الفصل الرابع

الحداثة والسياسة

سوف تصبح أشكال الحياة مثيرة بشكل ديناميكي. فالنوع البشري العادي سوف يرتفع إلى قمم مثيلة لأرسطو أو جوته أو ماركس. وفوق هذه السلسلة الجبلية سوف تظهر قمم جديدة.

ليون تروتسكي، «الأدب والثورة» (١٩٢٣)

إن العصر الحالي الجديد بصدد تكوين نوع بشري جديد؛ فالرجال والنساء في طريقهم لمزيد من الصحة والقوة: هناك شعور جديد بالحياة، بهجة جديدة في الحياة. إن الإنسانية لم تكن أبدًا أقرب في شكلها الخارجي وإطارها العقلي للعالم القديم أكثر من اليوم.

أدولف هتلر، خطبة ألقاها في افتتاح معرض «الفن الألماني العظيم»، ميونيخ، ١٩٣٧

الفردي والجمعي

حاول أندريه بريتون فرض نظام شيوعي على أعضاء الحركة السريالية، برغم ما كان يعنيه هذا من قبول للسياسة الحزبية. ففي مطلع عام ١٩٢٦، انضم إلى الحزب الشيوعي مع لويس أراجون وبول إيلور، وبحلول نوفمبر ١٩٢٦، تم فصل فيليب سوبو وأنطوان أرتو لعصيانهما. وفي عام ١٩٢٩، أرسل بريتون وأراجون خطابًا مشتركًا إلى ٧٦ من السرياليين ومن يُحتمَل تعاطفهم مع القضية يسألان إن كانوا سيشاركون في النشاط المشترك. وعلى أساس الردود، تم فصل أرتو مرة أخرى، مثلما فُصل جورج باتاي (الذي علق قائلًا: «كثر المتسكعون المثاليون»)، وروبرت ديسنوس («كل النشاط الأدبي والفني مضيعة للوقت».) وكان روجر فيتراك وجاك بيرون ضمن اﻟ ٥٦ مدعوًّا الناجين من الفَصْل. وتشكلت الحالة السياسية الجديدة في «البيان الثاني للسريالية» الذي صدر في ذلك العام، وأدت إلى انقسامات عقائدية وإدانات، من خلال البيان، وتغيرات ذات تعقيد هائل في التنسيق والحشد.

لذا فقد وقعت النمذجة الذاتية ذات الطابع البطولي التي ورد وصفها في الفصل الثالث تحت ضغط حادٍّ، ليس فقط داخل الحركة السريالية، وإنما بوجه عام. وهذه هي النقطة التي نبدأ عندها في رؤية الادعاءات الحادة التنافس فيما يتعلق بالأنماط البطولية في الحقبة الحداثية؛ فعلم النفس السياسي الجمعي كان يطالب بتأييد «الواقعية» و«الموضوعية» ضد الفردية التمييزية ذات النزعة الجمالية لدى السرياليين ومعظم كُتاب وفناني حقبة الحداثة الفائقة الآخرين. وكان لهذا الصراع عواقب مريعة؛ فقد أظهرت محاكمات موسكو، على سبيل المثال، كيف كان يمكن، في ضوء تاريخ ثوري محدد مسبقًا، النظر إلى سلوك البشر فرادى «بشكل موضوعي»، شأنه شأن سلوك جماعة برجوازية ضد الثورة، بعيدًا عن أي نوايا واعية ربما كانوا يضمرونها كأفراد.

تركز رواية آرثر كوستلر «ظلام في الظهيرة» (١٩٤٠) على التساؤلات والأفكار الخاصة لأحد الشيوعيين، ويدعى روباخوف، بينما ينتظر الموت في أحد السجون السوفييتية. إنه يعلم أن «الجمع هو التجسيد للفكرة الثورية في التاريخ. والتاريخ لا يعرف هواجس ولا تردد». وفي وقت لاحق نجده يكتب في دفتر يومياته:

منذ فترة قصيرة، قُتل خبيرنا الزراعي البارز، بي، مع ثلاثين من معاونيه؛ لإصراره على الرأي القائل بأن سماد النترات الاصطناعي يتفوق على السماد البوتاسي … إن خبراء أخلاقيات الكريكيت يراودهم القلق … بشأن ما إذا كان الخبير بي حسن النية شخصيًّا حين قام بتزكية النيتروجين … هذا بالطبع محض هراء؛ ولما كانت مسألة حسن النية الشخصية غير ذات أهمية؛ فلا بد للمخطئ أن يدفع الثمن، والمصيب سوف يُبرَّأ. ذاك هو قانون الثقة التاريخي؛ وقد كان قانوننا.

من خلال هذا، يبدو طرد السرياليين الفرنسيين أمرًا تافهًا نسبيًّا، ولكن كانت هناك قضية عامة هنا تتعلق بعلاقة الفنانين الحداثيين بالثقافة في العموم. وهي قضية مهمة.

لقد ذهبت على مدار الكتاب إلى أن الفن التجريبي يميل إلى تشجيع الهدف الواقعي الأسمى للمكسب المعرفي، وكان بالنسبة لناقد ماركسي مثل جورج لوكاتش، ومناهض للفلسفة البرجسونية مثل ويندهام لويس في روايته «الزمن والرجل الغربي» (١٩٢٧). كان هذا بمنزلة النظر في المكان الخطأ؛ فقد ذهب لوكاتش في أواخر ثلاثينيات القرن العشرين، واضعًا كافكا في الاعتبار، إلى أن الحداثيين يحولون الواقع الاجتماعي إلى كابوس مُحمَّل بالغضب ومنافٍ للعقل؛ ومن ثم يحرموننا من أي إحساس بالمنظور. ويزعم أنه لا بد للأدب أن يستغل الإرث البرجوازي بشكل نقدي؛ ومن ثم لا بد أن يكون لديه مفهوم إنساني-اجتماعي واضح لما هو «طبيعي». وهذا هو ما تستنكره الحداثة، من وجهة نظره؛ إذ يرى أنها عاجزة عن خلق «أنماط» مستمرة وقابلة للتصديق، وتمجد النزعة اللاإنسانية والانحراف عن المنطق السوي، ويدافع عن واقعية القرن التاسع عشر التي قوَّضها الحداثيون؛ ومن ثم عن تفضيلاته لكتاب على شاكلة مكسيم جوركي، وتوماس وهنريتش مان، ورومين رولاند؛ لأن الاختبار لأي أسلوب فني هو اختبار سياسي؛ وهو ما ينظر إليه لوكاتش الماركسي كنزعات «تقدمية»: «ما الاتجاهات التقدمية في أدب اليوم؟ إن قَدَر الواقعية غير محسوم.»

على سبيل الإيضاح، ما عليك إلا أن تقارن «الكياسة البرجوازية» لتوماس مان بسريالية جويس. في عقول أبطال كلا الكاتبين نجد استحضارًا حيًّا واضحًا للتفكك والتوقفات، والتمزقات الأنثوية، و«التصدعات»؛ التي يعتقد بلوتش، بشكل صحيح للغاية، أنها سمة نمطية للحالة الذهنية لكثير من الناس ممن يعيشون في عصر الإمبريالية.

