الفصل الثالث

الفنان الحداثي

اكتشاف أن الذكريات والأفكار والمشاعر توجد خارج الوعي الأساسي هو الخطوة الأهم إلى الأمام التي حدثت في علم النفس منذ كنت دارسًا لذلك العلم.

ويليام جيمس، «مبادئ علم النفس» (١٨٩٠)

أعمق مشكلات الحياة الحديثة تنبع من محاولة الفرد الحفاظ على استقلالية وجوده وتفرده في مواجهة قوى المجتمع المهيمنة، في مواجهة ثقل الإرث التاريخي، والثقافة الخارجية، وأسلوب الحياة.

جورج سيمل، «المدينة والحياة العقلية» (١٩٠٣)

دعنا نفحص للحظات عقلًا عاديًّا في يوم عادي … دعنا نسجل الذرات بينما تتساقط على العقل بالترتيب الذي تتساقط به. دعنا نتتبع النمط الذي يحرزه كل منظر أو واقعة على الوعي مهما كان مفككًا وغير مترابط في ظاهره.

فيرجينيا وولف، «الأدب الروائي الحديث» (١٩٢٥)

وجهة النظر الذاتية: تيار الوعي

كانت النزعة الأولى للفن الحداثي هي تقديم التجربة الشخصية، والتشديد على أهميتها، كما لم يحدث من قبل، فكان كبار فناني تلك الحقبة، الذين ورثوا من القرن التاسع عشر تركيزًا على دور الصور المجازية، والرمزية، والأحلام، والعقل الباطن، يميلون دومًا لتفضيل الإدراك الذاتي للفرد، وما هو أكثر من ذلك، من خلال الطرق الخيالية والحدسية، وأيضًا، كما سنرى، طرق «التجلي» للتوصل للحقيقة، التي غالبًا ما كانت في خصومة مع أساليب الجدل الأكثر عقلانية أو عمومية. وهذا الفكر يسري على جميع الفنون، فهو قابل للتطبيق على التأملات الباطنية في أوبرا ديبوسي «بيلياس»، وأغنية الحلم لكليمنسترا في أوبرا ريتشارد شتراوس «إلكترا»، مثلما تنطبق على شعر أبولينير وإليوت، والتعبير التعبيري عن المشاعر في شعر جوتفريد بن، ومونودراما «التوقع» ومقطوعة «بييرو في ضوء القمر» لشونبرج، وعلى الفوفيين الذين يحذون حذو فان جوخ في تعبيرهم عن الحالة النفسية بالتخلي عن الطابع المحلي، وعلى وجهة النظر ذات الطابع الشخصي الواضح للتكعيبية، وتجريدات كاندينسكي الحالمة.

ويعد الاستخدام الحداثي لتقنية «تيار الوعي»، بما يتضمنه من اعتماد على تداعي الصور الخيالية (الذي غالبًا ما يُفترض أن يكون مدفوعًا بالعقل الباطن)، أساسيًّا لجميع الفنون. وهو يهدف إلى دقة أعلى للعمليات النفسية الخاصة، غالبًا بالسمات التي أكد عليها برجسون، والمتعلقة بمرونة خبرتنا بالوقت الخاص (الديمومة) في مقابل الوقت العام. ومثل هذه الأفكار، عند سردها، لا تمتثل للمبادئ العامة المألوفة لأي لغة مكتوبة، كما كانت تفهم من قبلُ، فنجد ليوبولد بلوم؛ بطل رواية جويس، يفكر بشأن سمكة كما يلي:

لا بد من الانتهاء من هذا الفسفور. إذا تركت قطعة صغيرة من سمكة القد، على سبيل المثال؛ فإنني أرى اللون الفضي المزرق عليها. ذهبت ليلًا إلى خزانة المؤن في المطبخ، لم ترق لي كل الروائح المنبعثة بداخله، والتي كانت تتلهف للخروج. ماذا كانت تريد؟ زبيب ملقة. تحضرني إسبانيا. قبل ميلاد رودي. الوميض الفسفوري المتدرج بين الأزرق والأخضر. إنه مفيد جدًّا للمخ.

أو في حلقة «حوريات البحر» من رواية «يوليسيس»، حين انزعج بلوم بشكل غريب من الصلصلة المتكررة للجرس على عربة أحد السائقين. يمكننا أن نتوصل إلى أن الأمر كذلك؛ لأن هذا يذكره بصوت الصلصلة الذي أصدرته الحلقات النحاسية أعلى فراش الزوجية في مشهد الإفطار الافتتاحي مع مولي، وسوف تصدره حين تضطجع فيه مولي مع عشيقها بليزس بويلان في ذلك المساء. والأمر يرجع إلينا في تفسير تلك الصور وجعلها تترابط مع أفكارنا بشأن شخصية بلوم ووقائع الحبكة. ويعد هذا مزجًا محوريًّا للأسلوب (التداعي، وفي ذلك استخدام الإشارة الضمنية غير المباشرة، ومن دون الروابط المنطقية الصريحة) مع الفكرة. ونعني — بوجه عام — فكرة وجود عملية ذهنية من أحلام اليقظة، لا سيما حين تعبر عن نفسها في خواطر ما قبل الحوار. ثمة مفاهيم جديدة للخصوصية متضمنة هنا؛ إذ إن بلوم يحاول «ألا» يفكر في خيانة مولي له، ولكن مع ذلك لديه الكثير من الأفكار المتداعية المرتبطة بها، وتيار وعيه يعبر عما لم ولن يستطيع أن يجهر به (على سبيل المثال، أوهامه بشأن النساء في حلقتي «نوسيكا» و«سيرس»، أو خواطر بينجي الأحمق في «الصوت والغضب»).

إن المكسب التقدمي والتحرري هنا واضح؛ فبلوم — بطل جويس — لديه حقًّا عقل «عادي» بشكل مذهل، وستيفن ديدالوس لديه عقل مبدع بشكل مدهش، وخواطر مولي لا تصطحبنا فحسب داخل سرد لممارستها الحب، ولكنها تعبر عن توجهات إزاء بويلان لم تكن بالتأكيد لتُمثِّل جزءًا من حوارها، وتكشف — مثل قدر كبير من الكتابات الحداثية — عن جوانب من الاستجابة الجنسية للأنثى، والتي كانت غائبة بشكل كبير عن الرواية في القرن التاسع عشر.

إنه يطلق عليها أثدية. اضطررت للضحك. نعم إن هذا الشخص على أي حال يجعل حلماتي تتيبس. على أقل تقدير سأجعله يواظب على ذلك، وسوف أتناول تلك البيضات المخفوقة مع المارسالا كي أجعلهما سمينين من أجله. ما كل هذه الأوردة والأشياء وطريقتها الغريبة في تشكيل رقم ٢، مثلما الحال مع التوائم؟ من المفترض أنها تمثل الجمال مثل تماثيل النساء الموجودة في المتحف، والتي يتظاهر أحدها بإخفائها بيده. إنها في غاية الجمال بالطبع مقارنةً بهيئة رجُلٍ حقيبتاه مملوءتان، وشيئُه الآخر متدلٍّ منه أو بارزٌ نحوك مثل مشجَبٍ للقبعات؛ لا غرابة في أن يُخفوه بورقة ملفوف.

تعبر فيرجينيا وولف — بشكل واضح — عن فكرة أنه بمقدور الفنان بهذه الطريقة أن يصنع مكسبًا معرفيًّا لنا جميعًا في إطار الواقعية السيكولوجية، وهي تعد علامة على تحول مفاهيمي نحو استكشاف للأفكار الفلسفية الخاصة بشأن الذاتية، وهو التحول الذي من شأنه أن يحدث تغيرًا في النموذج في مفهوم القرن العشرين للذات؛ ففي الروايات الواقعية، بحسب تعبيرها:

كل المدن من شتى الأنواع مجسَّدة، وعدد لا يحصى من المنشآت؛ فنرى مصانع وسجونًا وإصلاحيات ومحاكم ومجالس برلمانية؛ صخبًا عامًّا، صوت الطموح والسخط والجهد والصناعة يتصاعد من الكيان ككلٍّ، ولكن في وسط كل هذه الكتلة الضخمة المختلطة من الصفحات المطبوعة، وسط كل هذه المجموعة من الشوارع والخيول، ليس ثمة رجل أو امرأة نعرفه.

بعد ذلك، تتخيل وولف نموذجًا للسيدة براون تجلس قبالتها في عربة قطار، مثلما قد يصفها إتش جي ويلز، أو جون جالزورثي، أو أرنولد بينيت؛ فقد بدا هؤلاء المؤلفون لها ذوي «قيمة عظيمة، وأهمية كبيرة»، ولكن كتبهم «تترك المرء بشعور غاية في الغرابة بالنقصان وعدم الرضا، ومن أجل إكمالها يبدو ضروريًّا أن نفعل شيئًا؛ أن ننضم لجمعية، أو الأكثر إحباطًا؛ نكتب شيكًا!» بعد ذلك تتجه وولف لوصف كيفية تناول هؤلاء الروائيين الثلاثة لشخصية السيدة براون بشكل غير وافٍ، ولكن «تصوير السيدة براون بدقة» هو عنوان الفصل التالي في تاريخ الأدب. «دعونا نتنبأ مرة أخرى، سيكون هذا الفصل هو الأهم، والأكثر شهرة، والأكثر مصيرية.» وقد تم هذا «التصوير الدقيق» بنوع جديد إلى حد رائع وبعيد بالكلية عن أسلوب جويس القائم على إيقاظ الوعي؛ وذلك من خلال وولف ذاتها في رواياتها بداية من رواية «غرفة جيكوب» فصاعدًا. وكان السبب الأساسي لاتباعها هذا الأسلوب أنه كان أكثر انطباقًا على شخصية السيدة براون، وأنه قد حافظ أيضًا على كبريائها الداخلي والعادي للغاية (مثلما تفعل الأفكار المجنونة لسبتيموس سميث أيضًا في رواية «السيدة دالواي»).

