عمل مفيد.
– ومن ينكر؟
استطردتِ والألم في نبرات صوتكِ يَشرَق بالبكاء: ولكن أمنا وماجد، وأنا أيضًا، كلنا نحتاج إليك!
منذ أعلن أبي خِطبتَك لحسين الزنكلوني، عرَفت أنكِ ترفضين. شاركتكِ الرفض، ربما للأسباب نفسها، أو لأسباب أخرى: رأسه الضخم، استطال فوق جسده النحيل، تتوسطه عينان ضيقتان كالترتر، تحتهما أنف مفلطح، وشفتان غليظتان لا تبين منهما أسنانه. حتى لو شارك في الأحاديث بتعليقات تعكس جهله بكل الأمور، ما عدا عملَه في سمسرة الأراضي وبيع الشقق.
لم أقل لك، ولم تقولي لي. ولكن ذلك ما أكده صمت نظراتنا. كان أبي يلهث لتنفيذ ما أعلنه. حتى ما كان الزنكلوني أهمله مما وافق عليه، أهمله أبي أيضًا. أشفقت على نظرات الحيرة في عينيكِ، كأنك تطلبين الغوث. وكان الألم يُمِضني، فلا أقوى على فعل شيء.
قلت: وأنا أحتاج للخروج من هذه الغرفة.
التمع في عينيك أمل: فلماذا لا تغادرها؟
قلت مهوِّنًا: مشكلة سخيفة … أفكر كيف تنتهي.
أبان الألم عن نفسه: روت لي أمي كل شيء، ولا مشكلة!
أضفت بصوت باكٍ كالتوسل: عد إلى المكتبة!
•••
لفَّته نشوة وهو يفتح المكتبة. كأن تلاطم الأمواج في داخله هدأ. أزال التراب من الأرفف. أعاد تنظيم الكتب والكراسات والأدوات المدرسية. همه تعويض ما فات. تشاغل بكتابة أذونات توريد كراسات وكشاكيل وما ينقص المكتبة.
أَكثرَ من التطلع إلى الطريق بعينين منتبهتين. لم يكن ثمة ما يثيره، أو يَلفِت نظره. الدكاكين على حالها، ونوافذ البيوت تُفتح لشمس الشتاء الدافئة، والمارة في طريقهم من — وإلى — ميدان المساجد والحجاري، وأصوات التهيؤ لمولد أبي العباس تتعالى في «الدحديرة» الخلفية.
تناهى أذان الظهر.
فكر في أداء الصلاة بياقوت العرش. إن لم تأت إلى كل صلاة في موعدها، فسأعلم أنك هجرت طريق الله.
لما أيقظته أمه في الصباح، كانت قد فارقته. التقى بها في الميناء الشرقية. ترتدي المُلاءة، وإن خلعت النقاب. تتأمل المراكب الواقفة كأنها تحصيها. بدت أجمل مما رآها في الصهبة. لاحظ أن ملامح وجهها لا تعكس انفعالًا ما، لا تُبِين عن مشاعر محددة. تأكد أنه سبق له رؤيتها، وإن صعب عليه تذكُّرُ متى التقى بها قبل أن ينزع عنها الحجاب يوم الصهبة. بوغت، ففعل ما فعل. كانت جميلة إلى حد أنها أنسته ما تربى عليه، والنظرات المحيطة، والأحلام، والخوف من اللحظة التالية.
صعِدا إلى قلعة قايتباي. أطلا على الأمواج التي تصطدم بالصخور أسفل القلعة، وعلى السفن البعيدة. كلمها عن أبيه وأمه وأخويه. قال إن أخته — منذ زواجها — لم تزر البيت سوى مرتين أو ثلاث. أمه تحيا في ذكرى الأب الراحل. تُشرق إن جاءت سيرته. يلفُّها الغضب إذا تصرفوا بغير ما ألِفت الأسرة في حياته. ماجد منطوٍ على نفسه. لا يحادثه في شئونه، ولا يطلب رأيه، ولكنه يحبه. يتصور — حتى في حياة أبيه — أنه أبوه. إذا تزوج، وأنجب، فلن يحب أبناءه مثل حبه له.