هنا يتوقع لوكاتش التحليل التقويضي للوعي الذي قدمه جيل لاحق من «الماركسيين الغربيين»، ولكن الإخفاق هنا في إدراك حقيقة أن الحلقة السريالية الحقيقية الوحيدة، على سبيل المثال، في يوليسيس (سيرس) كوميدية، وتشمل نقدًا حادًّا لأبطال القصة الأساسيين، بأسلوب فرويدي صوري، ليس الشيء الوحيد الذي اتضحت أهميته، وإنما الرفض الضمني المستتر للخطاب النقدي المستقل، كخطاب هذا الكتاب، تحيزًا لحكم جماعي (غالبًا ما يصاغ في الواقع من قبل الجمع)؛ إذ إن «الحشود الغفيرة … لا يمكنها تعلم شيء من الأدب الطليعي؛ لما يشوب رؤيته من غلُوٍّ في الذاتية، والارتباك، والتشوُّه». والشرط الواجب توافره لحدوث هذا التعلم هو التقنية التقليدية المعتمدة؛ وهي الواقعية، إلى جانب توافر الصلة «المناسبة» بالمجتمع:

أن يمتلك كاتب علاقة حية مع الإرث الثقافي يعني أن يكون ابنًا للشعب، يحمله تيار تطور الشعب. وبهذا المعنى يكون مكسيم جوركي ابنًا للشعب الروسي، ورومين رولاند ابنًا للشعب الفرنسي، وتوماس مان ابنًا للشعب الألماني.

عند هذه النقطة تلتقي الشمولية الماركسية والنازية في ازدرائهما لما هو «غير طبيعي».

وقد عرَّف إريك كوفمان صعود الحداثة بوصفها «حركة علمانية عظيمة للفردية الثقافية اجتاحت الفن والثقافة بعد عام ١٨٨٠، واخترقت ببطء المقياس الاجتماعي لتحرير التوجهات في عقد الستينيات من القرن العشرين.» وكما رأينا، هذا هو الموقف، بصفة عامة، على الرغم من أنه كان هناك أيضًا، داخل الحركة الطليعية التجريبية الحداثية، فنانون لديهم نزعة في الاتجاه الجماعي المضاد (كما في الحركة الاتفاقية المبكرة، وفي بعض الجوانب الفاشية الأولية من الحركة المستقبلية)، ولكن كلما توغلنا داخل التوترات السياسية لحقبة الثلاثينيات من القرن العشرين، نجد أزمة متنامية بالنسبة لجميع الفنانين بين الاستبطان، وتأكيد الذات والتعبير الفردي، ومزاعم الجماعية. ومن المثير، على نحو خاص، أن نرى الطرق التي حاول بها بعضهم التوفيق بين تقليدٍ تجريبيٍّ وفرديٍّ، والدعم الذي يقدمونه للحراك السياسي الجماعي. فكان داي لويس، على سبيل المثال، يعتقد أن الشعراء كانوا «على وعي شديد بالعزلة الحالية للفرد، وضرورة وجود كائن اجتماعي؛ لعله يستعيد فكرة التبادل والمشاركة». وكان جورج أورويل يرى بالنظر إلى الوراء أن بعض الحلول المطروحة لهذه المشكلة لم تكن جيدة:

لقد خرجنا فجأة من ظلام الآلهة إلى جو أشبه بجو كشفي من الركب العارية والغناء الجماعي؛ فالأديب العادي بصدد الكفِّ عن أن يكون غريبًا مثقفًا يميل نحو الكنيسة؛ ليصبح طالب علم ذا عقل متلهف يميل نحو الشيوعية.

عبادة القوة

كان البحث عن الولاء الجماعي، في نظر العديد من الحداثيين خلال تلك الحقبة، بحثًا زائفًا؛ فهو لم ينبع من رغبة للتجانس والتوحد وجدانيًّا مع أي مجتمع بعينه، ولكن للتوحد مع قائد بطولي استطاع حل مشكلات هذا المجتمع. وكان سيسيل داي لويس يرى هذا أيضًا:

ها هو تأثير دي إتش لورانس يساعد مرة أخرى في تشويش القضية هنا؛ فنجدها تكمن، على سبيل المثال، في انشغال أودن بالبحث عن الرجل القوي بحق (في «الخطباء»)، وفي تبشير لورانس بالخضوع الروحي للفرد العظيم: «كل البشر يقولون إنهم يريدون قائدًا. فلتدعهم داخل أرواحهم يخضعون لروح أعظم من أرواحهم.» وعلى الرغم من أن هذا لا يتناقض بالضرورة مع النظرية الشيوعية، فمن المحتمل عمليًّا أن يضفي طابعًا فاشيًّا أكثر منه شيوعيًّا على الشعر.

إن عبادة الفرد «القوي بحق»، باعتباره القائم على تطبيق المسئولية الجماعية، توازي نزعة الفاشية لعبادة القوة، والتي يتبناها دي إتش لورانس من عدة أوجه في روايته «الأفعى ذات الريش» (١٩٢٧)، وتناولها صديقه ألدوس هكسلي بالهجاء في روايته «نقطة مقابل نقطة» (١٩٢٩).

لم تكن فكرة البحث عن قائد قوي تروق كثيرًا لبرتولد بريخت، الذي قام في أمريكا بتلخيص «أوبرا البنسات الثلاثة»، من خلال كتابة مسرحية في عام ١٩٤١ عن هتلر في شخصية رجل عصابات من شيكاجو. وهو ليس الكاتب السياسي الوحيد الذي واجه التوتر بين الفرد والمجتمع، ومر بفترة أيَّد فيها هو نفسه فكرة الخضوع لسلطة سياسية، لتجسيد لاحق للسياسة اتسم بالطابع التجريبي والحداثي بوجه عام (وقد شاهدنا بدايات هذا خلال مناقشة «أوبرا البنسات الثلاثة» عام ١٩٢٩، في الفصل الأول). وقد قام في مسرحياته التي ألَّفها خلال سنوات أزمة جمهورية فايمار، من عام ١٩٢٩ حتى عام ١٩٣٢، بتطوير شكل من المسرح (هو «المسرح التعليمي»)، وفيها كان يتم حث الناس من الطبقة العاملة على استكشاف القضايا السياسية الحيوية عن طريق التناوب في أداء أدوارهم الاجتماعية المختلفة ومواقعهم التكتيكية. وقد صُممت هذه المسرحيات فقط لكي تؤدَّى للجماهير البروليتارية وبهم، وإبعادهم عن تأثير الفكر المثالي والمتزمت «البرجوازي».

تم تعديل نص أوبرا «القائل نعم» كأوبرا مدرسية على يد إليزابيث هوبتمان وبريخت بالاشتراك مع فايل، وهي مأخوذة عن مسرحية يابانية (بعنوان «تانيكو» حسب ترجمة آرثر والي). تدور القصة حول أربعة شباب في رحلة جبلية خطيرة حيث يصاب أصغرهم بالمرض. هل يجب أن يعودوا أدراجهم؟ يوافق الصبي الصغير على ضرورة استمرار المهمة، ويغلق الثلاثة الآخرون أعينهم (حتى «لا يشعر أحدهم بالذنب أكثر من الآخر») ويلقون به من أعلى الجبل ليلقى حتفه. ويعلق روس: «ربما تكون السياسة مناقضة لسياسة هتلر، ولكن هناك نفس التوصيف الخرافي للمجتمع، نفس الإغفال لقدسية الحياة.» لا سيما من حيث إن المغزى الأخلاقي للعمل هو «من المهم فوق كل شيء أن تتعلم الإذعان». وقد عُرضت مئات المرات في المدارس في برلين وأماكن أخرى.