كان هناك توحد بين الموسيقيين والكُتَّاب والرسامين في هذا الاهتمام بطبيعة الخبرة الخاصة في إطار الظروف الحديثة، لا سيما في إطار المدينة. وفي ضوء هذا، لا بد لأذهاننا أن تستحضر قصيدة «الأرض الخراب»، بوصفها استكشافًا للطبيعة الخاصة المذهبية والمضطربة عصابيًّا لتجربة إليوت مع الجنس في لندن، ولا بد بالمثل أن نكون على وعي بطبيعة الخلفية، ولكن بأقل درجة من الوعي بالهواجس الشعورية حين ننظر إلى استجابات بلوم ومولي وستيفن المختلفة تجاه دبلن في «يوليسيس»، أو الإخوة الثلاثة في رواية فوكنر «الصوت والغضب»، أو السيدة دالواي وهي تقطع شارع بيكاديللي وبوند؛ فليس لدينا فقط إدراك لانشغال عقل شخص آخر يمكن أن يثير مشاعر مهمة أخلاقيًّا وسياسيًّا بالتجانس والتعاطف، بل أيضًا إدراك بتقدير هوية إحساس لغوي فردي داخل بيئة ثقافية معينة. إن الأمر لا يكمن في غياب المشاعر الخارجية، وإنما يكمن في رؤيتها من منظور فرد ما؛ ومن ثم إلغاء أو تجاهل (أو توقع) المعرفة الواقعية لكاتب موثوق، ولكن ما يعرفه هؤلاء الواقعيون النفسيون هو شيء مختلف:

… بج بن تدقُّ. هناك! ها هي وقد انطلقت ترن عاليًا. كنذير في البداية، يتماوج موسيقيًّا، ثم الساعة لا مسترد لها. الدوائر البطيئة المثقلة ذابت في الهواء. قالت في نفسها وهي تعبر شارع فيكتوريا: ما نحن إلا مغفلون. ذلك أن الله وحده هو من يعلم لمَ يحب المرء الدنيا هكذا، وكيف يراها المرء هكذا؛ يختلقها اختلاقًا، يبتنيها حوله، يقلبها ويثنيها، يخلقها في كل لحظة من جديد. لكن إرث النسوة البائسات جلوسًا عند العتبات (يواجهن سقوطهن) يفعلن الشيء ذاته. شعرت بيقين داخلها من أن أمرهن هذا لا يمكن تدبره بقوانين برلمانية لهذا السبب بالذات: إنهن يحببن الحياة. والحياة في عيون الناس، في التبختر والتسكُّع والتثاقُل في المشية، في الصياح والصخب، والعربات والسيارات والحافلات والشاحنات، وجملة لوحات الإعلان على الصدور والظهور وهم يجرون أقدامهم ويتمايلون، والفرق النحاسية، والأرغن اليدوي الدوار، وفي النصر والرنة والنشيد الغريب العالي لطائرة ما فوق الرءوس؛ هي ما تحب؛ الحياة، لندن، هذه اللحظة من يونيو.

إن احترام «وجهة النظر الذاتية» للفرد، وعدم الثقة بالتجانس والوعي الجماعي (مثل الحكم السياسي ﻟ «المواطن» في رواية «يوليسيس»، والافتراضات الطبية المهنية للطبيب برادشو في «السيدة دالواي») جانب أساسي من الحداثة؛ فالعديد من الروايات المهمة تبحث وجهة نظر وعي معين: ستيفن في رواية جويس، ومارسيل في رواية بروست، وهانز كاستورب في رواية مان، ولِيلي بريسكو في رواية وولف، وفرانز بيبركوف في رواية ألفريد دوبلين، ورواية «رجل بلا صفات» لروبرت موزيل. والشعراء؛ أمثال والاس ستيفينز، وويليام كارلوس ويليامز، ودبليو بي ييتس، وتي إس إليوت، ورينر ماريا ريلكه، وجوتفريد بن، وكثيرون آخرون، حملوا داخل أنفسهم معرفية العصر الجديدة، مثلما فعل الرسامون الذاتيون من فاسيلي كاندينسكي حتى سلفادور دالي وماكس إرنست، والموسيقيون أمثال أرنولد شونبرج وآلبان بيرج.

ينظر إلى نمو تحليل وجهة النظر الذاتية بنظرة فلسفية لدى برجسون، وبنظرة سيكولوجية لدى فرويد، ولكن تم تتبع أثره بأقصى درجات الدقة في الاعتماد الذاتي على الذات للفن الحداثي، الذي وضع حدودًا لهذا النوع من علم النفس، وأيضًا تتبع أثر التحرر المتنامي للفرد المعبر أو المبدع من أشكال الاعتقاد المقبولة اجتماعيًّا (كما في الصورة التي رسمها جويس لنفسه في شخصية ستيفن ديدالوس)، أو أعطى للقارئ حسًّا عميقًا بوجود هوية تختلف أو تنشق. ولعل الأكثر إثارة، فيما يتعلق بسياسات قراءتنا حتى الآن، هو هُوِيَّات النساء، مثلما تبين بطلة رواية تيار الوعي الضخمة ذات الأجزاء لدوروثي ريتشاردسون، ومولي بلوم، والسيدة دالواي، وليلي بريسكو.

التجلي والرؤية

يكمن الأمر الأكثر إثارة للدهشة في هذا الأسلوب في شيء يمكن للمرء، تبعًا لجويس، أن يطلق عليه الاعتماد على خبرة التجلي. يمكن تعريف هذا بشكل فضفاض بوصفه كشفًا يتحقق، ليس من خلال التفكير الاستطرادي، ولكن من الفهم الذاتي الدقيق لشيء هو «خاص» بالكلية. بالطبع توجد دلائل على هذا التقليد الأدبي، من ويليام ووردزورث وجيرارد مانلي هوبكينز والرمزية الفرنسية، ومن جورج إليوت حتى جوزيف كونراد، ولكن جويس قام بتأسيس عملية نفسية كانت في طريقها لأن تكون محورية بالنسبة إلى الفن الحداثي.

هذه هي اللحظة التي أدعوها التجلي. في البداية، ندرك أن الشيء المادي هو شيء «واحد» كامل لا يتجزأ، ثم ندرك أنه بنية موحدة منظمة؛ «شيء» في الحقيقة، وأخيرًا حين تصبح العلاقة بين الأجزاء أروع ما يكون؛ حين تتواءم الأجزاء مع النقطة الخاصة، ندرك أن ذلك «الشيء» هو المقصود؛ فرُوحُه، ماهيَّتُه تقفز إلينا من الثياب التي تغطي مظهره؛ فتبدو لنا روح أتفه الأشياء، التي تتسم ببنية متألقة شديدة التواؤُم. إن الشيء يحقق تجليه.

من شأن هذه الحجة أيضًا أن تقدِّم تفسيرًا للتأثيرات المقصودة للفن التجريدي ورسم الطبيعة الصامتة، ويمكن أن تكون رسمًا تخطيطيًّا مبكرًا لمفهوم بلومزبري عن «الشكل الدال»، ولكنها تعتبر عاقبة أخرى، أو نظرة متبصرة داخل طبيعة الواقع، الذي يعد أمرًا محوريًّا بالنسبة للتجلي الأدبي؛ إذ يظهر لدى جويس، ومان، ووولف، وجان بول سارتر وآخرين. ويميل جويس لاعتبارها عملية نفسية من الانفصال الجمالي (التي تنحدر أصولها من والتر باتر) «يُعطل» فيها العقل، و«يُرتقى به عن الرغبة والنفور» داخل «علاقات المعقول والمدرك» (الذي يسري جيدًا — بشكل خاص — على فهمنا للفن مثلما تنطبق على فهم موندريان له).

ولكن المثال الذي يطرحه ستيفن في رواية «لوحة فنان» هو مثال كانطي للغاية، وهو المثال الخاص بالنظر إلى سلة عادية: «تنتقل من نقطة إلى نقطة، تقودك خطوطها الجامدة فتدركها كجزء متوازنٍ مع جزء آخر داخل حدودها، وتشعر بإيقاع بِنْيتها؛ أنها «شيء»، وتدركها كمركب معقد، متعدد، منقسم، منفصل مؤلَّفٍ من أجزائه، وناتج أجزائه ومجموعه هو ما يسبب تناسقه. وهذا هو «التناسق».»

وتمنح وولف هذا النوع من الإدراك مدلولًا أعظم بكثير وأقل شكلية، وترى علاقة الشيء ببقية العالم كعلاقة قد تكون كاشفة:

كنت أنظر إلى حوض الزهور بجوار الباب الأمامي؛ قلت: «ذاك هو الكل.» كنت أنظر إلى نبات ذي أوراق ممتدة، وعلى حين غرة بدا واضحًا أن الزهرة ذاتها كانت جزءًا من الأرض، وأن حلقة كانت تحيط بالزهرة. كانت تلك الزهرة الحقيقية؛ جزء منها هو الأرض أو الحوض المحيط بها، وجزء منها هو الزهرة نفسها، وكانت تلك فكرة احتفظت بها لعلَّها تفيدني كثيرًا فيما بعدُ.