في شاطئ الأنفوشي خلعت حذاءها. أشفق على قدميها من سخونة الرمال. تحدثت عن الصهبة التي جعلت المستحيل ممكنًا. كلمته في احتضانه لها. فاجأها، وفاجأ الآخرين. قال إنه فوجئ هو نفسه. بهره حسنها، فنسي المحاذير.
بالقرب من سراي رأس التين، نزعت المُلاءة. بدا نهداها كبلورتين تُغريان بالملامسة.
استندت إلى صخرة مستوية، ونادته …
اصطدمت الأمواج بصخور الشاطئ في أنغام متلاحقة، وأبانت قوًى غامضة عن سحرها وفتوتها، وبدت السماء شديدة الزرقة، وتقافزت الأسماك فوق المياه بما لم يره من قبل، ورفرفت أشرعة المراكب، وأطلقت سفن الميناء الغربية صفافيرها، وتناهى صوت البروجي من الكلية البحرية، وصفقت — بأجنحتها — أسراب النَّورس. حتى الأصداف والطحالب والأعشاب، استطالت وتكورت، فتشكلت مناظر غاية في الجمال، وسرت في الرمال سخونة دافئة، وأطل عليه أبوه من قلعة قايتباي، فابتسمت لارتباكه، وقالت: لا تخف! وضربت أمه صدرها بيد الدهشة، فتمنى رضاءها وعفوها عنه، وتطوَّح الذاكرون أمام الباب الخلفي لسيدي البوصيري، واختفى الشيخ الدجيشي قبل أن يلحق به، في انحناءة الطريق إلى الحجاري. وغلبه الخوف لما تبين اختفاء أبيه وهو يسير في غُبْشة الليل — خلفه — إلى صلاة الفجر، واستند ماجد إلى عمود بصحن أبي العباس، يذاكر، ويرنو إليه، وتعالى الأذان — بلا ميقاتٍ محدد — من مسجد قريب.
سرقه الوقت، فأزمع الاستحمام بعد العودة من المكتبة. يصلي أوقات اليوم كلها قضاء. من غدٍ يصلي كل وقت في وقته.
قبل أذان العصر زاره ماجد: مبروك!
رد بابتسامة ترحيب.
مع أن فارق السن بينهما لا يزيد على عامين، فإن ماجد هو شقيقه الأصغر، وهو ابنه. حتى في حياة أبيه، كان ذلك شعورَه نحو ماجد، يأخذه صمته وانطواؤه، كأنه ليس في البيت، ولا منه.
بدا ابتعاده عن المشاركة في حياتهم اليومية، كأنه حرص على الابتعاد عما يغضب أباه، فيلاحقه بالملاحظات والشتائم التي يعانيها منصور في إصراره على المناقشة، وتوضيح وجهة نظره. إذا نودي عليه لتناول الطعام، جلس على المائدة لا يشارك في الكلام إلا إذا سئل. يجيب بكلمات مقتضبة، وربما اكتفى بهزة الرأس إن كانت الإجابة المطلوبة نعم أو لا. يستكملون الجلسة — لدقائق — في الصالة. أما هو فيعود إلى حجرته، يغلقها عليه. انشغل — أيام الدراسة — بالمذاكرة. وبعد توظفه برئاسة الحي، انشغل بالخرائط والأوراق، يفرِدها على الترابيزة الصغيرة أمام السرير، لا يغادرها إلا إلى قضاء حاجة.
قالت أمه: ماجد ابن أبيه.
أضافت وهي ترمقه في غضب: أنت لم تشبه أباك، حتى في ملامحه.
قال بهدوء: هذا اتهام لك!
غلبها انفعال، فقذفته بالمِنفضة: أين تعلمت قلة الأدب؟!
واتته جرأة، فقال له أمام أمهما: لم يعد في حياتنا ما يدفعك إلى الانطواء.
تساءلت الأم: ماذا تعني؟
قال بسرعة كمن يفر من اتهامها: أريده أن يخرج من الصَّدَفة التي التصق بداخلها!
قالت الأم: دع أخاك في حاله … يكفى أنه أنهى دراسته دون متاعب!
اطمأن ماجد إلى انصراف زبون لم يجد الكتاب الذي طلبه، ثم قال: تعمدت أن أكلمك بعيدًا عن البيت.