تعتبر مسرحية «القرار»، الصادرة عام ١٩٣٠ أيضًا، التي كتبها بريخت لموسيقى من تأليف إيسلر، نموذجًا آخر للمسرحية الرمزية ذات المغزى الأخلاقي، وتتحدث بشكل مباشر عن الصراع بين الولاء للمبدأ السياسي والحق الأدبي (في التعبير الحر). وتُعدُّ أيضًا نصًّا بالغ الأهمية للتمييز بين ثقافة تُدافع عن الفرد والهوية الجماعية التي تخوَّل من خلال عضوية حزب سياسي. تُعرض القضايا في هذا العمل بوضوح صارخ يتجاوز الانجذاب النفسي والسريالي للظلاميين للتحول الداخلي (الذي لم يكن لدى بريخت وقتٌ له)، على الرغم من أن مسرحيته تدور حول شاعر تعبيري يدعى بال. تدور مسرحية «القرار» حول مجموعة من العملاء الشيوعيين المتخفين في الصين لديهم رفيق شاب يعرِّض مهمتهم للخطر بسبب إشفاقه على المضطهدين والمستضعفين، فيقال له إنه لا بد أن يموت، فيذعن لهذا، بل ويخطط له: «لا بد أن تلقوا بي في أحد المحاجر الجيرية … لأجل مصالح الشيوعية المتوافقة مع تقدم الحشود البروليتارية في جميع الأراضي.» وقد كتب هانز إيسلر ترنيمات باخية لتعزيز الاستنتاج النهائي المريع للمسرحية أن «الأفراد لا يعتبرون سوى جزء فقط من الكل.»

هتلر في ميونيخ: النازيون والفن

يمكننا مشاهدة العلاقة العدائية بين مزاعم السياسة العملية ومصير الفن الحداثي، بشكل مباشر، في أوروبا، في الهجوم على هذا النوع من الفن باعتباره «منحطًّا» من جانب النازيين. وعلى الرغم من أن تفاصيل هذا الهجوم قد أثَّرت على ألمانيا، في الأغلب، في فترة ما قبل الحرب؛ فقد كان سمة مميزة لأسلوب السياسات الاستبدادية في الاستهداف الناجح للغاية لإبعاد الفن عن الذاتية والتجريب، وتوجيهه نحو التعبير عن الأفكار الجماعية (في الحالة السوفييتية، كان الفن يوجه نحو مطالبة ﺑ «واقعية اشتراكية»، وبعيدًا عن «الفردية البرجوازية» و«الشكلية»).

fig12
شكل ٤-١: التجريد «المنحط» في الخلفية هنا هو لوحة «البقعة السوداء»، المستنسخة في الشكل ٢-٢، وهناك لوحة بريشته أعلى اليمين.
تم افتتاح معرض رسمي ﻟ «الفن المنحط» في ميونيخ في ١٩ يوليو ١٩٣٧، ثم طاف ألمانيا (جزء من المعرض موضح في الشكل ٤-١). وكما يشير بيتر آدم:

لقد استعار المديرون في تنسيقهم له، بشكل غريب، من الدادائيين الذين يحظون بقدر كبير من الازدراء، طريقة تعليق اللوحات، والشعارات العدوانية التي تشبه رسومًا جرافيتية على الجدران، وفكرة الرغبة في إحداث صدمة في مجملها. كل ذلك فعله الدادائيون قبل سنوات.

قام النازيون ببيع الكثير من الأعمال «المنحطة» التي تم الاستيلاء عليها في مزاد، ولكن من الأعمال المتبقية تمَّتْ مصادرة ١٠٠٤ لوحات، و٣٨٢٥ من الألوان المائية، وتم حرق رسومات وأعمال جرافيك لاحقًا، وذلك في يوم ٢٠ مارس ١٩٣٩، في ساحة محطة الإطفاء في برلين.

تستحق خطبة هتلر في افتتاح المعرض أن ننتبه إليها جيدًا؛ فهو يعرض، بشكل غاية في الوضوح، تلك الجوانب من الحداثة التي يأمل في القضاء عليها؛ أولًا: تخاطب الحداثة نوعية خاطئة من الجماعات (العالمية). وقد أدت الأوروبانية التي أكدت عليها إلى «خبرة جماعية عالمية؛ ومن ثم إلى قتْل أيِّ تفهُّم لعلاقتها التكاملية مع أي جماعة عرقية». ثانيًا: ليست نزعتها التجريبية سوى نزعة «مشوشة»: «في يومٍ تطالعنا الانطباعية، ثم المستقبلية، ثم التكعيبية، وربما حتى الدادائية … إلخ.» والاستجابة الحاسمة لهذا المنهج (أي انتشار أفكاره) هي ما كان هتلر يسعى وراءه؛ لأن «أكثر البشاعات جنونًا وتفاهة» أوحت ﺑ «آلاف الشعارات والرموز لتسميتها». والحكومة هي الجهة التي يتعين عليها ترسيخ هذا الموقف من خلال «تعريف» طبيعة الواقع؛ أي بالمطالبة ﺑ «واقعية» مُعرَّفة وطنيًّا وعنصريًّا في «أيِّ فنٍّ ألمانيٍّ»، والتي «ستكون ذات قيمة خالدة مثل جميع القيم الإبداعية بحقٍّ لأي شعب.» إن مزاعم الذاتية الحداثية و«شعاراتها»؛ مثل: «الخبرة الداخلية»، و«الحالة الذهنية القوية»، و«الإرادة القوية»، و«المشاعر الحُبلى بالمستقبل»، و«التوجه البطولي»، و«التعاطف الهادف»، و«الترتيب المحنك للأزمنة»، و«البدائية الأصلية»، وما إلى ذلك؛ سوف تضطر للتلاشي: «هذه الأعذار الحمقاء الكاذبة، هذا الهراء أو الثرثرة لن يُقبلا بعد ذلك.» ولا الفنانون أمثال براك، وماتيس، وكاندينسكي، وكيرشنر، وماك. في الواقع، جميع الفنانين التعبيريين الألمان العظماء محكوم عليهم بالجنون الانحلالي؛ لأنه من خلال تشويه الشكل الإنساني «ينظرون إلى سكان أمتنا الحاليين باعتبارهم مخلوقات مختلة متعفنة». والأكثر من ذلك أنهم «يرون المروج زرقاء، والسموات خضراء، والغيوم صفراء بلون الكبريت، وهكذا، أو يعايشونها كما هي، على حد قولهم». وهذا طريق طويل يبدأ من روجر فراي. والأفعال المخففة التي يستعين بها هتلر للتهديد بتنفيذ رسالته خبيثة بشكل مخيف: «باسم الشعب الألماني، أريد أن أحظر هؤلاء البائسين المثيرين للشفقة الذين يعانون بشكل واضح للغاية من مرض بالعيون.» وعليه سوف يكون على «وزارة داخلية الرايخ الاهتمام بمسألة إيقاف المزيد من توارث مثل هذا الخلل المريع في وظائف العيون»، كجزء من «حرب تطهير بلا هوادة ضد آخر عناصر الانحلال والفساد في ثقافتنا». ويتعهد أنه «من الآن فصاعدًا … كل هذه الزُّمر من الثرثارين والهواة والمحتالين، الذين يدعم أحدهم الآخر؛ ومن ثم هم قادرون على البقاء، سوف يتم القضاء عليهم ومحوهم».

كذلك أقيمت ثمانية معارض مضادة ﻟ «الفن الألماني العظيم» من عام ١٩٣٧ حتى عام ١٩٤٤. في عمل كهذا:

لا بد أن يكون الموضوع … رائجًا ومفهومًا. لا بد أن يكون ملحميًّا تماشيًا مع مُثُل الاشتراكية القومية. لا بد أن يعلن إيمانه بالنموذج الآري للإنسان النوردي والنقي عرقيًّا.