وقد كانت مفيدة بالفعل:

أشعر أنني قد تلقيتُ ضربة، ولكنها ليست ضربة، مثلما كنت أظن في الطفولة، مجرد ضربة من عدو مختبئ خلف تفاصيل الحياة اليومية؛ فهي بمنزلة، أو سوف تصبح بمنزلة، كشف لنظام ما. إنها رمز لشيء حقيقيٍّ ما كامن خلف المظاهر، وأنا أجعله واقعيًّا بصياغته في كلمات …

… إنها النشوة التي أكتسبها حين يتبدى لي أثناء الكتابة أنني بصدد اكتشاف أي شيء ينتمي لأي شيء، أو تأليف مشهد ما بشكل صحيح، أو تركيب خيوط شخصية معًا. ومن هذا أتوصل لما أطلقعليه فلسفة. إنها على كل حال فكرة ثابتة لديَّ أن خلف التفاصيل يكمن نمط، وأننا — أعني بذلك كل البشر — مترابطون من خلال هذا النمط، وأن العالم بأسره هو عمل فني، وأننا جزء من العمل الفني. إن «هاملت» أو رباعية بيتهوفن هي حقيقة هذه الكتلة الضخمة التي نسميها العالم، ولكن لا يوجد شكسبير، ولا يوجد بيتهوفن، وبالتأكيد وبالقطع لا يوجد ربٌّ؛ فنحن الكلمات؛ نحن الموسيقى؛ نحن الشيء ذاته. وأنا أرى هذا حين أتعرَّض لصدمة.

إن هذه الرؤية الحدسية الخاصة بي — التي يبدو من فرط غريزيتها وفطريتها أنها قد وُهبت لي وليست من صنعي — قد أضفتْ ظلالها على حياتي منذ رأيت الزهرة في الحوض بجوار الباب الأمامي في سانت آيفز.

إن ما تقوله وولف يعكس شكًّا عامًّا للغاية ساد في القرن العشرين بشأن الادعاءات الجماعية للفلسفة والدين والأيديولوجيا بوجه عام. فالفرد هو من ينظم التجربة مانحًا إياها ترابطًا منطقيًّا أقرب لترابط عمل فني أو سرد، وليس ترابط الفلسفة أو الدين. إن «الذات» ليست ملخصًا سائرًا على قدمين للمبادئ الأخلاقية والفضائل والرذائل — أي المشهد الخارجي — ولكنها شيء يحتفظ «بقصة» فرد ما. وهذا الترتيب الفني، الذي على الرغم من أنه محلي، فإنه غالبًا ما يكون قويًّا وممتدًّا في آثاره بشكل غير عادي، كما لدى بروست على سبيل المثال، هو ما يعول عليه عدد كبير للغاية من الحداثيين.

إنه يدعم «رؤية» ليلي بريسكو النهائية في رواية «إلى الفنار»؛ فهي تحاول إكمال لوحة تضم «السيدة رامساي وهي جالسة على الدرج مع جيمس» (ولكن السيدة رامساي، التي تعد شخصية محورية في الجزء الأول من الرواية، كانت قد ماتت قبل ذلك بفترة). وتتميز «رؤيتها الكشفية» اللاحقة عن الحياة بتوازنٍ رائع بين طبيعة الشيء المادي، والحدث التاريخي، وطبيعة الفن في منحه الترتيب. وربما كان هذا بالضبط ما يفعله فن الرسم، وربما لم يكن؛ لأنها هنا لا تفكر فحسب في رسمها:

حمدًا لله أن بقيت مشكلة الحيز، هكذا دار بخلدها وهي تتناول فرشاتها مرة أخرى. بدت لها اللوحة متألقة، كانت كتلة اللوحة بأكملها مرتكزة على ذلك الوزن. من المفترض أن تكون جميلة وبراقة على السطح، وخفيفة وباهتة؛ حيث يذوب لون داخل الآخر مثل ألوان جناح الفراشة، ولكن من أسفل لا بد أن تُثبَّت أجزاء القماش معًا بمسامير حديدية.

وبينما ترى من النافذة أن شخصًا قد ولج إلى حجرة الرسم خلف اللوحة، وتخشى أن يفسد ذلك تصميم لوحتها الكنافا، يدور بذهنها أن:

شخصًا ما (هكذا فكرت)، بينما تغمس فرشاتها بترَوٍّ، أراد أن يكون على مستوًى واحد مع الخبرة العادية، أن يشعر ببساطة أن ذاك كرسي، وتلك طاولة، ولكنها في نفس الوقت معجزة، نوع من النشوة. ربما تُحل المشكلة برغم كل شيء.

تستهدف اللحظات المحورية في «الرباعيات الأربع» لإليوت — والتي تفترض مسبقًا اعتقادًا إنجيليكيًّا تقليديًّا — رَصْد خبرات وتجارب التجلي هذه، التي ترتكز على الرموز، وتتسم بالجمال الصريح، لا سيما بسبب الوعي الذاتي الاستثنائي للشاعر بلغة الشعر الذي ينظمه، والتي هي في ذاتها موضوع الجزء الأخير من كل «رباعية»؛ ولذلك جاء في نهاية رباعية «نورتون المحترقة»:

تتحرك الكلمات، تتحرك الموسيقى
في الزمن فقط، ولكن ذلك الذي يعيش
لا يملك إلا أن يموت. والكلمات، بعد قولها، تصل
عبر السكون. ولكن بالشكل فقط،
يمكن للكلمات أو الموسيقى أن تصل
إلى السكون، مثل آنية صينية
تتحرك في سكونها للأبد.

تمنح القصيدة، الواعية بذاتها، معنًى رمزيًّا لهذا السكون الغالب على القصيدة بأكملها، والتي تزخر بالأفكار الرمزية المتكررة؛ ولذلك تُلمِّح ضمنًا إلى أفكار لاهوتية، وتشير هنا إلى فكرة الرب «كمتحرك ساكن». ولذلك نجد أيضًا لهذا التأمل الكيتسي في استقلالية العمل الفني دلالاته الميتافيزيقية الأعمق أيضًا. والاعتماد هنا على مفاهيم الشكل والنمط يشير مجددًا — بشكل قوي — إلى «الشكل الدال» المثير للتأمل للفن التجريدي. كذلك تستغل القصيدة التجريد غير اللفظي للموسيقي؛ أي موسيقى حرَّكتها الشعرية الخاصة، وكذا استخدامها لرمزية موسيقية، مرة أخرى لها دلالات لاهوتية، والتي مع ذلك يُنظر إليها بوصفها ذات جذور راسخة في تجربة تجلٍّ فردية بشكل كبير:

لا سكون الكمان، بينما يتردَّد النغم
لا ذاك وحده، بل الوجود،
أو لنقل إن النهاية تسبق البداية،
والنهاية والبداية كانتا دائمًا هناك،
قبل البداية وبعد النهاية.
كل شيء هو دومًا الآن.

وبحسب تعبير كيرمود، فإن الشيء الطاغي هنا هو «المفهوم الرمزي للعمل الفني ككيان أحادي الجوهر، كنتاج لأسلوب معرفي يتفوق على أسلوب العلوم ويختلف عنه.» وقد كانت «الرباعيات الأربعة»، من أوجه عدة، هي القصيدة الرمزية التي أراد ستيفان مالارميه أن يكتبها.

ربما يكون التجلي الحداثي له طابع متصوف بعض الشيء، ولكنه ليس لاهوتيًّا بالضرورة، مثلما يوضح جان بول سارتر في روايته «الغثيان» التي استغرق في تأليفها الفترة من عام ١٩٣١ حتى ١٩٣٦، ونُشرت في عام ١٩٣٧. فعلى غرار وولف وإليوت، يرى سارتر الفن كنموذج للنظام من خلال راويه؛ المؤرخ المحلي أنطوان روكنتان: «أجل. هذا ما كنت أريده — مع الأسف! هذا ما أردته. كم تغمرني السعادة حين تغني زنجية [«يوم من هذه الأيام»]: فأي قمم لم أكن لأدركها لو كانت «حياتي الخاصة» هي مادة هذا اللحن!» ثم:

هذا ما فكَّرتُ به: لكي يصبح أتفه حدث مغامرة، يجب ويكفي أن يبدأ المرء في «سرده». وهذا ما يخدع الناس. إن الإنسان دائمًا هو سارد حكايات، وهو يعيش محاطًا بقصصه وقصص الآخرين، وهو يرى عبرها كل ما يحدث له، ويسعى لأن يعيش حياته كما لو أنه يحكيها.

ولكن لا بد أن يختار بين أن يعيش أو أن يحكي.

وهذه الجملة الأخيرة هي المفتاح للتحرر الوجودي من صياغة جمالية حداثية للحياة، والتوجه نحو نوع من العفوية الحياتية، والتي تتحول إلى مسئولية وجودية. إن ما واتَى روكنتان من «كشف مفاجئ … بأنه سعيد كبطل رواية» نابع من شعور من المصادفة التامة، بينما اقتيدت وولف إلى شعور مقبول ميتافيزيقيًّا بالترابط (ووجود علاقة بالشيء المادي). فيرى روكنتان أن:

الكينونة قد كشفت فجأة عن نفسها. كانت قد فقدت صفتها كفئة مجردة، كانت جوهر الأشياء. كان ذلك الجذر متأصلًا في الكينونة، أو — على الأصح — كان الجذر، وحواجز الحديقة، والمقعد، والعشب النادر، كل ذلك قد تلاشى. لم يكن تنوع الأشياء وفرديتها إلا مظهرًا؛ طلاء. وهذا الطلاء كان قد ذاب، فبقيت كتل ممسوخة رخوة في غير انتظام؛ عارية عريًا فظيعًا داعرًا …

لقد كنا كومة من الكائنات المنزعجة المرتبكة، ولم نكن نملك أي سبب لنكون هنا، لا نحن ولا الآخرون، وكان كل كائن قلقًا مضطربًا يحس نفسه زائدًا عن اللزوم بالنسبة للآخرين.