دهمه قلق. أهمل ما بيده، واتجه إلى ماجد بنظرة متسائلة.
قال ماجد: أردت أن أسألك: هل ما تفعله صواب أم خطأ؟
أعاد إليه السؤال: ماذا ترى أنت؟
غلبه ارتباك: ولا يغضبك رأيي.
أشار بيده: لا تقله، فقد عرَفته!
قال ماجد بنظرة متوسلة: صدقني … يهمني أن تثبت للجميع أن ما اتخذته كان هو القرار الصواب.
ومضى في اتجاه السيالة.
•••
الشيخ عرفة الدجيشي.
خطرت له الفكرة، وهو يسير أمام المسجد في طريقه إلى المكتبة. إن لم تأت إلى كل صلاة في موعدها، فسأعلم أنك هجرت طريق الله.
عرَف الشيخَ من أبيه. كان يؤدي صلاته في أبي العباس والبوصيري وياقوت العرش ونصر الدين. مساجد أولياء الله. يلجأ إلى بركتهم. يطلب الشفاعة والمدد. جلس إلى درس الشيخ الدجيشي بين صلاتي المغرب والعشاء. أثارته الكلمات. نقل إلى البيت — في جلسة كل يوم، بعد تناول العشاء — عظات الشيخ، ما قرأه من آيات القرآن، وأحاديث الرسول، وسير الصحابة والتابعين وأهل الخطوة. قال الشيخ … لاحظ الشيخ … تحدث الشيخ في كذا وكذا … دلنا الشيخ على ما كنا نجهله … اتسعت حلقة الشيخ بالمريدين …
اقتصرت صلاته — فيما بعد — على ياقوت العرش، وربما تردد على المسجد في غير أوقات الصلاة. يجلس إلى الشيخ، يسأله ويطلب المشورة. يأخذ رأيه بتسليم، فلا يناقشه. مرةً وحيدة، وجد في رأي الشيخ ما يدعو إلى الاعتراض. أهمل التأدب والمحاذير، حين اقترح الشيخ توجيه منصور إلى التعليم الديني.
ابتدره الشيخ: لم تأتِ في موعدنا!
قال بهمس معتذرًا: منعتني ظروف!
ثنى إليه نظرة متسائلة: طيبة إن شاء الله؟
وشى صوته بقلق: بل قاسية وغريبة.
أضاف للتساؤل في عينَي الشيخ: أتيت لأطلب رأيك.
روى عن المطاردة، وإن أهمل بواعثها. حذف، وأضاف، وبدل، بما لا يسيء إلى صورته أمام الشيخ. حتى المرأة التي باتت نهاره وليله، تعمد أن يخفي حكايتها معه. أصل الحكاية كلها.
قال الشيخ الدجيشي: هل يطاردونك لمجرد أنك شاركت في جلوتهم؟
قال موضحًا: ربما لأني مارست ما كانوا يؤدونه من طقوس.
قال الشيخ والغضب لائح في عينيه: لم أسمع عن طريقة تطارد من يؤدي طقوسها!
قال كأنه يستغيث: أتيت للسؤال: ماذا أفعل؟
واجه الشيخ عينيه: سلني عما يقع في نفسك.
قال بتسليم: مشكلة أعانيها.
دون أن يحوِّل نظرته: أنا أنصت إليك!
وروى للشيخ ما حدث. أعاد الحكاية من بدايتها. استعاد ما كان أهمله، وإن ألقى على الأحلام عبء ما جرى.
قال الشيخ: أحلام الجماع هلوسة ولا اعتبار لها ولا تأويل فيها.
أضاف وهو يربِّت على كتفه: اذكر ربك بصدق تتطهر النفس من أدرانها!
وقال مؤكدًا: كل شيء غير ذكر الله وسوسة!
همس بخوف: وهؤلاء الذين يقتفون خطواتي؟
سأل الشيخ: هل آذوك؟
علا صوته: وهل أنتظر؟!
لم يجاوز الشيخ هدوءه: المصادفة تُلقي بهم في طريقك.
وهو يغالب اليأس: وتضعهم تحت نافذتي؟!
قال بلهجة باترة: انس الأمر برمته.