وانطوى هذا على إحياء لكلاسيكية من أردأ الأنواع؛ فقد وصف أحد النقاد الكولونيين البنية الموضوعية الأساسية للمعرض على هذا النحو: «العالم والفلاح والجندي يمثلون الموضوعات … والموضوعات الملحمية تطغى على الموضوعات العاطفية. تجربة الحرب العظمى، مشاهد الطبيعة الألمانية، الرجل الألماني أثناء العمل، الحياة الريفية.»

إن دور النازيين هنا يعد نموذجًا، ولكنهم لم يكونوا وحدهم في انتهاك الحد الفاصل بين ما هو سياسي وما هو خاص، في موقف مناهض للفردية والليبرالية بشكل صريح وواضح. ولا يزال الأسلوب النقدي التأملي الذي نادى به بريخت (مهما كان قد ترسخ بشكل كبير من خلال مخاطبته للنظام الماركسي والحزبي) ينمو من رحم الاستعداد الحداثي لتشويه الواقع العادي، وتحويله إلى خرافات وخزعبلات (كما توضِّح أعماله اللاحقة)، حتى يتسنى لنا أن نقرر، في إطار قدر معين من التساهل مع الغموض والصراع، من خلال تأويل صوره المجازية، مدى تماثل العمل مع الواقع. نفس الشيء تقريبًا يسري على معظم الأعمال التي نوقشت سابقًا. وهذا بعيد كل البعد عن مطالب «الحياة الواقعية» التي فرضتها الأحزاب الفاشية على الفن في ثلاثينيات القرن العشرين، والتي وُضعت لتعطيل هذه العملية التأملية بدعوى (من خلال استخدام أكثر أنواع التقنيات التصويرية ضجرًا ونمطية ووضوحًا، والتي هي، في الواقع، خادعة ووهمية بشتى الطرق) أن بإمكان الفن أن يكون مرآة عاكسة للواقع، إذا توافرت لديك المعتقدات «الصحيحة». ومن هنا ظهرت الكلاسيكية التصويرية والتموضع الرهيب في أعمال مثل لوحة «الشباب الألماني» ليورجن فيجنر ﺑ «الربات الثلاث» للأمومة الألمانية، وإلى اليسار منها أطفال صغار، فيما يقف بعض الصبية المراهقين من جماعات الكشافة وهم ينشدون الأغاني على أنغام الطبلة والبوق أسفل راية نازية في المنتصف، وإلى اليمين ثلاثة شبان أسبرطيين عارين تمامًا؛ يحمل اثنان منهما رماحًا، والثالث نموذجًا لطائرة. أو لوحة «الرؤية النازية للعظمة» لريتشارد سبيتز؛ وفيها تتجسد ساحة قتال تعجُّ بجنود يحدِّقون في اتجاه الشمس، وفي السماء من فوقهم طيف ملائكي لمجموعة من الجنود المتوفين يشقون طريقهم نحو قلعة في الشمس، تشبه إلى حد كبير قلعة ساحر أوز، ومن خلفها يبرز صليب معقوف ضخم يتلألأ. أو صورة هيرمان أوتو هوير التي تجسد هتلر وهو يخطب على منبر في غرفة مظلمة، فيما تضيء وجوه مجموعته الصغيرة من المستمعين، والعنوان هو «في البدء كانت الكلمة».

تستغل تقنيات الواقعية الفاشية والسوفييتية ما يبدو كتقنية يعتمد عليها؛ وذلك من أجل الترويج لوهم من المقاييس الهوليودية أُسبغ عليه طابع مثالي يصل لحد السخرية، وغالبًا ما يكون شِبْهَ دينيٍّ، بكل مخاطبته المطمئنة لمفهوم شعبي وفني للجماعية. والواقع أن مخاطبة الحكم الفردي هو ما يهاجمه دومًا هذا النوع من الإدارة الثقافية تحديدًا:

إن الثورة الاشتراكية الوطنية هي ثورة فكر! وتكمن عظمتها في حقيقة أنها قد أطاحت بالفكر الفردي الذي ظل يحكمنا لقرون، واستعاضت عنه بالفكر الجماعي.

لم يكن في مثل هذا «الفكر الجماعي» مكان لأي نقاش نقدي، كما أعلن جوبلز في عام ١٩٣٧: «إن إلغاء النقد الفني … ارتبط بشكل مباشر بالعملية الموجهة لتطهير وتنسيق حياتنا الثقافية.» لقد كان يمكن، في نظر النازية، تنحية الحداثة جانبًا كشكل قبيح للفردية؛ لصالح نسختهم الخاصة من الحداثة. صارت مهمة الفنان في ألمانيا هي أن يعكس «الواقع الجديد»، بصدق وإخلاص، مثلما كان السياسيون يرونه، في قوالب عامية وعاطفية ومتخيلة مثل توجهات السياسيين أنفسهم؛ ومن هنا جاء هجوم بول فيشتر على توماس مان لكونه:

بعيدًا عن الحياة، وعالقًا في شراك عالمه المزيف؛ ما جعله فاقد الاتصال بالواقع الجديد في ألمانيا، وتحت وطأة رفضه لحق المولد خاصته، ترك البلاد … ومنذ أن غادر إلى الخارج، لم يَرِد بخطبه ومقالاته أي شيء مشترك مع ألمانيا الحقيقية وحياتها الروحانية.

التقدم و«النقد»

كان الجزء الأكبر من الفن الحداثي، مثلما أوضحتُ، تحرريًّا وفردي النزعة. وقد حاول العديد من المُعلِّقين اللاحقين على الحداثة الإشارة إلى الطريقة التي صار بها تقليد أساسي للفن الحداثي، بالنسبة لهم، جزءًا من نقد يساري، بوجه عام، للمجتمع. وتنطوي الحداثة على «تقليدين» على الأرجح. أحد هذين التقليدين يركز على نزعة طليعية — حيث يُفهم أن لكلمة «تقدمي» معاني هيجلية ماركسية إضافية — لوعي بالتقدم التاريخي نحو التحرر الاجتماعي (والتي يمكن الإفصاح عن «طبيعتها الحقيقية» للمبتدئين في الفلسفة أو النظرية أو اللغة الفنية ذات الصلة). يميل الفنانون في هذا التقليد المثالي لأن يكونوا أشبه بهؤلاء الفلاسفة الذين أرادوا تنقية اللغة الدارجة، جاعلين إياها أكثر منطقية وأكثر «علمية» (مثل: دي ستيل، وحركة الباوهاوس، وشونبرج في بعض الحالات المزاجية). وينظر فنانون آخرون إلى اللغات المختلفة للفن باعتبارها لغة اجتماعية في جوهرها، وربما حتى كلُعبة. ومن داخل المجتمع الفني وبالنظر وراءه، نجدهم واعين بالمنافسة، بل ولديهم وعي بدرجة ما بأساليب خطاب القوة المتنافسة الخاصة بمؤسسات بعينها (وينطبق هذا بشكل خاص على تلك المهتمة بتحرر المرأة). وسوف يكون للتجديد والتطور بالنسبة لهذه المجموعة الثانية علاقة كبيرة بالتطور التاريخي غير المُنظَّم — إلى حدٍّ ما — للمؤسسات وللنشر، وفي ذلك المجلات الطليعية، وللعرض النقدي من أنواع أخرى، ومن ذلك التعاون مع الجماعات الطليعية، والتصورات والمفاهيم الصحفية، وكل خصوماتهم وعلاقاتهم التعاونية. ومهما كان مدى التزامهم تجاه تجمعات طليعية بعينها، سوف تركز فرضيتهم الأساسية على تعددية مؤسسية تتيح لهم الازدهار داخل مجال نقاشي للآراء التي تحظى بأفضل الفرص للوصول إلى الحقيقة. أما بالنسبة لليمين واليسار المتطرفين، على الجانب الآخر، فشعارهم هو «ابقَ ناقدًا»، بمعنى الاستمرار في الإيمان والقناعة بالأمر إلى أن تتحقق لك السيطرة، ولا تغرق في صدام غير نقدي مع القواعد الاجتماعية الجديدة، أو تصبح متساهلًا أكثر مما ينبغي مع أمور مثل استقلال العمل أو استقلال الأشخاص. لكن بالنسبة للوسط الليبرالي، فإن النقاش النقدي الذي تثيره الأفكار والأعمال الفنية الجديدة والصعبة هو ما يهم في الأساس.

