الفصل التاسع

قبل انطفاء الأضواء

توقَّفت الفرقة، ودوَّى صوت تصفيق من الراقصين المتحمسين، وقبل أن تنطلق عبارات الإطراء بدأت الفرقة الثانية في عزف مقطوعة «كوللو».

لم تكن ميرابيل سعيدةً على نحو استثنائي. فبرغم أن شريكها كان هو الأمهرَ من بين مجموعة الراقصين، لكن ينقصهما وحدةُ الهدف، وانسجامُ الاهتمامات تلك التي تصنع كلَّ الفارق بين الراقصين المتناغمين وبين الراقصين المتنافرين.

استجْدَته ميرابيل قائلةً: «هل يمكننا الجلوس؟» وأضافت: «أشعر بالحرِّ بعض الشيء.»

فسألها قائلًا: «أتسمح السيدة الكريمة بالجلوس في القاعة الصغيرة؟ فالحرارة ألطفُ هناك، والمقاعد مريحة.»

نظرَت إليه في استغراب.

وقالت: ««السيدة الكريمة» هو تعبير ألماني — لِمَ تستخدمه يا لورد إيفينجتون؟» ثم أضافت لطمأنتِه: «أراه تعبيرًا لطيفًا جدًّا.»

فأجابها السيد جيرتر قائلًا: «عِشت في ألمانيا سنواتٍ عديدة». ثم أضاف: «لكني لا أحبُّ الألمان — إنهم شديدو الغباء.»

لو كان قد قال «الشرطة الألمانية» تحديدًا لكان أقربَ إلى الحقيقة؛ ولو أضاف أن هذا الكُره كان متبادَلًا، لربما حاز الثناء على صراحته.

في نهاية القاعة، كان هناك باب، تُخفيه نسبيًّا الورودُ التي تُزيِّن منصة الفرقة الموسيقية، يُفضي إلى قاعةٍ أصغر، يفصلها بصورة عادية عن القاعة الرئيسية بابان قابلان للطيِّ نادرًا ما يُفتحان. وكانت الغرفة المُلحَقة ستُستخدم كمشتل زجاجي تلك الليلة. حيث كانت أشجار النخيل والزهور المصطفَّة في كلِّ مكان. وشُكِّلَت التعريشات اصطناعيًّا، ووُضِعَت المقاعد والطاولات في الأركان المنعزلة الدافئة، التي تحجبها الشُّجيرات نسبيًّا، في تصميمٍ بديع يسرُّ أنظارَ الجالسين أمامه.

وقف مُرحِّبًا عند مدخل مغارة صغيرة يُنيرها فانوس صيني ورقي ملوَّن وحيد.

قالت ميرابيل: «أرى أن نجلس في المكان المفتوح»، وسحبت كرسيًّا.

فردَّ السيد جيرتر قائلًا: «اسمحي لي.»

وفي لمح البصر صار إلى جانبها، هيَّأ الكرسي، وأتى بمسند، فارتمت على الكرسي متنهدةً بارتياح. وقد كان الوقت باكرًا بالنسبة إلى توافُد المتكاسلين، فجالت بنظرها، ورأت أنهما كانا بمفردهما، باستثناء نادلٍ وحيد كان يشد رباط مريوله مراقبًا الزبائن المُحتمل وصولهم.

سألها قائلًا: «هل ترغبين في النبيذ … لا؟ ماذا عن عصير البرتقال الغازي؟ جيد!» فاستدعى النادل وأعطاه الطلب. ثم قال لها: «أرجو المعذرة إن كنت غريبًا بعض الشيء. فقد عِشت في ألمانيا سنواتٍ عديدةً — باستثناء وقت الحرب؛ إذ كنت في فرنسا.»

بالطبع عاش السيد جيرتر في ألمانيا عدة سنوات، لكنه لم يزُر فرنسا أبدًا. ولا سمع عيارًا ناريًّا واحدًا أُطلِق في الحرب. صحيح أنه قد انفجرت قنبلةٌ جوية على نحوٍ خطير بالقرب من السجن في ماينز حيث كان يقضي عقوبةَ السجن لمدة عشر سنوات بتهمة القتل، لكن هذه الواقعة هي كل علاقته بالحرب.

«أنتِ تعيشين في الريف، أليس كذلك؟»

«في لندن: أنا أعمل مع السيد أوبيرزون».

«هكذا: إنه رجلٌ جيد. رجل نبيل».