واستطرد كأنه تذكر شيئًا: ألاحظ أن المشكلات عرَفت طريقها إليك منذ وفاة أبيك!
•••
قال لنفسه وهو يتأمل منيرة في حركتها الدائبة داخل الشقة: هل ابتعادها عن بيتها لأنها تشفق عليه مما يحياه، أم أنها تحاول الابتعاد عن حياة زوجها؟
عندما تناول الزنكلوني الغداء معهم، تصور أنها ستعود إلى بيتها معه. لكن الرجل قال وهو ينظف أسنانه بظفره: أنا أقدر الموقف … ولا بأس من أن تظل هنا حتى تنتهي الأزمة!
وظلت في البيت. اختلطت مشاعره، فلم يعد يدري إن كان يسعده أن تظل معهم أم تعود إلى بيتها.
أدهشه توالي الأحداث، بما يصعب أن يقع في وقت واحد في مكان واحد. لم يحدث أمه ولا أخويه عنها. خشي أن ينكروا وجودها مثلما قابلوا — بنظرات غير مصدقة — ما قاله عن الصهبة.
وقالت منيرة: أحيانًا نخلط بين أحلامنا وما جرى بالفعل.
ضايقته ملاحظتها، وإن أثاره اختلاط الحُلم باليقظة، لا يدري إن كان ما حدث قد حدث فعلًا. يضايقه أنه يستيقظ وقد غلبه الحزن، أو الفرحة، كأنه قد بذل جهدًا هائلًا. ناقش وسأل وأجاب وضحك وهمس وصرخ وتحرك بما يتعبه. يجول بنظره فيما حوله، كمن يستوثق أين هو.
سارت به إلى حيث تسكن. شوارع من الإسكندرية، وإن لم يسبق له التردد عليها. الناس من حولهما غائبو الملامح، فيما عدا الرجالَ الثلاثة والمرأتين في الصهبة.
بدت إلى جانبه هادئة ومستكينة، كأنها تعرفه من زمان. تتلامس أيديهما فلا تنفِر، أو تُبدي انزعاجًا.
لم يسألها إن كانت من بحري، أو من حي آخر في الإسكندرية؟ ومن زوجها؟ وماذا يعمل؟ وهل كان بين اللمة المحيطة؟ ولماذا سكت حين رآه يحتضنها ويقبلها؟ وما مدى تأثير الشيخ ونفاذ كلمته؟
واتته الجرأة، فسألها: بعد نزع الحجاب، هل …
قاطعته وهي تتحسس — بعفوية — بطنها: قالت الداية إني حامل.
قال باستغراب: لم تكن الصهبة تسليةً إذن؟!
وشى صوتها بحدة: من تظنني؟!
قال وهو يضغط على راحتها: سامحيني، فوجئت بما حدث!
حدثته عن الزوج الذي طال انتظاره للولد. رضيَت بالوقفة المتعبة، وبكشف سرها، والزحام، والأذكار والدعوات والابتهالات، كي تبرأ مما بها، ويزول العقم.
قاوما زحام شارع الميدان إلى نهايته في المنشية.
وهما يقفان تحت النُّصْب التَّذكاري للجندي المجهول يتطلعان إلى الميناء الشرقية. في اليمين مبنى السلسلة، وفي اليسار قلعة قايتباي، ومتحف الأحياء المائية، ومئذنة أبي العباس تعلو أسطح العمارات المطلة على الكورنيش، قال: تعبت من المطاردة.
قالت باستغراب: ألا تريدني؟!
وهو يمسح المكان بنظرة غير واعية: من كانوا في الصهبة.
ابتسمت، فبدا ضِرس ذهبي في جانب فمها: أنت الآن منا، فكيف يطاردونك؟!
غالَب توتره: لم أعد أغادر البيت، يقفون أسفل النافذة، وأمام المكتبة. أراهم في كل مكان.
داخل ابتسامتها إشفاق: هل آذوك بشيء؟
برَقَت عيناه كمن يحاكي: نظراتهم تنذر بالشر المتوقع.
أعادت السؤال: هل آذوك؟
بصوت كالحشرجة: فماذا يريدون؟
وهي تمسح على بطنها بيد مترفقة: منذ الصهبة أنت منا!