هذا يعني أنه كانت هناك جماعات فوضوية وراديكالية وموقرة للتقليد حول الوسط السياسي أسست حداثة ليبرالية، فقامت الحركة الدادائية، على سبيل المثال، التي رفضت في بياناتها الأولى أي شكل من أشكال الأيديولوجيا المنظمة، بالتشكيك في المؤسسات التي كانوا هم أنفسهم يعملون تحت مظلتها، ما جعل الدادائية بالنسبة لكثيرين النموذج المثالي لطليعية راديكالية؛ ما أدى إلى «ثورة ضد الفن» هاجمت «الفرضية غير النقدية القائلة بأن الفن يجسد ويبيح رؤيةً ما للثقافة». أما التقليد الليبرالي البرجوازي، على الجانب الآخر، فكان يميل إلى التوفيق ما بين أفضل ما في الثقافة وأفضل ما في الفن، لتكوين ما من شأنه أن يصمد ويظل ملائمًا، بما في ذلك فن الماضي (وهو منهج للتقليديين والحداثيين التلميحيين وُصف فيما سبق).

إن طبيعة الحركة الطليعية هي القضية هنا، إذا كنا نحاول فهم الحركات الحداثية في العموم، وليس إدراك النزعات اليسارية، أو الليبرالية، أو اليمينية داخلها بشكل انتقائي والدفاع عنها. وأتفق مع ديانا كران في أن كل الفن الطليعي تقريبًا، سواء ينزع إلى اليسار أو اليمين، هو فن متقدم في الأفكار، ومجدد أو تجريبي في الأسلوب، وصنعه فنانون «لديهم التزام قوي تجاه القيم الجمالية المتمردة على التقاليد، ويرفضون الثقافة الشعبية وأسلوب حياة الطبقة الوسطى على حد سواء.» وهكذا تكون الحركة الطليعية مكملة للعمل الأكبر للثقافة العالية، وهي تتمحور حول حل المشكلات الفنية والجمالية (بالمقارنة مع الثقافة الشعبية، التي تتسم بمزيد من الصيغية في منهجها). وهذه الحلول، كما حاولت أن أشير، يمكن أن تخلق مكسبًا معرفيًّا قيمًا للفنان والجمهور؛ لذلك فإن حركة ما تكون طليعية «من الناحية الجمالية»، من منظور كران، إذا ما أعادت تعريف التقاليد الجمالية، واستفادت من الأدوات والتقنيات الفنية الجديدة، وأعادت تعريف طبيعة العمل الفني. وهي طليعية «من الناحية السياسية» (أي في أسلوبها في تناول المحتوى الاجتماعي) إذا ضمَّت قيمًا نقدية اجتماعية وسياسية مختلفة عن قيم ثقافة الأغلبية، وأعادت تعريف العلاقة بين الثقافة الرفيعة والثقافة الشعبية، وتبنَّت توجهًا نقديًّا نحو المؤسسات الفنية (كما في الدادائية على اليسار، و«معيار» إليوت على اليمين، على سبيل المثال). ومن الممكن أن يستوفي الحداثيون على اليسار واليمين هذه المعايير (ويتم هذا بالنسبة لليمين، بشكل كافٍ عادةً؛ حيث يمكن دمج التطور التكنولوجي الرأسمالي مع عملية تحديثية؛ ما يترتب عليه ظهور فن عمارة الباوهاوس).

وقد افترض العديد من المعلقين اليساريين على الحداثة، بما لا يدعو للاستغراب، أن اتجاهها «تقدمي» (كجزء من المفهوم اليساري للتطور التاريخي)، وأن تجديدات الاتجاه الخاصة باليمين تتسم بالتوق إلى الماضي، على أقصى تقدير، ولكن يمكن للمرء أن يتساءل إن كانت الحركات الطليعية، سواء يسارية أم يمينية، تقدمية بأسلوب حداثي مميز، أم هي ببساطة تتابعات تاريخية للصراعات السياسية الراسخة (صراعات القرن التاسع عشر في الواقع) بالوسائل الفنية المعاصرة. هل هناك أي شيء حداثي بطبيعته يمكن الإفصاح عنه من خلال مثل هذا التحليل السياسي؟

تؤكد الحداثة، مثل غيرها من الحركات الفنية، تأكيدًا كبيرًا على التجديد والتغيير الفني، ولكن يظل السؤال قائمًا بشأن ما إذا كانا تقدميين أخلاقيًّا أو سياسيًّا في الواقع. هل يقودان الحقبة ككل في اتجاه معين؟ دائمًا ما يكون هذا من قبيل التفكير القائم على الأماني؛ فقد كانت هناك حركات طليعية متشعبة عديدة كانت في غاية النجاح ودامت طويلًا، ولكن أي «نموذج خطي» للحداثة ككلٍّ سوف يكون — بصفة أساسية — ذا نزعة توحيدية ومدفوعًا أيديولوجيًّا (مثلما يشير هجوم أدورنو على سترافينسكي الوارد في الفصل الثاني). والواقع أن فكرة التطور النخبوي أو المدفوع من الحركة ربما تكون قد ضللت كثيرين في ذلك الوقت؛ لأن بمقدورنا الآن النظر إلى الحقبة ككلٍّ، وأن نرى، في الواقع، أن تعددية انتقائية وحوارًا كانا سائدين.

ولدينا في الموسيقى، على سبيل المثال، شتراوس ومالر، إذا جاز التعبير، على الجانب الرومانسي والمعبر عن الذات، وسترافينسكي على الجانب «الموضوعي» والتحول إلى الكلاسيكية الجديدة، وشونبرج الذي يتحول من جانب إلى آخر. وقد ظلت الاحتمالات الثلاثة متاحة إلى جانب المناهج الأكثر انتقائية بكثير للحداثيين المجددين؛ أمثال: تشارلز آيفز، وإدجار فاريز، وجون كيدج؛ لذلك دائمًا ما يكون أمرًا نظريًّا إلى حدِّ الهراءِ الاعتمادُ على جدلية خفية، ينظر فيها إلى مدرسة شونبرج، أو التجليات الخفية لحركة دي ستيل، أو ثيوصوفية وخرافة ييتس، أو حتى تطور السمات الشكلية، مثل «التسطيح»، الذي اعتبره كليمنت جرينبرج السمة النوعية المميزة للرسم الحديث بحق، أو الدافع «العلمي» نحو اقتران الفن بالتكنولوجيا، المؤيد من الباوهاوس؛ باعتبارها الحامل الأوحد «لعبء التاريخ التقدمي» في الفنون.