تستهل الفقرة التالية بعبارة: «إن كلمة عبثية تولد الآن تحت قلمي.» ومعها تولد وجودية ما بعد الحرب، بما لها من التزامات أخلاقية وسياسية تحولت من طريقة حداثية إلى طريقة بعد حداثية لرؤية الكون، فكان الكون بالنسبة للحداثيين، على أقصى تقدير، وحدة موحدة كعمل فني. أما بالنسبة للوجودي الملحد، فهو كيان عارض على نحو تهكمي؛ إذ لا يشكل أي معنًى سوى معنًى هزليٍّ، وليس به مكان خاص للبشر الذين يحاولون عبثًا التوصل إلى تفسير سردي له. ومثلما يفعلون في كتابات ألبير كامو وصامويل بيكيت، اللذين ربما يجدان أو لا يجدان، في الحياة ما هو أكثر إرضاء من استنتاج روكنتان هنا: «كل كائن يولد بلا سبب، يطول به العمر عن ضعف منه، ويموت بمحض المصادفة.»

لكل هذه الأعمال أواصر تربطها بالأطر الاجتماعية للاعتقاد، ولكن الحداثة الرفيعة الحالمة التي تفند تلك الأطر اعتمدت — بشكل شبه كلي — على القيمة الرفيعة للغاية التي علقتها على تكامل الرؤية الفردية الذاتية للحياة، وهي الرؤية التي سوف تتعرض— كما سنرى — لقدر حادٍّ من الضغط والاختبار بفعل المطالب السياسية في ثلاثينيات القرن العشرين، والتي تثور ضدها الفردية الوجودية.

الأبطال الحداثيون

تتبعت في الجزء السابق بعض خبرات وتجارب التجلي من خلال ثلاثة كُتاب في الأدب الإنجليزي، ثم انتقلت إلى سارتر، باعتباره يمثل نقلة كبيرة في مفهوم التحول الوجودي. ولكن ثمة خط مشابه للغاية للتطور كان يمكن تبيانه لجميع الآداب الأوروبية الأساسية، على سبيل المثال في تطور مارسيل حتى التجليات الأخيرة لرواية بروست «البحث عن الزمن المفقود»، ومرورًا بسرد أندريه جيد الانعكاسي الواعي بالذات لصنع الرواية في «المزيفون»، حتى سارتر، أو من رؤيا أشنباخ الأخيرة في المنام في رواية مان «الموت في البندقية»، ومرورًا بتجارب فرانز بيبركوف في رواية «ميدان ألكسندر في برلين» (التي تدين بقدر ضخم لرواية جويس «يوليسيس»)، ووصولًا إلى الرؤى التي ربما تكون الأخيرة، ولكنها لم تكتب قط في النهاية، لأولريش في رواية روبرت موزيل «رجل بلا صفات».

تعد مثل هذه التطورات أساسية لجزء كبير من العمل الحداثي، وبخاصة للنوع البعيد تمامًا عن العادي للوعي الذاتي ذي الطابع البطولي الذي أظهره العديد من أبطاله؛ ومن ثم، على سبيل المثال، يأتي الحل لاضطرابات هانز كاستورب الفلسفية في «الجبل الذهبي» في شكل تجربة أشبه بالحلم وسط عاصفة ثلجية.

ويعد هذا الحلم الأخير الذي يُستقى من «مولد التراجيديا» لنيتشه بمنزلة رؤية مقتصرة على لحظة معينة، فيما يسميه ستيرن «اللحظات المميزة على هوامش الحياة العادية». فنراه يدرك بعد التدبر في الحجج والمجادلات التي سمعها (والتي وضعها لنا مان بخط مائل) أنه «باسم الخير والحب، لا يجب أن يدع الإنسان فكرة الموت تسيطر على أفكاره». ولكن هذا هو الاستنتاج النهائي لعدد من التأملات بشأن تجربته الشبيهة بالحلم، وفيها «نحلم بلا أسماء، وفي صورة جماعية، إن لم يحلم كل واحد منا وفق أسلوبه. إن الروح الكبيرة التي نحن جزء منها قد تحلم من خلالنا». ثمة جانب للإنسانية تتجاهله الواقعية ويراه كاستورب في الثلج. ولعل في الاستنتاج النهائي الذي مفاده أن «الإنسان هو سيد النقائض»؛ لأنها «تتخلله، وهو أكثر نبلًا منها»، تشابهًا كبيرًا مع استنتاج ييتس في المرحلة الثالثة عشرة من «رؤية». كاستورب، في النهاية، قبل أن يستبد به التاريخ على ساحات معارك الفلاندرز، ينضم إلى ستمبريني، ذي النزعة الإنسانية المتحررة: الحياة هي ما نفسره بأنه الوجود. ليس لها مصدر خفي أو سامٍ للمعنى.

بالطبع يعتبر هنري جيمس السلف الأبرز هنا، بعد أن ركز رواياته على البطل أو البطلة اللذين يجمعان بين الحيرة والذكاء في ذات الوقت في «صورة سيدة»، و«السفراء»، و«الإناء الذهبي». ولكن ستيفن ديدالوس، والزوجان بلوم، ورجل موزيل عديم الصفات، الموصوف بأسلوب ساخر، وآخرين، والأبطال السيرياليين، كما سنرى، داخل وخارج الفن، في الأدب وفي الرسم، جميعهم مرَّ بهذا النوع من التجارب، ولكنهم لا يميلون لأن يكونوا أبطال حركة، فكما يعلق كوينونز، هناك «غياب للإرادة» لدى مارسيل، وكاستورب، وبلوم، وتيرسياس، وجيكوب، والسيدة دالواي، والشخصيات الست في رواية «الأمواج»؛ فهم يميلون لأن يكونوا «مشاهدين متأملين وسلبيين وغيريين ومتسامحين». وبحسب تعبير تشارلز راسل:

بشكل موضوعي، تقدم الروايات الحداثية شخصيات دائمًا ما تواجه بيئة مدمرة، وربما عديمة المعنى، مثلما تفعل شخصيات هيمنجواي، ووولف، وموزيل، وبيكيت، دون ملاذ يلجئون إليه سوى بطولة شخصية، أو شعور بربري، أو وعي معرض للخطر.

في رواية «المحاكمة» لكافكا، نُحاصَر حصارًا خانقًا داخل الاستجابات الذاتية للبطل كيه، دون ارتياح أو طمأنينة بشأن الطبيعة الفعلية للواقع الذي يواجهه، بينما يعاني داخل عالم سخيف ظاهريًّا، ولكنه مهلك فعليًّا. وحيرته واستسلامه إزاء كل الإجراءات المفترض أنها «قانونية»، والتي تحيط به، راسختان بشكل مريع داخل عقله، الذي لا يسعه عند إقبال جلاديه عليه مرتدين قبعاتهم العالية السوداء إلا أن يقرر أن «يبقيه صافيًا حتى النهاية». ويتم ذبحه في «محجر صغير».

هل كان العون متاحًا؟ هل كانت توجد حجج في صالحه تم التغاضي عنها؟ بالطبع لا بد أن يكون ذلك موجودًا. إن المنطق ثابت بلا شك، ولكن لا يمكنه أن يقاوم رجلًا يريد مواصلة الحياة. أين كان القاضي الذي لم يره قط؟ أين كانت المحكمة العليا التي لم يستطع الوصول إليها أبدًا؟

لقد جاءت ردود أفعاله بالنسبة لكثيرين بمنزلة رمز لكل ما يثور من غضب وحيرة جراء إجحافات البيروقراطية، والحكومة، والاضطهاد العرقي في القرن العشرين، والعار. وبموت كيه، «يكون كأنما أراد أن يخلد العار الذي لحق بالبشرية.» وأتفق في الرأي مع كوينونز أن:

خلق هذه الأشكال المحورية المعقدة من الوعي يشكِّل واحدًا من أكبر إنجازات الحداثة، وهو إنجاز مصيري ضخم من عدة أوجه؛ ففي هذه الشخصيات وأسلوبها في الإدراك والتمييز، قُدم لنا شكل الفكر لأربعين عامًا قادمة من ثقافتنا تقريبًا؛ أي أكثر من جيلين. لقد قُدم لنا شكل إنسان القرن العشرين.

إن قدرًا ضخمًا مما يراه بلوم هو حداثة في الواقع؛ فهو — على عكس بروفروك وهيو سلوين موبرلي، وحتى السيدة دالواي — «أداة مثالية للتعبير عن تنوع، وتدفق، وتأويل، وتزامن وعشوائية التجربة».

وهذا الانتباه للوعي، بالنسبة للحداثيين، هو انتباه أتاح لهم أيضًا إعارة انتباه أكبر كثيرًا للاستجابة الجنسية؛ ومن ثم لمشكلات العديد من الحداثيين مع الرقابة، لا سيما بالنسبة لدِي إتش لورانس، الذي سعى نحو ما رآه نوعًا جديدًا من تمثيل الجسد (الذي لأجله ابتكر لغة جديدة — محتشمة نسبيًّا — إلى أن كتب نسخته الثالثة من قصة «الليدي تشاترلي»). ويرى لورانس ذاتيته الجديدة هذه كشيء يهدف إلى الوصول إلى حقائق مستقلة عن النماذج الأخلاقية المضللة التي توجد حتى في أعظم أجزاء التقليد الأدبي؛ ففي بيان شهير عن المقصد، وهو خطابه إلى إدوارد جارنيت في يونيو ١٩١٤، يقول إنه قد انبهر بقائد الحركة المستقبلية مارينيتي، واستهدافه الوصول إلى «فسيولوجيا حدسية للمادة»؛ لأن:

ما هو حسي ولا إنساني، في الطبيعة الإنسانية، أكثر إثارة لي من العنصر الإنساني الذي عفا عليه الزمن، والذي يدفع المرء إلى تصور شخصية ما في قالب أخلاقي معين، ويجعله متوافقًا معه. وهذا النموذج الأخلاقي المعين، لدى تورجنيف، ولدى تولستوي، ولدى دوستويفسكي، هو ما أعارضه.