واجه عينيها: هل أهجر حياتي؟
أخلت وجهها لدهشة: شاركت في المزاد باختيارك.
هزمه التوتر: لهوتم، فشاركت في لهوكم.
قالت بغضب: ما فعلتَه كان لهوًا؟!
دهمه ارتباك، فتمتم كالمعتذر.
أهملت يده، ومضت في شارع الميدان.
اصطدم بالزحام — في لَحاقه بها — ولم يُسعفْه التلفت.
•••
دخل مسجد ياقوت العرش، بعد أذان الفجر بدقائق.
توضأ، وارتدى بالطو أبيه فوق البيجامة، ودس قدميه في صندل. بدا مسجد المسيري من الداخل خاليًا، إلا من ثلاثة أفراد، استندوا إلى الجدار الملاصق للمنبر. قرر أن يؤدي الصلاة في سيدي نصر الدين. ثم واصل السير — بكلمات الشيخ الدجيشي — إلى سيدي ياقوت العرش: كنت أُعِدُّك لأخذ العهد، لكنك خاصمتنا منذ رحيل أبيك! … الزم حضرتي، تجنِ خيرًا بإذن الله!
لمح الشيخ جالسًا في منتصف الصحن الخالي. ولَّى ظهره إلى الطريق، وانشغل بأدعية، فلا يتلفت حوله.
جلس وراءه ينتظر انتباه الشيخ، وقدوم المصلين.
أخيرًا، عدتُ إلى الصلاة! هل أحدثه عن الظروف القاسية؟ ولكن ما شأن الشيخ بما جرى؟ حدثته من قبل، فصعب أن أخبره بالأمر كله، لحظة الانفعال التي لحقتها المطاردة. لماذا لا أحدثه عن الأيام التالية؟ … سأنتظم من الآن في مواعيد الصلاة. والمكتبة … سأل: هل تأخذ يومي؟ … أُغلق المكتبة قليلًا. أصلي وأعود. الصلاة هي الهدف. لا يهم إن أديتها في المسيري أو نصر الدين أو ياقوت العرش أو أبي العباس أو البوصيري. الحي يَشغَى بالمساجد. سؤال الشيخ كأنه الاتهام: هل يطاردونك لمجرد أنك شاركت في جلوتهم؟!
لم يخطئ الشيخ حين بذل النصيحة في الرواية الناقصة. لو روى ما جرى منذ البداية: أحاديث المقهى، وسعيه إلى الصهبة، ورفع النقاب، والوجه الذي اجتذبه ففعل ما فعل. الصلاة في مواعيدها تهبه الحق في الاعتذار عما أخفى، وإعادة رواية ما حدث، ما سبق قوله، وما تعمد إغفاله. يبذل الشيخ النصيحة، يعينه على الفرار من المطاردة التي أرهقته. عانى مطاردتهم أمام المكتبة، وأسفل البيت، وفي الطريق، داخل بحري وخارجه. كأنهم يترصدون خطواته، لا يقتربون منه أو يحادثونه. يكتفون بنظرة صامتة، نظرة حيادية تخلو من معنًى محدد. قالت: لا تخف! زارته، وغادرا البيت، وسارا في زحام النهار، وفي هدوء ما بعد صلاة العشاء … لكن المطاردة ظلت على حالها، والنظرات هي هي، والتعليقات المهوِّنة والمكذِّبة تكتم ما يحيا داخله، فلا يقوى على البوح.
قدِم مصلون، اتجهوا إلى دورة المياه، أو كبَّروا لأداء ركعتي تحية المسجد.
أطلق — غصبًا عنه — صيحة فزع، لما ولَّى إليه الشيخ وجهه.
لم يكن هو الشيخ الدجيشي. تبين في الضوء الخافت، المشوب بالظلال، ملامح شيخ الصهبة.
اتجه إليه الشيخ بابتسامة مطمئنة.
اصطدمت ساقاه — وهو يتراجع — بشراشيب الحصير. تماسك، واندفع نحو الباب.
•••
قال بدر المنشاوي: جابر محجوب يخاف الظلام، أما أنت، فتخاف اليوم كله!