تخيل أنك تحاول، الآن، تحديد أي من جويس، أو وولف، أو لورانس، أو بيكاسو، أو كاندينسكي، أو إرنست، أو موندريان، كان الأكثر «تقدمية»، ولماذا. ناهيك عن طرح نفس السؤال بالنسبة لويلز، وشو، وبريخت، وآخرين، الذين «كانوا» حقًّا ملتزمين بالتدخل السياسي اليساري؛ لأنه من المفترض أن يكون السؤال في حالتهم أكثر سهولة في إجابته. ما يحدث — في الغالب — هو أننا نفكر في خط تطوري مقبول بوجه عام؛ كخط التحرر النسائي، وحينئذٍ يكون المقياس أوضح كثيرًا. فنجده يضع إبسن قبل شو وجويس، على الرغم من معتقداته المستقاة من إبسن، في موضع مختلف، فيما يحذف إليوت ولويس وباوند ومعظم المستقبليين، بينما تكون فيرجينيا وولف — باعتبارها مناصرة للحركة النسائية، ومجددة، وتتميز بوعي ثقافي، وعلى الأخص في رواية «بين الفصول» (١٩٤١) — على الجانب «اليميني» بدرجة أو بأخرى.

إن هذا التصنيف الأخلاقي والسياسي، بقدر ما قد يعتبر قيِّمًا في سياقه، فإن تأثيره محدود على فهمنا لتطور تاريخ حركات الفن الحداثي. إنه انخراط حقيقي مع حركة التحرر النسائي، كما هو موضح في الكتابات الكثيرة التي تناولت هذا الأمر، سيكون من شأنه النظر عن كثب شديد إلى شتى أنواع التجمعات المؤسسية والاجتماعية، والكاتبات وعلاقاتهن المتبادلة، وما إلى ذلك.

يمكننا من منظورنا الخاص أن نرى أن الأنماط المتباينة قد أدت إلى صنوف مختلفة من الدلالة الثقافية الواسعة ذات المدى الطويل، والتي تضفي على أعمال كبار الفنانين الحداثيين مكانتهم المتعارف عليها. والتغيرات المهمة هنا لا تكمن فقط داخل الثقافة «الرفيعة»؛ فكما يذكرنا ديريك سكوت: «كان لموسيقى البلوز ذات الاثنتي عشرة فاصلة، والتي قيست في إطار الدلالة الاجتماعية، أهمية أكبر بالنسبة لموسيقى القرن العشرين من صف الاثنتي عشرة نغمة.» قد يُنظر إلى الأخيرة بوصفها أكثر «تقدمية»، ولكن فقط في نطاق التقاليد الشكلية للموسيقى ككلٍّ؛ فالمقاييس الاجتماعية والجمالية في تفاعل دائم، وفي الحقب ذات النشاط الفني الكبير من الممكن أن تكون مستعصية بشدة على التنبؤ.

ثمة تركيز جمالي مقيد على التطورات في التقنية (وما يلازمها دائمًا وعلى نحو مفرط من السعي وراء العمل المنهجي الموحد لأقصى حدٍّ، كما في حقبة الستينيات من القرن العشرين) يميل لأن يقودنا للاعتقاد بأن مجموعة موسيقيةً ما يمكن أن تكون بمفردها على الخط الصحيح أو «الضروري» للتطور. فهناك، مثلًا، علاقة واضحة تقدمية تقنيًّا بين أوبرات «تريستان» و«إلكترا» و«التوقع» في تطويرها للكروماتية، إلا أن ما يحرك التشابهات بينها حقًّا كأعمال فنية مستمد على نحو مؤكد من الأفكار الأكثر انتشارًا، بوجه عام، عن التجسيد اللاعقلاني والإباحي الجديد للنساء ونشاطهن الجنسي. وكما قلت من قبلُ، فإن الأفكار التي تقف وراء التغيير الفني، وتأثيراتها النفسية المستحبة بدرجة ما أو بأخرى على الجماهير، هي التي تشكل أهمية لمفاهيم التقدم، وهذه الأفكار توجد داخل وخارج الفنون، وليست جميعها سياسية بوضوح.

لذا لم يعد رسم لوحات تجسد الإنسان «بعد التكعيبية» شيئًا مقدسًا للغاية؛ إذ يمكن تحويله إلى منظر طبيعي كثير التضاريس — وبعد الدادائية وأوبرا «التوقع»، صار التداعي اللاعقلاني للأفكار يؤسس نفسه كوسيلة لفهم الطبيعة البشرية، في أعمال من «ووزيك» لبيرج إلى «أغنيات لملك مجنون» لماكسويل ديفيز. وكما أشار العديد من المعلقين، هناك عدد من الخيوط أو السلالات يجدر النظر إليها هنا؛ فالتغيرات الفنية الجوهرية في الموسيقى، على سبيل المثال في عام ١٩١٢، والتي شهدت التحرر من الموضوعاتية في «الألعاب» لديبوسي، وبداية النغمات النشاز في «بييرو في ضوء القمر» لشونبرج، والمقاييس والإيقاعات الثورية لباليه «طقوس الربيع» لسترافينسكي، كان يمكن — واستطاعت بالفعل — أن تنطلق في شتى أنواع الاتجاهات، ولم تكن جميعها لا مقامية، ولم يكن أحدها ينتمي إلى أي جماعة طليعية بعينها. وكانت الابتكارات الثلاثة جميعًا محررة، وجميعها فرضت مشكلات جديدة على المؤلفين الموسيقيين على اختلاف قناعاتهم، وأمكن استخدامها داخل نطاق جميع صنوف الأطر التمثيلية للأفكار، ما أتاح، على سبيل المثال، الأحاديث الممطوطة الرمزية الصوفية لأوبرا كارول شيمانوفسكي «الملك روجر»، والهمجية المدنية لباليه بيلا بارتوك «الماندرين العجيب»، وحتى الكوميديا الغنائية التي اتسم بها عمل ويليام والتون «الواجهة».

ولعل الأفضل أن نرى التقنيات الحداثية باعتبارها قادرة على المواجهة في شتى أنواع الاتجاهات، على الرغم من المطالبات التقدمية المتعلقة بالطرق المستحسنة للاستفادة منها؛ على سبيل المثال، تطور الكولاج السياسي في حقبة الفايمار، أو تأثيرات التغريب البريختي. ويرجع هذا إلى أن الفن الحداثي الراسخ كان يستهدف — بشكل شبه دائم — التأثيرات السياسية أو الاجتماعية (أو الدينية) المتعددة على عقل القارئ، أو المستمع، أو المشاهد. ومن هنا جاء الطابع النسوي لدوروثي ريتشاردسون وفيرجينيا وولف، وقومية ييتس وجويس، والتحليل الاجتماعي لأودن وزملائه، وجورج جورسز، وجون هارتفيلد (هيلموت هيرزفيلد) وأوتو ديكس، ودفاع أودن، وإليوت، وسترافينسكي عن المسيحية، والعلاقة بين فن العمارة والمجتمع، تلك العلاقة التي طرحها جروبيوس ولو كوربوزييه؛ والنقد الساخر واللاعقلاني لإرنست وأراجون، والتحرر الجنسي الذي استهدفه جيد، وجويس، ولورانس، وبريتون، ناهيك عن النقد الاجتماعي الشعبي في أفلام مثل: «الأزمنة الحديثة»، و«ميتروبوليس»، و«المدمرة بوتمكين» وما إلى ذلك. ومعظم هذا الفن، بالنظر إلى الفرضيات العامة للمجتمعات في أوروبا في مطلع القرن العشرين، ليبرالي أو يساري بشكل واسع في المقصد، إلى حدِّ أنه يقارن الأيديولوجيات السياسية المحافظة السائدة مع نموذج غير إلزامي، ولكنه نقدي للثقافة.