وقد كان اهتمامه الأساسي منصبًّا هنا على الاستجابات الجنسية للنساء:

لا أعبأ كثيرًا بما «تشعر» به النساء؛ فهذا يفترض مسبقًا وجود «أنا» للشعور بها. فقط أهتم بماهية المرأة — ما هي — على المستوى اللاإنساني، والفسيولوجي، والمادي، ولكن بالنسبة لي، ينصب الاهتمام على ماهيتها كظاهرة (أو كتمثيل لإرادة لا إنسانية أكبر)، بدلًا مما تشعر به وفقًا للمفهوم البشري.

ومن ثم:

لا بد ألا تبحث في روايتي عن «الأنا» الثابتة القديمة للشخصية؛ فهناك «أنا» أخرى، والتي وفقًا لفعلها لا يمكن تمييز الفرد. وتمر، إن صح التعبير، بحالات متحولة تحتاج فيها الأنا إلى إدراك عمق أكبر مما اعتدنا استخدامه، لتكتشف أنها حالات لنفس العنصر الفردي الثابت بشكل جذري.

وقد دفع هذا الناقد ميدلتون موراي، صديق لورانس، إلى الادعاء في نقده للرواية بأنه لم يستطع التمييز بين الشخصيات في رواية «نساء عاشقات» (وكان نموذجًا لإحداها)، ولكن هذا أكد بطريقة ما على أصالة أسلوب لورانس في تناول الأشخاص داخل جسد؛ لا سيما في وصفه الشديد الرمزية للصراع بين بطلته أورسولا وبين سكربينسكي المادي، الإمبريالي، الصارم، عند دخولهما في علاقة غرامية في رواية «قوس قزح»:

كان يجاهد خفيةً، ولكن بكل ما أُوتي من طاقة، لكي ينال منها. وكانت هي على الدوام متقدة ومتوهجة وصلبة مثل الملح، ومهلكة، ولكن بعناد وتشبُّث. كان كل لحمه يحترق ويتآكل كما لو أن سمًّا زعافًا مستنزفًا قد احتل جسده، غير أنه ظل يقاوم ظنًّا منه أنه قد يتغلب عليها في النهاية. وحتى وهو في أوج هياجه، كان يبحث عن فمها بفمه، رغم أن الأمر بدا وكأنه يضع وجهه في موت شنيع. استسلمت له، وضغط نفسه عليها بحدَّة، وراحت روحه تئن أكثر وأكثر:

«دعيني أقذف، دعيني أقذف.»

أغرقته في قبلة، وأطبقت قبلتها عليه بصلابة. كانت قبلة صلبة وعنيفة وأكَّالة مثل ضوء القمر … وتلألأت روحها بنشوة النصر …

حُذفت عبارة سكربينسكي «دعيني أقذف» لدواعٍ رقابية من الطبعة الأصلية الصادرة عام ١٩١٥، والتي لاقت استهجانًا من قِبل العديدين، في الواقع، بوصفها «تهديدًا لصحتنا يفوق تهديد الأمراض الوبائية»، وتمَّت ملاحقتها قضائيًّا بتهمة الإباحية، وتم سحبها من التداول. كانت مشكلة لورانس الأساسية تكمن في توضيح أن تطور استجابات بطلاته للحياة كان «فسيولوجيًّا» بشكل قاطع؛ ومن ثم تنحدر تحت المستويات الطبيعية للوعي. ويمكن استحضار هذا إذا لزم الأمر بمصطلحات رمزية، كما في مواجهة أورسولا المنطوية على تجلٍّ مع الخيول في نهاية الرواية؛ ومن ثم تجد أن الحب ليس مجرد إثارة جنسية (الفصل الحادي عشر)، أو نرجسية مجتمع ميكانيكي فاسد (الفصل الثاني عشر)، أو المثالية في العلاقات الشخصية (الفصل الثالث عشر)، أو دفء الأسرة الراكد (الفصل الرابع عشر)، أو حتى «نشوة جنسية سوداء» لا تشرك سوى جزء واحد من النفس (الفصل الخامس عشر). وأسلوب التعبير هنا ليس واقعية بينيت وآخرين، ولكنه رمزية حالمة؛ إذ تمر أورسولا بعلاقة حب في المراهقة، وعلاقة سحاقية، وعامين كمعلمة تحت التدريب، وخطبة فاشلة، وثلاث سنوات كطالبة جامعية، وفقدان طفل، كل ذلك كجزء من مسار لإدراك الذات؛ الذي يعد قيمة حداثية عظيمة، ومناقضة، إلى الحد الذي تستطيع أورسولا التعامل معه، للخضوع لأي قوى سياسية أو مؤسساتية.

في عالم الجنس، كان على لورانس أن يفعل كل هذا دون الاعتماد على مجرد الوصف الحسي الخارجي والعبارات المبتذلة للفن الإباحي، وهو تحدٍّ واجهه بشكل خاص، على سبيل المثال، في فصل «استطراد» في رواية «نساء عاشقات»، والذي ربما كان يصف فيه اختراق شرجي بين بطله بيركين وأورسولا. وكثيرًا ما أشير إلى مساوئ مثل هذه المشاهد الجنسية، باعتبارها مكتوبة من وجهة نظر ذكورية متسلطة، من جانب النقاد المؤيدين للمساواة بين الجنسين، ولكن الإنجاز الفني في هذه الرواية (والمشابه بشكل استثنائي لما حاول ويندهام لويس القيام به في عمله الأكثر عنفًا وشوفينية بكثير «تار» [١٩١٤]) هو الأهم بالنسبة لحداثة لورانس، في الترويج لتوجهات جديدة ومتحدية إزاء العلاقات الجنسية، من خلال ابتكار نثر شعري وتصويري وإيقاعي على نحو قوي، حتى وإن كان بمفردات يغلب عليها الهزل أحيانًا نوعًا ما. وكما أشار جوليان مويناهان:

من المؤكد أن لورانس لم يحالفه النجاح التام في المهمة البالغة الصعوبة الخاصة بتوضيح علاقة «ذواته اللاإنسانية» بالأدوار الاجتماعية من جانب، وبالقوى الحيوية من جانب آخر. وكانت الصعوبة فنية في جزء منها؛ فقد اضطر لورانس، برغم كل شيء، لابتكار أشكال جمالية جديدة من أجل الكشف عن جوانب جديدة للواقع ودراما الجوهر.

ومثلما يتوارى هنري جيمس خلف بطله لامبرت ستريذر (ولورانس خلف بطله بيركين في «قوس قزح» و«نساء عاشقات»)، نجد أن الوعي البطولي الأسمى في هذه الفترة هو الوعي البطولي للفنان العظيم، الذي يربط بقدر ما يجادل، والمتمكن من أساليب ووجهات نظر عدة، ويملك سخرية منقذة. وغالبًا ما يكون الفنان هو البطل المتخفي للعمل (مثل: بروست في دور مارسيل المونولوجست، وجويس في دور «المنسق»، الذي علينا تقفي أثره؛ والروائيين في رواية جيد «المزيفون»، ورواية «نقطة مقابل نقطة» لألدوس هكسلي). تحتفي الكثير من الأعمال الحداثية أيضًا بتحكم موسوعي إيجابي، وأحيانًا مقالي، من جانب المؤلف، يوجد أيضًا في «الجبل السحري»، و«دكتور فاوستس»، و«لعبة الكريات الزجاجية»، و«رجل بلا صفات»، وغيرها من الأعمال (وهي تجربة تفشل فشلًا واضحًا أحيانًا، كما في روايتي «صحوة فينيجان»، و«الأناشيد»).

هذا التحكم الموسوعي غالبًا ما يقترن ببراعة شكلية كبيرة، ولعل أشهر الأمثلة سيئة السمعة عليها في رواية جويس «يوليسيس»؛ حيث ساد اعتقاد واسع النطاق بأنها قد وضعت نهاية للرواية؛ إذ استنزفت إمكاناتها الفنية. والواقع أن البعض يعتقد أن هذه الشكلية سمة حداثية بارزة، وتمثِّل بطريقة ما أو بأخرى علامة على وجود تراجع عن التجريب إلى اهتمامات جمالية بحتة، ولكنني حاولت أن أوضح فيما سبق أن معظم التجارب الشكلية كان لها أهداف استكشافية، ومحاكية، ومعرفية (حتى في حالة الفن التجريدي، الذي يستهدف تغيير المشاهد من خلال المشاعر التي تثار خلال عملية التأمل والتدبر)، غير أنها الحالة التي يحذو فيها قدر كبير من الفن الحداثي حذو هنري جيمس وآخرين في تحري درجة عالية من الوعي الذاتي بشأن تطبيق إجراءاته.