لم يعد يغادر البيت إلا إذا اصطحبه أصدقاء المقهى، إليه، أو إلى المكتبة. يتناوبون مرافقته، ويوصون جيران المكتبة. يلازمونه في العودة، لا ينصرفون حتى يولِّي الطريقَ ظهره.
قالت: لا تخف!
– منذ رأيت شيخ الصهبة في صحن المسجد، لم يعد بوسعي الذَّهاب إلى أي مكان.
قالت: لا تخف!
قال: أتشوق للقائنا … وأخافه!
قالت: اترك البيت.
قال: حتى الزحام يخيفني!
قال المنشاوي: هذه ليست مشكلة أيام، ولا بد من حل!
أضاف لحيرته القاسية: حقك وواجبنا … أن نصحبك حتى تزول الغمة!
قال جابر محجوب: أهلًا يا حاج!
بدا له القادم، منذ دخوله إلى المقهى، مناداته على عامل النصبة، دعاباته البذيئة وشتائمه، الاقتراب بكرسي — صادفه — من مجلسهم، أن الجالسين لا يحبون صحبته.
ذوت المناقشات، وحل صمت متوتر، وانشغل المنشاوي بتقليب كوب الشاي، بينما أسند جابر محجوب كرسيه إلى الحائط، وأغمض عينيه فيما يشبه الإرهاق.
حدق القادم في منصور سطوحي، وقال: عرِّفونا بالأستاذ.
قال المنشاوي: منصور سطوحي، جارنا بالسيالة.
قال: هذه أول مرة يشرف القهوة.
قال المنشاوي: عرَفناه بعد ستة أشهر من غيابك.
أضاف وهو يفتح الطاولة: فترة طويلة كما ترى!
لاحظ حركته القلقة. يهرش بإصبعه أوسط رأسه، يتثاءب، يمد ساقيه، يَثنيهما، يتطلع إلى حركة المقهى حوله، يُغمض عينيه، ينظر إلى نفسه كأنه يتأمل ثيابه. ثم ينظر — بعفوية — في غير اتجاه.
تجاهل الرجل حين لمح نظرته المتسللة.
هل يعرف سره؟!
التقى بها الليل بطوله.
دخلت عليه بثوب العرس. قفز من السرير — بفرحة — واحتضنها. مسحت على ظهره، ولامست أنفاسها أذنه. تركت أصابعه تزيح الطرحة البيضاء، فتُبِين عن شعر منسدل فاحم السواد. قبَّلها، فاستجابت. مال بها إلى السرير، فتمددت، وتناهت أناشيد الحضرة، وإن غاب مصدرها.
تشاغل بمتابعة المنشاوي وجابر محجوب، تشاغلا بلعب الطاولة. بدا له المقهى — منذ قدِم، للمرة الأولى، إليه — عالمًا مغايرًا. هذا الرجل — بنظراته المقتحمة، وبذاءاته — يختلف عما بدأ يألفه في جلسة المقهى.
أعاد النظر حوله: أفندية وعمال وصيادون، وسائقو تاكسي وكارو، وباعة يانصيب، ومحاسيب لأولياء الله من ساكني الحي، وحاملو مجامير، وسماسرة وشيالون، ووجوه تنطق بالطيبة وأخرى تشي بالتخابث، وبدل قديمة وجلابيب وسيالات.
أدرك أن المقهى ليس مقصورًا على من ألِف رؤيتهم ومجالستهم، إنما هو مفتوح لكل من يتردد عليه، حتى تجار المخدِّرات، والقوَّادين والبلطجية.
بدا على الرجل ضيق من انصرافهم عنه. تصنَّع اللامبالاة وزاد اجتراؤه، طعَّم كلماته بتعبيرات نابية وشتائم، حتى لو لم يحتمل الأمر، لمجرد أن يثيرَ الجالسين، فيدعوَهم إلى الرد.
قال وهو يربِّت على ركبة منصور بأصابعه: شرفنا في «البلقطرية» يا أستاذ.
وغادر المقهى.
قال المنشاوي لنظرة منصور المتسائلة: هذا … الحاج قدورة … ثم انس الاسم!
همس: لماذا؟
قال حسن الهن: تاجر حشيش بالبلقطرية.