fig13
شكل ٤-٢: جون هارتفيلد، «كما في العصور الوسطى … كذلك في الرايخ الثالث» (١٩٣٤). المقارنة بين الثقافات بالمونتاج الفوتوغرافي التلميحي، والخيانة النازية لكل ما هو حديث.
إن الأعمال الحداثية كافة ترتبط بطريقة ما بالبرامج السياسية، لدرجة أنها كانت متفاعلة مع صراعات سياسية حالية في المجتمعات. ويتضح هذا على نحو خاص، على سبيل المثال، في حالة جورج جروش وزملائه في مجال دمج وتجميع الصور الفوتوغرافية، والإخوة هيرزفيلد (انظر الشكل ٤-٢)؛ فقد كان باكورة أعمال جروش كدادائي يحمل قدرًا كبيرًا من التعبير الهندسي المستقبلي والتكعيبي، ولكن خلال مشواره لاحقًا، نجده يهذب هذا إلى أسلوب كارتوني أكثر تمثيلًا بكثير، على اعتقاد منه بأنه يتفاعل «مع الميول الهائمة كالسحب لما يسمى بالفن المقدس الذي وجد معنًى فيما هو تكعيبي وقوطي» في إشارة إلى الحركة التعبيرية. ويذكرنا هذا أنه في جميع الحقب يوجد تقليد من تقاليد الفن الواقعي مدفوع بقوة بالملاحظة الأخلاقية. وفي حالة جروش، يظهر هذا في الكثير من اللوحات ومجموعات رسوماته، وأبرزها «وجه الطبقة الحاكمة» (١٩٢١) و«ها هو الإنسان» (١٩٢٣)، اللذين ربما يكونان الأبرز بين كتبه؛ فهو لا يُعنى فقط بالخيانة أو معاناة العمال، ولكنه ينظر إلى الحياة الخاصة للطبقات الحاكمة، الذين يُنظر إليهم كداعرين، ومولعين بقتل الرغبة، وبُغاة، فيما يعد رؤية بهيمية وقبيحة وسيرسية للسياسة والنشاط الجنسي. وهي ترمز إلى التجرد من الإنسانية الذي يظهر داخل أي مجتمع رأسمالي، حين يعامل الأقوياء الآخرين كمجرد أشياء.

إنني أعتزم خلق رؤية واقعية تمامًا للعالم … لم يعد الإنسان فردًا يُمثَّل برؤية نفسية ثاقبة، وإنما هو مفهوم جماعي شبه آلي. اطمس اللون، وستجد الخط مرسومًا حول بنية فوتوغرافية متجردة لإعطاء اتساع. مرة أخرى، عودة إلى الثبات وإعادة البناء، والوظيفة مثل: الرياضة، الهندسة، الآلة. لا مزيد من الرومانسية المستقبلية الديناميكية.

لا شك أن جروش قدَّم إسهامات مهمة للتشخيص الثقافي من النوع السياسي، فنجد لوحته «أعمدة المجتمع» (١٩٢٦) تقدم توجهًا تنبئيًّا نحو النازية؛ إذ تُصوِّر عنف وعسكرية اليمينيين. وكما عبر كارل أينشتاين عن ذلك، في عام ١٩٢٣:

هناك توتر هائل بين أقطاب الفن المعاصر؛ فالبنائيون والرسامون اللاموضوعيون يؤسسون ديكتاتورية للشكل، بينما آخرون أمثال: جروش، وديكس، وشليشتر، يحطمون الواقع بموضوعية لاذعة. إن رسمهم بمنزلة حكم بالموت، ورقابتهم بمنزلة سلاح شرس.

يعتمد جروش على توافق رسام الكاريكاتير مع الواقعية، مهما كان عصريًّا (كما يفعل بيكاسو)، ولكن ماذا يحدث للمضمون السياسي لعمل حداثي بالكامل، يستغل تقنية حديثة من تقنيات ما بعد الحداثة، ويعتمد على عدة طبقات من التلميح التاريخي والخرافي والفني؟ كثير من الروائع الحداثية جمعت بين التجريب الشكلي والدلالة الفلسفية أو السياسية؛ ﻓ «الرباعيات الأربع» لإليوت، على سبيل المثال، تعد بنية لفظية مستقلة وجميلة، وأيضًا تحليلًا عميقًا للاهوتية الإنجيلية. من الممكن بالطبع وضع الشكلية والاستقلالية الجمالية (اللتين يمكن أن يبدو أنهما موجهتان للمتع الخاصة لا أكثر) والالتزامات السياسية إحداها ضد الأخرى، ولكن في الكثير من الحالات الحداثية كانت متعاونة (لا سيما في «ووزيك»).

«الجورنيكا» (١٩٣٧)

لقد استهللت هذا المقال ببعض الأمثلة، وأود أن أختتمه بمثال له مدلول سياسي عظيم مثل أي عمل آخر. تجمع لوحة «جورنيكا» لبيكاسو (الشكل ٤-٣) بين محاكاة سياسية، تظهر التأثيرات المرعبة لواحدة من الغارات الجوية الأولى التي وجهت ضد سكان مدنيين، والغضب المعنوي النابع من ذلك، مع استخدام عميق للتقنيات الحداثية التلميحية والخرافية والمشوهة للشكل. وكان تأثيرها السياسي، باعتبارها دراسة للحرب والإرهاب، تأثيرًا دائمًا، منذ عرضها في نحو عام ١٩٣٧، حتى استخدامها الحالي، في نسخة من النسيج المزركش، بإحدى ردهات مقر الأمم المتحدة (وكانت مغطاة حين أصدر كولن باول تصريحًا أمامها بشأن غزو العراق). إن تأثيرها يكمل ويمدد، ويعطي عمقًا إنسانيًّا للواقعية التي تؤسس لحقائق تاريخية. وقد تجلى هذا التناقض في عرضها الأول في الجناح الإسباني بمعرض باريس الدولي؛ حيث «كان كل زائر في مواجهة تمثال «مونتسرات» لجونزاليز الذي ينتمي للفن الواقعي الاشتراكي عند المدخل، وتمثال حديدي لفلاحة تقف في شموخ في مواجهة جميع الوافدين حاملة منجلها ودرعها»، والصور الفوتوغرافية لجورنيكا في شعلات لهب على أرضية بالأعلى، إلى جانب لوح جداري يحمل قصيدة بول إيلوار «انتصار جورنيكا». وقد كان هذا التصوير الفوتوغرافي والفن الواقعي الاشتراكي متعاونًا مع، وليس ضد، الجداريات الحداثية الضخمة؛ فوجودهم معًا وحده هو ما مكَّنهم من فرض استجابة تأملية.
fig14
شكل ٤-٣: بابلو بيكاسو، لوحة «جورنيكا» ١٩٣٧. تصوير للقصف العشوائي للمدنيين؛ وهي لوحة تتسم بالغموض والضخامة، وتمثل رائعة من روائع التلميح الضمني المعقد، وتعد بمنزلة نبوءة مرعبة.