توجد هذه البراعة الشكلية أيضًا في الموسيقى والرسم، لا سيما لدى الكثير من الرسامين الحداثيين الذين عملوا في سلاسل اللوحات ذات الفكرة الواحدة، باستخدام التكرار والتنويع الموضوعي. وهكذا يمكننا «قراءة» التطور التسلسلي للحياة الجامدة التكعيبية، وتنويعات كاندينسكي العديدة على الأفكار الإنجيلية من خلال تجريد تقدمي، وتنويعات بيير بونارد التي تعرض مشاهد منزلية تجسد زوجته وهي تغسل أو تستحم، وبالطبع مواجهات بول سيزان المتعددة مع جبل سانت فيكتوار، واحتفاءات كلود مونيه بحديقته في جيفرني، والعديد من التنويعات من عام ١٨٩٢ حتى ١٩٢٦، على هذا النحو. كل هؤلاء الفنانين (ناهيك عن هؤلاء الذين أصروا، مثل دالي، على أن يُروا كما هم) هم الأبطال الخفيون المستترون لمثل هذه الأعمال. فمن الواضح للغاية، على سبيل المثال، في «مجموعة فولار» للتشكيلات الحفرية لبيكاسو، أن ستة وأربعين منها، والتي كانت من صنع «استوديو النحات» نفذت فيما بين ١٩٣٣-١٩٣٤، وتحكي قصة عن العملية الإبداعية. وتظهر العديد من هذه التشكيلات شخصًا يتأمل منحوتة مكتملة بطراز من التجسيد مناقض لطرازها. إن بيكاسو يفكر بشأن النحت عن طريق رسمه؛ ومن ثم طور في هذه المجموعة ميثولوجيا بسيطة، ووثنية، وتتخذ طابع الجنس في عصور ما قبل الميلاد. ففي واحدة منها، تنظر امرأة ذات جمال كلاسيكي إلى منحوتة سريالية مصنوعة من كرات، ووسادة، وأرجل طاولة وما إلى ذلك، وفي أخرى، يجسد إلهًا أو بطلًا أوليمبيًّا ليرمز للفنان. وهو في إحدى النقوش إله للنهر يضطجع بجوار «ربات الرشاقة الثلاث». في هذه المجموعة، هناك تجسيد بمجموعة كبيرة من الأساليب، وكلها أُعيد تشكيلها بالعاطفة والمرح، والكثير منها مثير للشهوة؛ إذ تجسد مواقف جنسية بأسلوب واقعي أكثر منه تجريدي، وجميعها تفوح بذلك الإتقان للتقنيات المختلفة الذي يميز كبار الحداثيين.

لعل أكثر الأمثلة إثارة للدهشة، بعيدًا عن «يوليسيس»، على الإجراءات الشكلية الشاملة، التي تدين بشدة أيضًا للماضي؛ هو أوبرا «ووزيك» لآلبان بيرج، فنجد مشاهدها الخمسة عشر مقسمة بشكل متماثل إلى ثلاثة فصول، أُعدَّت على شكل عرض، وتفاعل، ومحنة (وخاتمة)؛ ومن ثم تماثل شكل السوناتا. يضم الفصل الأول خمس مقطوعات موسيقية تعبيرية قصيرة، فيما أُعد الثاني على هيئة سيمفونية. أما الثالث فعبارة عن سلسلة من الابتكارات الخاصة بالعناصر الموسيقية (الفكرة، والنغمة، والإيقاع، والنغمات المتآلفة، والمقام). وقد أدخل بيرج في الأوبرا أشكالًا وقوالب كلاسيكية، بالأسلوب اللامقامي، مثلما حدث في الحقبتين الباروكية والكلاسيكية، ولكن دون أن يبدو وقعها ولو للحظة ساخرًا أو كلاسيكيًّا مجددًا. وكان بيرج حريصًا مثل جويس على ضرورة أن يكون تصميمه الأساسي مميزًا، فكان يرسل مخططًا مع كل نسخة من المقطوعة، ولكنه واضح أيضًا في أننا لسنا بحاجة لأن تكون لدينا القدرة على تمييز التنويعات الواحدة والعشرين على «باساكاجليا» في الفصل الأول، المشهد الرابع. فكما في «يوليسيس»، يمكن أن نستغرق تمامًا في التطور الدرامي للحبكة، وتلاؤم التعبير الموسيقي المتكشف تدريجيًّا مع الشعور؛ إذ يكمن في قلب البنية الكليةِ الوعيُّ الشديد المحدودية والاضطهاد، والجلي بالكاد، والذي يصل في النهاية إلى حد الجنون، لدى ووزيك العاطفي الجاهل، بثقته الظاهرية في الله، ومعتقداته الخرافية بشأن مطاردة الماسونيين له، وهلاوسه بسبب النظام الغذائي الذي فرضه عليه الضابط قائده، وهو طبيب، وهذيانه بشأن الخطيئة، وأخيرًا رده على قول زوجته ماري له حين يقتلها إن سكينًا يخترق جسدها أفضل من أن تمتد عليها يدٌ. وهي الفعلة التي يقدم عليها إثر قيام عشيقها، قائد فريق الاستعراضات العسكرية، بالتهكُّم عليه وضربه ضربًا مبرحًا، ويتعرض للغرق فيما بعدُ عند محاولته إخفاء سلاح الجريمة. وتحت هذه الميلودراما التعبيرية، في الموسيقى ذات الدراما والقوة غير العادية، يكمن تنظيم شكلي صارم واستحواذي بنفس القدر تقريبًا. على سبيل المثال، اختيار فوجا ثلاثية للفصل الثاني، المشهد الثاني حددته الطبيعة العامة له؛ الذي تتبع فيه كل شخصية من شخصياته الثلاث هوسها الخاص، ومع ذلك فالصياغة التفصيلية لأفكار الفوجا الثلاث تعد أيضًا انعكاسًا دقيقًا لمتطلبات النص والأداء المسرحي التي تظهر من لحظة للحظة. في الواقع، وكما يعلق دوجلاس جارمان: «إن هذا الانصهار المتناقض — فيما يبدو — للحسابات الفنية والعفوية العاطفية هو ما يضفي على موسيقى بيرج روعتها الغريبة.» ولعل النجاح الذي أحرزته الأوبرا عبر أنحاء أوروبا بعد عرضها الافتتاحي في برلين عام ١٩٢٥، بقيادة كلايبر، هو الشيء الأبرز من حيث إنه جاء بمنزلة احتجاج ضخم نيابة عن الطبقة الفقيرة «المساكين» ضد نظام اجتماعي متوحش واستبدادي. وبحلول أول عرض لها في إنجلترا، تحت قيادة بولت في عام ١٩٣٤، كانت قد حُظرت في ألمانيا.

خلف كل هذا يكمن إيمان بقيمة العمل المنظم بشكل ذاتي، بوصفه تعبيرًا ليس فقط عن تقاليده الجمالية تحديدًا، ولكن أيضًا عن قيمة محاولة إجراء توحيد متجانس وتنظيم للشخصية. فمع انتهاء قصصهم على التوالي، يستطيع ستيفن ديدالوس الطيران بشباك الوطنية والدين، ويتمكن كاستورب من الهبوط من على الجبل، ويتمكن إليوت من التوصل إلى برهان ديني إيجابي في النهاية المتأججة الموجزة لكامل الفكرة ﻟ «الرباعيات الأربع». وهذه الانعكاسية سمة معروفة عن الحداثية؛ ومن ثم كانت ادعاءاتها بالثقافة الرفيعة غالبًا ما ترتبط بقصة عن أشخاص، وبخاصة عن القوى المنظمة للعقل، ولا غرابة في أن ابتكار العديد من المناهج الشكلية الحداثية كان يعتقد أنه شبيه باكتشافات الرتبة في العلم. ويتبع ذلك أيضًا اعتقاد بأهمية القصص التعليمية لكل من: مان، وجويس، وباوند، وجيد، وهيسه، ولورانس، ووولف، وموزيل، من بين آخرين، بالنسبة لمطلع القرن العشرين.

السريالية

تتطور هذه النزعات إلى حد متطرف في الحركة الحداثية المجددة جذريًّا التي ظهرت بعد عام ١٩١٨، وهي:

السريالية تعني آلية سيكولوجية خالصة، يعتزم بموجبها المرء التعبير لفظًا، أو كتابة، أو بأي وسيلة أخرى، عن النشاط الفعلي للعقل. في السريالية، يكون الحكم للفكر، في غياب أي رقابة من قِبل المنطق، وبعيدًا عن أي انشغالات جمالية أو أخلاقية. موسوعيًّا، تقوم السريالية في الفلسفة على أساس الإيمان بالواقع الأسمى لأشكال أخرى من الربط لا تزال مهملة حتى الآن، بالقدرة الكلية للأحلام، بالعبث غير الموجه للأفكار. وهي تؤدي إلى الهدم المستديم لجميع الآليات السيكولوجية الأخرى، وللبديل المتوافر لديها لهذه الآليات في حل جميع مشكلات الحياة الأساسية.

لم يكن هذا هو التحدي اللاعقلاني الأول، ولن يكون الأخير، لثقافة قمعية يعتقد أنها تحتفي بالقوى الخاطئة (العقلانية، التابعة) للعقل. وتتضح مثل هذه المقاصد من خلال «البيان السريالي» الصادر عام ١٩٢٤، لأندريه بريتون: «ما زلنا نعيش تحت ولاية المنطق … ولكن في هذا اليوم والعصر، لا تصلح الطرائق المنطقية للتطبيق إلا لحل المشكلات ذات الأهمية الثانوية.» ومن ثم:

ربما يكون الخيال على شفا استعادة حقوقه. فإذا كانت أغوار عقولنا تحوي قوًى غريبة قادرة على تعزيز تلك التي على السطح، أو على شن معركة ظافرة ضدها؛ فكل الأسباب متوفرة للاستحواذ عليها؛ الاستحواذ عليها أولًا، ثم، إذا دعَتِ الحاجة، إخضاعها لسيطرة عقلنا.