قال جابر محجوب: لم يعد تاجرًا للحشيش … الأقراص الآن أكسب!
– ولماذا تصادقونه؟
قال المنشاوي: قل لماذا يفرض نفسه علينا؟!
قال جابر محجوب: أهلًا يا حاج! هل التقى به أو شاهده من قبل؟ البشَرة المجدورة، والشعر الأكرت، والفم الذي يخلو — أو يكاد — من الأسنان. ربما التقى به في شوارع بحري، أو أنه تردد على المقهى، وإن لم يجلس إليهم.
أعاد السؤال: اسمه الحاج قدورة؟
وأضاف متذكرًا: قلتم إن ناس الصهبة ليسوا من بحري؟
هز المنشاوي رأسه في تأكيد.
هتف منصور سطوحي: لكنني رأيت هذا الرجل في الصهبة.
وسرح — لحظات — في الملامح، وتذكَّر تفصيلات.
قال: هذا الرجل هو واحد من الثلاثة الذين رافقوا المرأة من البيت إلى ميدان سيدي نصر الدين.
•••
غادر نقطة الأنفوشي وهو يتلفت. عادته التي ألِفها في الفترة الأخيرة. تبعه بدر المنشاوي وجابر محجوب. لم يعودا يفارقانه في خروجه من البيت، وعودته إليه.
قال له الضابط: استدعيناك لنناقشك في بلاغك!
قال بلهفة: ماذا قالوا؟
سأل الضابط: من هم؟
– أصحاب الصهبة.
– أي صهبة؟
– داخله قلق: هل تعني …؟
– وهو يقذف الهواء بيده: كل التحريات أثبتت أن الصهبة التي أبلغت عنها من شغل خيالك.
– بحلقت عيناه: لكنني شاهدتها بنفسي!
هز الضابط رأسه: حتى رواد المقهى نفَوا أنهم حادثوك في الأمر من أصله.
– لم يُخفِ دهشته: بدر المنشاوي وجابر محجوب …!
قاطعه الضابط: وحسن الهن وغيرهم … أجمعوا على أنهم لم يرَوا شيئًا، ولم يحادثوك في أي شيء مما تصورته.
أهمل ما حرص عليه من تأدب: أنا لم أتصور! كل ما رأيته صحيح، وشاهدته!
صاح الضابط: هل تتعاطى شيئًا؟
قاوم انفعاله: حتى السيجارة لا أدخنها.
تخلل صوت الضابط رنة سخرية: إذن، تغطَّ جيدًا قبل أن تنام!
هل أخطأ بسماع نصيحة منيرة: لماذا لا تقدم بلاغًا إلى النقطة، لتوقفهم عند حدهم؟
– أنت إذن تصدقين ما حدث.
قالت باستغراب: ولماذا أتصور أنك تكذب؟
مسح جبهته براحته: بدأت أشك إن كان ما عشته بنفسي قد حدث فعلًا!
رافقه المنشاوي وجابر محجوب إلى نقطة الأنفوشي. أذهله الضابط بما رواه عن أصدقاء المقهى. هل اجتذبتهم المؤامرة، فشاركوا فيها؟ وهل هما يصحبانه لحمايته أم لمراقبته؟ وهل أتى الحاج قدورة إلى المقهى من نفسه، أم أنهما دلاه على مكانه؟ ولماذا وافق على فكرة إبلاغ الشرطة؟
ظل — في طريق العودة — صامتًا. لم يشر إلى حواره مع الضابط، حتى أوصله صديقاه إلى البيت، فسلَّم، وصعِد. تصور أنه سيزيح عن نفسه همًّا ثقيلًا، يُوكِل إلى الشرطة ملاحقة هؤلاء الذين يطاردونه بقسوة. حتى المساجد القريبة لم يعد يتردد عليها. يتأكد من الأصوات جيدًا قبل أن يفتح باب الشقة. قرر أن يخرج إلى الناس بعد أن تصل الشرطة إلى المطاردين، لكن الشرطة خذلته، وأصدقاءه كذلك، وحاصرته الحيرة.
نظرت منيرة إليه، ففطنت إلى ما حدث.
قالت مهوِّنة: المشكلة الآن في يد الشرطة، فلا تشغل بالك.