عند النظر إلى الجوانب الحداثية للرسم، يمكننا أن نرى انبعاثًا للكلاسيكية الجديدة؛ «مزيج الركود والصخب» في عمل أشبه بإفريز، و«الأسلوب النحتي الدقيق لمشاهد المعارك الديفيدية» في «عرض مهيب للصراع حمل معارضة قوية لتقليد ديفيد». ولكن تيم هيلتون، الذي أحذو حذوه، يرى «جورنيكا» أيضًا كلوحة غامضة تحمل أيقونات مبهمة؛ فلا أحد حقًّا يعرف إلام يرمز الثور، على سبيل المثال. وهذه الالتباسات من شأنها التأثير على أي تقييم للتأثيرات السياسية للعمل.

في أكتوبر ١٩٣٧، استخدم أنطوني بلانت، الذي كان آنذاك مؤيدًا ستالينيًّا للواقعية الاشتراكية؛ الحجة الجماعاتية، فكان يرى أن صور بيكاسو الخيالية الخاصة كانت فقط «لزمرة محدودة من الملحدين». وهذا يفرض سؤالًا: كيف يمكن لفن حداثي كهذا أن يكون فنًّا للمعارضة في الساحة السياسية على نحو فعال؟ من الواضح أن التأثير المعارض للوحة «جورنيكا» في ذلك الوقت كان على الأرجح أقل من، أو على الأقل خاضعًا لتأثير الصور الفوتوغرافية، التي رسخت، بالاشتراك مع شهادات العيان التي أدلى بها مراسلو الصحف، للحقائق المادية والتاريخية للوحشية. لكن كعمل فني، فإن «آثارها» معدٌّ لها أيضًا أن تتجاوز فترة التدخل السياسي الفعال؛ ومن هنا يبرز السؤال لبلانت وأمثاله: هل يريدون ذلك النوع من الفن الملائم دائمًا من الأساس؟

الإجابة هي أن «جورنيكا» ليست، ولا ينبغي أن تكون، مجرد جزء من ذلك الجدال المحلي، وهي لا تتحيز بشكل واضح لأحد في الولايات المتحدة أيضًا، أيًّا كان الواقف أمامها. لا بد أن نحدد ما نعتقده بشأن سخطها المعنوي على التدمير العسكري أو الإرهابي لسكان مدنيين (وما إذا كان ذلك ينطبق على العراق).

وهناك الكثير من الصور الفوتوغرافية والتقارير الأحدث لمساعدتنا في الصحف وفي التليفزيون، وإلا قد تكون «مجرد» صورة مسالمة، حتى وإن كانت تحتج وتستسلم للاستمرار الحتمي لهذا النوع من الظلم وخرافات التحول إلى النمط العسكري الداعمة لهذا الظلم، والتي، كما يعتقد العديد من الحداثيين (أبرزهم نيتشه وييتس)، تتكرر مرارًا حتمًا.

ولكن كيف يمارس هذا الاستغلال للخرافة تأثيره؟ يرى ماكس رافاييل، الذي كان يمارس الكتابة وقت أن كانت «جورنيكا» في أوج شهرتها، أن الرمزية الخرافية في غاية التباين والتناقض؛ فالثور، على سبيل المثال، قد يُنظر إليه كرمز لقوة الحياة الذكورية، أو رمز للانبعاث والنهضة، أو حتى كرمز للسادية البليدة للفاشية. ويمكن أن يكون الحصان تعبيرًا عن الفاشية المهزومة، أو الناس وهم في حالة من الهزيمة القربانية. ويحاكي رافاييلُ بلانتَ في الاعتقاد بأن رمزية العمل ليست «بديهية»، و«مسفهة» أكثر منها محفزة على «الحراك الإبداعي»؛ فالصورة شخصية أكثر من اللازم، ومليئة «بالوساوس الداخلية» (وكأنها من صنع دالي)؛ ومن ثم «تخفق في احترام الحراك الواقعي في العالم الواقعي». والحراك «الواقعي» هنا يبدو شبيهًا إلى حد كبير بالحراك الحزبي، ولا يوجد الكثير من المنطق في الاعتقاد بأن له أحقية أكبر في ادعاء «الواقعية» من أي نوع آخر. ويتوصل كريستوفر جرين إلى مجموعة مختلفة من الاعتبارات الحداثية، مذكرًا إيَّانا بأن التحليل النفسي ادَّعَى شمولية للخرافة؛ ولذا يحظى الابتذال الظاهر للرمزية هنا بشمولية معقدة عن طريق التلميح الضمني؛ ومن ثم فهي بعيدة كل البعد عن التأثير الخاص أو الاستحواذي؛ فالنساء الحزينات يستدعين إلى الأذهان صلبًا مسيحيًّا، والثور يستدعي إلى الأذهان المصارع. ويرتبط الحصان بالخرافات الإسبانية للتضحية في حلبة مصارعة الثيران. ونطاق هذا كبير في الواقع؛ ولذلك نعود إلى الاعتبارات التي أثارها استشهادي الافتتاحي من رواية «يوليسيس»، الذي يعد أيضًا عملًا خرافيًّا ينتمي للكلاسيكية الجديدة، وذا طابع شمولي، وتجريبيًّا — بلا شك — مثل «جورنيكا».

تعتبر لوحة بيكاسو مثالًا ممتازًا للصراع الحدودي للحداثة مع الفن الواقعي، ومع المتطلبات السياسية التي يمكن فرضها على العمل التجريبي. ومن الواضح أن الكثير جدًّا من الأمور تعتمد بوضوح على سياسة اللحظة. وقد ساعد التأويل السياسي «الواضح» للصور الفوتوغرافية (ناهيك عن التقارير في الصحافة) على جعل لوحة «جورنيكا» عملًا ضروريًّا للغاية، ولكن في المنظور الأطول مدًى، قد يكون هناك امتنان أعمق وأكثر استمرارية للفنون، وبخاصة فنون الحداثة؛ لنماذجها النوعية ذات الطابع الكلاسيكي المجدد والشمولي، ومغزاها الأخلاقي الإنساني المستمر، ومطالبها السياسية، واستعدادها لجمع الثقافات معًا، من خلال رؤية أطر لاهوتية وسياسية متباينة عبر ما تحويه من خرافات ورموز. وخلال ذلك، يمكن أن تكشف عن شيء عميق، ومتضارب وصعب أيضًا، يتعلق بالسلوك البشري. وهذا ما عولت عليه لوحة «جورنيكا» لتبقى لأمد طويل رائعة من الروائع الفنية؛ فالبقاء القوي المذهل للأعمال الحداثية العظيمة، وملاءمتها المستمرة لسياقات سياسية مختلفة إلى حد كبير (ولعالم تحظى فيه ماركسية رافاييل بمكانة أقل بكثير)؛ هما ما يجب أن يُشكِّلا أهمية بالنسبة لنا.

ولكن قد نتساءل أيٌّ من السياسة والثقافة هو الحاوية، وأيٌّ منهما المحتوى؟ في اعتقادي ثقافة الأمة، ناهيك عن الثقافة الأوروبية الجماعية التي ألهمت معظم الحداثيين (بما في ذلك رواياتها التاريخية المستحسنة)، يجب اعتبارها دائمًا الوعاء الحاوي لسياستها (التي لا بد أن نتمنى لها دائمًا أن تنهزم، في أسوأ مظاهرها) وليس العكس؛ فالتعاطفات الثقافية الشاملة والجامعة للحداثة هي ما تجعلها ضرورية جدًّا للثقافة وصراعات العصر الحالي، الذي يواجه تحديات هذا القرن، ولكنه لا يستطيع نسيان الدروس التاريخية أو الحكمة الفنية للقرن السابق.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١