ولكن كيف يمكن تنفيذ هذا؟ كيف يمكن، على سبيل المثال، أن نصل إلى «آلية سيكولوجية خالصة» ونتوصل إلى اكتشافات في الفن؟ جزء من الإجابة السريالية عن هذا السؤال كان: من خلال الاستغلال «العلمي» للإجهاد البدني، والعقاقير، والجوع، والأحلام، والمرض النفسي (في خط ملحمي يبدأ من جورجيو دي شيريكو، وجاك فاشيه، ورايموند روسيل، مرورًا بجاك كيرواك، وويليام إس بوروز، وتوماس بينشون، وكثيرين آخرين). وقد حاول الكثير من السرياليين أن يضعوا أنفسهم داخل هذا النوع من الأسلوب الاستقصائي (وهو الأمر الذي أحيانًا ما كان يأتي بنتائج هزلية أكثر منها علمية، مثلما حدث عندما تنافس روبرت ديسنوس وماكس موريس ورينيه كريفل على الخلود إلى «نوم مغناطيسي»). ويقدم لنا كتاب يوجين جولاس «بحث في روح ولغة الليل» (١٩٣٨) فكرة جيدة عن الأفكار البارزة المتضمنة:
  • (١)

    ماذا كان آخر أحلامك المميزة (أو أحلام اليقظة، أو الخيال الناتج عن هلاوس ما بين النوم واليقظة)؟

  • (٢)

    هل لاحظت أي خرافات أو رموز متوارثة في لَاوَعْيك الجمعي؟

ربما يكون السؤال الثالث متأثرًا بالأجزاء التي نشرت من رواية جويس «صحوة فينيجان»، في جريدة جولاس المسماة «ترانزيشن»:
  • (٣)

    هل شعرت من قبل بالحاجة إلى لغة جديدة للتعبير عن خبرات عقلك الليلي؟

وقد أجاب تي إس إليوت عن هذا السؤال بقوله: «في الواقع لست مهتمًّا بشكل خاص ﺑ «عقلي الليلي».

fig9
شكل ٣-١: سلفادور دالي/لويس بونويل، «كلب أندلسي» (١٩٢٩). أكثر مرحًا من المثال السريالي الشهير الذي يتضمن مظلة وماكينة حياكة على طاولة عمليات.
ثمة مثال عملي ظريف للنظريات السريالية جاء مع بدايات هذه الحركة، وهذا المثال يأتينا من خلال رواية لويس بونويل، لما قام به بالتعاون مع سلفادور دالي من وضع سيناريو لفيلم «كلب أندلسي» (١٩٢٩) (الشكل ٣-١): «ذات صباح أخبر كلٌّ منا الآخر عن أحلامه، وقررت أنها قد تكون فكرة الفيلم الذي أردنا تنفيذه.» كانا يعرفان أنهما «بحاجة لإيجاد حبكة». وقد كان الفيلم حقًّا بصدد التعويل على صوره الذهنية السريالية؛ لأن أي نوع من التنظيم العقلاني لم يكن واردًا. قال دالي: «حلمت الليلة الماضية أن يديَّ عليهما حشد غفير من النمل.» وقلت: «وأنا حلمت بأنني أقطع عين أحد الأشخاص إلى نصفين.» هكذا يبدأ الفيلم. لكن كان هناك قيد أيديولوجي نشط لكليهما: «كانت الطريقة التي اتبعناها في الكتابة هي أخذ أولى الأفكار التي تقفز إلى رءوسنا، مستبعدين تلك التي بدت مصطبغة بثقافة أو أسلوب تربوي.» كانت المفاجأة والتحرر من القمع هما المعيارين الأساسيين، وقد أسفر عن المشهد الرائع للحمارين على البيانو.

على سبيل المثال، تنتزع السيدة مضرب تنس للدفاع عن نفسها ضد الرجل الذي يريد مهاجمتها. لذا يتلفت هو حوله بحثًا عن شيء لشن هجوم مضاد و(هنا أتحدث مع دالي) «ما رأيك؟» «ضفدع طائر.» «سيئ!» «زجاجة من البراندي.» «لا تصلح!» «حسنًا، أرى أن نستخدم حبلين.» «حسنًّا، ولكن ماذا بعد الحبلين؟» «يقوم بشدهما ويسقط على الأرض؛ لأنهما يجران شيئًا ثقيلًا للغاية.» «نعم، السقوط فكرة جيدة.» «مع الحبلين تأتي يقطينتان جافتان للغاية.» «وماذا أيضًا؟» «اثنان من الإخوة المريميين.» «عظيم، اثنان من الإخوة المريميين!» «ماذا أيضًا؟» «مدفع.» «سيئ! يجب أن يكون كرسيًّا فخمًا ذا ذراعين.» «لا، بل بيانو كبير.» «جيد جدًّا، وعلى البيانو الكبير حمار … لا، بل حماران عفنان.» «رائع!»

تم استدعاء بونويل فيما بعدُ من جانب قائد الحركة السريالية بريتون، والذي أخبره أنه قد شاهد الفيلم وأعجب به، ولكن: «إنها فضيحة. البرجوازيون جميعًا معجبون بك … عليك أن تقرر الآن مع أي طرف أنت؟» يبدو الأمر الآن كدعابة «ولكنه كان مأساويًّا. وظللتُ على مدى الأيام القليلة التالية أفكر جديًّا في الانتحار.»

بإمكاننا إدراك بعض من التقاليد الفنية للحركة إذا ألقينا نظرة على شيء سريالي بسيط، مثل فنجان الشاي المبطن بالفرو الخاص ﺑ «ميريت أوبنهايم» الذي ظهر عام ١٩٣٦، والذي كان يسمى «إفطار بالفراء» (وهو عنوان أطلقه عليه بريتون استحضارًا للوحة إدوارد مانيت «غداء على العشب»، وكتاب ليوبولد فون زاخر مازوخ «فينوس في معطف الفرو»). يذكر أن الطبق، وفنجان الشاي، والملعقة (وجميعها من يونيبريكس) مغطاة بالفراء. ولا عجب في اعتبار ذلك، في السياق الفرويدي، بديلًا مخيبًا للآمال للأعضاء التناسلية الأنثوية. ويكتب فرويد، في عمله عن الفيتيشية، عن «ولع بمنظر شعر العانة، الذي يتبعه بالضرورة اشتهاء رؤية العضو الأنثوي». وعدم امتلاك المرأة لهذا يؤدي إلى شعور المرأة برغبة في امتلاك عضو ذكري، وفقًا لفرويد. وسواء اعتقدنا أو لم نعتقد أن لمثل هذه النظريات أساسًا في الواقع، فإننا يمكن أن نتعلم النظر إلى الأشياء السريالية كمتجاوزات رمزية للفئة، مرتبة بحيث تبدو مثل «شكل مجنون لما هو مألوف». وهكذا تجمع لوحة أوبنهايم «مربيتي» (١٩٣٦) (الشكل ٣-٣)، حرفيًّا ومجازيًّا، بين الأحذية، وضلع جَدْي، والولع الجنسي بالأقدام، والاستعباد، وإيحائية الحذاء الممدد مع رفع الساقين (الكعبين) لأعلى، والصور الخيالية للمهبل، وما إلى ذلك. وقد أفادت الفنانة فيما بعد بأنها ذكَّرتها بحركة ضغط الفخذين معًا باستمتاع. وكان ماكس إرنست، الذي ارتبطت به عاطفيًّا في عام ١٩٣٤، أعطاها حذاء زوجته الأبيض من أجل النسخة الأصلية. ولكن السيدة إرنست دمرتها حين عرضت لأول مرة في باريس في عام ١٩٣٦.
fig10
شكل ٣-٢: سلفادور دالي، «اللعبة الحزينة» (١٩٢٩). الرسم كمُدَّعٍ بأنه دراسة حالة جنسية.

يُنتج الفن السرياليُّ العديدَ من مثل هذه التحولات المجازية المحيرة، من النوعية التي توجد، على سبيل المثال، في العديد من لوحات رينيه ماجريت. ففي واحدة منها (بعنوان «الموديل الأحمر») يتحول زوج من الأحذية الطويلة إلى قدمين آدميتين؛ ما يخلف أثرًا مزعجًا، ويذكرانا بلا شك بأنهما مجرد نوعين من الجلد.

fig11
شكل ٣-٣: ميريت أوبنهايم، «مربيتي» (١٩٣٦). العنصر السريالي كمجاز للشهوانية والانحراف.
أما أكثر اللوحات السريالية ذات الطابع السيكولوجي المعقد، وأكثرها شهرة لكونها الأكثر وضوحًا كشكل من أشكال واقعية الحلم، فنجدها لدى دالي، الذي انضم إلى السرياليين في عام ١٩١٩، وقام برسم لوحته «اللعبة الحزينة» (شكل ٣-٢) في ذلك العام، بما تجسده من بنطال ملوث بالغائط ويدين كبيرتين كإيحاء بالاستمناء. كان العنوان من اقتراح الشاعر بول إيلوار، وكانت هذه اللوحة بمنزلة «مقتطفات واقعية» (بحسب تعبير إيان جيبسون؛ كاتب سيرته الذاتية) من هواجسه الجنسية وشبه الجنسية الحالية آنذاك، بما في ذلك «التغوط، والإخصاء، والاستمناء (اليد الضخمة على جحافل النمل)، وفرْج امرأة، وشكل يشبه والد دالي، وتفاصيل أخرى لا حصر لها.»