لم تكن شديدةَ الإعجاب بخُلُق الدكتور أوبيرزون، لكن كان شعورًا طيبًا أن تسمع غريبًا يتكلم بهذا اللُّطف عن مدير عملها الجديد. وفي هذه اللحظة، شردت بذهنها لمزرعة هيفيتري؛ حيث غرفةُ الاستقبال الجميلة بأقمشتها المزخرفة — غرفة كانت ستملؤها في هذه الساعة الأزهارُ المسائية بأريجها المتسلِّل عبر النافذة المفتوحة. والكلب جيم، من نوع فوكس تيرير، الذي يتجوَّل بائسًا من غرفةٍ إلى غرفة، يتشمَّم باب القاعة في تعاسة. فشعرتْ بغُصة في حلقها. وأحسَّتْ بأنها بعيدةٌ عن بيتها وبأنها وحيدة. أرادت أن تنهضَ من مكانها وتركض عائدةً إلى حيث تركتْ جوان وتُخبرها بأنها غيَّرتْ رأيها وأنها يجب أن تعود إلى جلوستر تلك الليلة — عندها بدأت تجول بنظرها بصبرٍ نافد بحثًا عن النادل. في هذه الأثناء كان السيد جيرتر يعبث ببعض الشفَّاطات التي التقطها من حاويةٍ زجاجية موضوعة في منتصف الطاولة. وكان أحد طرفَي الشفَّاطات ظاهرًا من فوق حافة الطاولة، بينما كان الطرَفُ الآخر مغروسًا بعمقٍ في الفوهة الواسعة للزجاجة الصغيرة التي يُمسك بها في اليد الأخرى. وقد امتلأت الشفَّاطات المجوَّفة بارتفاع نصف إنش بالمسحوق الأحمر الذي يملأ الزجاجة.

«معذرةً!»

قالها النادل وهو يضع عصير البرتقال الغازيَّ على الطاولة وذهب ليأتيَ بالباقي. بينما كانت عينا ميرابيل مثبتتَين في حزنٍ على باب صغير في نهاية القاعة. إذ كان الباب يؤدي إلى الشارع، حيث تقف سيارات الأجرة التي يمكن أن تُقلَّها إلى بادينجتون في غضون عشر دقائق.

بينما كانت تنظر حولها، كان جيرتر يُحرِّك المحتويات الصفراء في كأسها الزجاجيةِ بملعقة. وكانت شفَّاطتان تَبرزان بشكل ممتع من الرغوة التي تعلو عصيرَ البرتقال. فابتسمت وأمسكت بالكأس بينما كان يضع سيجارةً في مبسم السجائر الأسود.

وسألها قائلًا: «أيمكنني التدخين … أجل؟»

كانت الرشفةُ الأولى التي رشَفَتها من الشفَّاطتَين شديدة المرارة. فامتعضت وتركت الكأس قائلة:

«يا لبشاعته!»

فسألها قائلًا: «أكان سيئ المذاق …؟» لكنها لم تُجِبه إذ كانت تصبُّ بعض الماء من زجاجة.

ثم أجابته قائلة: «الأسوأ على الإطلاق!»

فقدَّم لها كأسه قائلًا: «هلا تُجربين مشروبي، فضلًا؟» فشربتْ. وأضاف: «ربما كانت المرارة لشيء في الشفَّاطة.» لقد كان يُخبرها بالحقيقة.

«إنه …»

كانت القاعة تلف وتدور، والأرض ترتفع وتهبط كظهر سفينة في بحر عاصف. فنهضتْ، وترنحتْ، وأمسكتْ بذراعه.

فصاح قائلًا: «افتح الباب الصغير، أيها النادل، من فضلك … فقدَت السيدة وعيها.»

توجَّه النادل نحو الباب وفتحه على مصراعيه. بينما كان هناك رجلٌ — يقف أمام الباب مباشرة. كان يرتدي بدلة العَشاء، ومعطفًا طويلًا على الطراز الإسباني. فوقف جيرتر محدقًا، حيث اعتَلَتْ وجهَه ملامحُ حيرة مثيرة، وكان لم يُشعل سيجارته بعد. لم يُحرِّك يديه. كان جونزاليس منتظرًا هناك، يقظًا — الموت يبتسم له — وعندئذٍ خيَّم الظلامُ الحالك على القاعة. حيث أطفأ شخصٌ ما المفتاح الرئيسي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