تداخلت في صوته الحشرجة: الشرطة تنكر وجود مشكلة في الأصل!
قالت بثقة: منذ قدمتَ بلاغك هي المسئولة عن كل ما يحدث لك.
غالَب تغيُّر صوته: هل أقاضيهم بعد قتلي؟!
ربَّتت على كتفه بإشفاق: لا تعذب نفسك! لو أن الشرطة وجدت ما يدعو إلى تنبيهك فلن تسكت!
هزمته الحيرة: من يدري؟ ربما الشرطة نفسها تتقي شرورهم؟!
•••
صحا بعد الفجر بقليل، اللحظات التي يَعمُق فيها الظلام فلا تُبِين المرئيات عن شيء. أصوات الأذان، وأصداء الصلاة، وأناشيد الحضرة، وتكبير الحجاج، ودعوات الزائرين للأضرحة.
حين سلم على المنشاوي وجابر محجوب، وولَّى للطريق ظهره، كان قد انتوى أن يكون هذا هو آخر عهده بهما، لا يرافقانه، ولا يفتح المكتبة، ولا يتردد على المقهى. يلزم حجرته، فلا يهجرها.
جر وراءه من نقطة الأنفوشي إلى البيت خيبةَ أمل قاسية، أذهلته عن الإجابة عن السؤال الذي أثاره فضول محجوب والمنشاوي: ماذا قال له الضابط؟
لما سلَّم، وولى للطريق ظهره، كان قد اتخذ قراره بأن يلزم البيت، لا يغادره. لا يرى أحدًا، ولا يراه أحد.
تعالت زغاريد ودعوات وأصوات طبول ومزامير ونايات ودفوف ودرَبُكَّات وشخاليل، تصور — لفرط اقترابها — أنها في داخل الشقة.
اتنطر من فراشه.
جرى إلى الصالة. أمه ومنيرة وماجد غلبتهم الحيرة، فاكتفوا بتبادل النظرات.
قال: هذه أصواتهم.
تساءلت الأم: من هم؟
همس: الصهبة!
اندفعوا — لاندفاعه — نحو النافذة، أطلُّوا من الخَصاص المغلق. الأعلام واللافتات والبيارق، والعشرات من الخلق في الشارع الضيق أمام البيت. تلاصقت الأكتاف، وتطوحت الرءوس، واهتزت الأجساد والأيدي، وارتفعت الأصوات بالتهليل والدعوات والصلاة على النبي.
قال: لم أكن أحلم ولا واهمًا إذن؟!
زاد من الطريق تلاغط الأدعية والابتهالات والزغاريد ودقات الطبول والدفوف وعزف المزامير.
شاهد المرأة وسط وجوه يعرفها ولا يعرفها. أمسكت بالدف في يدها، تسابق الجميع بضربات عالية متوالية. يعلو صوتها بأغنية صعُب عليه — لتلاغط الأصوات — تبيُّن كلماتها. انحسرت المُلاءة إلى ما فوق بطنها الحبلى، واستكانت عيناها، وتناثر شعرها بهزة الرأس المصاحبة لتوالي الضربات على الدف. كأن الوجد مسها، فلم يعد يشغلها سوى الضرب على الدف بتلاحق لا ينتهي. لم تعد هي الفتاة الهادئة التي زارته في حجرته، وسارت معه على رمال الشاطئ، وعلى الكورنيش، وخاضت بجانبه زحام الشوارع. ذابت في الوجد، فأغلقت عينيها، وسارت بتدافع الصهبة، وعلا الدف وهبط، تلاحقه الضربات بآخر ما عندها.
لم تقتصر القوة الدافعة على ما يتناهى إليه من النافذة. انبثقت من داخله، غالبت إرادته، قوة غير طبيعية، لا عهد له بها، تستحثه، تدفعه بعيدًا، إلى حيث تمضي الصهبة. وهمس في أعماقه هاجس: لكي تفر مما يشغلك، اقذف بنفسك داخله.
مضى في اتجاه السُّلم، لا يأبه بدهشة ماجد ومنيرة، ولا صراخ أمه.
التفتت الأم إلى أخويه بحيرة … تساءلت وهي تغالب نشيجها: هل انجذب؟!