يتسم مشهد النشاط الجنسي في معظم الأعمال السريالية بالعصابية، والعجز، والرعب الشديد، وغالبًا ما لا يكون واضحًا وملموسًا بشكل خاص، على الرغم من الآمال التي تعلق على أي تفسير نفسي تحليلي نهائي. وهكذا انصب تركيز جزء كبير من النشاط السريالي على تحرر جنسي مثير ضد البرجوازية؛ فالتغيرات في الوعي الإنساني يجب أن تؤدي أيضًا إلى تغيرات في المجتمع. لكن مع صدور «البيان الثاني» له عام ١٩٢٩، كان بريتون قد تحول إلى الماركسية، واضطر للتحول من القول بأن الحلم الفرويدي لا يميز التناقضات إلى القول بأن العمل السريالي قد يساعد في المصالحة بين التناقضات، وفقًا لمفهوم هيجلي ماركسي؛ ومن ثم أصبح الهدف (كما هو بالفعل بالنسبة للعديد من المفكرين الفرنسيين حتى حقبة ما بعد الحداثة) هو عقد مصالحة بين فرويد وماركس (وهي حجة أقيمت بأقصى قدر من الإقناع تأييدًا للحركات التحررية في عقد الستينيات من القرن العشرين على يد هربرت ماركوس وآخرين). وهكذا قام العديد من السرياليين بالمواءمة بين الأيديولوجيتين الحاسمتين جذريًّا اللتين ابتُكرتا بواسطة الروح الحديثة النقدية؛ وهما: الماركسية والتحليل النفسي، واستعانوا بهما لمهاجمة الكبت الجنسي والاغتراب السياسي؛ ولذا استطاع الفن السريالي أن يعمل، بشكل جيد نوعًا ما، بمنزلة رمز شديد الفردانية للصراعات والتوترات داخل العائلة الفرويدية والمجتمع الرأسمالي.

تواءمت الأفكار السريالية أيضًا مع التقليد اللاعقلاني الراسخ منذ زمن طويل، والذي يمتد من آرثر رامبو مرورًا بشعراء الحركة الدادائية، وتواءمت بشكل قوي داخل التقليد الأمريكي للرسم والأدب، من خلال أعمال مثل: «كورا في الجحيم» لويليام كارلوس ويليامز، و«الرتيلاء» لبوب ديلان، وأعمال جون أشبري وهارت كران. وقد اعترف بريتون بأن السريالية لم تلقَ رواجًا في إنجلترا؛ لأنها كانت موجودة بالفعل في أعمال سويفت وولبوب، وآن رادكليف، ومونك لويس، وإدوارد لير، ولويس كارول، وسماتها الإبداعية تتعلق بمنطق مضمونها وليس تقنيتها الشكلية، على الرغم من أنها تستخدم كل الأدوات الحداثية المألوفة. وهي تثير قضايا تتجاوز نطاق الحداثة: كيف نتواصل بطريقة «غير منطقية»؟ هل المخاطبة المباشرة لمشاعرنا أو «غرائزنا البدائية» أمر ممكن؟ هل يفترض بنا أن نحاول إعداد تأويل أو إعادة صياغة للعمل من شأنها أن تضيف لمعرفتنا، أم «نقبله» على عواهنه؟ (غير أن والاس ستيفنز كان يرى أن «الخطأ الأساسي للسريالية يكمن في أنها تَبتكر دون اكتشاف»).

كل هذه التساؤلات تدفعنا للتفكير في دور الوهم (تمييزًا عن الخيال) في حياتنا، وإحدى أكثر المحاولات إثارة لتوظيف تحليل فرويدي للسلوك الاجتماعي، ودمج ذلك مع الصور الخيالية السريالية، توجد في عمل دبليو إتش أودن الأكثر حداثية وتجريبية، وهو بعنوان «الخطباء» — وقد صدر عام ١٩٣٢ — فقد كان يرى أن كل الأمراض لها أسباب نفسية، وأنها تحمل رمزًا أخلاقيًّا (وعليه إذا كان كريستوفر إيشروود قد عانى من التهاب في الحلق؛ فهذا لأنه كان يكذب). وفي قصيدته «تأمل هذا»، التي أصدرها عام ١٩٢٩، ينتظر البرجوازيون مصيرًا مشئومًا لسبب نفسي وسياسي أيضًا، والفكرة الكامنة هنا هي الفكرة الماركسية القائلة بأن المجتمع الرأسمالي سوف ينهار تحت وطأة تناقضاته الداخلية:

إنه أبعد مما تظن؛ في وقت أقرب من ذاك اليوم
أبعد من ظهيرة ذلك اليوم البعيد
وسط حفيف الفساتين والأقدام التي تضرب الأرض
أعطوا الجوائز للصبية المنكوبين.
لا يمكنك أن تكون بعيدًا، إذن، لا،
لا يمكن رغم أنك تحزم حقائبك للرحيل في غضون ساعة،
تتفادى المرور عبر الطرق الرئيسية:
كان الموعد موعدك، كنت الضحية لشرود البال،
والأنفاس المضطربة ونظم الحكم المتعاقبة
بعد بضع سنوات مخيفة من الترحال
لتنهار في لحظة في انفجار الجنون
أو تسقط للأبد في تعب قديم.
ومن خلال تفسير المرض النفسي كمعنًى رمزي أخلاقيًّا وسياسيًّا، ربط شعر أودن تحليل الفرد بالمجتمع بوجه عام، وأقرَّ ثورة ضد النظام القائم، وأتاح أسلوبًا شبه إكلينيكي به تنازل نوعًا ما لجعْل التجريدات الأخلاقية ملموسة نابضة بالحياة. ونراه في «الخطباء» يضيف تطورًا إلى هذا النوع من الصور الخيالية محوِّلًا إياها إلى سرد سريالي عن الثورة:

«اليوم الأول من التعبئة»

في ساعة الصفر المرتب لها مسبقًا، تعطي الأرملة ذات الجسد المقوس من أثر التهاب المفاصل إشارة الهجوم بالوقوف في وضع مستقيم على درجات سلم كنيسة سانت فيليب. إن قصفًا أوليًّا برسائل هاتفية إباحية لما لا يزيد عن ساعتين من شأنه تدمير «الروح المعنوية» التي أوهنتها بالفعل التنبؤات بالهزيمة التي تشكلت عن طريق غربان مُتحكَّم فيها لاسلكيًّا. كانت قوات الصاعقة مجهزة بقاطعات أسلاك، ومفاتيح ربط، وقنابل تطلق غازات كريهة، مخترقين المنازل عن طريق التسلُّل، وإسكات جميع المُنبِّهات، وفك صنابير الحمامات، وإزالة السدادات وورق الحمام من المراحيض. الهدف الأول هو مكاتب خدمات نقل الرسائل. وعلى طاولة كل ربِّ أُسرة مقال افتتاحي، يصل في الوقت المحدد، كإفطار متأخر، يتهم مواطنين بارزين بإحراق المباني عمدًا، وإثارة المنازعات والخصومات بلا مبرر، وتزييف العملة، والنوم في مكاتب البلدية، والتجسس، ووجود أسرار عائلية مشينة، والهرطقة، وإصدار أو التسبب في إصدار تصريحات كاذبة بِنيَّة الخداع، والشوفينية، وإدارة بيوت للدعارة والفجور، والتسكع، والعنف الزوجي، والمحسوبية، وممارسة العادة السرية، وممارسة القرصنة في أعالي البحار، والجنوح عن الواقع، واللعب خلال ساعات الحظر، والتخريب، وشرب الشاي، وارتكاب جرائم غير سوية ضد القُصَّر، والنظرات الخبيثة، وحرق الإرادة، والجبن.

يمثل هذا محاكاة ساخرة لخطط التعبئة الخاصة بالجيش الألماني استعدادًا للحرب العالمية الأولى، كما رويت في كتاب الجنرال لودندروف «الحرب القادمة» (١٩٣١)، ولكن سرعان ما تسربت الشكوك إلى قلب أودن بشأن المنهج السريالي؛ ففي عدد يونيو/يوليو ١٩٣٦ من مجلة «نيو فيرس» يتساءل مثل جون بول: «ما القيمة الثورية المميزة في التقديم الآلي … لمادة مكبوتة؟» وهل كانت كل هذه المواد لها «قيمة فنية متساوية»؛ لأن «اللحظة التي يسمح لك فيها إما من نفسك وإما من المجتمع بأن تبوح بما تحب بالضبط، يتركك غياب الضغط مادة بلا شكل.» وإذا كان السرياليون يرفضون العقلانية، فكيف يمكنهم توفيق موقفهم مع الشيوعية والتحليل النفسي، اللذين هما، في النهاية، نظم عقلانية؟ وعلى أي حال، يرى أودن أن:

مهمة علم النفس، أو الفن في هذا المقام، ليست إخبار الناس بالسلوك الواجب انتهاجه، ولكن لفت انتباههم إلى ما يحاول اللاوعي المتجرد إخبارهم به. وبتوسيع معرفتهم بالخير والشر، تكون مهمته هي جعلهم أفضل قدرة على الاختيار، كي يصبحوا مسئولين أخلاقيًّا عن مصيرهم على نحو متزايد.

وعلى الرغم من اعتقاد بريتون، الوارد فيما سبق، بأننا قد نضطر في النهاية لإخضاع «أغوار عقولنا» إلى «سيطرة عقلنا»، فإن قلة قليلة فقط من السرياليين هم من كان لديهم الاستعداد أو القدرة، مثلما كان الحال مع أودن، لربط دراسة الوهم بتحليل أخلاقي جيد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١